Indexed OCR Text

Pages 261-280

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(١) حديث
عَلْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ تُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ
يخفى، فيكتبون من حدثنا ثنا - بالثاء المثلثة والنون والألف - وربما حذفوا
المثلثة، ويقتصرون بالنون والألف، وربما يكتبون (دنا)) بالدال قبل نا، اهـ.
قال العراقي: ويكتبون من أخبرنا ((أنا)) زاد ابن الصلاح فيها ((أرنا)) وزاد
الجزري فيه ((أبنا)) و((رنا)) انتهى، قاله القاري.
قلت: والفرق بين التحديث والإِخبار من مسائل أصول الحديث، والكلام
فيه طويل وتقدم نبذٌ منه في مقدمة هذا التعليق فارجع إليه.
قال يحيى: أخبرنا إمام دار الهجرة (مالك بن أسر) الأصبحي - رضي الله
عنه - تقدمت ترجمته أيضاً في المقدمة مفصلاً (عن ابن شهاب) قال المناوي:
اعلم أن طريق السند والعنعنة لم يتعرضوا لحله لظهوره، والحاصل أن ((أخبر))
لازم يتعدى للمخبر عنه بـ ((عن)) وللمخبَر به بالباء، ويستعمل كثيراً بمعنى
الإِعلام، وههنا استعمل متعدياً. والمعنى: أخبرنا مالك ناقلاً عن ابن شهاب،
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن
الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري منسوب إلى جده الأعلى، سكن الشام،
إمام من أئمة الحديث، المتفق على جلالته وإتقانه، لقي عشراً من الصحابة،
يتكرر ذكره في الحديث تارة بلفظ ((الزهري)) وتارة بلفظ ((ابن شهاب)) نسبة إلى
جد جده .
قال الذهبي في ((الميزان))(١): الحافظ الحجة، كان يدلس في النادر، ولد
سنة ٥١هـ، وقيل: سنة ٥٦ هـ وقيل: سنة ٥٨هـ وتوفي في رمضان سنة ١٢٣هـ
وقيل: سنة ١٢٤ وقيل: سنة ١٢٥، ودفن بقرية ((شغت)) من أطراف الشام، وله
في ((الموطأ)) (١٣٣) حديثاً مرفوعاً، قاله الزرقاني(٢):
(أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن
(١) ميزان الاعتدال (٤/٤) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٦/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (ج ١ص١١ - ١٢).
٢٦١

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(١) حديث
أَخَّرَ الصَّلاة ◌َوْماً، فَدَخَلَ عَلَيْه عُرْوَةُ بُنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ
عبد شمس القرشي الأموي أبو حفص أمير المؤمنين. ولي إمرة المدينة للوليد،
وكان مع سليمان بن عبد الملك كالوزير، وولي الخلافة بعده، فَعُدَّ من الخلفاء
الراشدين، توفي سليمان في صفر سنة ٩٩هـ، واستخلفه يوم مات، توفي في
رجب سنة ١٠١ هـ، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف.
(أخَّر) عن وقته المستحب، كما يدل عليه رواية الليث عند البخاري قاله
الحافظ (الصلاة) أي صلاة العصر، كما نص عليه في رواية البخاري وأبي
داود، ولذا استشهد عروة فيما سيأتي من رواية عائشة في صلاة العصر (يوماً)
في أيام إمارته على المدينة في زمان الحجّاج والوليد بن عبد الملك، قاله ابن
عبد البر وغيره، وفي لفظ ((يوم)) إشارة إلى أنه لم يكن عادته، وإن كان بنو أمية
معروفين بالتأخير في الصلاة، بل في سياق أبي داود بلفظ ((كان قاعداً على
المنبر)) إشارة إلى أن سبب التأخير كان شغلاً من مصالح المسلمين (فدخل
عليه) أي على عمر بن عبد العزيز (عروة بن الزبير) بن العوام بن خويلد
الأسدي المدني التابعي الكبير ابن أخت عائشة - رضي الله عنها - أحد الفقهاء
السبعة، قال ابن عيينة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة،
وعمرة بنت عبد الرحمن.
اختلف في مولده؛ فقال الزرقاني تبعاً لمصعب الزبيري وغيره: إن مولده
أوائل خلافة عثمان - رضي الله عنه - وأنكر عليه الحافظ في ((تهذيب التهذيب))
وجزم في (التقريب)) بأن مولده في أوائل خلافة عمر الفاروق - رضي الله عنه -
وكذا نقل الاختلاف فيه الذهبي في ((التذكرة)) (١)، وتوفي سنة ٩٤ على الصحيح
(فأخبره) أي أخبر عروة عمر بن عبد العزيز بقصة المغيرة الآتية، وفيها ملاطفة
الإِنكار، لا سيما لمن علم انقياده للحق، وحرصه على معرفته، فإن ذلك أقرب
(١) ((تذكرة الحفاظ)) (ج ١ ص٦٣)، و((التقريب)) (ج ١ص١٩) و((تهذيب التهذيب)) (٤٧٥/٧)
و ((سير أعلام النبلاء)) (١١٤/٥).
٢٦٢

