Indexed OCR Text

Pages 401-420

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حديث
٢٨/٥٨ - وحدّتني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِله، خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ،
فَقَالَ: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ
لا حِقُونَ،
٢٨/٥٨ - (مالك عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي بضم
الحاء المهملة وفتح الراء بعدها قاف المدني، وثقه أحمد وغيره، وهو كأبيه
تابعي مات بعد سنة ١٣٠ هـ (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني
مولى ابن الحرقة بضم المهملة وفتح الراء وقاف، فخذ من جهينة، قاله
الدارقطني وهو الصحيح، وقال ابن حبان: قبيلة من حمدان كذا في ((الأنساب))
للسمعاني، ثقة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه.
(أن رسول الله وَّ خرج) فيه جواز(١) الخروج إلى المقبرة؛ لأن ظاهر
لفظ خرج يقتضي القصد (إلى المقبرة) بتثليث الباء والكسر أقلها موضع القبور،
والظاهر البقيع (فقال) ليحصل لهم ثواب التحية (السلام عليكم) فيه إشارة إلى
أنهم يعرفون الزائر، ويدركون كلامه وسلامه، قاله القاري، وقيل: يحتمل أنهم
أحيوا له حتى سمعوا كلامه كأهل القليب، وقيل: لتتمثل أمته بعد ذلك له (دار
قوم مؤمنين) بنصب دار على الاختصاص أو النداء، وقيل: يحتمل الجر على
البدلية، والمراد على الكل أهل الدار (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).
اختلفت أقوال المشايخ في هذا الاستثناء لما أن الموت لا شك
فيه: ١- أظهرها أنه للتبرك فقط، ٢ - وقيل: امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ
لِشَأَىْءٍ﴾ الآية. وقد يجيء في المحقق أيضاً كما في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ
اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الآية، ٣ - وقيل: لمجرد تحسين الكلام كما هو عادة العرب،
٤ - وقيل: باعتبار اللحوق في هذا المكان والموت بالمدينة، ٥ - وقيل: إن
(١) انظر: التمهيد (٢٣/٣) و((الاستذكار)) (١٦٠/٢).
٤٠١

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حديث
وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا
٠
((إن)) بمعنى ((إذ))، ٦ - وقيل: راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه من
المؤمنين. ٧ - وقيل: عاد الاستثناء لبعض من معه يُظَنُّ به النفاق، ٨ - وقيل:
راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه وَّر، فإن الأنبياء دعوا التوقي عن
الفتنة، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾(١) وقال
يوسف عليه السلام: ﴿َوَقَّتِ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾ وقال نبينا عليه أفضل
الصلاة: ((اللّهم اقبضني إليك غير مفتون))، وقال عليه السلام: ((وما أدري وإني
رسول الله ما يفعل بي ولا بكم)) ٩ - وقيل: بمنزلة الدعاء للملحق بهم،
والاستثناء يرجع إليهم بأنهم ماتوا على الإسلام، ١٠ - وقيل: إن ((إن)) بمعنى
(كما)) على ما رواه الداودي، فهذه عشرة أقوال للعلماء، رُجِحَّ بعضُها، ورُدَّ
بعضُها، كما رُدَّ الرابع بقوله وَلّر للأنصار: ((المحيا محياكم والممات مماتكم)).
ووُجِّهَ بأنه يحتمل أن يكون هذا قبل ذلك، وكذا خَطّأ النووي(٢) من السادس
إلى الثامن. والتفصيل يناسب المطولات.
(وددت) بكسر الدال أي تمنيت وأحببت. ووجه اتصال وده ذلك برؤية
أصحاب القبور أنه جاء تصور اللاحقين بتصور السابقين. وقيل: كشف له عليه
الصلاة والسلام عالم الأرواح كلها .
(أني قد رأيت) أي في الدنيا على الظاهر بصيغة المتكلم الواحد، وفي
((المشكاة)) عن مسلم: ((أنا قد رأينا)) بصيغة الجمع. فالمراد هو عليه الصلاة
والسلام مع الصحابة، لكي ينتقل الصحابة من علم اليقين إلى عين اليقين
(إخواننا) المسلمين (قالوا) وفي نسخة ((فقالوا)) (يا رسول الله ألسنا) ولفظ
(١) سورة ابراهيم: الآية ٣٥.
(٢) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (١٣٨/٣).
٤٠٢

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حديث
بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ.
وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ
يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلِ خَيْلٌ غُرُّ مُحَجَّلَةٌ،
فِي خَيْلِ دُهْم بُهْم،
((المشكاة)) عن مسلم ((أو لسنا)) بزيادة الواو (بإخوانك؟ قال) رسول الله وَ له:
(بل أنتم أصحابي) لم ينتف الأخوة لهم، بل ذكر لهم مرتبة زائدة، والاتصاف
في محل الثناء يجب أن يكون بأرفع حالاته وأفضل صفاته، وصفة الصحبة من
الصفات التي لا يلحقهم فيها أحدٌ، وتعريف الصحابي مشهور عند المحدثين.
والمعنى: إن لكم مزية الصحبة على الأخوة واللاحقون لهم الأخوة فقط، قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) ولم يلحقوا إلى
الآن.
(وأنا) أكون (فرطهم) بفتح الفاء والراء وبعد الطاء هاء (على الحوض) أي
متقدمهم في المحشر على حوضي، ويجدونني عنده، ولكل نبي حوض، يقال:
فرطت القوم، إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء، وتهيىء لهم الدلاء، فشبه النبي وَّه
نفسه الشريفة بالرائد الذي يسبق على أصحابه ليهيىء لهم ما يحتاجون إليه،
ففيه بشارة لهذه الأمة، هنيئاً لمن كان النبي بَّ فرطه .
(فقالوا) أي: الصحابة - رضي الله عنهم -، ولما حملوا التمني والرؤية
على ما بعد التوفي، أو انتقلوا منه إلى رؤيته عليه السلام في المحشر، فقالوا:
(يا رسول الله كيف تعرف) في المحشر (من يأتي بعدك من أمتك) أي من يولد
بعد وفاتك ولم تره في الدنيا (قال) وَ# (أرأيت) أي أخبرني (لو كان) مثلاً
(لرجل خيل غر) بضم المعجمة وشد الراء، جمع أغر، أي ذو غرة، وهي
بياض في جبهة الفرس (محجلة) بميم فجيم، من التحجيل، وهو بياض في
ثلاثة قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحجل وهو الخلخال، وقيل: القيد.
(في خيل) أي مختلطة فيهم (دهم) بضم الدال وسكون الهاء جمع أدهم
وهو الأسود، (بهم) جمع بهيم قيل: هو الأسود أيضاً تأكيد، وقيل: هو الذي
٤٠٣

