Indexed OCR Text

Pages 181-200

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
مقلت عينيَّ مثل أبي حنيفة، وقال خلف بن أيوب: صار العلم من الله تعالى إلى
محمد ◌َّ، ثم منه إلى أصحابه، ثم منهم إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة
وأصحابه، فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط.
وقال ابن المبارك للثوري: ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، ما سمعته قط
يغتاب عدواً له قط. قال: والله هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب
بها. وحكي عن ابن عيينة سمعت شقيق بن عتيبة يقول: ما مقلت عينيّ مثل أبي
حنيفة. وحكى الموفق عن الزرنجري: أنه - رضي الله عنه - يجتهد حتى يأخذ
بأقوال أبي بكر - رضي الله عنه - وأفعاله وخصاله؛ لأن الصديق - رضي الله
عنه - كان أفضل الصحابة وأعلمهم وأفقههم وأورعهم وأتقاهم وأعبدهم
وأزهدهم وأسخاهم وأجودهم. فكذلك كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - أعلم
التابعين وأفقههم وأتقاهم، وأورعهم وأعبدهم، وأزهدهم وأسخاهم وأجودهم،
حتى إنه كان للصديق - رضي الله عنه - حانوت بمكة يبيع البزَّ فيه، فكان -
رضي الله عنه - يتبعه فيه، فاتخذ حانوتاً بالكوفة يبيع البزَّ فيه.
ونختم هذه الفائدة بما ورد من تبشير النبي 18 بالأئمة، فقد أخرج
البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبو نُعيم عنه. والشيرازي والطبراني عن
قيس بن سعد بن عبادة. والطبراني عن ابن مسعود أن النبي وَ لّر قال: «لو
كان العلم عند الثُرَيًّا(١) لتناوله رجال من أبناء فارس))، قال السيوطي: هذا
أصل صحيح يعتمد عليه في البشارة بأبي حنيفة - رحمه الله - وهو نظير
1
الحديث الذي في مالك، وهو قوله عليه السلام: ((يُوشك أن يضرب الناس
أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة))(٢)، والحديث
الذي جاء في الشافعي - رضي الله عنه -: ((لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ
الأرض علماً))(٣) وهو حديث حسن له طرق.
(١) انظر: ((فيض القدير)) (٣٢٣/٦) و((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٦٤/١٠).
(٢) أخرجه الترمذي في (كتاب العلم)) رقم (٢٦٨٠).
(٣) أخرجه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٤١٣٤).
١٨١

الباب الرابع: في ذكر الإِمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
الفائدة الثالثة
في تابعية الإمام
وهو من المسائل المختلفة الشهيرة، فمن مثبتٍ له ونافٍ، وتفصيله
يقتضي البسط في الكلام، وليس هذا محله، والحق الذي يرشد إليه ملاحظة
كتب الرجال والتواريخ والأصول، أن التابعي عند أهل الفن على نوعين:
باعتبار الرؤية، وباعتبار الرواية، والمختلف فيه عند المؤرخين هو الثاني،
وأما الأول فجمهور أهل الرجال على ثبوته.
قال ابن حجر المكي الشافعي - رحمه الله - كما قاله الذهبي: إنه رأى
أنس بن مالك وهو صغير وفي رواية: رأيته مراراً، وكان يخضب بالحمرة،
وفي ((فتاوى شيخ الإِسلام ابن حجر)): أنه أدرك جماعة من الصحابة كانوا
بالكوفة، فهو من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار
المعاصرين له، كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري بالكوفة،
ومالك بالمدينة، والليث بن سعد بمصر، فهو من أعيان التابعين الذين شملهم
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ الآية(١)،
وذكر جماعة ممن صنف في المناقب وغيرهم أنه سمع أيضاً من جماعة من
الصحابة غير أنس، منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة المتوفى سنة ١٠٢ (٢) هـ
بمكة، وقد حج أبو حنيفة مع أبيه سنة ست وتسعين فلقاؤه معه مما لا ينكر.
ومنهم: سهل بن سعد المتوفى سنة ٨٨هـ وقيل بعدها، ومنهم:
السائب بن الخلاد المتوفى سنة ٩١هـ، ومنهم: السائب بن يزيد المتوفى سنة
٩١ هـ، ومنهم: عبد الله بن بُسرة المتوفى سنة ٩٦هـ، ومنهم: محمود بن
الربيع، المتوفى سنة ٩٦هـ وغيرهم، عَدَّهم أهل التاريخ.
وحكى ابن حجر أيضاً عن بعض متأخري المحدثين ما حاصله: جزم
(١) سورة التوبة: الآية ١٠٠.
(٢) وفي ((التقريب)) (٤٦٤/١) سنة ١١٠ هـ على الصحيح.
١٨٢