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(١) حديث
أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْماً، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو
مَسْعُودِ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هُذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ
إلى الرجوع إلى الحق وأسلم لنفسه من الغضب، مع ما فيه من التأنيس لعمر
بأنه لم ينفرد في هذا الأمر، بل قد أبْتُلي بمثله كبير (١) من فضلاء الصحابة (أن
المغيرة بن شعبة) (٢) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور. أسلم قبل
الحديبية، وقيل: أول مشاهده الخندق، وولي إمرة البصرة ثم الكوفة ومات سنة
خمسين .
(أخر الصلاة) أي صلاة العصر، كما في رواية عبد الرزاق (يوماً، وهو)
أي المغيرة إذ ذاك (بالكوفة) أمير عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان، ولا
منافاة بينه وبين رواية البخاري: وهو بالعراق، إذ الكوفة من جملة العراق،
نعم، التعبير بالكوفة أولى من التعبير بالعراق لأنه أخص.
(فدخل عليه) أي على المغيرة، وفي دخول أبي مسعود على المغيرة
ودخول عروة على عمر - رحمه الله - دليل في جواز دخول العلماء على
الأمراء، (أبو مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري) البدري، صحابي جليل،
اختلف في شهوده بدراً، وحقق الشيخ في ((البذل))(٣) شهوده لبدر، مات بعد
سنة ٤٠هـ وقيل قبلها .
(فقال) أبو مسعود: (ما هذا) التأخير (يا مغيرة؟ أليس) كذا الرواية وقيل:
الأفصح ((ألست)) بلفظ الخطاب (قد علمت) ظاهره علم المغيرة بذاك، ويحتمل
أنه ظن علم المغيرة به لصحبته وجلالته، ويؤيد الأول رواية البخاري في غزوة
بدر بلفظ ((لقد علمت)) بلفظ التحقيق (أن جبرئيل) بكسر الجيم وفتحها اسم
أعجمي ولذا منع عن الصرف، فيه ثلاث عشرة لغة، ذكرها السيوطي في
(١) وهو المغيرة بن شعبة اهـ ز.
(٢) انظر ترجمته في ((الإصابة)) (١٩٧/٦) و((سير أعلام النبلاء)) ٢١/٣.
(٣) (١٦٠/٣).
٢٦٣

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(١) حديث
نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴾. ثُمَّ صَلى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
عاجبه
وسام
ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ◌ِه
ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه
ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
((التنوير))(١)، وأطال الكلام جداً في تحقيق لفظه، إن شئت فارجع إليه، روي
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه بمعنى عبد الله فإن ((جبر)) عبد بالعبرية
و ((إيل)) الله، وهو أفضل الملائكة كما نقل عن كعب الأحبار، قال السيوطي:
لا خلاف أن أفضل الملائكة أربعة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
(نزل) صبيحة الإِسراء عند الزوال كما عليه كافة العلماء، ولذلك سميت
الظهر الأول. ثم نزول الملك في صورة رجل بإفناء الزائد عنه وإزالته عنه من
المسائل التي لا تليق بهذا المختصر، ذكر شيئاً منه الزرقاني والسيوطي،
والبسط في المطولات .
(فصلى) (٢) جبرئيل الظهر (فصلى رسول الله وَّله) الظهر معه مقتدياً به كما
هو ظاهر الروايات، ومال القاري(٣) إلى أن إمامة جبرئيل لم يكن على حقيقته
بل على النسبة المجازية من الدلالة بالإِيماء والإِشارة.
(ثم صلّى) جبرئيل العصر (فصلى رسول الله ◌َّلة) العصر معه (ثم صلّى)
جبرئيل المغرب (فصلّى رسول الله ◌َّة) المغرب معه (ثم صلّى) جبرئيل العشاء
(فصلّى رسول الله وَل18) العشاء معه (ثم صلّى) جبرئيل الصبح (فصلّى
رسول الله (48) الصبح معه، قال عياض: إذا اتبع فيه حقيقة اللفظ يؤدي أن
صلاته عليه السلام وقعت بعد فراغ صلاة جبرئيل، لكن المنصوص في
(١) (١/ ١٤) .
(٢) حديث إمامة جبريل للنبي ◌ّ في الصلواتِ، أخرجه الشافعي في ((كتاب الأم)) (٧١/١)
وأحمد في ((مسنده)) (٣٣٣/١) وأبو داود في الصلاة - باب ((في المواقيت)) (٣٩٣ -
٣٩٤)، والترمذي في باب ((مواقيت الصلاة)) (٢٧٨/١).
(٣) انظر ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٥/٢).
٢٦٤

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(١) حديث
ثُمَّ قَالَ: بِهِذَا أُمِرْتُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اعْلَمْ
٠٠٠
الروايات أن جبرئيل عليه السلام أَمَّ النبي وَلّ، فيحمل على أن جبرئيل كلما
فعل جزءاً من الصلاة فعله النبي ◌َّر بعده.
ثم لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على اقتداء المفترض بالمتنفل، ولا
على جواز الاقتداء بمن يقتدي بغيره، كما يوهمه رواية عبد الرزاق بلفظ :
فصيح بأصحابه ((الصلاة جامعة)) فاجتمعوا، فصلّى جبرئيل بالنبيِ وَّ، وصلّى
النبي بالناس ... الحديث، أما على ما اختاره القاري من أن نسبة الإِمامة
مجاز فظاهر، وأما على مختار القاضي عياض فلأن جبرئيل كان إذ ذاك
مأموراً، أو يقال: إنها لم تكن واجبة عليه وَ يّ أيضاً بعد، لأن الوجوب لا بد
له من البيان، فلا يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، ولا يصح الاستدلال
الثاني لاحتمال أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن إماماً بل كان مبلغاً .
ولعل وجه الإِبهام أن أوقات جبرئيل كانت معلومة له كما يُستأنس من
حديث البخاري المتقدم بلفظ ((لقد علمت)) أو يقال: إنه وقع الاختصار في هذه
الرواية فإنها مفسرة في رواية أسامة عند أبي داود، وصححها ابن خزيمة فلا
إشكال بالإِبهام، قال الشاه ولي الله في ((المصفَّى)): إن الحديث مختصرٌ طوّله
ابن عباس وجابر وغيرهما، وبه يتّجه الإِنكار على تأخير العصر، قال: ولما
كان معلوماً عنده أراد التنبيه عليه استذكاراً للرواية.
(ثم قال) جبرئيل عليه السلام: (بهذا أمرت) بالخطاب على المشهور،
وروي بالضم أي أمرت بتبليغه. ثم احتجاج أبي مسعود على المغيرة،
واحتجاج عروة على عمر بهذا الحديث إن كانا أخّرا الصلاة عن جميع وقتها
فظاهر، وإن كانا أَخّراها إلى آخر الوقت فَلِمَا فيه من القرب على الفوات.
(فقال عمر بن عبد العزيز: اعلم) بصيغة الأمر من الإِعلام، أو العلم،
وقيل: بصيغة المتكلم، ويؤيد الأول رواية الشافعي بلفظ ((اتق الله يا عروة
وانظر ما تقول)) والمقصود الاحتياط أو الاستثبات في نزول جبرئيل أو إمامته؛
٢٦٥