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حدیث
أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، غُرَّا مُحَجَّلِينَ، مِنَ الْوُضُوءِ.
لا يخالط لونه لون سواد، سواء كان أسود أو أحمر أو غيرهما، بل يكون لونه
خالصاً زاده مبالغة (ألا يعرف خيله؟) فهمزه للإنكار.
(قالوا: بلى) حرف إيجاب (يا رسول الله) يعرفها (قال) بَّ (فإنهم) أي
المصلين من أمة الإجابة على ما قاله ابن دقيق العيد، وبه جزم الأنصاري في
(شرح البخاري))، وقيل: إنها تكون حتى لمن لم يتوضأ، كما يقال لهم: أهل
القبلة، من صَلَّى ومن لم يُصَلِّ.
وفيه نظر لأن هذا فضيلة وتشريف، فيختص بالمصلين بخلاف كونهم أهل
القبلة (يأتون يوم القيامة) حال كونهم (غراً) أصله اللمعة في جبهة الفرس، ثم
استعمل في الجمال والشهرة وطيب الذكر مطلقاً. والمراد هناك النور التام على
سائر الوجه. وفي حديث عبد الله بن بسر - نقله السيوطي عن ابن عبد البر -
أمتي يوم القيامة غُرٍّ من السجود ومُحَجَّلُوْن من الوضوء، اهـ
والجمع عندي بأن الوجه يَتَنَوَّرُ بالوضوء والجبهة أَشَدُّ تنويراً عن سائر
الوجه لموضع السجود، فَطُوْبَى لمن تنور وجهه في الدنيا والآخرة (محجلين)
أي متنورة الأعضاء (من) أجلية (الوضوء) بالضم أو بالفتح على أنه الماء.
وظاهره أنها تكون لمن توضأ في الدنيا في حياته ولو متيمماً طول العمر
لعذرٍ، لأن التيمم وضوء المسلم كما ورد مصرحاً في رواية النسائي، لا من
وضأه الغاسل بعد الموت ولم يتوضأ أبداً.
قال الدردير (١): لا تندب إطالة الغرة - وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء
على محل الفرض - بل يكره، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد، قال الدسوقي:
ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة، كما حمل عليه قوله عليه السلام: ((من استطاع
منكم أن يطيل غرته فليفعل)) فقد حملوا الإطالة على الدوام، والغرة على الوضوء.
(١) ((الشرح الكبير)) (١٠٣/١).
٤٠٤

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حديث
وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ. فَلاَ يُذَادَنَّ
والحاصل أن إطالة الغرة تطلق على الزيادة على المغسول، وتطلق على
إدامة الوضوء، وبالمعنى الأول مكروه عند مالك، وبالمعنى الثاني مطلوب،
وفي هامش الدسوقي: هذا مبني على أن ((من استطاع)) مرفوع. وإن كان مدرجاً
من أبي هريرة كان مذهباً له. انظر ((عبق))، ففيه إدراجها عن جماعة من
الحفاظ، وشذوذها عن جماعة من الحفاظ. وفي قوله: ((ما هذا الوضوء)) دلالة
على أنه لم يكن معهوداً عندهم ولا صحبه عمل، اهـ مختصراً. وذكر في
مندوبات ((مراقي الفلاح)) مجاوزة حدود الفرائض إطالة الغرة.
ثم الحليمي وغيره استدل بأمثال هذا الحديث على أن الوضوء من
خصائص هذه الأمة. وفيه نظر، لأنه ثبت في البخاري في قصة سارة مع
الملك: ((أنها قامت تتوضأ، وتصلي))، وفي قصة جريج الراهب: ((أنه قام
فتوضأ))، فالظاهر أن التخصيص في فضيلة الغرة والتحجيل(١). وصرح به في
رواية مسلم (٢) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((سيماء(٣) ليست لأحد غيركم، تردون
على الحوض غراً)) ... الحديث. والسيماء بالكسر: العلامة، صرح به الزرقاني
من المالكية وكذا الشامي من الحنفية.
(وأنا فرطهم على الحوض) كرره تأكيداً وليس في رواية مسلم التكرار (فلا
يذادن) بالذال المعجمة الأولى فألف فدال مهملة: أي لا يطردن، كذا في رواية
يحيى وغيره على صيغة النهي، أي لا يفعل أحد فعلاً يذاد به عن حوضي.
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١٧٩/٢): إن وضوء سائر الأمم لا يكسبها غرة ولا
تحجيلاً، وإن هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من ذلك شرفاً لها، ولنبينا
عليه السلام كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره
على سائر الأنبياء، والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة رقم الحديث (٢٤٧) باب استحباب إطالة الغُرَّة إلخ.
(٣) قوله: سيماء: العلامة مقصورة وممدودة، لغتان.
٤٠٥