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
خلائق من أئمة الحديث أنه لم يسمع من أحد من الصحابة شيئاً، وأما رؤيته
لأنس وإدراكه لجماعة من الصحابة بالسن فصحيحان لا شك فيهما، كذا في
((الخيرات))، قال القاري في الرد على القفّال: فإنه من بين الأئمة المجتهدين،
مختصّ بكونه من التابعين دون غيره باتفاق العلماء المعتبرين، وعدّه
القسطلاني في ((شرح البخاري)) في بيان المذاهب في جملة التابعين كثيراً،
وقال اليافعي: كان أدرك أربعة من الصحابة، وهم أنس بالبصرة، وعبد الله بن
أبي أوفى بالكوفة، وسهل بالمدينة، وأبو الطفيل بمكة، رضي الله عنهم.
وقال القاري في ((طبقات الحنفية)): قد ثبت رؤيته بعض الصحابة،
واختلف في روايته عنهم والمعتمد ثبوتها، كما بينه في ((شرح مسند
الإِمام)) (١)، قلت: وكذا أثبت الرواية العيني شارح البخاري، وقال ابن حجر:
أما رؤيته لأنس وإدراكه لجماعة من الصحابة بالسنِّ فصحيحان لا شك فيهما،
وأثبت العيني سماعه من الصحابة، ورَدّ عليه الشيخ قاسم الحنفي، وقاعدة
المحدثين أن راوي الاتصال مقدَّمٌ على راوي الإِرسال والانقطاع؛ لأن معه
زيادة علم تؤيد ما قاله العيني، فاحفظ ذلك فإنه مهم، انتهى مختصراً.
وقال العراقي: ويندرج الإِمام الأعظم في سِلْكِ التابعين، فإنه قد رأى
أنساً وغيره من الصحابة على ما ذكره الشيخ الجزري في رجال القُّرَاء،
والتوربشتي في ((تحفة المسترشد))، وصاحب ((كشف الكشاف)) في سورة
المؤمنين، وصاحب ((مرآة الجنان)) وغيرهم من العلماء المتبحرين، فمن نفى
أنه تابعي فإما من التتبع القاصر، أو التعصب الفاتر.
وقال ((صاحب الغرائب)): فأثبت تبعية الإِمام الثقات المعتمدون:
الدارقطني، وابن سعد، والخطيب، والذهبي، والحافظ ابن حجر (٢)، وولي
العراقي، والسيوطي، والقاري، والأكرم السندهي، وأبو معشر، وحمزة
(١) انظر (ص٨)
(٢) في جواب سؤال، وأما في ((تقريب التهذيب)) فعدّه من الطبقة السادسة وهم الذين لم
يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، انتهى ((ش)) ..
١٨٣

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
السهمي، واليافعي، والجزري، والتوربشتي، وابن الجوزي، والسراج صاحب
((كشف الكشاف)) وغيرهم.
وأثبت تابعية الإِمام الشيخ عبد الرشيد النعماني في رسالته الهندية
المسماة بـ ((ابن ماجه وعلم الحديث))(١).
الفائدة الرابعة
في علو مرتبته في الحديث
ولم تكن الحاجة إلى هذه الفائدة؛ لأن الإِمام - رضي الله عنه - مجتهد
إجماعاً. بل من أكابر المجتهدين، لم ينكر ذلك أحد سلفاً ولا خلفاً، والرجل
لا يكون مجتهداً إلا بعد أن يكون ماهراً بالقرآن الكريم، والحديث الشريف،
والآثار، والتاريخ، واللغة، والقياس، كما صرح به أئمة الأصول قديماً
وحديثاً، وبعد ذلك فإن إنكار إمامة الإِمام في الحديث ليس إلا سفسطة.
ومع هذا استحسنا أن نذكر شيئاً من تصريحات أهل الفن في ذلك؛
فقال ابن المبارك: كان - رضي الله عنه - والله شديد الأخذ للعلم، ذابّاً عن
المحارم، متّبعاً لأهل بلده، لا يستحلّ أن يأخذ إلا ما صح عن رسول الله وَّل،
شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثقات،
والآخر من فعل رسول الله وَل﴾، وما أدرك عليه علماء أهل الكوفة في اتباع
الحق أخذ به، وجعله دينه؛ وقد شنَّع عليه قوم فسكتنا عنهم بما نستغفر الله
تعالی منه .
وقال مكي بن إبراهيم: كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - أعلم أهل
زمانه(٢)، قلت: وتقدم معنى العالم عند أهل الحديث، الذي يحفظ الإسناد
والمتون، وقال له المنصور: عمن أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن
عمر - رضي الله عنهم -، وعن أصحاب علي رضي الله عنهم عن علي -
(١) (ص١١٦ - ١١٧) وانظر ((كتاب إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة))
للعلامة اللكنوي (ص٨٣ - ٨٨) و((مقدمة إعلاء السنن)) (ج ٤/٢).
(٢) انظر: هامش ((تهذيب التهذيب)) (١٠ /٤٥١).
١٨٤
--.

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
رضي الله عنه -، وعن أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنهم - عن ابن
مسعود - رضي الله عنه -، فقال له المنصور: لقد استوثقت(١)، وحكاه
السيوطي، وزاد بعد قوله: وأصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت
ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه، قال: لقد استوثقت لنفسك.
قال ابن حجر: احذر أن تتوهم أن أبا حنيفة لم يكن له خبرة تامة بغير
الفقه، حاشا لله، كان في العلوم الشرعية من التفسير والحديث والعلوم الآلية
الأدبية وغيرها، والمقاييس الحكمية بحراً لا يجارى، وإماماً لا يمارى،
وقول بعض أعدائه فيه خلاف ذلك منشأه الحسد، وحجته الترفع على
الأقران، ورميهم بالزور.
وقال أبو يوسف: ما رأيت أعلم بتفسير الحديث منه، وكان أبصر
بالحديث الصحيح مني، وفي ((جامع الترمذي)) عنه: ((ما رأيت أكذب من
جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح))، وروى البيهقي عنه أنه
سئل عن الأخذ عن سفيان الثوري فقال: اكتب عنه فإنه ثقة، ما عدا أحاديث
أبي إسحاق عن جابر الجعفي.
وروى الخطيب عن سفيان بن عيينة أنه قال: أول من أقعدني للحديث
بالكوفة أبو حنيفة، قال: هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، وبهذا
يعلم جلالة مرتبته في الحديث أيضاً، كيف! وهو يستأمر في الثوري ويُجْلِسُ
ابن عيينة، وعن الحسن بن صالح: أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان شديد
الفحص عن الناسخ والمنسوخ، عارفاً بحديث أهل الكوفة، شديد الاتّباع لما
كان الناس عليه، حافظاً لما وصل إليه أهل بلده.
وقال يحيى بن آدم: كان النعمان جمع حديث بلده كله، فنظر إلى آخر
ما قبض عليه النبي ◌َل﴾. وروى الخطيب عن بعض أئمة الزهد أنه قال: يجب
على أهل الإِسلام أن يدعوا لأبي حنيفة في صلاتهم لحفظه عليهم السنة
والفقه، وقال: الناس فيه حاسد، وجاهل، وهو أحسنهما عندي.
(١) ((تاريخ بغداد)) (٣٣٤/١٤).
١٨٥

