Indexed OCR Text

Pages 321-340

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٥) حديث
----- -
بِلاَلاً، فَأَقَامَ
فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ، وَاقْتَادُوا شَيْئاً. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
الصَّلاَةَ ،
الشمس، ومرة عند طلوعها، ولذا ترى العلامة العيني رَدَّ ههنا التأخير لكراهة
الوقت، كما تقدم في كلامه لأن الحديث الذي شرحه كان لفظه: وكان أول من
استيقظ رسول الله وَثير والشمس في ظهره، الحديث.
وقال في موضع آخر: وفي الحديث أقوى دليل لنا عدم جواز الصلاة عند
طلوع الشمس؛ لأنه وَ﴾ ترك الصلاة حتى ابياضَّت الشمس، ولورود النهي فيه
أيضاً، اهـ. وذلك لأن لفظ هذا الحديث ((فاستيقظ النبي ◌َّر وقد طلع حاجب
الشمس)) الحديث، وفي آخره ((فلما ارتفعت الشمس وابياضَّت قام فصلى)).
فردُّ العلامة الزرقاني لو يتعلق بحديث دون حديث فمسلَّمٌ، ولو أراد ردَّ
هذا الوجه مطلقاً فدونه قلل الجبال ودونهن حتوف.
(فبعثوا رواحلهم) أي أثاروها لتقوم، والرواحل جمع راحلة (واقتادوا)
بصيغة الماضي أي جروها (شيئاً؛ قليلاً حتى خرجوا من الوادي في قصة،
وخرجوا من الوقت المكروه أيضاً في قصة أخرى.
(ثم أمر رسول الله ◌َلل بلالاً فأقام الصلاة) ولأحمد وأبي داود من حديث
ذي مُخْبِر ((فأمر بلالاً فأذن، ثم قام بَّر فصلى الركعتين قبل الصبح، وهو غير
عجل، ثم أمره، فأقام الصلاة)) الحديث، وبوّب البخاري على حديث أبي قتادة
((باب الأذان بعد ذهاب الوقت)) وأخرج أبو داود بطريق معمر عن الزهري ((فأمر
بلالاً فأذَّن وأقام)) وقال في آخره: لم يذكر الأذان في حديث الزهري إلا فلان.
فالظاهر أن في رواية ((الموطأ)) اختصاراً من الزهري أو ممن فوقه إلا أن
رواية ابن بكير عن مالك بإثبات الأذان يدل على أنه وقع الاختصار من تحته،
وهذا كله عندنا الحنفية إذ قالوا: يُؤَذِّن للفائتة ويقيم لها، وبه قال أحمد بن
حنبل وأبو ثور، وقال مالك والشافعي: من فاتته صلاة أو صلوات لا يُؤَذِّنُ
لشيء منها، ويقيم لكل صلاة لرواية الباب، والقياس يؤيدهم لأن الأذان
٣٢١

--
١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٥) حدیث
فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ الصُّبْحَ. ثَمَّ قَالَ، حِينَ قَضَى الصَّلاَةَ:
((مَنْ نَسِيَ الصَّلاَةَ، فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَها،
الإِعلام الناس بالوقت، وههنا ليس بإعلام، بل تخليط عليهم، وقال سفيان: لا
يؤذن ولا يقام. مختصر من الباجي(١) لكن تركنا القياس للأثر.
(فصلى بهم رسول الله ( 18) قضاءً صلاة (الصبح ثم قال حين قضى
الصلاة) وفرغ منها: (من نسي الصلاة) زاد في رواية القعنبي ((أو نام عنها)) وبه
يطابق الترجمة، قاله الزرقاني، أو يقال: إن المراد الغفلة عنها سواء كان بنوم
أو نسيان فاكتفى بالنسيان عن النوم، لأنه مثله بجامع الغفلة (فليصلها إذا ذكرها)
قال النووي: شَذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر،
وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصية هذا القضاء، وهذا خطأ من
قائله، انتھی.
وقال الشوكاني(٢): ذهب داود وابن حزم إلى أن العامد لا يقضي الصلاة
لهذا الحديث، ثم نقل عن ابن تيمية أنه اختار ما ذكره، ثم بسط الكلام فيه،
ورده الشيخ - نوّر الله مرقده - في ((البذل))(٣) لو شئت فارجع إليه.
قال العيني: فإن قلت: هذا يقتضي أن يلزم القضاء في الحال إذا ذكر مع
أن القضاء من جملة الواجبات الموسعة اتفاقاً.
قلت: أُجيب عنه بأنه لو تذكرها ودام التذكر مدة، وصلى في أثنائه صدق
أنه صلى حين التذكر، وليس بلازم أن يكون في أول التذكر، وجواب آخر أن
((إذا)) للشرط كأنه قال: فَلْيُصَلِّ إذا ذكر، يعني لو لم يذكره لا يلزم عليه
القضاء، انتهى.
(١) (٢٨/١).
(٢) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢٨٦/٢ - ٢٨٧).
(٣) (٢٤٩/٣).
٣٢٢

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٦) حديث
فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَقُولُ فِي كِتَابِهِ - أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي ـ)).
٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ
وحاصل ما قاله ابن رسلان أن الظرف يقدر متسعاً، وإلا يلزم الإِتيان
بجميع الصلاة في وقت التذكر، وهي اللحظة اليسيرة وهو بديهي الفساد،
(فإن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾) كذا في نسخ ((الموطأ))(١)،
والصواب في رواية الزهري (للذكرى)) بالألف واللام وفتح الراء بعدها ألف
مقصورة، وكان الزهري كذلك يقرؤها .
قال الزرقاني: فعلم أن في الحديث تغييراً من الراوي، وإنما هو
للذكرى، فبان أن استدلاله لل بهذه القراءة، فإن معناها للتذكر أي لوقت
التذكر، قال عياض: وذلك هو المناسب بسياق الحديث، وعرف أن التغيير من
دون مالك لا من مالك ولا ممن فوقه؛ قال في ((الصحاح)): الذكرى نقيض
النسيان، انتهى.
قلت: والقراءة المشهورة ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ واختلف في تفسير
الآية على أقوال كثيرة ذكرها أهل التفسير وشيء منها في ((البذل)) وتوجيه
الاستدلال على النسخ المشهورة بأن يقال: إن اللام بمعنى الظرف أي إذا
ذكرتني أو ذكرت أمري بعد ما نسيت أو كنى بذكره تعالى ذكر الصلاة فيكون
المعنى وقت ذكرها فوضع ضمير الله موضع ضمير الصلاة لشرافتها
وخصوصيتها، أو قدر المضاف أي وقت ذكر صلاتي، قاله العيني.
٢٦ - (مالك عن زيد بن أسلم أنه قال) مرسل(٢) باتفاق، وجاء معناه
متصلاً من وجوه صحاح.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٧/١).
(٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٢٨/١)؛ وقد ذكرت هذا الحديث متصلاً مسنداً من
وجوه كثيرة في («التمهيد)) (٢٠٤/٥ - ٢٠٦).
٣٢٣

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٦) حديث
رَسُولُ اللَّهِ وَه لَيْلَةً، بِطَرِيقٍ مَكَّةَ. وَوَكَّلَ بِلاَلاً أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلاَةِ.
فَرَقَدَ بِلاَلٌ، وَرَقَدُوا. حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ.
فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَزِعُوا. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى
يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي. وَقَالَ: ((إِنَّ هُذَا وَادٍ به شَيْطَانٌ)) فَرَكِبُوا
(عَرّس رسول الله ◌َّ ليلة) عند الصبح (بطريق مكة) قال الذين حاولوا
الجمع بين الروايات لميلهم إلى توحيد القصة منهم ابن عبد البر أن طريق خيبر
وطريق مكة من المدينة واحد (ووكل) بتخفيف الكاف من باب وعد،
وبتشديدها. (بلالاً) على سؤاله كما تقدم (أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال) بعد
ما سهر مدة (ورقدوا) أي ناموا، واستمروا راقدين (حتى استيقظوا و) الحال أنه
(قد طلعت عليهم الشمس) وأصابهم حرُّها (فاستيقظ القوم وقد فزعوا) أسفاً
على فوت الصلاة لا لخوف كما تقدم.
(فأمرهم رسول الله وَ ﴾ أن يركبوا) وفي المتقدمة: ((فاقتادوا))، ولا منافاة
بينهما مع احتمال أن أمرهم بالتخيير، أو انقسموا فاقتاد بعضهم وركب
الآخرون كما هو ظاهر.
(حتى يخرجوا) ولفظ ((المشكاة))، عن مالك: حتى خرجوا (من ذلك
الوادي) الذي عَرَّس فيه (وقال) ◌َّ: (إن هذا وادٍ به شيطان) ولمسلم عن أبي
هريرة ((هذا وادٍ حضرنا فيه الشيطان)) قال ابن رشيق: قد علّله وَلّ بذلك ولا
يعلمه إلا هو، وقال عياض: هذا أظهر الأقوال في تعلیله، انتهى.
--
قلت: وهذا يؤيد الحنفية في قولهم: إن القضاء لا يُصَلَّى في الأوقات
الثلاثة: الطلوع والغروب والاستواء، لأنه قد أخّر قضاء الصبح لحضور
الشيطان في هذا الوادي، ولم يصلها فيه، وقد ثبت حضور الشيطان في هذه
الأوقات الثلاثة أيضاً كما يجيء في ((الموطأ)) أيضاً ((إن الشمس تطلع، ومعها
قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها،
فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها)) ونهى رسول الله ◌َله عن الصلاة
٣٢٤