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حدیث
رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي، كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ! أَلاَ
هَلُمَّ! أَلاَ هَلُمَّ! فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ فَسُحْقاً.
فَسُحْقاً. فَسُحْقاً)).
أخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ١٢ - باب استحباب الغرة والتحجيل
في الوضوء، حديث ٣٩.
ويشهد له حديث سهل بن سعد مرفوعاً: ((إني فرطهم على الحوض، من ورد
شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، فلا يردن عليّ أقوامٌ، أعرفهم ويعرفونني، ثم
يحال بيني وبينهم)). ورواه الأكثرون بلفظ ((فَلْيُذادَنَّ) بلام التأكيد على الإخبار،
وفي رواية عند مسلم ((ألا لَيُذَادَنَّ)) (رجل) بالإفراد في رواية يحيى على
الجنس، وبالجمع عند غيره من جميع الرواة. قلت: وفي بعض النسخ من
رواية يحيى أيضاً ((رجال)).
(عن حوضي كما يذاد البعير) يطلق على الذكر والأنثى من الإبل
كالإنسان. والجمل يختص بالذكر (الضال) الذي لا رب له فيسقيه (فأناديهم:
ألا هلم) بفتح الميم المشددة، فيه لغتان: أفصحهما يستوي فيه التذكير والتأنيث
والجمع والإفراد في لغة الحجاز، وبهذا جاء في القرآن أي تعالوا (ألا هلم،
ألا هلم) ذكره ثلاثاً للتأكيد، وبيان الملاطفة (فيقال: إنهم قد بَدَّلُوا) بتشديد
الدال أي غيروا (بعدك) سنتك، وفي رواية: ((ما تدري ما أحدثوا بعدك))
(فأقول؛ فسحقاً) بضم الحاء المهملة وسكونها لغتان أي بعداً (فسحقاً فسحقاً)(١)
ثلاث مرات، ونصبه بتقدير ألزمهم الله أو سحقهم سحقاً.
(١) قال ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله فهو من المطرودين عن
الحوض وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء
وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء لا
يخاف عليهم أن يكونوا ممَّن عنوا بهذا الخبر، ((فتح الملهم)) (٤١٤/١). وانظر:
((الاستذكار)) (١٨٤/٢)، و((تنوير الحوالك)) (ص٥١).
٤٠٦

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٨) حديث
وأشكل على الحديث بوجهين: الأول: أنه يستشكل بقوله وقل له: ((تعرض
عليّ أعمالكم، فما كان من حسنٍ حمدت الله وما كان من سيىءٍ استغفرت الله
لكم)) أخرجه البزار بإسناد جيد، وأصرح منه رواية سعيد بن المسيب بلفظ
((ليس من يوم إلا وتعرض على النبي ◌َ لّ أعمال أمته غدوةً وعشياً فيعرفهم
بسيماهم وأعمالهم)) فلا يصح حينئذ ما أجيب عن رواية البزار بأنه يحتمل أن
تعرض الأعمال عليه ﴿ إجمالاً، لأنه على ما في هذا الجواب من البعد يردُّه
رواية سعيد بن المسيب، وأجيب أيضاً بأن مناداتهم لزيادة الحسرة والنكال
عليهم، وأورد عليه قوله عليه السلام: ((فأقول: يا رب إنهم من أمتي)) قلت:
والظاهر عندي أن العرض لو صح لا يلزم منه أنه عليه الصلاة والسلام يحفظهم
في كل وقت سيما وقت الحشر.
والثاني: أنهم لو كانوا مسلمين فلِمَ طردهم النبيِ وَلّه، وقال: سحقاً
سحقاً، ولو لم يكونوا مسلمين، فأين الغُرَّةُ والتحجيل الذي عرفهم النبي (وَّ
به؟ أجيب بأنه يحتمل أن المنافقين والمرتدين وكل من توضأ يُخْشر بالغرة
والتحجيل، فلأجلها دعاهم النبي ◌ّ، قاله الباجي، وقال عياض: هو الأظهر
لما ورد أن المنافقين يعطون نوراً ويطفأ عند الحاجة عند الصراط، فلا يبعد
أنهم يعطون هناك أيضاً، فيذادونّ عند الورود على الحوض نكالاً ومكراً بهم.
وقيل: يحتمل أنه لمن عرفه وَلّر في حياته ثم ارتدَّ، أو كان منافقاً
فناداه ◌َّ لإظهاره الإسلام. وقيل: إنهم المبتدعة الذين لم يخرجوا من الإسلام
كالروافض والخوارج، فيدفعوا عنه، ثم يشفع فيهم النبي بَّر بعدما يدخلون في
جهنم .
قال الشراح(١): ومن اللطائف أن ((الموطأ)) لم يذكر فيه حديث فيه ذكر
(١) انظر: (تنوير الحوالك)) (٥١/١).
٤٠٧

