Indexed OCR Text
Pages 141-160
الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد وفد الله المكي (١) المالكي، قراءة مني عليه من أوله إلى آخره، بحق سماعه لجميعه على شَيْخَي الحرم المكي: حسن بن علي العجيمي، والشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي، قالا: أخبرنا الشيخ عيسى المغربي سماعاً من لفظه في المسجد الحرام، بقراءته لجميعه على الشيخ السلطان بن أحمد المزاحي، بقراءته لجميعه، على الشيخ أحمد بن خليل السبكي، بقراءته لجميعه على النجم الغيطي، بسماعه لجميعه على الشرف عبد الحق بن محمد السنباطي، بسماعه لجميعه على البدر الحسن بن محمد بن أيوب الحسني النسّابة، بسماعه لجميعه على عمه أبي محمد الحسن بن أيوب النسّابة، بسماعه على أبي عبد الله بن محمد بن جابر الوادياشي، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن هارون القرطبي، سماعاً عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد القرطبي، سماعاً عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الحق الخزرجي القرطبي، سماعاً على أبي عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطّلاع، سماعاً عن أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث الصفّار، سماعاً عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله سماعاً، قال: أخبرنا عم والدي عبيد الله بن يحيى سماعاً، قال: أخبرنا والدي يحيى بن يحيى الليثي المصمودي، سماعاً عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس - رضي الله عنه - إلا أبواباً ثلاثة من آخر الاعتكاف، فعن زياد بن عبد الرحمن عن الإِمام مالك بن أنس. ولشيخ مشايخنا الإِمام حجة الإِسلام الشاه ولي الله الدهلوي، أسانيد متنوعة كثيرة، طويلة الذيل، أودعها في رسالته ((الإِرشاد إلى مهمات الإِسناد))، وأجمل الكلام فيها على جملة أسانيده، لكنا اقتصرنا على السند الواحد، روماً للاختصار، وتخيرنا هذا السند من بينها لما أنه مختار شيخنا الإِمام الحجة الشاه عبد العزيز في ((العجالة النافعة))، وأخذ منه في ((اليانع الجني)) ولأنه مختار شيخ المشايخ العلامة الدهلوي في ((المسؤَّى شرح الموطأ)). ولما فيه من تبين السماع من أوله إلى آخره، وقد وقفت على (١) انظر ترجمته في ((إنسان العين)) (ص٧). ١٤١ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد تراجم أكثر المشايخ المذكورين في هذا السند فأحببت أن أُجْمل تراجمهم تكميلاً للفائدة، أما الشيخان الأستاذان فتقدمت نبذٌ من الكلام على ترجمتهما وهذا القدر يكفي لهذا الوجيز. وأما المحدث الكنكوهي(١): فهو إمام وقته، أمير المؤمنين في الحديث، طبيب الملة والدين، حاذق الأجسام والأرواح، قدوة عين الزمان وأسنانها، وأوحد عصره في العلوم، بحيث خضعت له رجالها وفُرسانها، وشجرة المعارف التي طاب أصلها، فزكت فروعها، وأغصانها، ورياض الآداب التي فاضت ينابيعها، وفاحت زهورها، وتنوّعت أفنانها، العلامة الحافظ الحاج الحجة مولانا أبو مسعود رشيد أحمد بن مولانا هدايت أحمد بن القاضي پيربخش بن القاضي غلام حسن بن القاضي غلام علي بن القاضي علي أكبر بن القاضي محمد أسلم الأنصاري الأيوبي. وُلد في السادسة من ذي القعدة سنة أربع وأربعين بعد مائتين وألف من الهجرة النبوية - على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية - يوم الاثنين وقت الضحى بكورة ((كَنكوه)) من مضافات سهارنفور، وربي في مهد من الآداب العلية، وجبل من صباه على الخصال المرضية، مفاخره أكثر من أن تحصى. أخذ الكتب الفارسية عن أخيه الأكبر مولانا عنايت أحمد، وعن خاله مولانا الشيخ محمد نقي، وأخذ مبادئ الكتب العربية إلى ((هداية النحو)) عن