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٦) حديث
حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي. ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ◌َ أَنْ يَنْزِلُوا،
وأَنْ يَتَوَضَّؤُوا. وَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلاَةِ، أَوْ يُقِيمَ. فَصَلّى
رَسُولُ اللهِ وَّ بِالنَّاسِ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ.
فَقَالَ: (يَأَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا،
في تلك الساعات، اهـ. فعلم أن المراد بالصلاة المنهية في هذا الحديث
مطلقها المتناول للقضاء أيضاً لأثر الشيطان في الوقت كما أثر في الوادي في
هذا الحديث.
فإن قلت: إن النبي ◌ّ منع عن التشاؤم؛ وههنا قد تشاءم بذلك الوادي؟
وأجيب بأنه لم يكن تشاؤماً، بل كان عليه الصلاة والسلام علمه، ولذا اقتصره
الجمهور على مورده كما يجيء من كلام الباجي.
(فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي) غير بعيد، اختلف العلماء في أن
حكم التحول من الوادي الذي أصاب فيه الشيطان والغفلة متعدٍ أو مختصّ
بتلك الجماعة، والجمهور على الثاني لأنه ◌َل# يعرف أثر الشيطان، وأخبر به،
ونحن لا نعرف هل فيه أثر الشيطان باقٍ أم لا، بسطه الباجي.
(ثم أمرهم رسول الله ﴿1﴾ أن ينزلوا وأن يتوضؤوا) ثم توضأ وَّةٍ، وتوضأ
الناس، كما في رواية مسلم (وأمر بلالاً) المؤذن (أن ينادي بالصلاة) أي يؤذن
(أو يقيم) كذا بالشك في روايته، وتقدم أنه ◌َ﴾ أمر بلالاً فأذن ثم قام وَلايهر
فصلى الركعتين اللتين قبل الصبح، ثم أمره فأقام الصلاة (فصلى رسول الله
بالناس) الصبح قضاء (ثم انصرف) أي التفت (إليهم وقد رأى من) أي بعض
(نزعهم) أسفاً على خروج الوقت كما تقدم (فقال) تسليةً ومؤنساً لهم بأنه لا
حرج عليهم لأنهم لم يتعمدوه، فقال: (يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا) كما
في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَقَ الْأَنْفُسَ﴾(١) الآية، زاد في أبي داود من حديث ذي
(١) سورة الزمر: ٤٢.
٣٢٥

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٦) حديث
وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينِ غَيْرِ هُذَا. فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ
الصَّلاَةِ، أَوْ نَسِيهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي
وَقْتِهَا)) .
ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ فَ، إِلَى أَبِي بَكْرِ
مُخْبِر ثم ((ردَّها إلينا)) (ولو شاء) الله عزّ وجلّ (لردها إلينا في حين) أي وقت
(غير هذا) قبلَ ذاك الوقت أو بعده.
قال العز بن عبد السلام(١): في كل جسد روحان: روح اليقظة التي
أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإِنسان مستيقظاً، فإذا نام
خرجت منه، ورأت المنامات، وروح الحياة التي أجرى الله العادة أنها إذا
كانت في الجسد فهو حي. ثم في فوت صلاته وَّل من المصالح ما لا يخفى.
قال السيوطي(٢): لأحمد من حديث ابن مسعود ((لو أن الله أراد أن لا
تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم)) ولأحمد أيضاً عن ابن
عباس موقوفاً ((ما يسرني بها الدنيا وما فيها)) يعني الرخصة، ولابن أبي شيبة
عن مسروق ((ما أُحِبُّ أن لي الدنيا وما فيها بصلاة رسول الله وَّل بعد طلوع
الشمس)).
(فإذا رقد أحدكم) غافلاً وذاهلاً (عن الصلاة أو نسيها) وفي حكمها العامد
بالطريق الأولى كما تقدم، وخصهما بالذكر ليرتفع التوهم بسقوط القضاء عنهما
لرفع القلم عنهما، وكونهما لم يأثما مع أنه لا يليق بشأن المسلم أن يقضي
الصلاة عامداً، فلم يحتج إلى بيانه، ولفظة ((أو)) للتنويع ويحتمل الشك.
(ثم فزع إليها) أي تنبه باليقظة أو التذكر (فليصلها) حين القضاء (كما كان
يصليها في وقتها) ولا قضاء له إلا ذلك، لا كما توهم أن يقضيها مرة أخرى
في وقتها من الغد، (ثم التفت رسول الله وَّ إلى أبي بكر) الصديق الأكبر -
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٦/١).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٥).
٣٢٦

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٦) باب
(٢٦) حديث
فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلاَلاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ
يُهَدِّثُهُ، كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ)). ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه بِلاَلاً.
فَأَخْبَرَ بِلاَلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَله، مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَ﴾ْ أَبَا
بَكْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
رضي الله عنه - عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله وَ ليل على التحقيق، وأول من
أسلم، وأول الخلفاء الراشدين وخير الناس بعد الأنبياء بالإِجماع، والمقدم
على جميع الصحابة بلا دفاع، قاله الزرقاني.
وقال أيضاً: كان علي - رضي الله عنه - يحلف أن الله أنزل اسمه من
السماء ((الصديق))، اهـ. ولقب بالعتيق لعتقه من النار أو لعتاقة وجهه، أو سماه
به أمه، ثلاثة أقوال، ذكرها ابن الجوزي في ((التلقيح))، رفيق النبي وَّل،
والشاهد معه المشاهد كلها، لم يفارقه هير في جاهلية ولا إسلام، له ولأبويه،
ولولده، وولد ولده صحبةٌ، ولم يجتمع هذه الأربعة لأحدٍ من الصحابة غيره،
كان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياماً، وتوفي بالمدينة ليلة
الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة،
وله ثلاث وستون سنة.
(فقال: إن الشيطان) أي شيطان الوادي، أو شيطان بلال، أو الشيطان
الأكبر (أتى بلالاً، وهو قائم يصلي) نفلاً بالسحر (فأضجعه) أي أسنده لما
تقدم، ويمكن أنه اضطجع في هذه القصة إن كانت الأخرى (فلم يزل يُهدِتُه)
من الإِهداء، قال ابن عبد البر: أهل الحديث يروون هذا اللفظ بلا همز
وأصلها عند أهل اللغة الهمز، أي يسكنه وينومه من هدأت الصبي إذا وضعت
وضربت يدك عليه لينام (كما يهدأ) ببناء المجهول (الصبي، حتى نام) بلال (ثم
دعا رسول الله* بلالاً) فسأله عن ذلك (فأخبر بلال رسول الله ﴾ل مثل الذي
أخبر رسول الله وَ ل أبا بكر) وفيه تأنيس لبلال واعتذار عنه (فقال أبو بكر: أشهد
أنك رسول الله) لما شاهد من المعجزة الباهرة.
٣٢٧