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(١) حديث
مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ، أَوَ إِنَّ حِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّه
وسلم
وَقْتَ الصَّلاَةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذْلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ
الأَنْصَارِيُّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ .
أخرجه البخاري فى: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١ - باب مواقيت الصلاة
وفضلها (٥٢١).
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣١ - باب أوقات
الصلوات الخمس، حديث ١٦٦ و١٦٧ (٤٢٥/١).
لما فيه من إمامة المفضول للأفضل، وهو الظاهر عندي للسياق الآتي (ما
تحدث به يا عروة، أو) بفتح الهمزة الاستفهامية والواو العاطفة على مقدر (إن)
بكسر الهمزة على الأشهر (جبرئيل هو الذي أقام لرسول الله وَل وقت الصلاة؟)
وفي رواية للبخاري: وقوت الصلاة (قال عروة) مسنداً لما رواه أي: نعم
(كذلك كان بشير) بفتح الموحدة مكبراً (ابن أبي مسعود الأنصاري) المدني
التابعي الجليل، ذكر في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي وَلّ ورآه (يحدث
عن أبيه) أبي مسعود الأنصاري.
قال ابن عبد البر (١): هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأن
ابن شهاب لم يقل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وأيضاً عروة لم يقل:
حدثني بشير. لكن الاعتبار عند الجمهور لثبوت اللقاء لا الصيغ، وقال
الكرماني: الحديث ليس بمتصل؛ لأن أبا مسعود لم يقل: شاهدت
رسول الله ◌َي﴾ .
وتعقَّبه الحافظ(٢) بأنه لا يسمى منقطعاً، وإنما هو مرسل صحابي لأنه لم
يدرك القصة، لكن يدفع هذه الإيرادات كلها رواية عبد الرزاق وحديث أبي
(١) انظر: ((التمهيد)) (١١/٨) ((والاستذكار)) (١٧٣/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٥/٢).
٢٦٦

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٢) حديث
٢ - قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ
وَهُ ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ مَله، كَانَ يُصَلَّ الْعَصْرَ
داود، أما لفظ عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب قال: كنا مع عمر بن عبد
العزيز، وفي رواية شعيب عن الزهري: سمعت عروة يحدث عمر بن عبد
العزيز، وأما لفظ حديث أبي داود(١): فقال له عروة: سمعت بشير بن أبي
مسعود يقول: سمعت أبا مسعود يقول: سمعت رسول الله وَل* يقول: نزل
جبرئيل فأخبرني بوقت الصلاة، فصليت معه ثم صليت معه ... الحديث.
٢ - (قال عروة) هو متصل بالسند المتقدم ليس بمعلق كما زعم
الكرماني، وهو مروي في ((الصحيحين)) و((موطأ محمد)). ومقصود عروة بهذا
الأثر مزيد التأكيد على مقصده بكثرة الروايات، وبأن عائشة أفقه النساء روت
تعجيل العصر، فعروة أنكر أولاً برواية إمامة جبرئيل، ثم أكده برواية عائشة
فقال: (ولقد حدثتني) أم المؤمنين (عائشة) بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها
وَّة) اسمها مغنٍ عن وصفها، ولدت بعد
ياء، الصديقة بنت الصديق (زوج النبي
المبعث بأربع أو خمس، وتزوجها و 18 وهي بنت ست أو سبع، ودخل بها
وهي بنت تسع، وتوفي رَّر عنها وهي بنت ثماني عشرة، ماتت ليلة الثلاثاء
لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ٥٧هـ، ودفنت بالبقيع. رضي الله تعالى عنها
وأرضاها .
(أن رسول الله ◌َّ﴾ كان يصلي العصر) قال الزرقاني: سميت العصر لأنها
تُعْصر، رواه الدارقطني عن أبي قلابة وعن محمد بن الحنفية أي يتبطّأ بها، قال
الجوهري: قال الكسائي: يقال: جاء فلان عصراً أي بطيئاً. انتهى.
وقال الإِمام محمد في ((موطئه))(٢): قال بعض الفقهاء: إنما سميت العصر
(١) رقم الحديث (٣٩٤).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٧١/١).
٢٦٧