مولانا الشيخ محمد بخش في كورة ((رامفور)) من نواحي ((سهارنفور))، ثم ارتحل إلى بلدة دهلي في سنة ١٢٦١هـ، وقرأ الكتب العربية والأكثر من كتب المنطق وغيرها من الفنون والآلات على مشايخ عديدة، أجلَّهم شيخ المشايخ العلامة مولانا مملوك العلي - نوّر الله مرقده -، وهو من أرشد تلامذة مولانا رشيد الدين الآتي ترجمتهما . وأخذ علم الحديث والتفسير عن شيخ المشايخ الكرام مولانا الشيخ عبد (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (١٤٨/٨). ١٤٢ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد الغني المجددي النقشبندي، وأخيه مولانا الشيخ أحمد سعيد المجددي النقشبندي - قدّس الله أسرارهما - وأقام هناك أربع سنين، ورجع فائزاً بالمرام، ماهراً بالعلوم والفنون إذ بلغ سنُّه إحدى وعشرين سنة، واشتغل بالتدريس والإفادة، ثم أخذته الجذبة الإلهية إلى تكميل العلوم العرفانية، فقصد باب قطب الأقطاب سيد الواصلين سند العارفين حضرة الشيخ الحاج الشاه إمداد الله التهانوي، ثم المهاجر المكي - قدّس الله سره العزيز -، وانسلك بيده الشريفة في السلاسل الأربع الشهيرة، فأجاز له حضرة الشيخ الإِرشاد بعد أسبوع واحد، فلم يزل يترقّى في مدارج العلوم الظاهرية والباطنية حتى صار قدوة في الفتاوى والسلوك، وعجز عن مماراته الأفاضل والملوك، واشتهر فضله شرقاً وغرباً . فكما أخذ عنه العلوم الظاهرة أئمة العلوم في أقطار العالم، لا يمكن إحصاؤهم، وجملتهم أكثر من ثلاثمائة شيخ، كذلك تاب على يده الشريفة خلق كثير لا يعلم مقدارهم إلا الله - سبحانه وتقدس -، وصعد جماعات منهم على عروش التلقين والإِرشاد، وهم أكثر من خمسين شيخاً، بسط أسماؤهم في ((تذكرة الرشيد)). وكان - رحمه الله - يُدرِّس سائر الكتب العربية من الفقه والأصول والتفسير والحديث، والكتب الآلية كالنحو والمعاني وغيرها، إلا كتب المنطق والفلسفة، فكان - رضي الله عنه - يحترز عنهما، فعمّ تدريسه لسائر الكتب إلى الحجة الثالثة، وقد خرج لها رابع ذي القعدة سنة تسع وتسعين بعد مائتين وألف، وقد تشرَّف قبل ذلك بالحج مرتين؛ الأولى: في سنة ١٢٨٠ هـ، والثانية: في سنة ١٢٩٤ هـ، وبعد الفراغ من الحجة الثالثة من سنة ثلاثمائة وألف إلى سنة ١٣١٤ هـ اقتصر على تدريس كتب الحديث فقط، فكان يُدرّس من شوال إلى شعبان الأمهات الست مرة، وكان يُفرّغ شهر رمضان للرياضات وتلاوة القرآن. وترك بعد ذلك مشاغل التدريس واشتغل بسائر أوقاته في تصفية ١٤٣ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد القلوب، وتربية النفوس بالإِفادات الباطنية، إلى أن دعاه الله - سبحانه وتعالى - إلى جوار رحمته، عند أذان الجمعة في الثامن من أخرى الجمادين سنة ثلاث وعشرين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية - على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية - ومما أرّخ به المشايخ عام وصاله: ((إنه في الآخرة لمن الصالحين)) وأيضاً ((كنت حميداً متّ شهيداً)) وأيضاً ((مولانا عاش حميداً مات شهيداً))، وغير ذلك، وتوفي - رضي الله عنه - شهيداً للدغ الحية - أطاب الله ثراه وجعل الجنّة مثواه -. وله - رضي الله عنه - مؤلفات عديدة في مهمات المسائل، منها ((إمداد السلوك)) شرح فارسي للرسالة المكيّة في التصوف، و ((هداية الشيعة في رد الشيعة)) و((زُبدة المناسك)) في أحكام الحج و ((اللطائف الرشيدية)) في تفسير بعض الآيات، و ((إثبات الحجاب المعروف))، و ((فتاوى الميلاد)) و((الرأي النجيح في إثبات التراويح)) و ((القطوف الدانية في كراهة الجماعة الثانية)) و ((أوثق العُرَى في حكم الجمعة في القرى)) و((رد الطغيان في أوقاف القرآن)) و ((هداية المعتدي في قراءة المقتدي)) و ((سبيل