Indexed OCR Text
Pages 301-320
١ - كتاب وقوت الصلاة (٣) باب (١٦) حديث ١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَانَ يَقُولُ: إِذَا فَاتَتْكَ الرَّكْعَةُ فَقَّدْ فَاتَنْكَ السَّجْدَةُ . مالك - رضي الله عنه - كما تقدم منا، وقال بعضهم: محمول على إدراك الوقت ووجوب الصلاة، يعني من لم يكن أهلاً للصلاة ثم صار أهلاً، وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة أو أقل لزمته الصلاة، ويؤيده ما رواه عمّار بن مطر عن مالك بسنده بلفظ ((فقد أدرك الصلاة ووقتها)) ويؤيده أيضاً ما زاده النسائي في هذا الحديث بلفظ ((إلا أنه يقضي ما فاتها)). وقيل: المراد بالركعة الركوع، وبالصلاة الركعة، يعني من أدرك ركوعاً فقد أدرك الركعة، يعني يعتدّ بهذه الركعة وإن لم يدرك القيام، وله مؤيدات أُخر، ويحتمل أن يكون هو مراد الإِمام مالك - رضي الله عنه - إذ ذكر الروايات الآتية تفسيراً لها . والأوجه عندي أن كل هذا محتمل، والحديث من جوامع الكلم، والأحاديث الخاصة المؤيدات مظهرة لأحكام خاصة يشملها هذا الحديث، ويؤيده أن الإِمام ذكره ههنا في المواقيت واستدل به أيضاً في أبواب الجمعة، كما سيأتي هناك، والله أعلم. ١٦ - (مالك عن نافع أن ابن عمر) المراد به حيث أطلق عبد الله وإن كان له أبناء آخرون، وفي نسخة عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، أبو عبد الرحمن، وُلد بعد البعث بقليل، واسْتُصْغِر يوم أحد، وكان ابن أربع عشرة سنة، من مكثري الصحابة قيل: له (٢٦٣٠) حديثاً، وكان أشد الناس اتباعاً للأثر، مات في آخر سنة ٧٣هـ، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، (كان يقول: إذا فاتتك الركعة) أي الركوع (فقد فاتتك السجدة) أيضاً (١) يعني لا يعتبر بهذه السجدة، ولا يَعتُّ بها، ولا يكون مُذْركاً للركعة بإدراك السجدة بدون الركوع، (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٧٨/٢). ٣٠١ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٣) باب (١٧ - ١٨) حديث ١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، كَانَا يَقُولَاَنِ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ. ١٨ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ. قال الباجي: لا خلاف بين الأمة أن من أدرك سجدة من صلاة الإِمام فإنه لا يعتد بها، فإنما يعتد بها إذا أدرك الركعة، انتهى، وقال الزرقاني: هو الذي استقر عليه الاتفاق وكان فيه شذوذ قدیم(١). ١٧ - (مالك أنه بلغه) تقدم حكم بلاغات الإِمام مفصلاً في المقدمة (أن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (وزيد بن ثابت) بن ضحاك الأنصاري، صحابي مشهور أحد كُتَّاب الوحي توفي سنة ٤٥هـ، وقيل: بعد الخمسين (كانا يقولان: من أدرك الركعة) ومعنى الإدراك أن يركع المأموم قبل أن يرفع الإِمام رأسه من الركوع، يعني أدرك الإمام راكعاً فكبّر وركع قبل رفع الإِمام رأسه فقد أدرك الركوع، وإذا أدرك الركوع (فقد أدرك السجدة) بالأولى، وبه قال الأئمة الأربعة، وقيل(٢): إذا أحرم والناس في ركوع أجزأه وإن لم يدرك الركوع، وقيل غير ذلك بسطها العلامة العيني، (٣) والصحيح الأول. ١٨ - (مالك أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة) يخالفه ما أخرجه البخاري في رسالته ((القراءة خلف الإِمام)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: إذا أدركت القوم وهم ركوع لم يعتدَّ بتلك الركعة، وذكره الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (٤) لكن قال ابن عبد البر: هذا قول. لا نعلم أحداً من الفقهاء قال به، وفي إسناده نظر، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٧/١) و((شرح الزقاني)) (٤٢/١). (٢) هو قول الشعبي، انظر ((الاستذكار)) (٢٦٨/١) ((والتمهيد)) (٧٤/٧). (٣) ((عمدة القاري)) (٤٨/٥/٣). (٤) (٥٤٥/٢). ٣٠٢ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٤) باب (١٩) حديث وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةٌ أُمِّ الْقُرْآنِ، فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ . (٤) باب ما جاء في دلوك الشمس وغسق الليل ١٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُها . قلت: فلا إشكال حينئذ (ومن فاته) وفي نسخة فاتته (قراءة أم القرآن) الفاتحة (فقد فاته خير كثير) وثواب جزيل، قال الباجي: معناه أن من أدرك الركعة فقد أدرك الاعتداد بالسجدة كما تقدم، ولكن ليست فضيلة من أدرك الركعة دون قراءة كفضيلة من أدرك القراءة أيضاً من أولها إلى آخرها، انتهى مع زيادة، يعني مدرك الركوع وإن جعل مدرك الركعة لكن ثواب من اشترك في الصلاة من الأول كثير جداً، وقيل: المراد به ما فاته من موضع التأمين، والأول أوجه. (٤) ما