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٩) حدیث
٢٩/٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ جَلَسَ
عَلَى الْمَقَاعِدِ. فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَاذَنَهُ بِصَلاَةِ الْعَصْرِ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ .
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لأَحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً، لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ
أحد من الصحابة - يعني بالسوء - إلا هذا الحديث وروى من سمع مالكاً أنه
ذكر هذا الحديث، ووَدَّ أنه لم يخرجه في ((الموطأ)).
٢٩/٥٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
حمران)(١) بضم الحاء المهملة ابن أبان (مولى) أمير المؤمنين (عثمان بن عفان)
رضي الله عنه، سبي بعين التمر زمن أبي بكر الصديق، فابتاعه عثمان - رضي الله
عنه - وكان كثير الحديث. مختلف في توثيقه، مات سنة ٧٥هـ، وقيل غير ذلك
(أن) ثالث الخلفاء (عثمان بن عفان) رضي الله عنه .
(جلس على المقاعد) قيل: هي حجارة بقرب دار عثمان، يقعد عليها مع
الناس، وقال الداودي: هي الدرج، وقيل: دکاکین حول داره، وروي هذا عن
مالك. وقال عياض: لفظه يقتضي أنه جرت العادة بالقعود فيها، وقال الباجي:
موضع عند باب المسجد بالمدينة. قلت: ودار عثمان أيضاً قريب بباب جبريل
- عليه السلام - بالمدينة .
-----
(فجاءه المؤذن، فآذنه) أي أعلم عثمان (بصلاة العصر) قال الباجي: كان
المؤذن يعلمه باجتماع الناس بعد الأذان لشغله بأمور الناس، وقلت: فيه جواز
التثويب لمثل القاضي وغيره (فدعا) عثمان - رضي الله عنه - (بماء) للوضوء (فتوضأ
ثم قال: والله لأحدثنكم) أكد بالقسم واللام لزيادة تحريضهم على حفظه (حديثاً لولا
أنه) كذا روى يحيى وغيره بالنون والضمير، أي لولا أن معناه (في كتاب الله)
(١) انظر ترجمته في: ((التمهيد)) (٢١١/٢٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٤/٣)، و((سير أعلام
النبلاء)) (١٨٢/٤).
٤٠٨

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٩) حديث
مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((مَا مِن
أمْرِىءٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلاَةَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الْأَخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا)).
موجود كما سيأتي في آخر الحديث (ما حدثتكموه) أي هذا الحديث أبداً لئلا
تتكلوا، ولكن لما كان معناه في كتاب الله موجوداً - كما سيأتي - فلا فائدة في
ترك الرواية. وروى أبو مصعب وغيره بلفظ (لولا آية)) بالياء والمد وهاء
التأنيث، أي لولا آية في كتاب الله تتضمن معناه ما حدثتكموه، قاله الباجي(١)،
وقال الحافظ(٢): إن النون تصحيف من بعض الرواة، قلت: هذا إذا أريد بالآية
غير الآية الأولى كما سيأتي.
(ثم) بعد هذا التمهيد (قال) عثمان - رضي الله عنه -: (سمعت
رسول الله (4* يقول: ما من أمرىء) لفظ ((من)) زائدة لتأكيد النص على العموم
(بتوضأ فيحسن وضوءه) بإتيان السنن والآداب بكمالها، والفاء بمعنى (ثم)) لأن
إحسان الوضوء ليس بمتأخر عنه حتى يعطف بالفاء بل لبيان المرتبة (ثم يصلي
الصلاة) المكتوبة مع الخشوع كما في رواية مسلم (إلا غفر له) ببناء المجهول
(ما بينه) أي بين صلاته بالوضوء (وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها) أي
الأخرى، والمراد الشروع في الأخرى والفراغ منها، والمؤدى واحد؛ وهو أن
الغفران لا يقتصر إلى مجيء الوقت، بل إلى أداء الصلاة الأخرى.
وظاهر الحديث يعم الكبائر والصغائر لكن العلماء خصصوها بالصغائر
لما وقع في الروايات بقيد ((ما لم يأت كبيرة)) ولما عليه العامة من أن الكبائر لا
تغفر إلا بالتوبة، اللَّهم إلا أن يقال: إنه دخل في كمال الوضوء الإتيان بالأدعية
فيه، وفيها الاستغفار، وأيضاً حقيقة التوبة الندم، وقد دخل في الخشوع، فيعم
(١) ((المنتقى)) (٧١/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ٣٢٨).
٤٠٩

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٩) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: أُرَاهُ يُرِيدُ هُذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ
اُلْتَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السِّّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّكِرِينَ﴾(١).
أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٢٤ - باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً.
ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٤ - باب فضل الوضوء والصلاة عقبه،
حديث ٦ (٢٠٥/١ - ٢٠٦).
الكبائر والصغائر بهذا الطريق، كذا أفاده شيخي ووالدي - نور الله مرقده - وقد
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ثم قال
ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٢): وهذا التكفير إنما هو للذنوب المتعلقة
بحقوق الله سبحانه، وأما المتعلقة بحقوق الآدميين فإنما يقع النظر فيها
بالمقاصَّةِ مع الحسنات والسيئات، كما بينا في الأصول.
(قال يحيى) الراوي (قال) الإمام (مالك أراه) أي أظن عثمان - رضي الله
عنه - (يريد) بقوله: ((لولا أنه في كتاب الله)) (هذه الآية) التي في سورة هود
وهي (﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾) الغداة والعشي أي الصبح والظهر والعصر
(﴿وَزُلَفًا﴾) جمع زلفة أى طائفة (﴿مِّنَ الَّيْلِّ﴾) المغرب والعشاء (﴿إِنَّ
اٌلْحَسَنَتِ﴾) كالصلوات الخمس (﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾) والذنوب، كالتقبيل واللمس
كما يدل عليه نزول الآية (﴿ذَلِكَ ذِكْرَى﴾) أي عظة (﴿لِلذَّاكِينَ﴾) أي المتعظين،
نزلت فيمن قَبَّلَ أجنبيةً، كما رواه الشيخان.
قال الباجي(٣): وعلى هذا التفسير تصح الروايتان بلفظ الياء والنون كما
تقدم، لكن في الصحيحين عن عروة أن المراد بالآية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ في سورة البقرة، وهو راوي الحديث، ورواه بالجزم
فهو أولى بالقبول، ولذا رجحه الحافظ والنووي وجماعة، بخلاف الإمام مالك
(١) سورة هود: الآية ١١٤.
(٢) (١٠/١).
(٣) ((المنتقى)) (٧١/١).
٤١٠