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
وقال معمر: ما رأيت رجلاً يحسن أن يتكلم في الفقه، ويسعه أن
يقيس، ويشرح الحديث أحسن معرفة من أبي حنيفة، ولا أشفق على نفسه من
أن يُدخِل في دين الله شيئاً من الشك من أبي حنيفة، وسئل يحيى بن معين:
هل حَدّث سفيان عنه؟ قال: نعم، كان ثقة صَدُوْقاً في الفقه والحديث،
مأموناً على دين الله، وسُئِل أيضاً فقال: ثقة، ما سمعت أحداً يُضَعِّفُه. هذا
شعبة يكتب له أن يُحَدِّث ويأمر، وسبقه، وقال حماد بن زيد: كنا نأتي
عمرو بن دينار، فإذا جاء أبو حنيفة أقبل عليه، وتَرَكَنا. نسأل أبا حنيفة،
فنسأله فيحدثنا. وروي عن إسرائيل بن يونس: نعم الرجل النعمان، ما كان
أحفظه لكل حديث، فيه فقهٌ، وأشد فحصه عنه، وأعلم بما فيه من الفقه.
وعن أبي يوسف قال: ما خالفته في شيء قط فتدبرته إلا رأيت مذهبه
الذي ذهب إليه أنجى في الآخرة، وكنت ربما ملت إلى الحديث، فكان هو
أبصر بالحديث الصحيح مني، وقال: كان إذا صمّم على قولٍ دُرْت على
مشايخ الكوفة هل أجد في تقوية قوله حديثاً أو أثراً فربما وجدت الحديثين أو
الثلاثة، فأتيته بها فمنها ما يقول فيه: هذا غير صحيح، أو غير معروف،
فأقول له: وما علمك بذلك مع أنه يوافق قولك، فيقول: أنا عالم بعلم أهل
الكوفة .
وكان عند الأعمش فسئل عن مسائل؟ فقال لأبي حنيفة: ما تقول فيها؟
فأجابه، قال: من أين لك هذا؟ قال: من أحاديثك التي رَويتُها عنك. وسرد
له عدة أحاديث بطرقها، فقال له الأعمش: حسبك ما حدثتك به في مائة يوم
تحدثني به في ساعة واحدة، ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث، يا معشر
الفقهاء: أنتم الأطبَّاء ونحن الصيادلة، وأنت أيها الرجل أخذت بكلا
الطرفين .
---
وقد خَرَّج الحُفَّاظ من أحاديثه مسانيدَ كثيرةً اتّصل بنا كثيرٌ منها كما هو
مذكور في مسندات مشايخنا، انتهى. وأثبت أبو المحاسن الدمشقي الشافعي
كثرة حديث الإِمام، وكونه من أعيان الحفاظ المحدثين، وبوّب عليهما باباً
١٨٦
.-----

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
مفرداً في ((عقود الجمان)) وحكى السيوطي عن الحسن بن سليمان أنه قال،
في تفسير حديث: (لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم) قال: هو علم أبي حنيفة
وتفسيره للآثار، وحكى عن ابن المبارك يقول:
إمامُ المسلمينِ أبو حنيفه
لقد زان البلادَ ومَنْ عليها
كآثار الرموز على الصحيفه
بآثارٍ وفقهٍ في حديثٍ
ولا بالمغرِبَين ولا بكوفه
فما في المَشرِقَيْن له نظيرٌ
خلاف الحق مع حُجَجٍ ضعيفه
رأيت القامعين له سِفَاها
هكذا ذكره السيوطي، وهذه الأبيات بعض القصيدة الطويلة التي حكاها
أهل التاريخ عن ابن المبارك، تركنا بقيتها للاختصار.
وقال الشعراني: قد مَنَّ الله عليّ بمطالعة مسانيد أبي حنيفة الثلاثة من
نسخة صحيحة عليها خطوط الحُفّاظ، فرأيته لا يروي حديثاً إلا عن خيار
التابعين العدول والثقات، الذين هم من خير القرون، كالأسود وعلقمة وعطاء،
وعكرمة ومجاهد ومكحول، والحسن البصري وأحزابهم، فكل الرواة الذين
بينه وبين رسول الله ◌َ﴿ل عدول ثقات، أعلام خيار، وليس فيهم كَذّاب ولا
متّهم بالكذب، وسيأتي من كلام ابن خلدون أنه قال: ويدل على أنه من كبار
المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه في ما بينهم والتعويل عليه انتهى.
وذكر محمد بن حسين الموصلي في آخر ((كتاب الضعفاء)): قال يحيى بن
معين: ما رأيت أحداً أُقَدِّمه على وكيع، وكان يُفْتي برأي أبي حنيفة، وكان
يحفظ حديثه كله، وكان قد سمع من أبي حنيفة حديثاً كثيراً، وكان من دأبه -
رضي الله عنه - أنه كلما يدخل محدثٌ الكوفة يتفخّص الحديث الذي عنده،
فقد أخرج الموفق بسنده إلى عبد العزيز بن أبي رِزْمة، وذكر علم أبي حنيفة
بالحديث فقال: قدم الكوفة محدثٌ، فقال أبو حنيفة لأصحابه: انظروا، هل
عنده شيء من الحديث ليس عندنا؟ قال: وقدم عليهم محدث آخر فقال
لأصحابه مثل ذلك.
وفي ((جامع أصول الأولياء)) في وصايا الإِمام لابنه حماد: أنه انتخب
١٨٧