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٢) حديث
وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، قَبْلِ أَنْ تَظْهَرَ .
أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١ - باب مواقيت الصلاة
وفضلها .
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣١ - باب أوقات
الصلوات الخمس، حديث ١٦٧ .
لأنها تؤخر، فإطلاق الاسم يدل على تأخير العصر، كما سيجيء. لا يقال: إن
مقصود عروة من ذكر الرواية الإنكار على التأخير، وهو لا يصح، لأن اجتهاد
عروة - رضي الله عنه - حجة لمقلديه، لا على سائر الناس، وهذا بعد ثبوت أن
عروة استدل به على التعجيل، ودون ثبوته خرط القتاد (والشمس) أي والحال
أن ضوء الشمس (في حجرتها) بضم الحاء وسكون الجيم أي بيتها. الحَجْر:
المنع، سميت الحجرة بذلك لمنعها المال ووصول الأغيار من الرجال،
وللبيهقي ((في قعر حجرتها)) والضمير إلى عائشة - رضي الله عنها - عبرت عن
نفسها بغائب (قبل أن تظهر) أي ترتفع (١)، يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه،
قال المشايخ: استدل عروة بهذا على تعجيل العصر.
وقال الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت
قصيرة الجدار، فلم تكن تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا
على التعجيل، وأورد عليه بأن هذا يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف أن
الحجرة لم تكن متّسعة، ورُدَّ بأن الإِيراد يمكن أن يتوجه لو كانت الجدر
طويلة، وقد ثبت أنها كانت قصيرة جداً .
قال في ((البدائع))(٢): وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد كانت
حيطان حجرتها قصيرة، فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير الشمس، قلت:
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٦٦/١).
(٢) ٣٢٥/١).
٢٦٨
---

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٢) حديث
وهذا كله إن حمل الضوء على ما في داخل البيت، ولو أريد به الضوء الداخل
من باب الحجرة، فإن بابه كان غَرْبِيَّاً يدخل منه ضوء الشمس، وكلما يكون
أقرب إلى الغروب يكثر الشمس فيه، ولا يخرج منه إلا قريب الغروب، كما
هو ظاهر، فحينئذ لا يدل إلا على غاية التأخير، ولا يصح الاستدلال به إلا
على التأخير.
وأيضاً تسميتها بالعصر مشعرة إلى التأخير، قال الإِمام محمد في
(موطئه)): قال بعض الفقهاء: إنما سميت العصر لأنها تعصر وتؤخر، كما تقدم
مفصلاً، وأيضاً فحديث الترمذي برواية الخدري: صلّى بنا رسول الله وَّ صلاة
العصر بنهار .. الحديث، كالصريح في الإِشارة إلى أنه ي # كان يصليها دائماً
قريباً من الغروب كما هو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَيِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾(١).
وروى الإِمام محمد - رضي الله عنه - في كتابه ((الحجج)) عن إبراهيم
النخعي قال: أدركت أصحاب عبد الله بن مسعود وهم يصلون العصر في آخر
وقتها، وروي أيضاً عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى
الأشعري: أن صَلِّ العَصْرَ والشمس بيضاء نقية قبل أن تدخلها صفرة، ثم قال:
وبه نقول .
قلت: وقد رويت الروايات(٢) في تأخير العصر أكثر من تعجيلها، روت
أم سلمة - رضي الله عنها - ((كان ◌َلّ أشد تعجيلاً للظهر منكم وأنتم أشد
تعجيلاً للعصر منه)) رواه أحمد والترمذي.
فالحاصل أن تأخير العصر أفضل من التعجيل بها، وأثر عروة لا يدل إلا
(١) سورة ق: الآية ٣٩.
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (١ /٤٧).
٢٦٩

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٣) حديث
٣ - وحدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارِ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ
صَلاَةِ الصُّبْحِ. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ عَ.
على التأخير كما تقدم، ولو سُلِّم فالروايات في التأخير أكثر كما تقدم، وذكر
طرقها في المطولات من ((الزيلعي)) و((العيني))، من شاء فليرجع إليها، وهذا
الوجيز لا يسعها .
٣ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر، فقيه، ثقة، عالم،
وكان يرسل من الطبقة الوسطى من التابعين، كانت له حلقة في مسجد
النبي ◌َّ، قال في ((الفتح الرحماني)): أدرك ابن عمر - رضي الله عنه - ولم
يسند عنه، له مرسلات عن جابر، مات في ذي الحجة سنة ١٣٦هـ (عن عطاء بن
يسار) بلفظ ضد اليمين، الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة، وهم أربعة
إخوة كاتبتهم ميمونة، وعطاء هذا أكثرهم حديثاً، وسليمان أفقههم، ثقة فاضل
كثير الحديث مات ٩٤هـ، وقيل: بعد ذلك (أنه) أي عطاء (قال) اتفقت رواة
((الموطأ)) على إرساله، وقد ورد موصولاً من حديث أنس عند البزار(١) ومن
حديث عبد الرحمن بن يزيد عند الطبراني ومن حديث زيد بن حارثة عند أبي
يعلى، قاله الزرقاني.
(جاء رجل) لم أقف على اسمه (إلى رسول الله (وَلجهود) وكان إذ ذاك في
سفر كما في حديث زيد بن حارثة (فسأله عن) تحديد (وقت صلاة الصبح)
والسؤال كان عن جميع الأوقات واختصره الراوي، أو كان عن صلاة الصبح
خاصة كما هو الظاهر، ثم كان المقصود تحديد جميع الوقت كما يظهر من
الجواب، قال: (فسكت عنه رسول الله وَل18) أي عن بيان الوقت، بل أمره
(١) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ((مجمع الزوائد)) (٣١٧/١) وأخرجه البيهقي من
طريق أبي موسى (٣٧٤/١) وأبو داود في الصلاة (١٠٨/١ - ١٠٩) ومسلم في كتاب
المساجد برقم (١٧٩) وأحمد في ((مسنده)) (١١٣/٣).
٢٧٠