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٧) حديث
(٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة
٢٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَلَّ قَالَ:
ثم اختلف العلماء في جواز قضاء الصلاة في الأوقات الثلاثة المنهية
عنها(١) فقال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: تقضى الصلاة في
كل وقت نهي عن الصلاة فيه أو لم ينه، قاله الخطابي، واستدلوا بعموم حديث
((فليصلها إذا ذكرها)) وأنكر الحنفية جوازها في الأوقات الثلاثة للنهي عن
الصلاة فيها في الروايات المشهورة، بسطها الزيلعي والعيني، وخصصوا بها
عموم حديث الباب، كما أن سائر الأئمة خصصوا عموم أحاديث النهي بحديث
الباب .
وللحنفية قرائن ترجح قولهم، منها: ما تقدم من روايات مسلم وأبي داود
((أنه عليه السلام أخّرها حتى ارتفعت الشمس)) وهذا بمنزلة النص الصريح،
ومنها: ما تقدم من ابن رسلان وغيره أن الجزاء ههنا يقدر موسعاً لا محالة،
وإلا فيفسد الكلام، ومنها أنه إذا تعارض العمومان فالترجيح للمُحَرِّم، على ما
ثبت في الأصول، وغير ذلك من المرجحات القوية التي تُنَدِّد بأعلى صوتها أن
روايات النهي لا تقبل التأويل، وروايات الباب لا مفرَّ لأحد فيها عن التأويل،
وسيأتي البسط في ذلك في الصلاة بعد الصبح وبعد العصر.
(٧) النهي عن الصلاة بالهاجرة
وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، قاله الجوهري وغيره، وكذا قاله
العيني(٢)، والنهي للكراهة كما هو مأخوذ عن مفهوم الروايات.
٢٧ - (مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله وَر﴿ قال)
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٥١/١).
(٢) انظر ((عمدة القاري)) (٢٨/٤) و((شرح الزرقاني)) (٥٧/١) و((المنتقى)) (٣١/١).
٣٢٨
--

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٧) حدیث
(إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ».
قال ابن العربي: هذا من مراسيل عطاء التي تكلم الناس فيها، وقال ابن عبد
البر: يقويه الأحاديث المتصلة التي رواها مالك وغيره(١) من طرق كثيرة، قاله
السيوطي، قال البوني: قدم المرسل على المسند لأنه يراهما سواء، قلت:
والحديث أخرجه البخاري بطرق.
(إن شدة الحر من فيح) بفتح الفاء وإسكان التحتية، آخره حاء مهملة، هو
سطوع الحر إذ الفيح الوسع، قيل: أصله الواو من فاح يفوح فهو فيح كهان
يهون فهو هين فَخُفِّف، قاري(٢) (جهنم) اسم أعجمي عند أكثر النحاة، وقيل:
عربي لم يصرف للتأنيث والعلمية سميت به لبعد قعرها، قال العيني: يقال: بئر
جهنام بعيدة القعر، قال الأبي في ((شرح مسلم)): الأكثر في جهنم أنه اسم
أعجمي عُرّب، ومنع الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: عربي مشتق من
الجهومة، وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم: بئر جهنام أي عميق، فالمانع
من صرفه على هذا العلمية والتأنيث، ثم ظاهر الحديث أن اشتداد الحر في
الأرض من فيحها حقيقة، وعليه الجمهور، وصَوَّبه النووي.
وقال الحافظ: يؤيده ((اشتكت النار))، وقيل: مجاز التشبيه أي كأنه نار
جهنم في الحر. فاجتنبوا ضرره، وعلى هذا فشكواها مجاز كما سيجيء، قال
عياض: كلا الحملين ظاهر، والحقيقة أولى.
(فإذا اشتد) بوزن افتعل من الشدة (الحر) (فأبردوا) بقطع الهمزة وكسر
الراء أي أخّروا حتى يبرد الوقت، وحقيقة الإِبراد الدخول في البرد، والأمر أمر
استحباب وإرشاد، وقيل: للوجوب، حكاه القاضي عياض (عن الصلاة) عن
بمعنى الباء، كما قاله النووي أو زائدة للمجاوزة أي تجاوزوا عن وقتها
المعتاد، والمراد بالصلاة الظهر، كما سيجيء في الحديث الآتي.
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢/٥) ((والاستذكار)) (٣٤٤/١).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٣٠/٢).
٣٢٩