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
خمسة أحاديث من خمسمائة ألف، وهي الأربعة المعروفة التي انتخبها بعده
أبو داود، والخامس ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وقال
الموفق: انتخب - رضي الله عنه - الآثار من أربعين ألف حديث، وروي عن
يحيى بن نصر: سمعت أبا حنيفة: عندي صناديق من الحديث ما أخرجت
منها إلا اليسير الذي ينتفع به، وقال الحسن بن زياد: كان أبو حنيفة يروي
أربعة آلاف حديث، ألفين لحماد، وألفين لسائر مشايخه.
وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة، قال: ما
عندكم فيها من الآثار؟ فإذا روينا الآثار وذكر ما عنده، نظر، فإن كانت
الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، وإذا تقاربت اختار إلا أن يفحش
القياس عنده فيتركه إلى الاستحسان.
وقال وكيع: لقد وجد الورع عن أبي حنيفة في الحديث ما لم يوجد
عن غيره، وحكى الموفق عن مكي بن إبراهيم البلخي إمام بلخ وشيخ
البخاري: أنه دخل الكوفة، ولزم أبا حنيفة وسمع منه الحديث والفقه، وأكثر
عنه الرواية، ويُحِبّه حباً شديداً، حتى قال إسماعيل بن بشر: كنا في مجلس
المكي، فقال: حدثنا أبو حنيفة، فصاح رجل غريب: حَدِّثنا عن ابن جريج،
ولا تُحَدِّثنا عن أبي حنيفة، فقال المكي: إنا لا نحدّث السفهاء، حَرَّمتُ
عليك أن تكتب عني، قم من مجلسي فلم يُحدِّث حتى أقيمَ الرجل من
مجلسه، ثم قال: حدثنا أبو حنيفة ومَرَّ به، وفي رواية، قال الرجل: تبتُ
وأخطأتُ، فأبى أن يحدثهم. وقال ابن المبارك: غلب أبو حنيفة بالحفظ
والفقه والصيانة وشدة الورع. وعن خلف بن أيوب: كنت أختلف إلى مجالس
العلماء، فربما سمعت شيئاً لا أعرف معناه، فَيَغُمُّني ذلك، فإذا انصرفت إلى
مجلس أبي حنيفة سألته عما كنت لا أعرفه فيُفَسِّر لي ذلك، فدخل في قلبي
من بيانه وتفسيره النور.
وعن حفص بن غياث سمعت من أبي حنيفة كتبه وآثاره، فما رأيت
أذكى قلباً منه، ولا أعلم بما يفسد ويصح في باب الأحكام منه، وعن
١٨٨

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
محمد بن سعدان: سمعت من حضر يزيد بن هارون، وعنده يحيى بن معين،
وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، وجماعة إذ جاءه
مستفتٍ فسأله عن مسألة، فقال له يزيد: اذهب إلى أهل العلم، فقال له ابن
المديني: أليس أهل العلم والحديث عندك؟ قال: أهل العلم أصحاب أبي
حنيفة، وأنتم صيادلة .
الفائدة الخامسة
في قلة روايته للحديث على الوجه المتعارف بين أهل الفن
قال ابن حجر: مر أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من أئمة التابعين
وغيرهم، ومن ثمة ذكره الذهبي وغيره في ((طبقات الحفاظ)) من المحدثين،
ومن زعم قلة اعتنائه بالحديث فهو إما لتساهله أو حسده، إذ كيف يتأتَّى لمن
هو كذلك استنباط ما استنبطه من المسائل التي لا تحصى كثرة، مع أنه أول
من استنبط من الأدلة على الوجه المخصوص المعروف، لأجل اشتغاله بهذا
الأهم لم يظهر حديثه في الخارج.
كما أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - لما اشتغلا بمصالح
المسلمين العامة، لم يظهر عنهما من رواية الحديث مثل ما ظهر عمن
دونهما، حتى صغار الصحابة - رضي الله عنهم - وكذلك مالك والشافعي، لم
يظهر عنهما مثل ما ظهر عمن تفرغ للرواية، كأبي زرعة، وابن معين،
الاشتغالهما بذاك الاستنباط، على أن كثرة الرواية بدون دراية ليس فيه كبير
مدح، بل عقد له ابن عبد البر باباً في ذَمّه، وقال ابن شُبرمة: أقِلَّ الرواية
تَفْقَهْ .
ومن أعذار أبي حنيفة - رضي الله عنه - أيضاً ما يفيده قوله: لا ينبغي
للرجل أن يحدّث من الحديث إلا بما حفظه يوم سمعه إلى يوم يحدّث به،
فهو لا يرى الرواية إلا لمن حفظه، قال ابن الصلاح في ((مقدمته)): ومن
مذاهب التشديد في الرواية مذهب من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من
حفظه وتذكره، وذلك مروي عن مالك وأبي حنيفة، قلت: ومن قبيل ذلك أن
١٨٩

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
الرجل إذا لم يسمع من الشيخ بعض ألفاظ الرواية وثبتها من المستملي وغيره
ينكر روايته الإِمام - رضي الله عنه - كما بسط ((في فتح المغيث)) وتوسع فيه
المحدثون .
وقال ابن خلدون(١): قد تَقَوَّل بعض المتعصبين إلى أن منهم من كان
قليل البضاعة في الحديث فلهذا قلَّت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في
كبار الأئمة، ثم قال بعد الكلام في رَدِّهم: والإِمام أبو حنيفة إنما قَلَّت روايته
لما شدَّد في شروط الرواية والتحمل، وضعَّف رواية الحديث اليقيني إذا
عارضها الفعل النفسي، فقلَّتْ من أجلها روايتُه، فقَلَّ حديثه، لا أنه ترك
رواية الحديث معتمداً، فحاشاه من ذلك.
ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه فيما
بينهم، والتعويل عليه، واعتباره رداً وقبولاً، وأما غيره من المحدثين - وهم
الجمهور - فتوسَّعُوا في الشروط فأكثر(٢) حديثهم، قلت: والصواب الذي لا
معدل عنه: أن جماعة من المشايخ كانوا على الغاية القصوى من الاحتياط
في الرواية عن النبي ◌ّ بالطريق المتعارف، يعنى بانتسابه إلى النبي
صَلى له
رَسِيَّة
مخافة أن يكون فيه شيء من الوهم، فيدخلوا في وعيد القول على النبي
بما لم يقله، ولذا شَدَّدَ عمر - رضي الله عنه - كثرة الرواية في عصره.
قال أبو هريرة: لما وُلي عمر - رضي الله عنه - قال: أقِلُّوا الرواية عن
رسول الله وَ﴾ إلا فيما يعمل، وقال إبراهيم: إن عمر - رضي الله عنه -
حبس(٣) ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: لقد
أكثرتم الأحاديث عن رسول الله ﴾. قال أبو سلمة: قلت لأبي هريرة: أكنت
تُحَدِّث في زمان عمر - رضي الله عنه - هكذا؟ فقال: لو كنتُ أحدِّث في
صَلىله
وسلم
(١) انظر: ((مقدمته)) (ص٣٧١).
(٢) هكذا في المطبوعة والظاهر (كثر)).
(٣) قال ابن حزم: إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب والتوليد (الإحكام)) (١٩٣/٢).
١٩٠