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٣) حديث
حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. ثُمَّ صَلَّى
الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ. ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ
الصَّلاةِ؟)) قَالَ: ها أَنَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: ((مَا بَيْنَ هُذَيْنِ وَقْتُ)).
أخرجه النسائي في: ٧ - كتاب الأذان، ١٢ - باب وقت أذان الصبح.
بالصلاة معه يومين لأن التعليم الفعلي أقوى، مع أنه بهذا الطريق يحصل العلم
لجماعة، ولا يختص بالسائل فقط، وفيه جواز تأخير البيان عن وقت السؤال
لمصلحة(١) (حتى إذا كان من الغد) وكان عليه السلام بقَاع نمرةَ بالجحفة كما
في حديث زيد (صلّى الصبح حين طلع الفجر) أي بعد طلوع الفجر الثاني
متصلاً، ولفظ الحين يستعمل في أمثال هذا المحل على المبالغة (ثم صلى
الصبح من الغد) وفي رواية زيد: حتى إذا كان بذي طُوَى أخَّرها، قال
السيوطي: فيحتمل أن تكون قصة واحدة، ويحتمل تعدد القصة، انتهى.
قلت: والظاهر الوحدة، وهذان الموضعان في طريق مكة (بعد أن أسفر)
أي أضاء وانكشف جداً، وفي حديث زيد فصَلّاها أمام الشمس (ثم قال) مَّ:
(أين السائل) هذا يقتضي اهتمامه وَلّه بالتعليم، وقد خص السائل لفضل اجتهاده
وبحثه عن العلم (عن وقت الصلاة؟) وفي حديث أنس: عن وقت صلاة الغداة.
قال الراوي: (فقال) السائل: (ها) حرف تنبيه (أنا) مبتدأ (ذا) خبره (يا
رسول الله! قال) وَ﴾: (ما بين هذين) الوقتين (وقت) للصلاة.
ولفظ البين يدل على أن وقت صلاته عليه السلام في اليومين خارج عن
الوقت، وهو ظاهر البطلان، فيمكن أن يُوَجَّه بأنه ثبت بقوله مَّ كون ما بينهما
وقتاً للصلاة، وثبت بفعله مَّ كون هذين الوقتين وقتاً لها.
والأوجه أن يقال: إن إشارة هذين إلى وقت ابتداء الصلاة في اليوم
الأول وانتهاء الصلاة في اليوم الثاني، فيثبت كل الوقت بالقول، والبداية
والنهاية بالفعل أيضاً .
(١) انظر: ((التمهيد)) (٣٣٢/٤) و((الاستذكار)) (٢٠٩/١) و((الزرقاني)) (١٧/١).
٢٧١

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٤) حدیث
٤ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ﴿ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَات
بِمُرُوطِهِنَّ،
٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) بكسر العين، ابن قيس الأنصاري أبي
سعيد المدني قاضيها، ولجده قيس صحبة، روى عنه من الأئمة مالك وأبو
حنيفة، قال أحمد: أثبت الناس، مات سنة ١٤٤ هـ، وقيل: بعدها (عن عمرة
بنت عبد الرحمن) بن سعيد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت في حجر عائشة
فأكثرت عنها، وهي والدة أبي الرجال، ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها، ولا
يذهب عليك أنها ممن روت عن عائشة، وتسمَّى عمرة أنها خمس نسوة أو
ست، كما في ((التهذيب))(١).
(عن عائشة زوج النبي ولو أنها قالت: إن كان) بكسر الهمزة وإسكان النون
مخففة من الثقيلة واللام لازمة في خبرها (رسول الله يلزم ليصلي) اللام فارقة
عند البصريين بين المخففة والنافية، والكوفيون يجعلونها بمعنى إلا وإن النافية
(الصبح، فينصرف النساء) من الصلاة أو إلى البيوت، وفيه إشارة إلى مبادرتهن
في الانصراف، كما هو مصرح في الروايات (متلففات) بفائين في رواية يحيى
وجماعة، وروي بفاء ثم عين، وعزاه عياض لأكثر رواة ((الموطأ))(٢)، والمعنى
متقارب، فالتلفف: هو الاشتمال في الثوب، والتلفع: أن يشتمل بالثوب حتى
يجلل به جسده، واللفاع ما يجلل به جسده ثوباً كان أو غيره، قيل: الالتفاع لا
يكون إلا بتغطية الرأس، والتلفف يكون مع التغطية وغيره.
(بمروطهن) بضم الميم جمع مرط بكسرها أكسية من صوف أو خز،
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٣٩/١٢)، و ((سير أعلام النبلاء)) (٧٢/٥).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٢١).
٢٧٢