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٠) حديث
٦٠/ ٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ الصُّنَابِحِيِّ؛
فإنه ذكره بالظن، والجزم أولى فيكون المعنى على تفسير عروة: لولا آية تمنع
من كتمان العلم ما حدثتكم به، وعلى هذا لا تصح رواية النون.
٣٠/٦٠ - (مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله
الصنابحي) - بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة فحاء مهملة - نسبة
إلى صنابح بطن من مراد. ثم هذا الاسم كذا لأكثر رواة ((الموطأ))، بدون لفظ
الكنية، وكذا في رواية ((النسائي)) و((المشكاة) وغيرهما، وهو مختلف في
صحبته، بل في وجوده، فقيل: هو صحابي، وقيل: وهمٍّ من الرواة،
والصواب: ((أبو عبد الله)) كنية لعبد الرحمن بن عُسَيْلة التابعي؛ نقل الترمذي
عن البخاري: أن مالكاً وهم في عبد الله، وإنما هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن
عسيلة، لم يسمع من النبي چ.
قال ابن عبد البر: سئل ابن معين عن روايات الصنابحي فقال: مرسلة،
ليست له صحبة، وليس هو عبد الله، وإنما هو أبو عبد الله، اسمه عبد الرحمن،
قاله السيوطي(١). وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يروى عنهم
في العدد ستة، وإنما هي اثنان فقط: الصنابحي الأحمسي، وهو الصنابح بن
الأعسر الأحمسي هذان واحد، ومن قال فيه: الصنابحي فقد وهم، وهو الذي
يروي عنه الكوفيون. والثاني: عبد الرحمن بن عسيلة، كنيته أبو عبد الله، لم
يدرك النبي ◌ّ﴾ بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمن قال فيه: عن
عبد الرحمن الصنابحي فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله
الصنابحي أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرحمن فقد
أخطأ، قلب اسمه بكنيته، ومن قال: عبد الله الصنابحي فقد أخطأ، جعل
(١) (تنوير الحوالك)) (ص٥٢).
٤١١

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٠) حديث
الكنية اسماً، هذا قول علي بن المديني ومن تابعه. قال يعقوب: هو الصواب
عندي، اهـ.
فعلم بهذا أن عبد الله وهم عند الإمام البخاري، ويعقوب بن شيبة
وعلي بن المديني ومن تبعه ولا وجود له عندهم، بل هو أبو عبد الله عبد
الرحمن بن عسيلة، والرواية مرسلة، لكن قال ابن السكن: يقال: له صحبة،
مدني، وأبو عبد الله الصنابحي أيضاً مشهور ليس له صحبة. وقال ابن معين:
عبد الله الصنابحي الذي روى عنه المدنيون يشبه أن يكون له صحبة، وأما أبو
عبد الله الصنابحي المشهور فليس له صحبة، وكذا بسط الحافظ ابن حجر
الكلام في ((تهذيبه))(١) و((الإصابة)) (٢) على ردّ من قال بوهم مالك فيه، وأثبت
لعبد الله ثلاث روايات مختلفة الأسانيد والمتون، وفي بعضها تصريح السماع
عن النبي ◌َّ، وصحح الحاكم حديث الباب على شرطهما، وقال الذهبي:
قوله: صحابي مشهور، قلت: لا، انتهى.
وحكى المنذري كلام الحاكم في ((ترغيبه))(٣) وأقره عليه، فالراجح عندي
إلى الآن كونه صحابياً، لأنه ليس عند من أنكره دليل عليه مع رواية الثقات
عنه، فعبد الله الصنابحي صحابي، له روايات متصلة، وأبو عبد الله عبد
الرحمن بن عسيلة تابعي يأتي بيانه في محله، وأول حديث له في ((الموطأ))
يجيء في القراءة في الصلاة، وعبد الله الصنابحي هذا، له ثلاثة أحاديث:
الأول: هو ذاك، والثاني: حديث الصلاة في أوقات النهي، وسيأتي في
(الموطأ)) أيضاً، وفيه التصريح بسماعه عن النبي ◌ّر، والثالث: حديث الوتر،
أخرجه أبو داود وغيره، قال الذهبي في ((التجريد)): عبد الله الصنابحي روى
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٩٠/٦ - ٩١).
(٢) (٩٨/٥) رقم الترجمة (٦٣٦٩).
(٣) (١٥٤/١).
٤١٢