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
زمان عمر - رضي الله عنه - مثل ما أُحدِّثكم لضربني بمِحْفَتِه. وخطب
الصديق الأكبر - رضي الله عنه - فقال: إنكم تحدثون أحاديث تختلفون فيه،
والناس بعدكم أشدُّ اختلافاً، فلا تحدثوا، انتهى ملخصاً.
وأوصى عمر - رضي الله عنه - قرظة بن كعب لما سيَّرهم إلى العراق:
بأن أقِلُّوا الرواية عن رسول الله وَّ. وقالت عائشة - رضي الله عنها - :
جمع أبي الحديث عن رسول الله وَّة، وكان خمسمائة حديث، فبات ليلة
يتقلَّب كثيراً، قالت: فَغَمَّني، فقلت: أتتقلب عن شكوى أو لشيءٍ بلغك؟ فلما
أصبح قال: أي بُنيتَي، هَلَّمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار
فَحَرّقها، فقلت: لم حرَّقْتَها؟ قال: خشية أن أموت وهي عندي، فيكون فيها
أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقته، ولم يكن كما حَدّثني، فأكون قد نقلت
ذلك، فهذا لا يصح.
وأنت خبير بأن رواة الصديق لم يكونوا إلا صحابة، فكيف بمن
بعدهم. وأخرج الدارمي عن صالح الدهان: ما سمعت جابر بن زيد يقول
قط: قال رسول الله وَلّ، إعظاماً واتقاءً أن يكذب عليه، وحكى الذهبي عن
أبي عمرو الشيباني قال: كنت أجلس إلى ابن مسعود - رضي الله عنه -
حولاً، لا يقول: قال رسول الله بََّ، فإذا قال: قال رسول الله وَّ استقلَّتْه
الرعدة، فقال: هكذا أو نحو ذا، أو قريباً من ذلك.
وفي ((الطبقات)) لابن سعد عن عمرو بن ميمون قال: اختلفت إلى ابن
مسعود سنةً ما سمعتهُ يحدث فيها عن رسول الله بَّ، ولا يقول فيها: قال
رسول الله ◌َ، إلا أنه حدث ذات يوم بحديث، فجرى على لسانه: قال
رسول الله مَّ، فعلاه الكَرْبُ حتى رأيت العرق ينحدر عن جبهته، ثم قال:
إن شاء الله إما فوق ذاك، وإما قريب من ذاك، وإما دون ذلك، مع أنه وَلّ
أَخْبَرَ بِصدق روايته، فقال: ((ما حدثكم ابن مسعود فَصدِّقوا)) أخرجه
الترمذي(١).
(١) وأخرجه أحمد في مسنده (٢٣٢٦٨) (٣٨٥/٥ و٤٠٢)، والترمذي (٣٨٠٧).
١٩١

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
وأخرج الدارمي عن أنس قال: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم
بأشياء سمعتها من رسول الله وَله، أو قالها رسول الله وحمل﴾، وذاك أني سمعته
يقول: ((من كذب عليَّ معتمداً فليتبوَّأ مقعده من النار))، وفي ((الطبقات)) لابن
سعد عن صهيب بن سنان يقول: هلمُّوا نحدثكم عن مغازينا فأما أقول: قال
رسول الله وَ لا فلا .
وفي الدارمي عن عاصم: سألت الشعبي عن حديث، فحدثنيه، فقلت:
إنه يرفع إلى النبي وَ لَّه، فقال: لا، على مَنْ دون النبي ◌َّ أحبُّ إلينا. فإن
كان فيه زيادةٌ ونقصانٌ كان على من دون النبي ◌َّ. وعن إبراهيم: نهى
النبي ◌َل18مل عن المحاقلة والمزابنة. فقيل له: أما تحفظ عن رسول الله وَل.
حديثاً غير هذا؟ قال: بلى. ولكن أقول: قال عبد الله، قال علقمة، أحبُّ.
وغير ذلك من الآثار الكثيرة التي ذكرها صاحب ((تذكرة الإِمام الأعظم»،
تركناها اختصاراً .
ولما كان الإِمام الأعظم من تلامذة النخعي وغيره، ومتَّبعي ابن مسعود
وعمر بن الخطاب وهما كانا مراجع أسانيده لا يمكن أن لا يقتفي بآثارهم في
ذلك. فلم يُكثِر الرواية المرفوعة الصريحة. وسُئِل الإِمام الشافعي - رضي الله
عنه - عن الحديث؟ فأجاب بما حاصله: أن الصحيح من الروايات عند أهل
الفن قليل جداً حتى إن الصديق الأكبر - رضي الله عنه - ما روى أكثر من
سبعة عشر حديثاً. وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على طول زمانه لم
يُرْوَ عنه أكثر من خمسين حديثاً. فعُلِمَ بذلك كله أن الإِمام - رضي الله عنه -
لم يُكْثِر الرواية على الوجه المعتاد تورّعاً. لا لعدم معرفته بالحديث، كما
تقول به الجهلة المخادعون. كيف؟ وكان - رضي الله عنه - عالم أحاديث
الكوفة كما أقَرّ به الفحول. وكانت الكوفة إذ ذاك مدينة العلم. وكان
- رضي الله عنه - لا يترك محدّثاً يدخل الكوفة إلا ويرسل إليه أصحابه
يستخبر ما عنده من الأحاديث.
١٩٢