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٤) حديث
مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْعَلَسِ.
أخرجه البخاري: في ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٢٧ - باب وقت صلاة
الفجر .
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٤٠ - باب استحباب
التبكير بالصبح في أول وقتها، حديث ٢٣٢.
وقيل: كساء من صوف مُرَبَّع، سداه شعر، وقيل: هي الإِزار (ما يُعْرفن) أنساء
أم رجال، وقيل: لا تُعْرف أعيانهن بأن لا يكون الامتياز بين خديجة وزينب،
وهذا الأوجه، وإن ضعَّفه النووي، ويؤيده أن المعرفة تتعلق بالأعيان، فلو كان
الأول لعبر بنفي العلم، وتضعيف النووي رده الزرقاني (من) ابتدائية أو تعليلية
(الغلس) بفتح المعجمة واللام، بقايا ظلمة الليل يخالطها ظلام الفجر، وقال
ابن الأثير: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.
ولا يُشْكل عليه رواية ((الصحيحين)) عن أبي برزة أنه ◌ّ كان ينصرف من
صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، لأن هذا في حالٍ دون حالٍ مع أن
النساء متلففات مغطيات رؤوسهن.
ثم الأئمة قد اختلفوا في أفضل وقت الفجر، فقال مالك والشافعي
وأحمد في رواية - رحمهم الله -: إن التغليس بصلاة الفجر أولى، وفي رواية
أخرى لأحمد - على ما ذكره الشعراني - أن الاعتبار بحال المصلين، إن شق
عليهم التغليس كان الإِسفار أفضل، وإن اجتمعوا كان التغليس أفضل. وقال
الطحاوي(١): يبدأ بالتغليس، ويُطَوِّل القراءة حتى يُسْفِر جداً، وقال أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد - رحمهم الله -: إن الإِسفار أفضل، واستدلوا بروايات
فعله وَلّر، وقوله، وآثار الصحابة رضي الله عنهم.
أما الروايات: فأخرج أصحاب السنن الأربعة وغيرهم من رواية رافع بن
(١) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ١٧٩).
٢٧٣

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٤) حديث
خديج قال: قال رسول الله وَله: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)). قال
الترمذي: حديث حسن صحيح (١).
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): صححه غير واحد، وءأخرجه ابن حبان
بلفظ: ((أسفروا بصلاة الصبح، فإنه أعظم للأجر))، وفي لفظ الطبراني
والطحاوي: ((كلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر))، وأخرجه البزار من
حديث أنس بلفظ: ((أسفروا بصلاة الفجر فإنه أعظم للأجر)). وأخرج ابن أبي
شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني والإِمام محمد في كتابه ((الحجج)) عن
رافع بن خديج: سمعت رسول الله وَ له قال لبلال: ((يا بلال، نَوِّر بصلاة الصبح
حتى يبصر القوم مواضع نبلهم)). وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه عليه
الصلاة والسلام كان يصلي الصبح حين يفسخ البصر.
وأخرج الطحاوي من حديث جابر قال: كان عليه السلام يؤخر الفجر
كاسمها. ومن حديث رافع مرفوعاً: ((نوروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)). وعن
بلال مثله، وعن عاصم بن عمرو عن رجال من قومه من الأنصار من الصحابة
أنهم قالوا: قال رسول الله وَلجر: «أصبحوا الصبح فكلما أصبحتم فهو أعظم
للأجر)».
وأخرجه الإِمام محمد أيضاً في كتابه ((الحجج))، وأخرج البخاري ومسلم
من حديث أبي برزة أن النبي ◌ّ كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف
الرجل جليسه. وأخرجا أيضاً عن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله وَ له
صلّى لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلّى صلاة
الصبح من الغد قبل وقتها. يعني وقتها المعتاد فإنه صلّى هناك في الغلس، ولا
(١) أخرجه الترمذي برقم (١٥٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٥/٢).
٢٧٤
------

---
١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٤) حديث
يمكن أن صلّاها قبل الفجر. وأخرج أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد عن
أبي الدرداء مرفوعاً: ((أسفروا بالفجر تغنموا)).
وأما الآثار: فأخرج الطحاوي(١) عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه قال:
كان علي يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى بالشمس مخافة أن يكون قد طلعت.
وعن السائب: صليت خلف عمر الصبح فقرأ فيها بالبقرة، فلما انصرفوا
استشرفوا الشمس فقالوا: طلعت، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وعن
زيد بن وهب صلّى بنا عمر صلاة الصبح فقرأ بني إسرائيل والكهف حتى
جعلت أنظر إلى جدار المسجد، هل طلعت الشمس؟ وعن أنس: صلّى بنا أبو
بكر - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فقرأ بسورة آل عمران، فقالوا: كادت
الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نصلِّي مع ابن مسعود، فكان يسفر
بصلاة الصبح، وعن جبير بن نفير صلّى بنا معاوية الصبح فغَلَّسَ، فقال أبو
الدرداء: أسفروا بهذه الصلاة. وعن إبراهيم النخعي قال: ما اجتمع أصحاب
رسول الله ◌َّل على شيء ما اجتمعوا على التنوير، أخرجه ابن أبي شيبة
والطحاوي، ثم قال الطحاوي: فأخبر أنهم كانوا اجتمعوا على ذلك، ولا
يجوز عندنا - والله أعلم - اجتماعهم على خلاف ما قد كان رسول الله وَله فعله
إلا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، انتهى.
وبسط الكلام صاحب ((البدائع))(٢) ثم قال: فإن ثبت التغليس في وقت
فلعذر الخروج إلى سفر، أو كان ذلك في ابتداء حين كن يحضرن الجماعات،
ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك.
(١) (شرح معاني الآثار)) (١٠٦/١).
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٣٢٣/١).
٢٧٥