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٠) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، فَتَمَضْمَضَ،
خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ.
عنه عطاء بن يسار كذا سماه، فلعله غير عبد الرحمن، خَرَّج له أبو يعلى هذا،
(ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)).
(أن رسول الله الجر قال: إذا توضأ) أي شرع في الوضوء (العبد المؤمن
فمضمض) وفي نسخة بزيادة التاء (خرجت الخطايا من فيه) أي فمه.
قال الباجي(١): يحتمل أن يكون معنى ذلك: أن فيما يفعله من المضمضة
كفارة لما يختص الفم من الخطايا، فعَبَّر عن ذلك بخروجها منه، ويحتمل أن
يكون معنى ذلك: أن يعفو تعالى عن عقاب ذلك العضو بالذنوب التي اكتسبها
الإنسان وإن لم يختص بذلك العضو، انتهى، ووقع غلط من الكاتب فيما نقله
الزرقاني عن الباجي فليحرر.
وقال ابن العربي: أما خطايا العين فهو النظر إلى ما لا يحل قصداً إليه،
وخطايا اليد اللمس لما لا يجوز، وخطايا الرجل المشي فيما لا ينبغي،
وخطايا الفم المراودة على الفاحشة، والمواعدة في المعصية، وخطايا الأنف
شمُّ ما لا يحل، كطيب مغصوب أو على امرأة أجنبية، فإن شمَّ الطيب
المغصوب صغيرة، وإتلافها بالاستعمال كبيرة.
وقال عياض: خروج الخطايا استعارة لحصول المغفرة عند ذلك، لأن
الخطايا في الحقيقة ليست بأجسام فتخرج(٢)، وإنما هو تمثيل شبه الخطايا
الحاصلة باكتساب أعضائه بأجسام رديئة امتلأ بها وعاء يراد تنظيفه.
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٣): يعني غفرت الخطايا؛ لأنها
(١) ((المنتقى)) (٧١/١).
(٢) قال المازري: إن الخطايا تغفر عند ذلك لا أن الخطايا في الحقيقة شيء يحل في الماء،
وإنما ذلك على وجه الاستعارة الجارية في لسان العرب («المعلم بفوائد مسلم)) (٣٥١/١).
(٣) (١٠/١).
٤١٣

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٠) حديث
وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ. فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ
الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ .
أفعال وأعراض لا تبقى، فكيف توصف بدخول أو خروج؟ ولكن الباري لما
أوقف المغفرة على الطهارة الكاملة في العضو ضرب لذلك مثلاً الخروج، اهـ.
(فإذا استنثر) بوزن استفعل، أي أخرج ماء الاستنشاق، قيل: خص
الاستنثار لأن القصد خروج الخطايا وهو يناسب الاستنثار، مع ما فيه من زيادة
المبالغة في التنظيف، وهو المقصود، وقيل: عبر به تنبيهاً على زيادة المبالغة
في التنظيف؛ لأنه الغاية المطلوبة من الاستنشاق (خرجت الخطايا من أنفه)
كشمِّ ما لا يجوز (فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه).
قال ابن العربي: يقتضي طهارة الوجه، وكذلك كل عضو يطهر بغسله
فيمسّ به المصحف إذا غسل يديه بهما أو يمسّه بوجهه إذا غسله، لعلمائنا في
ذلك اختلاف بيناه في الفقه، اهـ.
قلت: وهذا مبنيٌّ على تجزئ الحدث وعدمه، والمعتمد عندنا الحنفية
عدم الجواز. قال في ((الدر المختار)): اختلفوا في مسِّه بغير أعضاء الطهارة،
وبما غسل منها، وفي القراءة بعد المضمضة، والمنع أصح، قال ابن عابدين :.
كذا في ((شرح الزاهدي)) وظاهره أن المقابل صحيح يجوز الإفتاء به، لكن في
((السراج)): الصحيح أنه لا يجوز، فليس ((أفعل)) على بابه، اهـ. وقال في
موضع آخر: قال الشيخ قاسم: الحدث بمعنى المانعة الشرعية عما لا يحلُّ
بدون الطهارة لا يتجزأ بلا خلاف عند أبي حنيفة وصاحبيه، اهـ.
-.
والعجب من الشيخ ابن العربي ذكر هنا الاختلاف فيه، ولم يقض بشيء،
وقال في ((باب الوضوء بعد الغسل)): إن الحدث لا يرتفع عن الوجه بحالٍ حتى
يغسل الرجلين، بدليل إجماع الأمة على أن الرجُل لو غسل وجهه ويديه في
الوضوء لم يجز له أن يمسَّ به المصحف، لا عندنا ولا عندهم، وإنما غسل
الوجه موقوف مراعىّ فإن كمل ثبت له الحكم، وإن لم يكمل بطل كركعة.
٤١٤

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٠) حديث
حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ. فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا
مِنْ يَدَيْهِ. حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ. فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ
خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ.
(حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) جمع شفر، أي أهدابهما، وقال ابن
قتيبة: العامة تجعل أشفار العين الشعر، وهو غلط، وإنما الأشفار حروف العين
التي ينبت عليها الشعر. قال الباجي(١): جعل العينين مخرجاً لخطايا الوجه دون
الفم والأنف، لأنهما يختصان بطهارة مشروعة في الوضوء دون العينين، وقال ابن
العربي: هذا لمعنيين: أحدهما: هذا، والثاني: أن الفم والأنف قد يكون منه كبيرة
كالكذب وشمّ الطيب حتى يُمْنِي، والعين لا يكون منها كبيرة، اهـ.
قلت: إذا جعل شم الطيب حتى يُمْني كبيرة فالنظر حتى يمني مثله.
(فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه)
جمع ظفر - بضمتين - على أفصح لغاته، وبها قرىء في السبعة، ويجيء أيضاً
بإسكان الفاء وكسر الظاء كحمل، وبكسرتين. قال ابن العربي (٢): لا تطهر
اليمنى حتى يغسل اليسرى؛ لأنهما في حكم العضو الواحد، وهو ظاهر قوله:
((غسل يديه)) ولأجل هذا اتفق العلماء على سقوط الترتيب بينهما.
(فإذا مسح برأسه) أي مستوعباً لتكميل السنة أو الفرض على اختلاف
الأئمة (خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه) تثنية أذن - بضمتين -
وقد تسكن الذال، قال الباجي: فيه دليل على أن الأذنين من الرأس؛ لأنهما
جعلهما مخرجاً لخطاياه، كما جعل العينين مخرجاً لخطايا الوجه، والأظفار
مخرجاً لخطايا اليدين إلا أنهما ينفردان لأخذ الماء لهما - إلى آخر ما قاله في
تأويل الحديث إلى مذهبه - وإلا فأنت خبير بأن الحديث بمنزلة النص على ما
(١) (المنتقى)) (٧١/١).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١١/١).
٤١٥