جاء في تفسير دلوك الشمس وغسق الليل المذكورين في قوله تعالى: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَِّلِ﴾(١) ولما كانت هذه الآية في بيان أوقات الصلاة ذكر الإِمام - رضي الله عنه - تفسيره في المواقيت. ١٩ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (كان يقول: دلوك الشمس ميلها) قال الباجي(٢): الميل - بتسكين الياء - فيما ليس بخلقة ثابتة يقال: مالت الشمس ميلاً، وأما الخلق والأجسام - فبفتح الياء - يقال: في الحائط ميل، انتهى. والمراد في الحديث وقت الزوال وهو أحد الأقوال في تفسيرها، فحينئذ (١) سورة الإسراء: الآية ٧٨. (٢) ((المنتقى)) (٢١/١). ٣٠٣ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٤) باب (٢٠) حديث ٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ يكون المراد بالآية أول وقت الظهر، وروي هذا التفسير عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما . وأخرج السيوطي في ((الدر)) عن عمر - رضي الله عنه - ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قال: لزوال الشمس، وأخرج بطرق عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ غروبها، وكذا أخرج عن علي - رضي الله عنه -، وهذا القول الثاني في تفسيرها فحينئذ يكون المراد بالآية أول وقت المغرب، قال في ((القاموس)): دلكه بيده مرسه والشمس دلوكاً غربت أو اصفرّت أو مالت أو زالت عن كبد السماء، وقال في ((المجمع)): الدلوك يراد به زوالها عن وسط السماء وغروبها أيضاً، وأصل الدلوك الميل، وسيأتي التفسير الثالث في الحديث الآتي. ٢٠ - (مالك عن داود بن الحصين) بالحاء والصاد المهملتين مصغراً، وليس في الرواة أحد اسمه داود بن الحسين بالسين، فما في بعض النسخ بالسين غلط من الناسخ، الأموي - بضم الألف - نسبة إلى بني أمية مولاهم، المدني مولى عمرو بن عثمان بن عفان، مختلف في توثيقه، قال أبو داود وابن المديني: أحاديثه عن عكرمة مناكير، وقال أبو حاتم: لولا أن مالكاً روى عنه لتُرِك حديثه، وعاب غير واحد على مالك الرواية عنه، وتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم، كذا في ((تهذيب الحافظ))(١). وقال أيضاً في ترجمة ثور بن زيد: حكي في ((الطبقات)): أن مالكاً سئل كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن زيد وذكر غيرهما وكانوا يُرْمَوْنَ بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يخِرّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كذبة، اهـ. قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة إلا في عكرمة رمي برأي (١) (١٨١/٣) و((طبقات ابن سعد)) (٤٤٩/٣). ٣٠٤ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٤) باب (٢٠) حديث قَالَ: أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ الخوارج، اهـ. ذكر في ((الخلاصة)) وغيرها: أنه من رواة الستة، له في البخاري فرد حديث. وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)): روى له البخاري حديثاً واحداً، من رُواته مالك عنه في العرايا وله شواهد، وثّقه ابن معين وابن سعد والعجلي وابن إسحاق وأحمد بن صالح المصري والنسائي، وقال الساجي: منكر الحديث متَّهم برأي الخوارج، وقال ابن حبّان: لم يكن داعية، وقال ابن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر، وكذا قال أبو داود، وزاد: وحديثه عن شيوخه مستقيم، وقال ابن عدي: هو عندي صالح الحديث، مات داود سنة ١٣٥ هـ عن ثنتين وسبعين سنة، وإنما بسطت شيئاً من ترجمته لما أنه يورد على الإِمام مالك تخريج روايته. (قال: أخبرني مخبر) هو عكرمة قيل: إن مالكاً - رضي الله عنه - كان يكتم اسمه بكلام ابن المسيّب فيه (١). والأوجه عندي أن ينسب هذا الإِبهام إلى داود كما يدل عليه سياق اللفظ والإِمام - رضي الله عنه - أجلّ من أن ينسب إليه مثل هذا مع أنه صرّح برواية عكرمة في الحج (٢). (أن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنه - الحبر ابن عم رسول الله وَليله قال الواقدي: لا خلاف عند أئمتنا في أنه ولد قبل الهجرة بثلاث، وبنو هاشم إذ ذاك محصورة في الشعب، وكان له عند وفاته وَّر ثلاث عشر سنة، واسع العلم فقهاً وحديثاً وعربية وأنساباً وشعراً وتفسيراً، قال له وَ له: نعم ترجمان (١) قال ابن عبد البر: عكرمة مولى ابن عباس من أجلَّة العلماء، لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه، انظر ((التمهيد)) (٢٧/٢ -٢٩) وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا احتجّ بعكرمة ((التاريخ الكبير)) (٤: ٤٩/١). (٢) انظر: الموطأ (٣٨٤/١) و((شرح الزقاني)) (٢٩/١). ٣٠٥ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٤) باب (٢٠) حديث كَانَ يَقُولُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ. وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْل و٥ وَظُلْمَتُهُ. القرآن أنت، ولآّه علي - رضي الله عنه - على البصرة، فلم يزل بها حتى توفي علي - رضي الله عنه - فاستخلف عليها عبد الله بن الحارث، ومضى إلى الحجاز، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ. ( كان يقول: دلوك الشمس إذا فاء الفيء) (١) قال الباجي: أي ذراعاً، فعلى هذا هو قول ثالث في تفسير الدلوك، والأصل أن الدلوك هو الميلان فيصدق على كل ميل لها، وأخرج السيوطي هذا التفسير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فقط برواية ابن أبي شيبة وابن جرير، وعلى هذا التفسير فالمراد به أول الوقت المستحب للظهر، هذا كله على تفسير الباجي، وقول صاحب القاموس إذ فرق بين مالت وزالت، وجعلهما قولين وإلا فالظاهر أن المراد هو ميل الزوال كما هو مروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - وفاء الفيء معناه رجع الظل صادق على كليهما بل على الثاني أظهر. (وغسق الليل) قال في ((القاموس)): الغسق محركة: ظلمة أول الليل (اجتماع الليل وظلمته) وصف الليل بالاجتماع، وإنما هو في الحقيقة الوقت ولا يوصف بالاجتماع وإنما يجتمع بذلك ظلامه، وقوله: ((ظلمته)) عطف على الاجتماع، والمراد بذلك سواده، قاله الباجي. قلت: هذا أيضاً أحد الأقوال في تفسيره، وأخرج السيوطي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ((غسق الليل غروب الشمس)) وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: ((أنه العشاء الآخرة))، وعنه أيضاً: ((أنه بدو الليل)). قال الزرقاني: هذه الآية إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، (١) قال ابن العربي المالكي: أدخله مالك [أي أثر ابن عباس] لنكتة واحدة هي أن الدلوك الزوال، انظر ((القبس)) (٩٤/١). ٣٠٦ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢١) حديث (٥) باب جامع الوقوت ٢١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَن نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((الَّذِي تَقُوتُهُ فدلوك الشمس إشارة إلى الظهرين، وغسق الليل إلى العشائين، وقرآن الفجر إلى صلاة الصبح، انتهى. (٥) جامع الوقوت يعني ما يجمع الروايات المتفرقة في باب الوقوت ٢١ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله وَلّر قال: ((الذي تفوته))) فيه ردٌّ على من كره أن يقال: فاتتنا الصلاة. واختلف العلماء في المراد بالفوات، فقيل: الفوات عن الجماعة، واختاره المهلَّب وغيره، ويؤيده رواية ابن منده: الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر، وقيل: فواتها أن تدخل الشمس صفرة، وبه قال الأوزاعي، أخرجه عنه أبو داود في ((سننه))(١)، قال السيوطي: وروي هذا في ((علل ابن حاتم)) مرفوعاً، لكن قال أبو حاتم: التفسير من نافع، وقيل: فواتها غروب الشمس، وروي هذا عن نافع في هذا الحديث، قال الحافظ: وتفسير الراوي إن كان فقيهاً أولى من غيره، وقال السيوطي: روي هذا مرفوعاً في ((ابن أبي شيبة)) بلفظ: ((من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر فكأنما وتر أهله وماله)) روي عن الإِمام - مالك رضي الله عنه - تفسيرها بذهاب الوقت، وهو محتمل للمختار وغيره، قاله الزرقاني، فيمكن حمله على الثاني والثالث، لكن الراجح عندي حمله على الثالث، كما سيجيء تحت الحديث الثالث. ثم اختلف العلماء في أن المراد في الحديث الناسي أو العامد، فروي (١) (١/ ١١٣). ٣٠٧ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢١) حديث صَلاَةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)). أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١٤ - باب إثم من فاتته العصر. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٥ - باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، حديث ٢٠٠. عن سالم أن هذا فيمن فاتته ناسياً، وعليه مشى الترمذي إذ بَوَّب على الحديث ((ما جاء في السهو عن وقت العصر)) (١) يعني يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب الذي يعطى المصلون كأنما وتر أهله وماله، فالأسف في حق العامد أشدّ، وقال الداودي: إنما هو في العامد، وقال النووي: هو الأظهر، وأيده بقوله في الرواية السابقة: من غير عذر، وقال العيني: كأنه أظهر لما في البخاري ((من ترك صلاة العصر)) وهذا ظاهر في العمد. (صلاة العصر) واختلفوا في أن الحكم هل يختصُّ بالعصر؟ فقيل: نعم لزيادة فضلها، وكونها الوسطى، ولكونها في وقت اشتغال الناس وغير ذلك، وقيل: لا يختص، والصلوات كلها سواسيةٌ، والحديث خرج جواباً لمن سأل عن فوت العصر، ولو سأل عن غيرها لأجيب بها، ويؤيده عموم ما ورد بلفظ ((من تفوته الصلاة)) ورد بأن الحديث ضعيف، وفي المشاهير تخصيص العصر (٢)، ورجح التخصيص الرافعي والنووي، ويؤيده رواية البخاري ((إن من الصلوات صلاة من فاتته كأنما وتر أهله وماله)) فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ◌َ﴾ يقول: هي صلاة العصر. (كأنما) كذا في نسخ ((الموطأ)) وفي بعض الروايات ((فكأنما)) والمبتدأ إذا تضمن معنى الشرط جاز في خبره الفاء وتركها (وتر) بضم الواو وكسر الفوقية قال في ((القاموس)): وتره ماله نقصه إياه (أهله وماله) بنصب اللامين في رواية (١) ((جامع الترمذي)) (٣٣٠/١) رقم الباب ١٢٨. (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٢٠/١٤) و((الاستذكار)) (٢٧٥/١). ٣٠٨ -- - ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢٢) حديث ٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ فَلَقِيَ رَجُلاً الأكثرين لأنه مفعول ثان، والضمير في وتر الراجع إلى الذي تفوته مفعوله الأول، وروي برفعهما بمعنى أخذ، فحينئذ لا يضمر شيء في ((وتر)) بل يقوم الأهل والمال مقام ما لم يسم فاعله. وقال ابن عبد البر: معناه عند أهل الفقه واللغة أنه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وتراً، والوتر الجناية التي يطلب ثأرها فيجتمع عليه غمان: غمُّ المصيبة وغم طلب الثأر، قاله السيوطي(١)، وفيه أقوال أُخر بسطت في المطولات كالعيني والزرقاني وغيرهما . والمعنى أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب كما تقدم، وقيل: المعنى كأنه فات منه مثل ما فات الثواب عن الموتور ماله وأهله، وقيل: يجب عليه من الأسف مثل الأسف الذي يلحق المَوْتُور أهله وماله، وهذا المعنى في العامد أظهر لأنه أتى كبيرة. قال السيوطي: وقع في بعض الروايات زيادة ((وهو قاعد))، وفيه إشارة إلى أنه أخذ منه وهو ينظر غير مقاتل ولا ذابٍّ فهو أبلغ في الغَمِّ، وإنما خص الأهل والمال بالذكر؛ لأن الاشتغال في وقت العصر إنما هو بالسعي على الأهل والاشتغال بالمال، فذكر أن تفويتها نازل منزل فقدهما . ٢٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن) ثاني الخلفاء (عمر بن الخطاب انصرف من صلاة العصر فلقي رجلاً) قال في ((الاستذكار))(٢): ذكر بعض من شرح ((الموطأ)) يعني ابن حبيب عن مطرف: أن هذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: وهذا لا يوجد في أثرٍ علمته إنما هو رجل من الأنصار (١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص ٣٢). (٢) (٢٧٦/١). ٣٠٩ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢٣) حديث لَمْ يَشْهَدِ الْعَصْرَ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ؟ فَذَكَرَ لَهُ الرَّجُلُ عُذْراً. فَقَالَ عُمَرُ: طَفَّفْتَ. قَالَ يَحْيَى، قَالَ مَالِكٌ: وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَفَاءٌ وَتَظْفِيفٌ. ٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ المُصَلِّيَ لَيُصَلِّي الصَّلاَةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُها. وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ، أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. من بني حديدة، وقال الباجي: هو ابن حديدة صاحب النبي وَّ (لم يشهد) أي لم يحضر صلاة (العصر) مع الجماعة (فقال) له عمر - رضي الله عنه -: (ما حبسك) أي ما منعك (عن صلاة العصر) مع الجماعة؟ (فذكر له الرجل عذراً، فقال له عمر) وكأنه لم يقبل العذر: (طففت) بفائين أي نقصت نفسك حظها من الأجر، لأنه لا يمكنه أن يصلي في المسجد جماعة إذا كان له إمام راتب، قاله الباجي(١). (قال مالك: ويقال لكل شيء وفاء) بالمد (وتطفيف)(٢) أي مقابل الوفاء، وهو في اللغة الزيادة على العدل والنقصان منه. ٢٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه كان يقول) موقوف لفظاً مرفوع حكماً لأن الأجود لا يدرك بالرأي مع أنه روي مرفوعاً عن ابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم -: (إن المصلي ليصلي الصلاة و) الحال أنه (ما) نافية (فاته وقتها) لكونه صلاها فيه (و) لكن (لما) موصولة (فاته من وقتها). الأفضل والمستحب (أعظم أو أفضل) شَكٍّ من الراوي، وفي نسخة بالواو (من أهله وماله) قال الباجي: قال مالك في حديث يحيى: لا يعجبني ذلك، ووجه كراهية مالك - رضي الله عنه - لهذا الحديث أن ظاهره يخالف قوله عليه السلام: ((من فاتته العصر)) الحديث؛ لأنه جعل من فاتته العصر كأنما وتر، (١) ((المنتقى)) (٢٢/١). (٢) قال ابن عبد البر: فإنه يعني أن هذه اللفظة تدخل في كل شيء مذموم زيادة ونقصاناً. ٣١٠ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢٣) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَّرَ الصَّلاَةَ سَاهِياً أَوْ نَاسِياً، حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ، فَلْيُصَلِّ صَلاَةَ الْمُقِيمِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ ..... وجعل يحيى بن سعيد في فوات بعض الوقت ما جعله النبي ◌ّ في فوات جميعه، ففي ذلك أشد التضييق على الناس، انتهى مختصراً. وأخرج ابن عبد البر(١) عن ابن عمر رفعه ((إن الرجل ليدرك الصلاة، وما فاته خيرٌ من أهله وماله))، وأخرج الدارقطني نحوه عن أبي هريرة مرفوعاً، فالظاهر أن المراد في الحديث بالصلاة أداؤها في وقتها المكروه، فحينئذ لا ضيق فيه، نعم لو حمل على أول الوقت ففيه ضيق كما قال به الإِمام مالك - رضي الله عنه -. فالأوجه عندي أن يراد بالصلاة صلاة العصر في وقت الاصفرار فحينئذ ما فات وقتها، لكن لما وصلت في وقت الكراهة دخل في الوعيد، وهذا أوجه من طرح الأثر. (قال مالك: من أدركه الوقت وهو في سفر) يقصر فيه الصلاة (فأخّر الصلاة) عن أول الوقت أو كل الوقت (ناسياً أو ساهياً) بلفظ ((أو)) في أكثر النسخ، والسهو - على ما حكاه عياض - شغل عن الشيء والنسيان غفلة عنه وآفة، وقال الباجي: السهو: الذهول عن الشيء تقدمه ذكر أو لا، والنسيان لا بد أن يتقدمه الذكر (حتى قدم) غاية لقوله: أخّر (على أهله) كناية عن تمام السفر سواء كان له أهل أم لا (أنه إن كان قدم على أهله وهو في الوقت فإنه يصلي صلاة المقيم) يعني يتم الصلاة، لأنه صار مقيماً، وبه قال الحنفية، لأن الوجوب وإن كان بأول الوقت، وكان إذ ذاك مسافراً لكنه لما لم يُصَلِّ انتقل الوجوب منه إلى الجزء المتصل بالأداء كما بسط في الأصول (وإن كان قد قدم) (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣١/١) (٣٤١/٤). ٣١١ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢٣) حديث وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ، فَلْيُصَلِّ صَلاَةَ الْمُسَافِرِ. لأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا الأَمْرُ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . وَقَالَ مَالِكٌ: الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ. على أهله وصار مقيماً (و) الحال أنه (قد ذهب الوقت) بتمامه (فليُصَلِّ صلاة المسافر) يعني مقصورة (لأنه إنما) كان (يقضي مثل الذي كان عليه) وهو صلاة السفر. قلت: وكذا في ((كتاب الحجج)) روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - قال الباجي(١): وبه قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -، وقال الشافعي: يقضيها حضرية، قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٢): من نسي صلاة في حضر فذكرها في سفر أو نسيها في السفر، وذكرها وهو مقيم صلاها كما لزمته، إنما يقضي ما فاته على حسب ما فاته، وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل: يصلي في المسألتين جميعاً صلاة حضر، وقد كان يقول الشافعي ببغداد مثل قول مالك، ثم رجع عنه بمصر، قال الحسن البصري وطائفة من البصريين: من نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر صلاها سفرية، وفي العكس صلاها حضرية، كما لو ذكرها وهو مريض أو ذكرها في صحة، وقد لزمته في المرض، وبهذا قال المِزِّي والطبري، انتهى مختصراً. (قال مالك: وهذا الأمر) أي التفصيل الذي قلته (هو الذي أدركت عليه الناس) أي التابعين (وأهل العلم) أي الفقهاء (ببلدنا) المدينة المنورة - زادها الله تعالى شرفاً وكرامة -. و (قال مالك: الشفق الحمرة التي) تُرَى (في) أفق (المغرب) بعد غروب (١) ((المنتقى)) (٢٣/١). (٢) (٢٨٥/١). ٣١٢ ٠ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٥) باب (٢٤) حديث فَإِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ، فَقَدْ وَجَبَتْ صَلاَةُ الْعِشَاءِ، وَخَرَجْتَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ. ٢٤ - وحدثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُنْمِىَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ. فَلَمْ يَقْضِ الصَّلاَةً. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ فِيمَا نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ◌َذَهَبَ. فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي. الشمس، هذا هو المعروف في مذهب الإِمام مالك - رضي الله عنه -، وبه قال الإِمامان الشافعي - رضي الله عنه - والإِمام أحمد - رضي الله عنه-، وبه قال الإِمامان أبو يوسف ومحمد. رحمهما الله - من الحنفية، وهو رواية عن الإِمام أبي حنيفة، وحكى الداودي أن ابن القاسم قال عن مالك في السماع: إن البياض عندي أبين، قاله الباجي، وقال العيني: وبه قال عمر بن عبد العزيز، وابن المبارك، والأوزاعي في رواية، ومالك في رواية، وزفر