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٧) حديث
وَقَالَ: ((اشْتَكَتِ الَّنَارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً،
فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي
الصَّيْفِ)) .
(وقال) وَل: (اشتكت النار إلى ربها) حقيقة بلسان المقال، ورجحه فحول
الرجال: ابن عبد البر وعياض والقرطبي والنووي وابن المنير والتوربشتي، قاله
الزرقاني، ولا مانع منه، لأن قدرة الله عزّ وجلّ أعظم من ذلك، فيخلق له آلة
اللسان كما خلق لهدهد ما خلق من العلم والإِدراك، وحمله البيضاوي على
المجاز، فقال: شكواها كناية عن غليانها وازدحام أجزائها، قاله العيني.
(فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً) يريد به كثرة حرها وأنها تضيق بما
فيها، ولا تجد ما تأكله وتحرقه حتى يعود بعضها على بعض، قاله الباجي
(فأذن لها) ربها عزّ وجلّ (بنفسين) تثنية نفس بفتح الفاء، وهو ما يخرج من
الجوف ويدخل فيه من الهواء، وقيل: بمعنى التنفس، لو حمل أول الحديث
على الحقيقة فظاهر، ولو حمل أوله على المجاز كما تقدم فنفسها كناية عن
لهبها وخروج ما برز منها (في كل عام نفس في الشتاء ونفس في الصيف) بجر
نفس في الموضعين على البدلية أو البيان، ويحتمل الرفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف، والنصب بتقدير أعني، قاله القاري وغيره.
قال السيوطي: ولمسلم زيادة ((فما ترون من شدة البرد فذلك من
زمهريرها، وما ترون من شدة الحر فهو من سمومها)) فإن قيل: كيف يجمع بين
الحر والبرد في جهنم؟ فالجواب أن جهنم فيها زوايا فيها نار وفيها زمهرير،
وقال مغلطاي: لقائل أن يقول: إن الذي خلق الملك من ثلج قادرٌ على جمع
الضدين في محل واحد. وأيضاً فنار جهنم هذه من أمور الآخرة لا تقاس على
أمور الدنيا .
لا يقال: إن شدة البرد إذا كانت من أثر جهنم فينبغي التأخير فيها أيضاً.
٣٣٠
--- - - - ⑈ *** *

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٨) حديث
٢٨ - وحدّثنا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ
سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((إِذَا
اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)) .
والنبي ◌َّ إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة، لأنه لا رفق بتأخيرها، بل الرفق في
تقديمها، قاله الباجي(١)، وهو ظاهر، لأن في البرد كلما يتأخر يزداد البرد
بخلاف الحر، مع أن الفضل في الاتباع.
٢٨ - (مالك عن عبد الله بن يزيد) بتحتية فزاي، المخزومي المدني
الأعور، ثقة مات سنة ١٤٨ هـ. (مولى الأسود بن سفيان) بن عبد الأسد بن
هلال بن أبي سلمة زوج أم سلمة ذكره ابن عبد البر، وقال: في صحبته نظر،
وأشار الحافظ في ((الإِصابة)) إلى ترجيح أنه صحابي.
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (وعن محمد بن عبد
الرحمن بن ثوبان) بلفظ تثنية ثوب، العامري القرشي المدني. ثقة من أوساط
التابعين .
(عن أبي هريرة (٢) أن رسول الله والله قال: إذا اشتد الحر فأبردوا) بقطع
الهمزة (عن الصلاة) تقدم الكلام على لفظ ((عن)) والمراد بالصلاة الظهر، كما
أشار إليه المصنف بالتبويب، وبه صرّح في حديث أبي سعيد عند البخاري بلفظ
((أبردوا بالظهر))، وحمل بعضهم الصلاة على عمومها، فقال به أشهب في
العصر وأحمد في العشاء في الصيف، ولم يقل به أحد في المغرب لضيق
الوقت .
(فإن شدة الحر من فيح جهنم) تعليل لمشروعية الإِبراد، والحكمة فيه دفع
(١) ((المنتقى)) (٣٢/١).
(٢) في رواية محمد بن الحسن حديث (١٨٤) انظر ((التعليق الممجد)) (٥٤٣/١).
٣٣١

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٩) حديث
وَذَكَرَ «أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتَ إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامِ
بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسِ فِي الصَّيْفِ».
أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٩ - باب الإِبراد بالظهر في
شدة الحر .
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٢ - باب استحباب
الإِبراد بالظهر في شدة الحر، حديث ١٨٠ و١٨٥.
٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ،
المشقة، لأنها تسلب الخشوع، وقيل: لأنها ساعة تسجر فيها جهنم، واستشكل
بأن الصلاة مَظِنَّة وجود الرحمة، ففعلها مظنة طرد العذاب فكيف أمر بتركها؟
وأجيب بأن التعليل إذا جاء من الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم، واستنبط
التعليل بأن وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له،
والصلاة لا تنفك عن طلب ودعاء، ويؤيده حديث اعتذار الأنبياء كلهم للأمم
في المحشر سوى نبينا عليه الصلاة والسلام فلم يعتذر لأنه أذن له، ويمكن أن
يقال: إنها من أوقات المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع فناسب الإِبراد.
(وذكر) أي النبي ◌َّ فهو بالإِسناد المذكور، ووهم من جعله موقوفاً أو
معلقاً، وقد أفرده أحمد ومسلم من طريق آخر مرفوعاً (أن النار اشتكت إلى ربها
فأذن لها في كل عام بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف) قال
الزرقاني(١): الرواية بجر نفس في الموضعين، اهـ. وذكر العيني الاحتمالات
الثلاثة المتقدمة في هذا الحديث أيضاً، وتقدم شرح الحديث في الرواية
المتقدمة .
٢٩ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون، عبد الله بن ذكوان
القرشي مولاهم المدني، ثقة فقيه من صغار التابعين، سمي أمير المؤمنين في
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩/٤).
٣٣٢