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٠) حديث
فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ. حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ
أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ)). قَالَ: ((ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ(١) إِلَى الْمَسْجِدِ، وَصَلاَتُهُ نَافِلَةً
لهُ)».
أخرجه النسائي في: ١ - كتاب الطهارة، ٨٥ - باب مسح الأذنين مع الرأس.
وابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ٦ - باب ثواب الطهور.
قاله الحنفية من أن الأذنين تلحقان بالرأس، وفي حكمه، ولا يؤخذ لهما ماء
جديد، ولذا تخرج الخطايا المتعلقة بهما من مسح الرأس، وأصرح منه حديث
الطبراني عن أبي أمامة ((وإذا مسح برأسه كَفَّرَ به ما سمعت أذناه))، اهــ لأنها
ملحق بالرأس كالعينين بالوجه؛ ولذا لا يحتاج لهما لماء جديد. وسيأتي
مذاهب العلماء فيه في بابه.
(فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار
رجليه) ولما كان الغسل أصلاً والمسح على الخفين نائبه ذكر الأصل، ففي
حكمه نائبه. (قال) وَلّر: (ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته) نافلة كانت أو
فريضة (نافلة له) أي زيادة له في الأجر على خروج الخطايا، ومن المعلوم ما
في المشي إلى المسجد وفي الصلاة من الثواب الجزيل.
ثم ظاهر هذا الحديث تكفير الذنوب بمجرد الوضوء، وظاهر الحديث
المتقدم التكفير بالوضوء مع الصلاة، فقيل: كل منهما مُكَفِّرٌ، أو الوضوء
المجرد مُكَفِّرٌ لذنوب أعضاء الوضوء، ومع الصلاة مكفر لجميع الأعضاء، أو
الوضوء مُكَفِّرٌ للذنوب الظاهرة، ومع الصلاة للذنوب الباطنة أيضاً، قاله
القاري(٢). وقيل: إن الوضوء يُكَفِّرُ ما مضى، والصلاة مستقبل ذنوبه، ولذا قال
في حديث عثمان ((إلى الصلوة الأخرى)) قاله الباجي. وقيل غير ذلك.
(١) في نسخة: مشيته، ((ش)).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٦/١).
٤١٦
-- -

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦١) حديث
٣١/٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ فِ﴿ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ
الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ
إِلَيْهَا
٣١/٦١ - (مالك عن سهيل)(١) بالسين المهملة مصغراً (ابن أبي صالح)
ذكوان المدني يكنى أبا يزيد، أحد الأئمة المشهورين المكثرين، تغير حفظه
بأَخَرَةٍ .
قال البخاري: كان له أخ فمات فوجد عليه فساء حفظه، قيل: أخذ
الإمام مالك عنه قبل التغير له في ((الموطأ)) عشرة أحاديث مرفوعة. مات في
خلافة المنصور.
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان(٢)، السمان الزيات، كان يبيع السمن
والزيت، ويختلف بهما من العراق إلى الحجاز فلقب بهما، والتلقيب بالأول
أشهر، المدني ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٠١ هـ.
(عن أبي هريرة أن رسول الله وَل﴾ قال: إذا نوصاً) أي أراد وشرع في
الوضوء (العبد) قال الزرقاني(٣): فيه إيماء إلى أنه عبادة (المسلم أو المؤمن)
شكٌّ من الراوي، قيل: ويحتمل التنبيه منه وَّر على ترادفهما شرعاً واعتباراً،
والأول وجيه، والمؤمنة في حكم المؤمن، وفي القيد تنبيه على أنه مع الكفر لا
ينفع شيء.
الغسل وجهه) عطف تفسير على توضأ، أو مرتب على الشرط أي أراد
الوضوء فغسل (خرجت من وجهه) جواب إذا (كل خطيئة) وإثم (نظر إليها) أي
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٣/٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٣٧/١).
(٢) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٢١٩/٣)، و((طبقات ابن سعد)) (٢٢٢/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٦٩/١).
٤١٧