الرشاد)) في رد منكر التقليد، وغير ذلك، وهذا المختصر لا يسع أكثر من ذلك. وأُلِّفَ في تذكرته - رضي الله عنه - كتب مفردة، منها (ياد ياران)) و ((وصل الحبيب)) و ((تذكرة الرشيد)) كتاب ضخيم في ثلاثة مجلدات، وذكرنا نبذاً من أحواله - رضي الله عنه - في أحوال ((مظاهر العلوم))، وفي أحوال المشايخ الجشتية - ألحقنا الله بهم بفضله ومنّه -. وأما الشيخ عبد الغني الحنفي (١): فهو الإِمام الحافظ الحجة، مسند وقته، أبو حنيفة عصره، وبخاري دهره، ابن أبي سعيد، بن صفي القدر، بن عزيز القدر، بن محمد عيسى، بن سيف الدين، بن الشيخ محمد معصوم، بن سند العارفين إمام الطريقة المجددية العارف بالله أحمد العمري السرهندي، (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٢٩٦/٧)، و((فهرس الفهارس)) (ص٧٥٨). ١٤٤ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد الشهير ((بمجدد الألف الثاني)) - نوّر الله مرقده - ابن عبد الأحد بن زين العابدين، من ذرية ناصر بن عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأصل السرهند سِهرَند - بكسر السين المهملة وفتح الراء المهملة - معناه غابة الأسد. ولما استولى طاغية ((السيخ)) على سرهند وما والاها نفى عنها عامريها، فكان من جملة من هاجر وطنه الشيخ الصفي، ارتحل إلى كورة ((مصطفى آباد)) من مضافات الإِمارة الشهيرة ((رام بور))، وبها ولد ابنه أبو سعيد لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وتسعين مائة وألف، فاكتسب الشيخ أبو سعيد الأخلاق والعلوم الباطنية أولاً عن والده المرحوم، كما سيأتي بسطه في ترجمته . ثم ارتحل إلى العاصمة (دهلي)) وولد بها شيخنا العلامة عبد الغني في شهر شعبان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعد ألف، ووهم من حكى ولادته - رحمه الله - في مضافات ((رامفور)). واشتغل من صباه في تحصيل العلوم والاقتناء من فقه النعمان وحفظ كتاب الله المبين. وأخذ أكثر الكتب من الحديث وغيره من والده المرحوم سيما الأمهات الست، و((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن، وقرأ البخاري على حضرة الشاه محمد إسحاق أيضاً، وأخذ ((مشكاة المصابيح))، عن الشيخ مخصوص الله بن الشاه رفيع الدين الدهلوي، وقرأ البخاري على الشيخ محمد عابد السندهي الأنصاري المدني أيضاً وأجيز لسائر الكتب بإجازة عامة عنه، وأجيز أيضاً، عن الشيخ أبي الزاهد إسماعيل بن إدريس الرومي ثم المدني. واكتسب المعارف الباطنية عن والده المرحوم، في الطريقة النقشبندية، وصار من قِبَلِه مجازاً بها إجازة الإِرشاد، وقام مقامه في الإِفادة والتسليك، وألف ذيلاً نفيساً على ((سنن ابن ماجه))، سماه ((إنجاح الحاجة)) وهو متداول بين الناس . وكان يشتغل بسائر أوقاته في التدريس والتسليك حتى وقعت الفتنة ١٤٥ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد الهائلة في الهند، وتسلط العلوج على ((دهلي))، فهاجر في رهط من حزبه إلى أرض الحجاز، فقدم مكة المكرمة أولاً، ثم شَدَّ رحله إلى البلدة الطاهرة المدينة المنورة، فصار حِلْسَها، مواظباً على ما اعتاد من الأوراد والوظائف، مشتغلاً بالرواية والدراية، لا يفتر عما كان عليه ليلاً ولا نهاراً، وانتفع به جماعات من العلماء، فمقلٌّ ومكثرٌ، إلى أن لبَّى داعي الله - سبحانه وتقدس - في غُرَّة المحرم سنة ست وتسعين ومائتين وألف - رضي الله عنه وأرضاه وجعل أعلى الجنة مثواه -. وأما أبوه الشيخ أبو سعيد(١) العلامة المحدث الكبير المسند الحجة، تقدم نسبه وولادته في ترجمة ابنه، فقد حفظ القرآن في صغره، وتعلم التجويد من بعض قراء بلده، ثم أخذ الكتب الدراسية المتداولة في تلك النواحي من المعقول والمنقول، والفروع والأصول، على الشيخ شرف الدين المفتي الدهلوي، والعلامة الشاه رفيع الدين الدهلوي، وأسند عنه ((الجامع الصحيح)) للإِمام مسلم بن الحجّاج. ثم أكرمه الله تعالى بالإِجازة العامة عن الشيخ الأجل الشاه عبد العزيز بن الشاه ولي الله الدهلوي، واكتسب المعارف الباطنية أولاً عن والده المرحوم، إذ كان في ((رامفور))، ثم ارتحل بعد ذلك إلى بلدة (دهلي))، وكتب إلى القاضي ثناء الله الباني بتي، فكتب إليه: أن لا أَفضل اليوم من الشاه غلام علي، الملقب بعبد الله العلوي الدهلوي، فاقتبس من أنواره الباطنية الوامضة حتى أكرمه الشيخ أيضاً بإجازة الإِرشاد والتلقين، وأنابه مقامه واستخلفه على مسترشديه من بعده. ---- فلما كان عام ١٢٤٩ هـ حداه حادي الاشتياق إلى الحج والزيارة، ولما قضى الوطر عنهما أُصيبَ بالحمَّى فتوجَّهَ إلى الوطن، ولم يزل يزداد مرضه حتى إذا وصل بلدة ((تونك)) اشتدَّ به الوجعُ صبيحةَ عيد الفطر، ثم توفِّي من يومه ذاك بين صلاتي العشيِّ سنة خمسين ومائتين وألف، وحضر جنازته أمير (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (١٤/٧). ١٤٦ ---- -- الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد البلدة، وصلّى عليه قاضيها، ثم نُقِل تابوته إلى بلدة ((دهلي))، ودفن عند تُربة شيخه العارف بالله غلام علي، والعارف بالله مرزا مظهر جانجانان، - رضي الله عنهم وأرضاهم -. وأما الشيخ محمد مظهر (١): فهو ابن الشيخ لطف علي بن الحافظ محمد حسن، بن غلام شرف الطبيب، الآتي في ترجمة مولانا مملوك العلي - قدس سره - وهو الإِمام الزكي العارف بالله الفقيه المحدث، أخذ العلوم من الشيخ الأجل أستاذ المشايخ الكرام مولانا مملوك العلي النانوتوي، ومولانا الشيخ صدر الدين صدر الصدور في دهلي، ومولانا الشيخ رشيد الدين الدهلوي، وقرأ بعض كتب الحديث على المحدث الأكبر الشيخ الأجلِ الشهير في الآفاق مولانا الشاه محمد إسحاق رحمه الله. وكان - رحمه الله - مرجع الخلائق في الفقه متبحِّراً فاضلاً كاملاً إماماً جامعاً للعلوم الشرعية والعقلية واللغوية، وولي رياسة التدريس بالمدرسة العالية ((مظاهر العلوم)) بسهارنفور من أول بناء المدرسة، وكان - رحمه الله - قبل ذلك مُصَحِّحاً في مطبعة نولكشور، وأخذ عنه الكثيرون الفقه والأصول والكلام والنحو والإِعراب والمعاني والمنطق. ومن مفاخره أن الشيخ العلامة بحر العلوم، حضرة مولانا محمد قاسم النانوتوي أخذ عنه بعض الكتب الابتدائية، كما أفادني مولانا ثابت علي المدرس بمظاهر العلوم، وكان من أخصّ تلامذة مولانا الشيخ محمد مظهر ـ نوَّر الله مرقدهما - وما ذكرت ههنا من أحواله - قدس سره - أكثرها سمعته منه أيضاً. وتحلَّى بإجازة السلوك والإرشاد عن قطب العالم المحدث الكنگوهي - قدس الله سرّه العزيز - وكان - رضي الله عنه - تلَّاءَ للقرآن، وكان الغالب على لسانه وِرْدُ اسم الذات، وكان يحترز من التكلفات الباردة، سيما عن (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٤٥٥/٨). ١٤٧ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد استعمال الشمسية، وكان يقال في شأنه: إنه صدِّيقيّ نسباً، وفاروقيّ خُلقاً، وسيفيٌّ كَرَّة، نُصِرَ بالرعب، قلَّما يجترئ أحدٌ على التكلم في حضرته، وكان - رضي الله عنه - من زُهّاد العلماء، وكبار الصالحين، من أئمة الفقه والحديث والسلوك والعلوم الآلية، وكان جامعاً بين العلوم والفنون، وكان يهتم باستعمال الطيب عند تلاوة القرآن في التراويح. توفي - رضي الله عنه - بعد المغرب ليلة أربع وعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الألف، وكان إذ ذاك قريباً من سبعين سنة، على ما أفاده خُلَّصُ خُدَّامه - رحمه الله -، وكان - رحمه الله - في مرض