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٩) حديث
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ ل﴾، قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ
الْخَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهْنَّمَ)).
أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٩ - باب الإِبراد بالظهر في
شدة الحر.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٢ - باب استحباب
الإِبراد بالظهر في شدة الحر، حديث ١٨٠.
الحديث، وقال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وعلم
وشعر وصنوف العلم، مات سنة ١٣١هـ، وكان يغضب من هذا اللقب لما فيه
من معنى ملازم للنار لكنه اشتهر به لجودة ذهنه وحدة فهمه كأنه نار موقدة،
قاله الزرقاني.
(عن الأعرج عن أبي هريرة) وهذا الإِسناد من الأسانيد التي أطلق عليها
أصح الأسانيد. قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة (أن رسول الله ﴾ ﴾ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة) تقدم
الكلام على لفظة عن (فإن شدة الحر من فيح جهنم) تقدم الكلام على متن
الحديث .
قال العيني(١): اختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة
وحديث خباب: ((شكونا إلى النبي ◌َّ حر الرمضاء فلم يشكنا)) رواه مسلم،
فقال بعضهم: الإِبراد رخصة والتقديم أفضل، وقال بعضهم: حديث خباب
منسوخ بالإِبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأثرم في ((كتاب الناسخ والمنسوخ))،
والطحاوي، وقال: وجدنا ذلك في حديثين: أحدهما حديث المغيرة (كنا
نصلي بالهاجرة فقال لنا ◌َ﴾: أبردوا)) فتبين بها أن الإِبراد كان بعد التهجير،
وحديث أنس - رضي الله عنه - ((إذا كان البرد بكروا وإذا كان الحر أبردوا))
(١) ((عمدة القاري)) (٣٤/٤).
٣٣٣

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٧) باب
(٢٩) حديث
ويقال: حديث خباب كان بمكة وحديث الإِبراد بالمدينة، فإنه برواية أبي هريرة
وقد أسلم سنة ٧هـ، وقال الخلال في ((علله)) عن أحمد: آخر الأمرين من
النبي ◌َّ الإِبراد، وحمل بعضهم حديث خباب على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً
على قدر الإِبراد، وقال أبو عمر في قول خباب: ((لم يشكنا)): يعني لم يحوجنا
إلى الشكوى، انتهى. فهذه ستة وجوه، واختار القاري الخامس، فقال:
والتأخير يقيد إلى آخر الوقت لئلا يعارض إلخ.
قال ابن قدامة في ((المغني))(١): ولا نعلم في استحباب تعجيل الظهر في
غير الحر والغيم خلافاً، قال الترمذي: وهو الذي اختاره أهل العلم من
أصحابه وَلّر ومن بعدهم، وأما في شدة الحر فكلام الخرقي يقتضي استحباب
الإِبراد على كل حال، وهو ظاهر كلام أحمد، وهو قول إسحاق وأصحاب
الرأي وابن المنذر.
-
وقال القاضي: إنما يستحب الإِبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون
في البلدان الحارة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته أو مسجد
بفناء بيته فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي - رحمه الله -، اهـ مختصراً.
قلت: كذا في ((الدر المختار)) وغيره، إذ قال: وتأخير ظهر الصيف مطلقاً
أي بلا اشتراط شدة حر وحرارة بلد وقصد جماعة، وما في ((الجوهرة)) وغيره
من اشتراط ذلك منظور فيه، قال الشامي: الشروط الثلاثة مذهب الشافعية،
صرحوا بها في كتبهم، اهـ. وأما مذهب مالك على ما نقله الزرقاني فندب
الإِبراد في جميع السنة، ويزاد لشدة الحر.
(١) (٣٥/٢).
٣٣٤
----- -

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٨) باب
(٣٠) حدیث
(٨) باب النهي عن دخول المسجد
بريح الثوم، وتغطية الفم
٣٠ - حدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ل﴾ قَال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هُذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلاَ
يَقْرُبْ
(٨) النهي عن دخول المسجد بريح الثوم
بضم الثاء المثلثة، بسط المجد في منافعه كثيراً، منها: أنه مسخن للنفخ،
مخرج للدود، ومُدِرُّ جداً، وهذا أفضل ما فيه، جيد للنسيان وغير ذلك، فَعَدَّ
خمساً وعشرين منفعة وعدة مضار(١) (و) النهي عن (تغطية الفم في الصلاة) كذا
في النسخ الموجودة عندنا، وبه يظهر مطابقة أثر سالم للترجمة، وسقط من كثير
من النسخ فأشكلت المطابقة.
٣٠ - (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب) تابعي (أن رسول الله وَله
قال) أرسله رواة الموطأ كلهم إلا روح بن عبادة، فرواه عن مالك موصولاً(٢)،
فزاد عن أبي هريرة، وقد رواه مسلم وابن ماجه بسنديهما عن الزهري عن سعيد
عن أبي هريرة متصلاً، قال السيوطي: وللبخاري من حديث ابن عمر أنه وله
قال ذلك في غزوة خيبر.
(من أكل من هذه الشجرة) يعني الثوم، وفيه مجاز لأن المعروف في اللغة
أن الشجر ماله ساق، وما لا ساق له فنجم، وبه فسّر ابن عباس قوله عزّ وجل :
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾(٣)، وقيل: بينهما عموم وخصوص، فكل نجم شجرٌ
ولا عكس، وقيل: غير ذلك (فلا يقرب) وفي نسخة ((فلا يقربن)) بنون التأكيد،
(١) انظر ((الطب النبوي)) للحافظ ابن القيم (٤١٧ - ٤١٩).
(٢) قد ذكر ابن عبد البر هذا الحديث متصلاً مسنداً في ((التمهيد))، (٤١٢/٦ - ٤١٣).
(٣) سورة الرحمن: الآية ٦.
٣٣٥