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
الفائدة السادسة
في رد ما نُقِمَ عليه بالإجمال
فتفاصيله لا يسعها المقام. فاعلم أن كثيراً من الناس سلفاً وخلفاً
أفرطوا في ذم إمام الأئمة، وتجاوزوا عن الحدّ في ذلك، وشَنَّعوا عليه كثيراً
من الأمور التي هو - رضي الله عنه - منها بريءٌ. وذلك لكثرة حُسّاده في
زمانه وبعده. كما سترى. وبلغ كثيراً من الناس الغلط عن أحواله - رضي الله
عنه - فكانوا معذورين في الطعن، ولذا رجع عنه من بلغ إليه الصحيح من
حاله، كما تقدم عن الأوزاعي مبسوطاً، إذ قال: كنت في غلط ظاهر، الْزَم
الرجلَ فإنه بخلاف ما بلغني عنه.
قال ابن عبد البر: كان أبو حنيفة يُحْسَدُ ويُنْسب إليه ما ليس فيه،
ويُخْتَلَقُ عليه ما لا يليق به، وأقبل عليه وكيع فقال: من أين؟ فقال: من عند
شريك فأنشأ يقول:
قبلي من الناس أهل الفضل قد حُسِدُوا
إن يحسدوني فإني غيرُ لائِمهمْ
ومات أكثرُنا غيظاً بما يجدوا
قدامٍ لي ولهمْ ما بي وما بهمُ
قال وكيع: وأظنه كان بلغه عن شريك شيء.
وقال ابن عبد البر(١) أيضاً: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثّقوه وأثنوا
عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما
عابوا عليه الإِغراق في الرأي والقياس، وقد مَرَّ أن ذلك ليس بعيب، وكان
يقال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، ألا ترى أن
علياً - كرّم الله وجهه - هلك فيه فئتان: محبٌ أفرط، ومبغضٌ فرّط.
وقال عيسى بن يونس: لا تصدقن أحداً يُسِيءُ القول فيه، فإني والله ما
رأيت أفضل منه، ولا أفقه منه، وسئل الأعمش عن مسألة فقال: إنما يُحْسِن
جواب هذا النعمانُ، وقال يحيى بن آدم: ما تقولون في هؤلاء الذين يقعون
(١) انظر: ((جامع بيان العلم)) (١٤٩/٢).
١٩٣

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
في أبي حنيفة؟ قال: إنه جاءهم بما يعقلونه وما لا يعقلونه من العلم،
فحسدوه .
وقال ابن المبارك: رأيت الحسن بن عمارة آخذاً بركابه قائلاً: والله ما
رأيت أحداً يتكلم في الفقه أبلغ ولا أصبر ولا أحضر جواباً منك، وإنك
لسيد من تكلم في الفقه في وقتك غير مدافع، وما يتكلمون فيك إلا حسداً،
وقال شعبة: كان والله حسن الفهم جيد الحفظ، حتى شَنَّعوا عليه بما هو
أعلم به منهم، والله سيلقون عند الله. وقال أسد بن حكيم: لا يقع فيه إلا
جاهل أو مبتدع. وقال أبو سليمان: كان عجباً من العجب، وإنما يرغب عن
كلامه من لم يَقْوَ عليه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأهل الفقه لا يلتفتون إلى من طعن عليه
ولا يصدقون بشيء من السوء نُسِب إليه، وقال يحيى بن معين: أصحابنا
يُفَرِّطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: أكان يكذب؟ قال: هو أنبلُ من
ذلك.
وفي ((طبقات التاج السبكي)) (١): الحذر كل الحذر أن تفهم من قاعدتهم
((أن الجرح مقدم على التعديل)) على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت
عدالته وإمامته وكثرُ مادحوه ومزكُّوه وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة
على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لم يُلْتفت إلى جرحه.
ثم قال بعد كلام طويل: قد عَرَّفناك أن الجارح لا يُقْبل جرحه وإن
فسّره في حق من غلبت طاعاته على معصيته، ومادحوه على ذاميه، ومُزَكُوه
على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة دالة يشهد العقل بأن مثلها حامل على
الوقيعة فيه من تعصب مذهبي، أو منافسة دنيوية، كما يكون بين النظراء،
حينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة - رضي الله عنه - وابن
أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن
(١) (١٨٨/١).
١٩٤
---

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
صالح، ونحو ذلك. قال: ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سَلِمَ لنا أحد من
الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون.
قال ابن عبد البر(١): هذا باب غلط فيه كثيرون، وضلَّت فيه فرقة
جاهلية لا تدري ما عليها في ذلك، ثم قال: الدليل على أنه لا يقبل في حق
من اتخذه جمهور الناس إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين؛ لأن السلف
قد سبق من بعضهم في بعض كلامٌ كثير في حال الغضب، ومنه ما حمل على
الحسد، وذكر من كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم من النظراء بعضهم في
بعض شيئاً كثيراً لم يَلْتَفِتْ إليه أحد من العلماء، ولا عَوَّلُوا عليه، لأنهم بَشَرٌ
يغضبون ويرضون .
فمن أراد أن يقبل قول العلماء بعضهم في بعض، فليقبل قول من ذكرنا
من الصحابة بعضهم في بعض، وقول من ذكرنا من التابعين وأئمة المسلمين
بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك فقد ضَلَّ ضلالاً بعيداً، وإن لم يفعل، ولن
يفعل إن هداه الله فليقف عند ما شرطناه، فإنه الحق الذي لا يصح غيره، إن
شاء الله .
ثم ذكر كلام كثيرين من نظراء مالك - رضي الله عنه - فيه، وكلام ابن
معين في الشافعي.
وقيل لابن المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد شعراً:
بما فضلت به النجباء
حسدوك إذا ما فضَّلَك الله
وروى أبو عمر عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: خذوا العلم حيث
وجدتموه، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتعايرون تعاير
التیوس في الزريبة، وکذلك جاء عن عمرو بن دينار.
ومن ثمة ذكر في ((المبسوط)) في مذهب مالك: أنه لا يجوز شهادة
(١) انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص ٤٤٢ - ٤٥٦).
١٩٥