وصاله يَمَسُّ جبينه بيده مراراً يتبَّع عرقه علامة لموت المؤمن، حتى إذا قرب وصاله عرق جبينه، فاستنارت أساريرُ وجهه سروراً بذلك - نور الله مرقده - وبرّد مضجعه - وكان له - رحمه الله - أخوان: الشيخ محمد أحسن مؤلف ((أحسن المسائل في ترجمة كنز الدقائق))، والشيخ محمد منير. وأما مولانا مملوك العلي(١) شيخ المشايخ العظام وأستاذ الكل: فهو أبو يعقوب بن الشيخ العلامة أحمد علي بن غلام شرف الطبيب، بن الشيخ عبد الله الطبيب بن محمد فتح، بن محمد مفتي، بن عبد السميع، بن مولوي محمد هاشم، ينتهي نسبه إلى قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وكان محمد هاشم من مقرّبي السلطان شاه جهان، ملك دهلي، فخط له خططاً بكورة ((نانوته)) فاستوطنها . أخذ أكثر الكتب الدرسية، بل جميعها عن العلامة الشيخ الأجل مولانا رشيد الدين خان الدهلوي، وهو من أرشد تلامذة الشيخ الأجل الأكبر مولانا الشاه عبد العزيز الدهلوي، الشهير في عالم الحديث. وكان - رحمه الله - ماهراً في المعقول والمنقول بارعاً في الأصول والفروع، تقدم في العربية والفقه، فصار إمام زمانه، وأستاذ أوانه، وانتهت إليه رياسة الكلية العربية (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٥٠١/٧). ١٤٨ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد الانكليزية بالعاصمة دهلي، ويكفيك من جملة مفاخره الجزيلة أن البدرين النيّرين: القطب الكنكوهي، والبحر النانوتوي، كانا من تلامذته، وولده العلامة الشيخ محمد يعقوب كان رئيس المحدثين بالجامعة الديوبندية العلية الشهيرة في الآفاق. توفي - رضي الله عنه - في الحادي عشر من ذي الحجة سنة سبع وستين ومائتين وألف من الهجرة، وقد مرض أحد عشر يوماً في مرض يرقان - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - وذكر بعض أحواله في ((آثار الصناديد)) وفي ((نزهة الخواطر)) وُلّ التدريس بمدرسة دار البقاء بدهلي، وسافر إلى الحجاز سنة ١٢٥٨هـ، فحج وزار وعاد إلى الهند بعد سنة كاملة. وأما الشيخ رشيد الدين خان الدهلوي(١): فهو كشميري النجار، المقدام في المعقول والمنقول حاوي الفروع والأصول، وهو من أشهر تلامذة الشيخ الأجل سراج الهند الشاه عبد العزيز الدهلوي، وكان ماهراً في رد الروافض، مشهور النكاية فيهم، حتى يُضْرب به المثل في الرد عليهم، وكان حسن العبارة، دأبه الذبُّ عن حمى السنة، ذكياً نظاراً فصيحاً، صنّف في رد الشيعة كتابه ((الشوكة العمرية)) وغيره مما يعظم موقعه عند الجدليين من أهل النظر، واشتغل بالعلوم، فبرع في كثير منها، وصار رأس الناس في العلوم والجدل، وقد توفى سنة ١٢٤٩ هـ. وأما الشيخ العلامة مولانا عبد القيوم (٢) بن مولانا الشيخ عبد الحي البكري البدهانوي، فهو من أجِلّة علماء بهوبال، وأكابر المفتين فيها، كانت الأميرة تُوقّره وتعظمه كثيراً، وكانت تزوره، وكان ختن العلامة الشهير في الآفاق الشاه محمد إسحاق - رحمه الله - الدهلوي، وأخذ عنه الحديث، كان - رحمه الله - يدرس في بهوبال الفقه والتفسير والحديث، وكان مخزن (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٧/ ١٨٠) أنه توفي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف. (٢) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٢٥٥/٧). ١٤٩ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد الأخلاق الحسنة، حسن الهيئة، لا يتكلف في اللباس، ويستر حاله كثيراً، وكان مرشداً في السلوك. وكان والده العلامة الشيخ عبد الحي ختن الشاه عبد العزيز سراج الهند، الآتية ترجمته، وكان من أحسن الناس خبرة بالفقه الحنفي والماهر بالكتب الدراسية، ألف رسالة في حث الناس على تزويج الأيامى، وردعهم عن استقباح ذلك. وكان