بن الهذيل، وروي عن أبي بكر الصديق، وعائشة، وأبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن الزبير، انتهى. (فإذا ذهبت الحمرة فقد وجبت صلاة العشاء) على مذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - (وخرجت) بصيغة الخطاب (من وقت المغرب) واختلفت الروايات عن الإِمام مالك في آخر وقت المغرب، وما في ((المدونة)) مثل ما في (الموطأ)) أنه يخرج وقت المغرب بدخول العشاء، وبه قالت الحنفية، كما تقدم في أول المواقيت، وقال الزرقاني: وخرجت من وقت المغرب أي المختار وإلا فوقتها الليل كله، انتهى. قلت: فهذا قول ثالث في المغرب عندهم غير ما تقدما أول المواقيت. ٢٤ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عراً رضي الله عنه (أغمي عليه) مرة (ذاهب عقله) من الإغماء بقلم بقض الصلاة؛ حين أفاق (قال مالك: وذلك) أي عدم القضاء (فيما درين)ً أي نظن (والله أعلم أن الوقت قد ذهب، فأما من أفاق وهو في الوقت فإنه يصلي: ٣١٣ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٦) باب (٢٥) حدیث (٦) - باب النوم عن الصلاة ٢٥ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. اختلف العلماء في المغمى عليه، فقال مالك والشافعي - رحمهما الله -: لا قضاء عليه إذا استوعب الإِغماء وقت الصلاة كله(١)، وقال الحنفية: لا قضاء عليه إذا أغمي أكثر من يوم وليلة، وأما فيه وفي الأقل منه يقضي، وقال الحنابلة: قضى ما فات وإن كان ألف صلاة، كذا في ((الهداية)) وحواشيه، فرواية ابن عمر - رضي الله عنه - أوَّلها الإِمام مالك - رضي الله عنه - بأن الإِغماء كان مستوعباً للوقت، وحملها الحنفية بأنه كان مستوعباً ليوم وليلة، ولذا قال الإِمام محمد - رضي الله عنه - في ((موطئه)) بعد هذا الحديث: قال محمد: وبهذا نأخذ إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة، وأما إذا أُغمي عليه يوم وليلة أو أقل قضى صلاته، بلغنا عن عمّار بن ياسر أنه أَغْمِي عليه أربع صلوات ثم أفاق فقضاها، انتهى. قلت: والقرينة تؤيد الحنفية لأنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - في المغمى عليه يوم وليلة أنه قال: يقضي، أخرجه الإمام محمد في كتابه ((الآثار))، فلو حمل فعله هذا على أقل من يوم وليلة يناقض قوله، فاغتنم وتشكر . --- ٦ - النوم عن الصلاة أي ما حكمه هل هو مثل الإِغماء أو يخالفه؟ ٢٥ - (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب) بكسر الياء وفتحها، (١) انظر: ((الاستذكار))، (٢٨٨/١) و((المغني)) (٥١/٢). ٣١٤ ----- (٦) باب ١ - كتاب وقوت الصلاة أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َِّ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ، (٢٥) حديث قاله الزرقاني(١)، وفي ((الفتح الرحماني)) عن العيني: بضم الميم وفتح الياء على المشهور، وقيل: بالكسر، وكان يكره فتحها، وغير والد سعيد فبالفتح من غير خلاف كالمسيب بن رافع وغيره، اهـ، ابن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي آخره نون، القرشي المخزومي، ختن أبي هريرة على ابنته، وأعلم الناس بحديثه، أحد الفقهاء، من كبار التابعين، أبوه وجده صحابيان، قال الميموني: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته، يقال: ما نودي بالصلاة أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد، وُلِد لسنتين مضتا من خلافة عمر - رضي الله عنه - مات سنة ٩٤هـ وقد ناهز الثمانين. (أن رسول الله وَلا) مرسلاً(٢)، والمرسل حجة عند الحنفية والمالكية مع أنه موصول عند مسلم(٣)، وأبي داود(٤) وغيرهما برواية سعيد عن أبي هريرة (حين قفل) أي رجع إلى المدينة، والقفول الرجوع من السفر، ولا يقال لمن ابتدأ السفر قفل إلا للقافلة تفاؤلاً في البدأة أيضاً، فمن قال: القافلة الراجعة فقط فقد غلط، قاله ابن رسلان (من) غزوة (خيبر) بخاء معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة مفتوحة آخره راء مهملة، لم ينصرف للعَلَميَّة والتأنيث، قال الأصيلي: هذا غلط من ابن شهاب والصواب ((من حنين)) بمهملة ونون، قال الباجي: والصواب ما قاله ابن شهاب وصوّبه ابن عبد البر أيضاً، قاله ابن رسلان، وقال النووي: ما قاله الأصيلي غريب ضعيف، وخيبر اسم موضع على ثمانية بُرْدٍ من المدينة خرج إليها النبي وَ الّله في آخر محرم سنة ٧هـ كذا في ((البذل))(٥). (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢/١). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٣٨٦/٦). (٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (١/ ٧٤١) رقم الحديث (٣٠٩). (٤) أخرجه أبو داود فى الصلاة، الحديث (٤٣٥) (١١٨/١، ١١٩). (٥) (٢٤٦/١). ٣١٥ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٦) باب (٢٥) حديث وقال العيني: خيبر بلغة اليهود حصن، قيل: أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر، فسُمِّيَتْ به، على ستة مراحل من المدينة المنورة، وكانت الغزوة في جمادى الأولى سنة ٧هـ، انتهى. وقال الزرقاني: وخيبر أخو يثرب ابنا قانية بن مهلائيل، وكانت في صدر الإِسلام داراً لبني قريظة والنضير، قال الزرقاني: بين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلاً . ثم اختلف مشايخ الحديث في أن قصة التعريس وقعت للنبي وَلجر مرة أو تعددت لما اختلفت الروايات فيها جداً، ففي رواية حين قفل من خيبر كما تقدم، أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه أيضاً، وفي الصحيحين وأبي داود عن عمران وأبي قتاده ((كنا في سفر)) بالإِبهام، وكذا عند أبي داود عن عمر بن أُمية أيضاً، وفي مسلم وأبي داود عن ابن مسعود، ((أقبل مَل﴿ من الحديبية ليلاً)) ويأتي من مرسل زيد بن أسلم بطريق مكة، ولعبد الرزاق من مرسل عطاء، والبيهقي عن عقبة بن عامر، والطبراني عن ابن عمر: وكان بطريق تبوك، ولأبي داود عن أبي قتادة في جيش الأمراء. فحاول ابن عبد البر(١) الجمع بين الروايات بأن زمان خيبر قريب من زمان الحديبية، وطريق مكة يصدق عليها أيضاً، قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، وقال الأصيلي أيضاً: لم يقع إلا مرة واحدة، ورجح النووي والقاضي عياض تعدد القصة لكثرة اختلاف الأحاديث فيها كما سيجيء بعضها، وقال السيوطي: لا يجمع إلا بتعدد القصة، وإليه مال أكثر المحدثين. وقال أبو بكر بن العربي: ثلاث مرات؛ إحداها: رواية أبي قتادة، لم يحضرها أبو بكر وعمر، والثانية: حديث عمران حضراها، والثالثة: حضرها (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٩/١) و((التمهيد)) (٣٨٦/٦). ٣١٦ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٦) باب (٢٥) حديث أَسْرَى، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ الْلَيْلِ، عَرَّسَ. وَقَالَ لِبَلالِ: «اكْلأُ لَنَا الصُّبْحَ)) وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ وَأَصْحَابُهُ. أبو بكر وبلال - رضي الله عنهما -، قاله العيني(١)، وإليه مال الزرقاني، كما سيجيء . (أسرى) أي سار ليلاً، يقال: أسرى وسرى لغتان بمعنى، وفي رواية أبي مصعب ((أسرع)) ولأحمد من حديث ذي مُخْبِر ((كان يفعل ذلك لقلة الزاد)» فقال له قائل: يا نبي الله انقطع الناس وراءك (حتى إذا كان من آخر الليل) أي مع السحر كما في رواية ابن عمر، وعند الطبراني ((وأخذه الكرى)) كما في مسلم وأبي داود، وفي حديث أبي قتادة ((فقال بعض القوم: يا رسول الله لو عَرَّسْتَ بنا، فقال ◌َّ﴾: ((أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أُوْقظكم)). الحديث، أخرجه البخاري. (عرّس) بتشديد الراء، وجمهور أهل اللغة على أن التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، ولا يسمَّى نزول أول الليل تعريساً، وقيل: لا يختص بزمن بل مطلق نزول المسافر للاستراحة يسمى تعريساً، قال ابن رسلان: وفي الحديث يُعَرِّسون في نحر الظهيرة (وقال) بَّر (لبلال) بن رباح التيمي مولى أبي بكر - رضي الله عنه - أبو عبد الله المؤذن أسلم قديماً وعذب في الله كثيراً، شهد بدراً والمشاهد كلها، مات بالشام زمن عمر - رضي الله عنه - سنة ١٧هـ، وقيل: بعدها، وله بضع وستون سنة (أكلاً، بالهمز على صيغة الأمر أي احفظ وارقب، والمصدر كلاء بفتح الكاف والمد على ما قاله السيوطي، وقال ابن رسلان: بكسر الكاف (لنا الصبح) بحيث إذا طلع تُؤْقظنا، وهو المراد بها في أكثر الروايات اكلاً لنا الليلة أي ختمها (ونام رسول الله خلال وأصحابه، بالرفع على أنه عطف على الفاعل المظهر، قال القاري: ويجوز النصب على المفعول معه . (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٢٢/٣). ٣١٧ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٦) باب (٢٥) حديث وَكَلاَّ بِلاَلٌ مَا قُدِّرَ لَهُ. ثمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، وَلَ بِلاَلٌ، وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ. (وكلأ) بصيغة الماضي (بلال) - رضي الله عنه - فصلى كما في مسلم، وسيأتي قريباً في ((الموطأ)) أن الشيطان أضجعه (ما قدر له) بالبناء للمفعول، أي ما يسر الله له (ثم استند إلى راحلته) ليستريح والراحلة المركب من الإِبل ذكراً كان أو أنثى، قاله ابن رسلان، ولفظ ((المشكاة)): فلما قارب الصبح استند إلى راحلته موجه الفجر (وهو مقابل الفجر) أي متوجه لجهة طلوع الفجر ليطلع عليه (فغلبته) أي بلالاً (عيناه) كناية عن النوم يعني نام بلا قصد. قال المشايخ: هذا كان تنبيهاً لبلال إذ لم يُفوّضِ الأمر إلى الله إِذا أظهر خوف فوت الصلاة نبيّه وَ﴿ فقال: أنا أوقظكم، كما تقدم (فلم يستيقظ رسول الله ( 18) فإن قيل: كيف يجمع هذا لقوله وَل: ((تنام عيني ولا ينام قلبي))؟ يجاب بأن الوقت من مدركات العين، وهي نائمة دون القلب(١)، مع احتمال أن يكون هذا الوقت مستثنى من القاعدة كما يستأنس من ألفاظ حديث ابن مسعود عند أحمد ذكرها الزرقاني في أواخر الباب، ولفظه: ((لو أن الله أراد أن لا تناموا عنها لم تناموا ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم)) الحديث، وسيجيء شيء من الكلام عليه في الوتر. (ولا بلال ولا أحد من الركب) جمع راكب، وفي مسلم: ولا أحد من أصحابه (حتى ضربتهم الشمس) أي أصابهم شعاعها وحرها، قاله عياض، وفي رواية للبخاري ((وما أيقظنا إلا حر الشمس))، زاد مسلم وأبو داود ((فكان رسول الله ◌َ﴿ أولهم استيقاظاً))، وهو يخالف حديث عمران عند البخاري في أن النبي ◌َّ استيقظ بعد نفر بتكبير عمر - رضي الله عنه -، قال الزرقاني: (١) انظر: ((التمهيد)) (٣٩٢/٦ - ٣٩٣). ٣١٨ ------ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٦) باب (٢٥) حديث فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ إِ﴾(١). فَقَالَ بِلاَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((اقْتَادُوا)) . فالمتجه ما رجحه عياض أن النوم عن صلاة الصبح وقع مرتين، وإليه أومأ الحافظ، ولذا قال السيوطي: لا يجمع إلا بتعدد القصة، اهـ. (ففزع رسول الله (18) اختلف العلماء في معنى هذا الفزع وسببه على أربعة أقوال : فقال الخطابي: معناه انتبه من نومه، يقال: أفزعت الرجل من نومه ففزع أي أنبهته فانتبه، انتهى، وقال الأصيلي: ففزع لأجل عدوهم لخوف أن يتبعهم، ولا معنى لقوله لأنه ◌ّي لم يتبعه عدو في انصرافه من خيبر ولا من حنين، بل انصرف من كليهما ظافراً غانماً، مع أن القصة وقعت قريباً من المدينة المنورة، كما في ((الزرقاني))، وقال القرطبي: قد يكون الفزع بمعنى المبادرة إلى الشيء أي بادر إلى الصلاة، نقله عنه ابن رسلان. قال ابن عبد البر(٢): يحتمل أن يكون تأسفاً على ما فاتهم من الوقت، ويؤيده رواية مسلم عن أبي قتادة ((فجعل بعضنا ليهمس إلى بعض، ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟)) الحديث، وفي رواية أبي قتادة عند أبي داود فقال بعضهم لبعض: قد فرطنا في صلاتنا، وكل من هذه الأربعة موجه إلا الثاني. (فقال) وَلّ: (ما هذا) التقصير (يا بلال فقال بلال) معتذراً حين قال له رسول الله وَ﴿ يا بلال أين ما قلت؟ كما في حديث أبي قتادة عند البخاري، فقال: (يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك) يعني أن الله عزّ وجلّ استولى بقدرته عليّ كما استولى عليك، ويحتمل أن يكون المعنى النوم غلبني كما غلبك مع منزلتك، أي كان نومي بطريق الاضطرار دون الاختيار، ليصح الاعتذار، وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهم (فقال رسول الله وَالر: اقتادوا) (١) في نسخة ز. ((فقال ما هذا يا بلال؟)). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣١١/١). ٣١٩ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٦) باب (٢٥) حدیث بالقاف والمثناة الفوقية بصيغة الأمر من الاقتياد أي ارتحلوا، يقال: قاد البعير واقتاده إذا جر حبله أي سوقوا، ويأتي تعليله في التالي. قال العيني(١): فإن قلت: ما كان السبب في أمره ◌َّليل بالارتحال من ذلك المكان؟ قلت: بَيَّنَ ذلك في رواية مسلم، ((فإن هذا وادٍ حضر فيه الشيطان)) وقيل: كان ذلك لأجل الغفلة، وقيل: لكون ذلك وقت الكراهة، وفيه نظر لأن في حديث الباب ((لم يستيقظوا إلا وجدوا حر الشمس)) وذلك لا يكون إلا أن يذهب وقت الكراهة، وقيل: هذا منسوخ بقوله عليه السلام: ((فليصلها إذا ذكرها))، وفيه نظر، لأن الآية مكيّة والقصة بعد الهجرة، انتهى. قلت: بسط الرد على هذا الأخير الباجي(٢) أيضاً، قال الزرقاني(٣): وقيل: أخَّرها لاشتغالهم بأحوال الصلاة، وقيل: تحرزاً من العدو، وقيل: ليستيقظ النائم وينشط الكسلان، وقيل: لكراهة الوقت، ورُدَّ بحديث عمران بلفظ ((حتى وجدوا حر الشمس)) وللطبراني ((حتى كانت الشمس في كبد السماء))، انتهى. قلت: لا يذهب عليك أن الواقعة قد تكررت فلا يمكن الإِنكار أن تأخيره عليه الصلاة والسلام مرة كان لكراهة الوقت، ففي رواية لمسلم ((حتى إذا استيقظ رسول الله ﴿ فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت فقال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى)) وأكثر روايات أبي داود على أنه عليه السلام أخر حتى إذا ارتفعت الشمس صلى، فهذه كلها صريحة في أن التأخير كان لمبدأ الطلوع فلا يجمع بينها إلا بأنه مرة انتبهوا عند حرارة (١) ((عمدة القاري)) (٢٢٢/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٨/١). (٣) (٣٦/١). ٣٢٠