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٨) باب
(٣٠) حديث
مَسَاجِدَنَا. يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّؤْمِ)).
وفيه مبالغة، فإن القرب إذا كان ممنوعاً فالدخول أولى (مساجدنا) بلفظ الجمع،
وكذا في رواية أحمد على العموم لجميع المساجد(١)، وقيل: خاص بمسجد
المدينة لنزول جبرئيل عليه السلام، ورُدَّ بأن الملائكة تحضر في غيره، وقيل:
أراد به مسجد خيبر لما نقل الباجي عن أبي سعيد أنه قال: لما فتحت خيبر
وقع أصحاب رسول الله وَّر في تلك البقلة الثوم والناس جياع، فأكلنا منها
أكلاً شديداً، ثم رُحنا إلى المسجد، فوجد رسول الله وَّل الريح، فقال: ((من
أكل هذه الشجرة الخبيثة فلا يغشنا في المسجد))، فقال الناس: حرمت،
حرمت، فبلغ ذلك النبي ◌َّة، فقال: ((يا أيها الناس ليس لي تحريم ما أحل الله
لكنها شجرة أکره ريحها»، انتھی.
قال الشامي عن العيني: وعلة النهي أذى الملائكة، وأذى المسلمين لا
يختص بمسجده وّلل بل الكل سواء، لرواية ((مساجدنا))، اهـ. وعليه الجمهور
لعموم العلة وهي قوله: (يؤذينا بريح الثوم) زاد في حديث جابر ((وليقعد في
بيته)) ومثل الثوم البصل والكُرَّاث كما في حديث مسلم، وألحق به الشامي نقلاً
عن العيني كل ما له رائحة كريهة.
قلت: ومثله شرب الدخان المتداول في هذا الزمان، ثم أكل ذلك ليس
بحرام لما روي عن أبي سعيد المتقدم، ولحديث جابر عند أبي داود قال عليه
السلام: ((كُلْ فإني أناجي من لا تناجي)) وهذا كله فيمن أكله نيّاً، فأما من أكله
نضيجاً فلا مانع، لحديث عمر - رضي الله عنه - ((فليُمِتْها نضجاً)) قال الإِمام
محمد: إنما كره ذلك لريحه فإذا أَمَتَّه طبخاً فلا بأس به، وهو قول أبي حنيفة
والعامة رحمهم الله.
قلت: ويؤيده أيضاً ما أخرجه الترمذي عن علي - رضي الله عنه - ((نهى
(١) والجمهور على أنه عام في كل المساجد، ومعنى مسجدنا يعني مساجد المسلمين، انظر
((التعليق الممجد)) (٤٤١/٣).
٣٣٦
-- --

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٨) باب
(٣٠) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْمُجَبَّر؛ أَنَّهُ كَانَ
يَرَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، إِذَا رَأَى الإِنْسَانَ يُغَطِّي فَاهُ، وَهُوَ يُصَلِّي،
جَبَذَ الثَّوْبَ عَنْ فِيهِ جَبْدَاً شَدِيداً، حَتَّى يَنْزِعَهُ عَنْ فِيهِ .
هذا مرسل، وقد وصله مسلم عن أبي هريرة في: ٥ - كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، ١٧ - باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، حديث ٧١.
عن أكل الثوم إلا مطبوخاً)) وروي عنه مرفوعاً، وما قيل يمنع من دخول
المسجد ثلاثاً لما روي عند أبي داود وغيره ((فلا يقربن مسجدنا ثلاثاً))(١)
فالظاهر أن هذا يتعلق بالقول، أي قالها ثلاثاً، لا مدة المنع، لأن علة المنع -
وهي الرائحة - لا تبقى هذه المدة، قاله الزرقاني، ويؤيده حديث أبي سعيد عند
أبي داود بلفظ ((من أكله منكم فلا يقرب مساجدنا حتى يذهب منه ريحه)).
(مالك عن عبد الرحمن بن المجبر) بضم الميم وفتح الجيم والموحدة
الثقيلة المفتوحة، اسمه أيضاً عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن
الخطاب، وثقه الفلاس وغيره، وقال ابن ماكولا: لا يعرف في الرواة عبد
الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ثلاثة في نسق واحد إلا هذا، قيل
لأبيه: المجبر لأنه سقط فتكسر فجبر، وقيل: لما مات أبوه سَمَّته حفصة باسم
أبيه وقالت: لعل الله يجبره.
(أنه) كان (يرى) عمه (سالم بن عبد الله) بن عمر، أبو عمر أو أبو عبد الله
المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثبت، عابد، فاضل، كان يُشْبِهُ بأبيه في الهدي
والسَمْت، مات في آخر سنة ١٦٠ هـ على الصحيح ((تقريب))، أنه (إذا رأى)
سالم (الإنسان يغطّي فاه) أي فمه (وهو) حالية (في الصلاة جبذ) بجيم فباء
موحدة فذال معجمة أي جذب (الثوب) عن فيه (جبذاً) قال المجد: الجبذ
الجذب، وليس مقلوبة، بل لغة صحيحة، ووهم الجوهري وغيره (شديداً)
مبالغة في الإِنكار فهو أبلغ في تعليمه (حتى ينزعه) أي يبعده (عن فيه) قال
(١) ((سنن أبي داود)) الحديث (٣٨٢٤).
٣٣٧