مولانا الشيخ عبد القيوم لما مرض ارتحل من بهوبال قاصداً بلدته، ونزل في طريقه (بنارس)) وأقام هناك برهة، وكان جماعة من التلامذة معه يأخذون عنه الحديث في الطريق، واشتد مرض الباسور في الطريق، ولما وصل إلى بلدته ((بدهانه)) ختم البخاري قبيل ذلك، وبدأ نزع الروح، ووصل بالحق بعد وصوله إلى البيت بعدة ساعات، توفي - رحمه الله - سنة تسع وتسعين بعد ألف ومائتين، ودفن بقريته. وأما مولانا عنايت إلهي بن مولانا بخش بن مخدوم بخش السهار نفوري: فهو العلامة الأجل قرأ كلام الله رب العالمين في مدرسة القرآن بگنگوه، إذ كان والده - رحمه الله - موظفاً في تلك البلدة على منصب رئاسة الشرطة، وأخذ الكتب الفارسية والعربية الابتدائية عن المشايخ المتفرقة بسهارنفور، ثم لما أسست المدرسة العالية ((مظاهر العلوم)) سنة ثلاث وثمانين بعد مائتين وألف من الهجرة دخل فيها من أول تأسيسها، وكان يقرأ - رحمه الله - إذ ذاك ((القدوري))، و((الكافية))، فأخذ العلوم الباقية من المعقولات والمنقولات على مدرسيها، وأخذ الحديث عن الإِمامين الهمامين: مولانا الشيخ محمد مظهر، ومولانا الشيخ أحمد علي المحدث. ثم لما فرغ عن العلوم والفنون وُلِّي التدريس بالمدرسة سنة تسع وثمانين بعد مائتين وألف، ثم وظف عدة سنين في أماكن مختلفة، ثم رجع إلى المدرسة موظفاً سنة ١٢٩٣هـ، فلم يزل يترقى معالم الكمال حتى بلغ المراتب القصوى من التدريس، فدَرَّسَ الفقه والحديث، والتفسير والأدب والنحو ١٥٠ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد وغيرها برهة من الزمان، ثم وُلِّي رئاسة الاهتمام، فلم يزل حتى لبى داعي الله - سبحانه وتقدس - في العشرين من جمادى الثانية سنة سبع وأربعين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية - على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية -. وكان - رحمه الله - جامعاً بين العلم والعمل والصلاح، لم يُرَ متوَّرِعٌ مثله، كان رئيس النظام بالمدرسة العالية ((مظاهر العلوم))، وطالما يحتاج إلى بعض مكاتبه في خاصة نفسه، فكان لا يصرف فيها قرطاس المدرسة، وكان - رحمه الله - معتزلاً عن الناس، متبثّلا إلى الله تعالى، انقطع إلى المدرسة مقتصراً على خُويصة نفسه ويُفتي من استفتاه، كان عابداً صالحاً زاهداً، كثير الصمت رقيق القلب، بَكّاءً عند ذكر المشايخ. وأما مولانا أحمد علي بن الشيخ لطف الله المعروف بـ ((بيرنتهو))، ابن الشيخ محمد جميل المعروف بالشيخ جوهراين، بن الشيخ محمد خليل، بن الشيخ أحمد، بن الشيخ محمد، بن الشيخ بدر الدين، بن الشيخ صدر الدين، بن شيخ الإسلام أبي سعيد الأنصاري، حافظ القرآن والحديث، لم يشتغل بالعلوم من صباه، بل كان - رحمه الله - في صباه مشتغلاً باللعب مع الحمام وأمثالها، فأرسل إليه فقيه سهارنفور مولانا سعادت علي رجلاً يسأله عن معاني بعض الألفاظ، فلم يقدر على جوابها، فغلب عليه العار، وهرب من سهارنفور إلى بلدة «ميرته)) فحفظ هناك القرآن، وكان عمره - رحمه الله - إذ ذاك قريباً من ثماني عشرة سنة. ثم رجع إلى سهارنفور، وبدأ الكتب العربية الابتدائية على فقيه البلدة مولانا سعادت علي المرحوم، ثم قرأ الكتب الدراسية كلها في بلدة دهلي على مشايخ الوقت سيما الشيخ العلامة مملوك علي، ومولانا وصيّ الدين السهار نفوري، وأخذ كتب الحديث عن العلامة الشهير في الآفاق مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوي في البلدة الطاهرة مكة المكرمة، ثم بعد الفراغ عن العلوم اشتغل بالتدريس برهة من الزمان، ثم فتح المطبعة الأحمدية بدهلي، وطبع فيها كتب الحديث، وحَلاَّها بالحواشي المفيدة، سيما صحيح البخاري، ١٥١ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد فحشَّاها بأحسن التحشية المفيدة، إلا خمسة أجزاء من الأخير، فأكملها بأمره رئيس المتكلمين رأس الأفاضل حضرة العلامة ذو المفاخر مولانا محمد قاسم النانوتوي، رئيس الجامعة القاسمية بديوبند. وأَّف رسائل مفردة، منها ((الدليل القوي على ترك القراءة للمقتدي)) وبعد وقعة ((الثورة)) على الإِنكليز، المعروفة بثورة سنة ١٨٥٧م رجع إلى وطنه بسهارنفور، واشتغل بتدريس الحديث في المدرسة العلمية ((مظاهر العلوم))، وتوفي في السادسة خلت من أولى الجمادين سنة سبع وتسعين بعد مائتين وألف، وكان قريباً من اثنتين وسبعين سنة، وذكر بعض أحواله في مقدمة اللامع(١). وأما الشيخ الشهير في الآفاق الشاه محمد إسحاق(٢) بن الشيخ محمد أفضل بن أحمد بن إسماعيل بن منصور بن أحمد بن محمود، يأتي نسبه في ترجمة الشاه ولي الله - نوّر الله مرقده - فهو المحدث الأكبر الأجل أبو سليمان ابن بنت المحدث الأجل الرحلة الشاه عبد العزيز الدهلوي، المعروف أنه ولد على التقوى، ولد في السادس من ذي الحجة سنة سبع وتسعين بعد مائة وألف، أخذ العلوم والحديث من جده الشاه عبد العزيز، سراج الهند، وجلس بعده مجلسه، وأفاد الناس أحسن الإِفادة، وكان كثير العبادة، معروفاً بالعلم والورع وغير ذلك من الفضائل الجليلة. وانتهت إليه رئاسة الحديث في عصره، وهو المومأ إليه بلفظ ((مولانا)) في حواشي الكتب المطبوعة بالمطبعة الأحمدية، له مؤلفات يتعاطاها أهل تلك النواحي، وترجمته للمشكاة معروفة، وينسب إليه بعض كتب وقعت فيه أوهام، يتعالى عن مثلها شأنه، ويقال: كان في أصحابه بعض رجال سوء، وكان - رحمه الله - يحسن الظن بهم، فَدَسُّوها في كلامه، ومن أجلِّ تلامذته الأمير قطب الدين مؤلف ((مظاهر الحق)) شرح المشكاة بالهندية. (١) انظر: (٤٥٩/١). (٢) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٥١/٧) و((أبجد العلوم)) (٢٤٦/٣). ١٥٢ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد هاجر إلى مكة المكرمة في ذي القعدة سنة سبع وخمسين بعد ألف ومائتين من الهجرة، وأقام بها عدة سنين، ثم توفي بها عام اثنين وستين ومائتين وألف - برَّد الله مضجعه وأكرم نُزلَه - وأخوه الأصغر محمد يعقوب، ولد في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة مائتين وألف. وأما مرجع الأسانيد الشاه عبد العزيز(١) فهو: أمير المؤمنين في الحديث، الرحلة الإِمام ابن الإِمام الهمام، سيد العارفين، سند الكاملين الشاه ولي الله بن الشاه عبد الرحيم العمري الدهلوي يأتي نسبه في ترجمة أبيه، فخر المحدثين زين المفسرين، الملقب بسراج الهند، وكان السلف من آبائه من حفدة السيد ناصر الدين الشهيد بـ ((سوني پت)) موضع معروف، وينتهي نسبه إلى الإِمام موسى كاظم - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - ولد عام تسعة وخمسين بعد مائة وألف، كما يدل عليه لقبه المؤرَّخُ لمولده ((غلام حليم)). أخذ العلوم الدينية كلها، سيما الحديث عن والده العلامة، وانتهت إليه الرحلة والرئاسة في الحديث في الهند، كان عديم النظير في معرفة الحديث على اختلاف فنونه، متبحِّراً في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله، إماماً، حجة، بارعاً في الفقه والعربية، ورعاً، متبحراً في العلوم والمعارف، ولم يزل - رضي الله عنه - مدة حياته يزيد علوم الدين رواءً ونضارةً، وقد بيَّنها بأحسن العبارات، واشتدَّ اشتغاله بها درساً وتأليفاً، ومدة في بنيانها ترصيصاً وترصيفاً . فمن تصانيفه الشهيرة السائرة بين الناس كتاب ((التحفة الاثنا عشرية)) في الرد على الفئة الشيعية الرافضة، اتفق حُذَّاق النظار والجدليون على أنه أبدع ما صُنِّفَ في الباب، وله كتب غيره جيدة في الرد عليهم، وقد تبعه على ذلك