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
القارئ على القارئ يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغضاً، قال
ابن حجر: اعلم أن ما نقله الخطيب في ((تاريخه)) عن القادحين فيه لم يقصد
بذلك إلا جمع ما قيل في الرجل على عادة المؤرخين، ولم يقصد بذلك
انتقاصه ولا الحطّ عن مرتبته، بدليل أنه قدم كلام المادحين وأكثر منه، ثم
عَقَّبَه بذكر كلام القادحين، ليتبين أنه من جملة الأكابر الذين لم يسلموا من
خوض الحسّاد والجاهلين فيهم.
ومما يدل على ذلك أن الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من
متكلَّم فيه أو مجهولٍ، ولا يجوز إجماعاً ثَلْمُ عرضٍ مسلم بمثل ذلك، فكيف
بإمام من أئمة المسلمين، وبفرض صحته لا يُعتدُّ به، فإنه إن كان من غير
أقران الإِمام فهو مقلد لما قاله أو كتبه أعداؤه، أو من أقرانه فكذلك، لما مَرَّ
أن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول.
وقد صرح بذلك الحافظان الذهبي وابن حجر قالا: ولا سيما إذا لاح
أنه بعداوة أو لمذهب، قال التاج السبكي (١): إياك ثم إياك أن تُصْغي إلى ما
اتفق بين أبي حنيفة والثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن
صالح والنسائي، أو بين أحمد والحارث بن أسد المحاسبي، وهَلُمَّ جراً إلى
زمان العز بن عبد السلام، والتقي بن الصلاح، فإنك إذا اشتغلت بذلك
خشيت عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم تفهم
بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم، كما تقول
فيما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وحكى السيوطي عن ابن أبي داود قال: الناس في أبي حنيفة حاسد
وجاهل، وأحسنهم عندي حالاً الجاهل، وعنه أيضاً أنه قال: لا يتكلم فيه
إلا رجلان، إما حاسد لعلمه، وإما جاهل بالعلم لا يعرف قدر حملته.
وحكي عن الخطيب عن أحمد بن عبد قاضي الري قال: كنا عند ابن
(١) انظر: ((طبقات الشافعية)) (١٨٨/٤).
١٩٦
----

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
أبي عائشة فذكر حديثاً لأبي حنيفة، فقال بعض من حضر: لا نريده، فقال
لهم: أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلاً إلا ما قال
الشاعر :
أَقِلُّوا عليهم ويْلَكُم لا أبا لكُمْ
من اللَّومِ أو سُدُّوْا المكان الذي سَدُّوا
وعلم بذلك أيضاً أنهم كانوا يبغضونه بدون الرؤية ومعرفة الأحوال
بمجرد السماع، ويؤيده أيضاً ما حكى الشعراني عن أبي مطيع يقول: كنت
يوماً عند أبي حنيفة في جامع الكوفة، فدخل عليه الثوري، ومقاتل بن حيان،
وحماد بن سلمة، وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء، فكلّموهُ وقالوا: بلغنا
أنك تُكْثر من القياس في الدين، وإنما نخاف عليك منه، فإنه أول من قاس
إبليس، فناظرهم أبو حنيفة من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال، وعرض عليهم
مذهبه. فقاموا كلهم، وقَبّلوا يديه وركبتيه، وقالوا: أنت سيد العلماء، فاعف
عنا فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم، فقال: غفر الله لنا ولكم
أجمعين .
وبسط الشعراني في ((ميزانه)) فيما حكي عن الأئمة الأربعة من ذم
الرأي، وبسط القاري في ((المرقاة)) في رد من قال: إن الحنفية يقدمون رأيهم
على السنة، وقال: إنما يسمون أصحاب الرأي لدقة رأيهم، وحذاقة عقلهم.
وحكى الشامي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي،
وقال: نقله الشعراني عن الأئمة الأربعة.
قلت: ومحل ذلك أن الحديث لم يطلع عليه الإِمام، أما إذا عرف أنه
اطلع عليه وردّه أو تأوله بوجه من الوجوه فلا، كذا قال الحافظ في ((الفتح))،
وحكى الموفق عن يحيى بن آدم يقول: كان كلام أبي حنيفة في الفقه لله،
ولو كان يشوبه شيء من أمر الدنيا لم ينفذ كلامه في الآفاق كل هذا النفاذ،
مع كثرة حساده ومنتقصيه. وعن عبيد بن إسحاق: كان أبو حنيفة سيد الفقهاء
لم يغمزه في دينه إلا حاسد أو باغي شر. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال:
كنت نقالاً للحديث، فرأيت الثوري أمير المؤمنين في العلماء، وسفيان بن
١٩٧

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
عيينة أمير العلماء، وعبد الله بن المبارك صراف الحديث، ويحيى بن سعيد
قاضي العلماء، وأبا حنيفة قاضي قضاة العلماء، ومن قال لك سوى هذا،
فارْمِه في كناسةِ بني سليم.
وقال ابن حجر المكِّي: ووقع في المنسوب للإِمام الغزالي ذكر أشياء
من ذلك (أي ما ينافي مرتبته) وإنما قلنا المنسوب، لأنه لم يصح نسبة جميع
ما في هذا الكتاب إليه، فيحتمل أن تلك الألفاظ اختلقت عليه بدليل أنه
مدحه في كتابه ((إحياء علوم الدين))، المتواتر عنه بما يليق بكمال أبي حنيفة،
وأجاب بعض المحققين من الحنفية بأنه بتقدير صدور هذا من الغزالي، فهو
في حال ابتداء أمره، فلما ترقى عن ذلك وطَهَّر أخلاقه ووصل إلى ما وصل
إليه من الكمالات رجع عن ذلك، وذكر الحق في كتابه ((الإِحياء)).
وقال ابن حجر أيضاً في ذكر مقاصده من التأليف: الثالث: تبين خطأ
المتعصبين في قولهم: ما تكلمنا في أبي حنيفة وغيره إلا لأن ذلك متعين
علمه علينا لتباين أحوال الرجال، وتمايز أوصافهم التي عليها مدار الرواية
والنقد والكمال، وكلامهم هذا من منوال كلام الخوارج، الذي قال فيه علي
- رضي الله عنه -: ((كلمة حق أريد بها الباطل)) فكذلك كلام أولئك حق في
نفسه، لكن أريد به باطل، وأي باطل إذ لم يعتمدوا في ذلك إلا على كلمات
صدرت من بعض معاصريه في حقه حسداً له على ما آتاه الله من فضله،
وكذلك صدر من بعض من جاء بعده كلمات نسبوها إليه لا تصدر ممن له
أدنى كمال بل دين، وليس قصدهم إلا شينه وإخمال ذكره، ويأبى الله إلا أن
يتم نوره ولو كره الحاسدون.
وتقدم ما قاله الأوزاعي: لقد كنت في غلط ظاهر، الْزَم الرجلَ، فإنه
بخلاف ما بلغني عنه، وروي عن الإِمام - رضي الله عنه - أنه يقول: إياكم
ونقل ما لا يحبه الناس من الناس، عفا الله عمن قال فينا مكروهاً، ورحم الله
من كان فينا جميلاً، وقيل له: الناس يتكلمون فيك، ولا تتكلم في أحد؟
قال: هو فضل الله يؤتيه من يشاء.
١٩٨