١ - كتاب وقوت الصلاة
(٨) باب
(٣٠) حديث
الباجي: ومعنى ذلك أن الخشوع مشروع ومقصود في الصلاة، واللثام ينافي
الخشوع لأن معناه الكبر، قال الشامي: ويكره التلثم، وهو تغطية الأنف والفم
في الصلاة (١)، لأنه يشبه فعل المجوس حال عبادتهم النيران ((زيلعي)) ونقل
الطحطاوي عن أبي السعود أنها تحريمية، انتهى.
(١) قال ابن عبد البر: وأما تغطية الفم والأنف فمكروه لمن أكل ثوماً، وإنما أصل
الكراهية فيه لأنهم كانوا يتلثمون ويصلون على تلك الحال، فنهوا عن ذلك،
((الاستذكار)) (٣٩٥/١).
٣٣٨
-----
----
1 -- -

٢ - كتاب الطهارة
(١) باب
٢ - كتاب الطهارة
(١) باب العمل في الوضوء
(١) العمل في الوضوء
كذا في أكثر النسخ مقتصراً عليها، وزاد في نسخة الزرقاني(١): كتاب
الطهارة، وكان ذكره أنسب؛ لأن الأبواب الآتية كلها من الطهارة، لكنه لما لم
يوجد في شيء من النسخ كتاب الصلاة بعد ذلك، بل شرع أبواب الصلاة بباب
النداء، فالمناسب أن لا يفصل هذه الأبواب بكتاب الطهارة بل يدخل كلها
تحت كتاب الصلاة المبتدأ من أول الكتاب، وإن لم يذكر كتاب الصلاة في
البداية أيضاً، ثم المناسبة بما سبق وبما لَحِقَ أن الصلاة تجب بالوقت،
فقدَّمها، ثم بعد وجوبها بدخول الوقت يهيّأ لها بالوضوء، فذكر الوضوء
بأنواعه، ثم ينادى بالصلاة، فذكر النداء، ثم تفتح الصلاة، فذكر المصنف
الأبواب على هذا الترتيب.
والوضوء بالضم الفعل، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور،
وحكي في كل منها الأمران، مشتق من الوضاءة بمعنى الحسن والنظافة،
والمصلي يتنظف به فيصير وضيئاً .
واختلف العلماء ههنا في مسألتين: إحداهما: في مبدأ وجوبه بعد اتفاق
أهل السير ، على أن الغسل وجب بمكة، وعلى أنه ◌َّ لم يصل قط إلا
بوضوء، فقيل: أول ما فرض الوضوء بالمدينة؛ متمسكاً بآية الوضوء، فإنها
مدنية بالإِجماع، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، وجزم ابن الجهم
المالكي أنه كان قبل الهجرة مندوباً، قاله الحافظ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٦٤/١).
٣٣٩

٢ - كتاب الطهارة
(١) باب
(٣١) حديث
١/٣١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى
الْمَازِنِيّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ،
وقال في ((الدر المختار)): أجمع أهل السير أن الوضوء والغسل فُرضا
بمكة مع فرض الصلاة بتعليم جبرئيل، وأنه ـ وَل18 - لم يصل قط إلا بوضوء،
بل هو شريعة من قبلنا، إلى آخر ما قاله مفصلاً.
وثانيتهما: أن الوضوء من خصائص هذه الأمة أو شريعة من قبلنا،
وسيأتي الكلام عليه في حديث الغُرَّة والتحجيل.
ثم الوضوء على ثلاثة أنواع: فرض على المحدث لمثل الصلاة ومسّ
المصحف، وواجب للطواف، ولذا ينجبر بالدم، ومندوب للنوم والجنب
وللمداومة على الطهارة.
١/٣١ - (مالك عن عمرو) بفتح العين (ابن يحيى) بن عمارة (المازني عن
أبيه) يحيى بن عمارة بضم العين وخفة الميم ابن أبي الحسن الأنصاري
المدني، من ثقات التابعين (أنه) الضمير ليحيى على الظاهر، وفيه كلام
سيجيء، قال شيخ مشايخنا في ((المسوَّى)»(١): كذا وقع في رواية يحيى،
والصواب رواية الأكثرين ((أن رجلاً قال لعبد الله))، انتهى.
--------- ---
(قال لعبد الله بن زيد بن عاصم) الأنصاري المازني، صحابي شهير، له
هذا الحديث وعدة أحاديث أخر، شارك الوحشيَّ في قتل مسيلمة، مختلف في
شهوده بدراً، استشهد بالحَرَّة سنة ٦٣هـ(٢)، وهو غير عبد الله بن زيد الذي أُرِي
النداء، ووهم سفيان بن عيينة فروى هذا الحديث عنه، أخرجه النسائي وهو
غلط، نص على خطئه البخاري وغيره من الحفاظ، بل هما صحابيان متغايران،
ووهم إسماعيل بن إسحاق أيضاً فجعلهما واحداً، وهو غلط أيضاً وليس لابن
(١) (٨٠/١).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٣/٥).
٣٤٠
---
--
---