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٥) حديث
٥ - وَحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارِ؛ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ،
قال الإِمام محمد في كتابه ((الحجج)): قد جاء في ذلك آثار مختلفة من
التغليس والإِسفار بالفجر، والإِسفار أحب إلينا لأن القوم كانوا يغلسون،
فيطيلون القراءة فينصرفون كما ينصرف أصحاب الإِسفار، ويدرك النائم وغيره
الصلاة، وقد بلغنا عن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - أنه قرأ سورة
البقرة في صلاة الصبح، فإنهم كانوا يُغَلِّسون لذلك، فأما من خَفَّفَ وصلّى
بسورة المفصل ونحوها، فإنه ينبغي له أن يسفر، وقد بلغنا أن رسول الله والله
قال: أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر، حديث مستفيض معروف، انتهى.
قلت: وحديث قراءة أبي بكر - رضي الله عنه - البقرة يأتي في ((الموطأ))،
وأخرجه الطحاوي أيضاً، وأخرج عنه أيضاً أنه قرأ فيها بآل عمران.
وأخرج الطحاوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه صلّى، فقرأ بسورة
يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، وسيأتي في ((الموطأ)) أيضاً، وروي عنه أيضاً
أنه قرأ فيها بسورة البقرة، وروي عنه أيضاً: أنه قرأ فيها ببني إسرائيل وسورة
الكهف، ولا بد لمن يقرأ أمثال هذه السور أن يفرغ في الإِسفار.
وقال العلامة العيني في ((شرح البخاري)): ولنا أحاديث كثيرة في هذا
الباب، رويت عن جماعة من الصحابة - ثم بسطها، ولا يسعها هذا المختصر -
تدل على الإِسفار بالصبح، فَعُلم بهذا كله أنه لو ثبت التغليس فيحمل على
الخصوصية كما يدل عليه الأوامر بالإِسفار، أو على الانتساخ كما قاله صاحب
((البدائع)) والطحاوي، أو على العذر، أو على أطول القراءة كسورة البقرة،
فيحمل على الخصوصية أيضاً لقوله وَله: ((صلِّ بالقوم صلاة أضعفهم)). فتأمل،
ولا يحتاج إلى هذا كله بعد ما تقدم أن أصحاب النبي وَلّر ما اجتمعوا على
شيء ما اجتمعوا على التنوير.
٥ - (مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن) عطف على عطاء
كما سيأتي (بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة آخره راء (ابن سعيد) بكسر
٢٧٦
------ --

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٥) حديث
وَنِ الأَعْرَجَ. كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
٠٬٠٠
العين، المدني الحافظ، ثقة حافظ من التابعين، مات سنة مائة (وعن الأعرج)
قال السمعاني في ((الأنساب)): بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح الراء
في آخره جيم نسبة إلى العرج والمشهور بها أبو حازم، اهـ.
قال في ((الفتح الرحماني))(١) عن العيني: فيه جواز ذكر العاهة التي
بالإِنسان إن لم يكن على وجه التعيير، بل لأجل استفاضته أو نحو ذلك، وهو
عبد الرحمن بن هرمز - بضم الهاء والميم بينهما راء ساكنة وآخرها زاي ـ قاله
الزرقاني، أبو حازم المدني مولى ربيعة، وقيل فيه: مولى بني مخزوم ((الفتح
الرحماني)) ثقة، ثبت، مات سنة ١١٧هـ بالإسكندرية (كلهم) أي كل واحد من
هؤلاء الثلاثة (يحدثه) أي يحدث كل واحد منهم زيداً، ولفظ محمد في
(موطئه)) ((یحدثونه)).
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه الدوسي الصحابي الجليل حافظ
الصحابة(٢)، قال الشافعي: أبو هريرة - رضي الله عنه - أحفظ من روى
الحديث في الدنيا. اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، كني به
لأجل هرة كان يحمل أولادها، توفي سنة ٥٧هـ، وقيل: بعدها، وهو ابن ثمان
وسبعين، أسلم سنة ٧هـ، وهل هو ممنوع من الصرف؟ كان مختلفاً بين الفحول
فيما مضى حتى كثرت الرسائل من الفريقين فيه والمسموع في قراءتنا منعه من
الصرف .
قال القاري: ثم جرُّ هريرة هو الأصل. وصَوَّبَه جماعة لأنه جزء عَلَم،
واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين
وغيرهم؛ لأن الكل صار كالكلمة الواحدة، واعترض بأنه يلزم عليه رعاية
(١) هو ((شرح الموطأ)) للشيخ بيري زادة الحنفي، لا يزال مخطوطاً، وقد تقدم الكلام عليه
(ص١٢٥).
(٢) انظر: ((الاستيعاب)) (١٧٦٨/٤).
٢٧٧

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٥) حدیث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ، قَبْلَ أَن تَطْلُعَ
الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَضَرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ
الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ)).
أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٢٨ - باب من أدرك من
الفجر ركعة .
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٠ - باب من أدرك
الركعة من الصلاة، حديث ١٦٣.
الأصل والحال معاً في كلمة واحدة بل في لفظ واحد، وأجيب بأن الممتنع
رعايتها من جهة واحدة لا من جهتين كما هاهنا، وكان الحامل عليه الخفة
واشتهار الكنية حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلف فيه اختلافاً كثيراً حتى
قال النووي: اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من خمسة وثلاثين قولاً
انتهى. قال العيني: روي له خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعون
حديثاً .
(أن رسول الله وَ ليلةٍ قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس)
لفظ أن مصدرية يعني قبل طلوع الشمس (فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من
العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) ظاهر الحديث أن مدرك الركعة
الواحدة منهما مدرك لتمام الصلاة وليس عليه أداء ما بقي، ولم يقل به أحد من
العلماء، وقال النووي: أجمع المسلمون على أنه ليس على ظاهره (١).
قال ابن الملك في شرح قوله عليه السلام (فقد أدرك الصلاة)): وهو
محتاج إلى التأويل، لأن مدرك ركعة لا يكون مدركاً لكل الصلاة إجماعاً، اهـ،
فقال الإِمام مالك والشافعي وأحمد - رحمهم الله - في توجيه الحديث: إِنه
أدرك الوقت فليتم صلاته، وقد ورد مصرحاً في بعض الروايات بلفظ ((فليتم
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٧٣/٣) و((الاستذكار)) (٢٢١/١).
٢٧٨