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦١) حديث
بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِر قَطْرِ الْمَاءِ). فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَتْ
مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِر قَطْرِ الْمَاءِ).
أَوْ نَحْو هَذا فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيِهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا
الخطيئة، يعني إلى سببها إطلاقاً لاسم المسبب على السبب مبالغة (بعينه)
بالإفراد على الجنس. ويروى بالتثنية، زاده تأكيداً مبالغة وإلا فالنظر لا يكون
إلا بالعين. فإن قيل: الوجه يتناول الفم والأنف، فلم اختص بالعين؟ يُجاب
بأن الخروج منهما بالمضمضة والاستنشاق، ولم يكن للعين شيء يخرج به
فذكره، وقيل: إن العين طليعة القلب، ورائده، فإذا ذكرت أغنت عن سائرها،
وقيل: لأن جناية العين أكثر، فإذا خرج الأكثر خرج الأقل، فهو كالغاية لما
غفر، والأول أوجه، فإن الرواية مختصرة جداً كما سترى، فترك فيها ذكر
المضمضة والاستنشاق أيضاً.
(مع الماء أو مع آخر قطر الماء) شَكٌّ من الراوي، وقيل: لأحد الأمرين
نظراً إلى البداية والنهاية. زاد في النسخ الهندية بعد ذلك ((ونحو هذا)) وهذا
شَكٌّ من الراوي بلا مرية (فإذا غسل يديه) بالتثنية (خرجت من يديه كل خطيئة
بطشَتها) أي عملتها، والبطش الأخذ بعنف (يداه) كَلَمْسِ الأجنبية، ويدخل فيه
كتابة إثم (مع الماء أو مع آخر قطر الماء).
ثم اعلم أن هذا الحديث لا يوجد فيه إلا ذكر الوجه واليدين على النسخ
الموجودة عندي، وزاد الزرقاني(١) - برواية ابن وهيب، وكذا ما أخرجه
الخطيب في ((المشكاة)) (٢) عن مسلم - ذكر الرِجْلين أيضاً، فقالا: (فإذا غسل
رجليه، أو مسحهما خرجت كل خطيئة مشتها) والضمير إلى الخطيئة، والنصب
بنزع الخافض، أي مشت إليها أو فيها، ويكون المرجع مصدراً أي مشت
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٦٩/١).
(٢) ((مشكاة المصابيح مع مرقاة المفاتيح)) (٣٢٣/١).
٤١٨

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٢) حديث
رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ). حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ
الذّنُوبِ)).
أخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ١١ - باب خروج الخطايا مع ماء
الوضوء، حديث ٣٢.
٣٢/٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْن
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ،
وَحَانَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءاً فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَأَتِيَ
رَسُولُ اللَّهِ بَلَهَ بِوَضُوءٍ فِي إِنَاءِ.
المشية (رجلاه) زاده تأكيداً، وكذا لفظ ((يداه وعينيه)) مبالغة في الإضافة (مع
الماء أو مع آخر قطر الماء) إلى هنا انتهت الزيادة التي زادها الزرقاني
والخطيب، وليس فيهما ذكر المسح، وقال السيوطي: في رواية ابن وهب ذكر
الرأس أيضاً، وكذا قاله الباجي(١) (حتى يخرج نقياً) بالنون والقاف أي نظيفاً
(من الذنوب) وتقدم أنه يختص بالصغائر عند الجمهور.
٣٢/٦٢ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك)
قال القاري في ((شرح الشفاء)): هو عمه لأمه (أنه) أي أنس (قال: رأيت
رسول الله وَجه) والحال أنه قد (حانت) بالحاء المهملة أي قربت (صلاة العصر)
زاد في رواية الصحيحين من طريق قتادة عن أنس ((وهو بالزوراء)) بفتح الزاء
وسكون الواو ثم راء، موضعٌ بسوق المدينة، وقيل: قرب المدينة، وقيل:
بالمدينة قرب المسجد، قاله القاري (٢) (فالتمس) أي طلب (الناس وضوء)
بالفتح ما يتوضؤون به (فلم يجدوه) أي لم يصيبوا الماء (فأتي) بضم الهمزة بناء
للمفعول (رسول الله ﴾ بوضوء) بالفتح (في إناء) صغير، وفي رواية: قال لي
(١) ((المنتقى)) (٧٢/١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٧/١١).
٤١٩

٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٦٢) حديث
فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ. ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّؤُونَ
مِنْهُ. قَالَ أَنَسُِّ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ.
رسول الله ◌َّ﴾: انطلق إلى بيت أم سلمة، فأتيته بقدح ماء إما ثلثه وإما نصفه،
الحدیث .
(فوضع رسول الله ◌َّر في ذلك الإناء يده) اليمنى بعد ضم الأصابع. وفيه
حجة من قال: إن الأمر بغسل اليد قبل إدخالهما الإناء أمر استحباب لا
وجوب، كما بسط في محله (ثم أمر الناس يتوضؤون) وفي رواية: أن يتوضؤوا
(منه)، أي من ذلك الإناء، والظاهر أنه عليه السلام علمه بالوحي، أو دعا به
وتيقن بقبوله.
(قال أنس: فرأيت الماء ينبع) بفتح التحتانية أول الحروف فنون ساكنة
فموحدة مضمومة ويجوز كسرها وفتحها، أي يخرج، وفي ((القاموس)): نبع ينبع
مثلثة، خرج من العين، اهـ. وفي رواية يفور (من تحت) وفي رواية ((من بين))
(أصابعه) .
قال النووي(١): في كيفية النبع قولان: أحدهما: أن الماء يخرج من نفس
أصابعه وينبع من ذاتها، وهو قول المزني وأكثر العلماء، والثاني: أنه تعالى
أكثر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، قاله القاري في ((شرح
الشفاء)). قال العلماء: إِن نبع الماء من بين الأصابع أبلغ معجزة من نبعه من
الحجر، كما وقع لموسى عليه السلام؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهودة
بخلاف الأصابع، فللَّه درُّ من قال بالفارسية: آنچه خوبان همه دارند
توتنها داري ...
(١) ((شرح النووي على مسلم)) (٣٨/١٥)، وانظر ((الاستذكار)) (٢٠٣/٢)، و((مرقاة المفاتيح))
(١١/ ١٩٧).
٤٢٠