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
وقال ابن حجر: إن الشافعي - رضي الله عنه - صلّى الصبح عند قبره
فلم يقنت، فقيل له؟ فقال: تأدباً مع صاحب هذا القبر، وزاد بعضهم إنه لم
يجهر بالبسملة أيضاً، ولا إشكال في ذلك: خلافاً لمن ظنه، لأنه قد يعرض
للسنة ما يرجح ترك فعلها، لكونه الآن أهم منها، ولا شك أن الإِعلام برفعة
مقام العلماء أمر مطلوب متأكد، وأنه عند الاحتياج إليه - لرغم أنف حاسد
أو تعليم جاهل - أفضل من مجرد فعل القنوت، والجهر بالبسملة، للخلاف
فيهما وعدم الخلاف فيه، ولأن نفعه متعدٍّ ونفع ذينك قاصر.
ولا شك أيضاً أن الإِمام أبا حنيفة كان له حُسَّادٌ كثيرون في حياته وبعد
مماته، حتى رموه بالعظائم، وسعوا في قتله تلك القتلة الشنيعة السابقة، ولا
شك أيضاً أن البيان بالفعل أظهر منه بالقول، فاتضح أن فعل الشافعي
- رضي الله عنه - ذلك أفضل من فعله القنوت والجهر، إظهاراً لمزيد التأدب
مع هذا الإِمام، ولمزيد شرفه وعلوه، وأنه من أئمة المسلمين، الذين يُقتَدى
بهم، ويجب عليهم توقيره، وأنه ممن يُستَحيىَ منه ويُتَأدبُ معه، من أن يفعل
بحضرته خلاف قوله بعد مماته، فكيف في حياته، وأن الحاسدين له خسروا
خسراناً مبيناً، وأنهم ممن أضله الله على علم، وأجمل في ((فيض الباري على
البخاري)) في حامدیه وناقدیه.
الفائدة السابعة
في مشايخه
قال ابن حجر المكي: هم كثيرون، لا يسع هذا المختصر ذكرهم،
وذكر منهم الإِمام أبو حفص الكبير أربعة آلاف شيخ، وقال غيره: له أربعة
آلاف شيخ من التابعين. فما بالك بغيرهم؟ منهم الليث بن سعد، وكذا
مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهذان الإِمامان من جملة الآخذين عنه
أيضاً، وحكى السيوطي عن الدراوردي قال: رأيت مالكاً وأبا حنيفة في
مسجد رسول الله ( بعد صلاة العشاء الأخيرة، وهما يتذاكران ويتدارسان،
حتى إذا رمى أحدهما على الذي قال به وعمل عليه أمسك أحدهما عن
١٩٩

الباب الرابع: في ذكر الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه -
صاحبه من غير تعسفٍ، ولا تخطئة لواحد منهما، حتى صليا الغداة في
مجلسهما ذلك.
قلت: وتقدم ما قال الإِمام في جواب المنصور حينما سأله عمن أخذ
العلم؟ فقال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي،
وأصحاب عبد الله عن عبد الله. وقال مسروق: شاممت أصحاب محمد دَلّ.
فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: علي، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب،
وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي بن كعب، ثم شاممت الستة فوجدت
علمهم انتهى إلى علي، وابن مسعود، وعن أصحابهما أخذ الإِمام كما تقدم.
وقال الشعراني الشافعي: جميع ما استدل به الإِمام لمذهبه أخذه عن
خيار التابعين، ولا يتصور في سنده شخص متَّهم بالكذب، وإن قيل: بضعف
شيء من أدلة مذهبه؟ فذلك الضعف إنما هو بالنظر للرُّواة النازلين عن سنده
بعد موته، وذلك لا يقدح فيما أخذ به الإِمام عنه، كل من استصحب النظر
في الرواة، وهو صاعد إلى النبي ◌َّر. وكذلك نقول في أدلة مذهب أصحابه،
فلم يستدل أحد منهم بحديث ضعيف فَردٍ لم يأت إلا من طريقٍ واحدٍ أبداً،
كما تتبعنا ذلك، إنما يستدل أحدهم بحديث صحيح، أو حسن، أو ضعيف
قد كثرت طرقه، حتى ارتفع لدرجة الحسن. وذلك أمر لا يختص بأصحاب
الإِمام أبي حنيفة، بل يشاركهم جميع المذاهب كلها .
وعَدَّ منهم السيوطي في (تبييض الصحيفة)) أربعة وسبعين نفراً بأسمائهم
تركناها اختصاراً، ولا شك في أن العمدة في سلسلة فقه الإِمام حماد بن أبي
سليمان عن النخعي عن علقمة عن ابن مسعود. وتقدم شيء من الكلام على
تراجمهم في الباب الأول.
الفائدة الثامنة
في تلامذته
قال ابن حجر: استيعابه متعذّرٌ لا يمكن ضبطه. ومن ثم قال بعض
الأئمة: لم يظهر لأحد من أئمة الإِسلام المشهورين مثلُ ما ظهر لأبي حنيفة
٢٠٠
-----