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٥) حدیث
صلاته)) وبلفظ ((فليُضف إليها أخرى)) فعندهم إذا صلّى ركعة من العصر أو
الفجر، ثم خرج الوقت قبل سلامه فلا تبطل صلاته بل يُتِمُّها .
ولكن الحديث بهذا المعنى يخالف روايات النهي عن الصلاة في هذه
الأوقات، وهي روايات مشهورة، والحمل على معنى يخالف الروايات الشهيرة
مما لا يليق بأهل النظر، ولذا قالت الحنفية - شكر الله سعيهم -: إِنه لو أريد به
هذا المعنى، ووقع التعارض بين الروايات فيترجّحُ روايات النهي لما تقرر في
الأصول أن المحرِّم يترجح عند التعارض، وهذا أحد الوجوه في معنى
الحديث .
والأوجه أن تحمل الأحاديث على معنى لا يوجب التعارض، فقيل: إنه
محمول على صلاة الجماعة، والمعنى: أن من أدرك جزءاً من الجماعة فقد
أدرك فضلها، فليتم صلاته بعد فراغ الإِمام. ولا يشكل حينئذ تخصيص الركعة،
وتخصيص هاتين الصلاتين.
أما الأول فلما نقله العيني عن بعض الشافعية أنه إنما أراد عليه السلام
بذكر الركعة البعض، ولذا روي عنه بَلجر: من أدرك ركعة، ومن أدرك ركعتين،
ومن أدرك سجدة، وقال: وقَيدُ الركعة خرج مخرج العادة؛ فإن غالب ما يمكن
معرفته الإدراك به ركعة أو نحوها. وأما الثاني فلما نقل السيوطي في
((التنوير)) (١) أن تخصيص هاتين الصلاتين بالذكر دون غيرهما مع أن الحكم ليس
خاصاً بهما، بل يعم جميع الصلوات فلأنهما طرفا النهار، اهـ.
قلت: أو يقال: إنه ورد ذكر العصر والفجر مخرج العادة دون الاحتراز،
ولذا لم يذكر في بعض الروايات كما يجيء فيما ترجم به المصنف بقوله: من
أدرك ركعة من الصلاة، فحينئذ يكون هذا الحديث في معنى الأحاديث المطلقة
صَلى له
وسلم
الآتي تقريرها بعد باب واحد، ولو سُلِّمَ التخصيص هاهنا فيقال: لما منع
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٢٣).
٢٧٩

١ - كتاب وقوت الصلاة
(١) باب
(٥) حديث
عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، فيحتمل أن يتوهم متوهم أن النهي يشمل
أيضاً فراغ الإِمام عن الصلاة وإن لم يفرغ هذا المصلي بعد.
وقال بعض العلماء في معنى الحديث: إنه محمول على معنى إدراك
الصبي البلوغ، والحائض الطهارة، والكافر الإِسلام، يعني لو يدركون هؤلاء
من وقت الصبح أو العصر بقدر ركعة يفرض عليهم تلك الصلاة، وحينئذ لا
يخالف أيضاً روايات النهي عن الصلاة، وإلى هذا مال الطحاوي.
ولا يُشْكل عليه الروايات التي بلفظ «فليتم صلاته)) أو بلفظ ((فليضف إليها
أخرى)) لأن معنى قوله: ((فليتم)) فليأت به على وجه التمام في وقت آخر، كما
قال به الشيخ أكمل الدين في ((شرح المشارق))، ولفظ ((فليضف إليها أخرى))
رواية بالمعنى، كيف لا؛ والمشهور في الروايات لفظ ((فقد أدرك الصلاة)).
ولا يقال هاهنا أيضاً: إنه لا وجه للتخصيص بهاتين الصلاتين، لأنا نحن
أيضاً نقول: بأنه لا تخصيص بهما، فقد ورد ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد
أدرك الصلاة)) كما سيجيء، ولو سُلِّمَ، فوجه التخصيص بهما أن الصلاة عند
الطلوع والغروب كان منهياً عنه فمدرك جزء من الصلاة في هذين الوقتين كان
وجوب الصلاة عليه في حيّز الخفاء، لأنه لم يجد وقت الأداء لفساد الصلاة
بالطلوع، وليس كذلك الأوقات الأخر؛ فإنه يمكن له في غيرهما أن يبتدأ في
هذا الوقت، ويختمه في وقت الصلاة الأخرى كما لا يخفى.
ولو حمل الحديث على ما حمل عليه الأئمة الثلاثة فحينئذ يصار إلى
القياس كما تحقق في الأصول: أن المصير عند تعارض الآيتين الحديث، وعند
تعارض الحديثين القياس، ومقتضى القياس بطلان صلاة الفجر بطلوع الشمس
وصحة العصر بغروبها، وبه قالت الحنفية كما بسط في أصول الفقه، وتقريره
مشهور تركناه خوف الإطناب.
والأوجه عندي في وجه ترجيح جواز العصر دون الفجر أن ظاهر قوله عز
٢٨٠
--