جماعة من أصحابه، فأحسنوا اتباعه، وعملوا كتباً نفيسة، وأتقنوا هذا البحث، وأبلغوه بحيث لا مجال للناظر فوق ذلك. (١) انظر: ((أبجد العلوم)) (٤٤/٣)، و((نزهة الخواطر)) (٢٦٨/٧). ١٥٣ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد ومن مؤلفاته المعروفة تفسيره المشهور الذي سماه ((فتح العزيز)) أعوز أهل الحذق في هذه الصناعة، والإِنصاف أنه لا يوجد مثله في الكشف عن أسرار البديع ولطائف البلاغة، وغيرها من رموز الدقائق وغوامض السلوك والمعارف، فيا ليت اتفق إتمامه، لا يوجد منه إلا تفسير سورة البقرة، وتفسير الجزئين الأخيرين: تبارك الذي، وعم يتساءلون، ومنها: ((بستان المحدثين)) أجملَ فيه الكلام على كتب الحديث ومؤلفيها مهذبة منقحة، ومنها: فتاواه الشهيرة بالفتاوى العزيزية. ومنها: (تحقيق الرؤيا)) بين فيها حقيقة الرؤيا والتعبير، ومنها: ((رسالة فيض عام)) و(سر الشهادتين)) و((عزيز الاقتباس في فضائل أخيار الناس)) و((العجالة النافعة)) في أصول الحديث ورسالة ((چهار باب)) و((أحسن الحسنات)). وأخذ خرقة السلوك وإجازة الإِرشاد عن والده القطب الشاه ولي الله المحدث - رضي الله عنهما وأرضاهما -، كان - رضي الله عنه - صاحب الكرامات الجليلة والإرادات الرفيعة، ولما أسمع القرآن في أول التراويح رؤي في المنام حضوره عليه الصلاة والسلام - فيا لها من فضائل ! - وتصانيفه - رضي الله عنه - كلها رغائب ابتكرها، ونفائس هو أبو عُذْرها، وتحقيقات شامخات، وتدقيقات، لها في حسن القبول أقدام راسخات. ومن أعظم ما خصه الله تعالى به أنه يسَّر له أصحاباً - وإذا أراد الله شيئاً هيّأ له أسباباً - فَتَقَوَّى بهم عضده، واشتدّ بهم أزره، وشاع بهم علومه، وبقيت بهم من بعدهم آثاره ورسومه، وذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن أجلة أصحابه: أخوه: عبد القادر الفاضل الفقيه المحدث الأديب الشاعر، وأخوه: الشاه رفيع الدين المحقق، صاحب التآليف النفيسة، يجمع مسائل كثيرة، في كلمات يسيرة، منها ((دمغ الباطل)) في بعض المسائل الغامضة من علم الحقائق، ومختصر جامع بَيّن فيه سريان المحبة في الأشياء كلها، وأوضح للناس أطوار الحب، يسمى ((أسرار المحبة)) ولا يعرف من سبقه إلى ذلك. ١٥٤ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد ثم إن الأخوين توفيا قبل الشاه عبد العزيز، وكذا أخوهما عبد الغني أبو إسماعيل، وكان للشاه عبد العزيز أخ أقدم سناً منه، اسمه محمد، وكان أخاه لأبيه، وهو أيضاً قديم الوفاة، ومن أصحابه أيضاً ختنه عبد الحي البدهانوي، تقدم ذكره في بيان ولده عبد القيوم، ومنهم ابن أخيه الشاه محمد إسماعيل بن الشاه عبد الغني، كان من أشد الناس في دين الله، وأحفظهم للسنة. يغضب لها، ويندب إليها، ويُشنِّع على البدع وأهلها، من مؤلفاته (الصراط المستقيم)) و((الإِيضاح)) في بيان حقيقة السنة، و((مختصر)) في أصول الفقه، وغير ذلك. ومنهم ابن بنته أبو سليمان الشاه محمد إسحاق، تقدم ذكره، ومنهم الشيخ رشيد الدين الدهلوي تقدم ذكره أيضاً، ومنهم العلامة الأجل رئيس أهل العرفان والتقى، مرجع أرباب الفتوى المفتي إلهي بخش بن العلامة شيخ الإِسلام الكاندهلوي(١)، صاحب التأليف الأنيقة، ومكمل ((المثنوي)) لمولانا جلال الدين الرومي، ومؤلف الرسالة الوجيزة في الشمائل، اسمه ((شميم الحبيب)) ألفها في بلدة بهوبال سنة ١٢٠٩هـ. وغير هؤلاء يطول الكلام بذكرهم، ذكر بعضهم في ((اليانع الجني)) و((الكمالات العزيزية)). ومن سجاياه الفاضلة التي لا يُدانيه فيها عامةُ أهل زمانه قوة عارضته، لم يناضل أحداً إلا أصمى رميته، ومنها: براعته في تحسين العبارة، ومنها: فراسته في تعبير الرؤيا، فكان لا يُعَبِّرُ شيئاً منها إلا جاءت كما أخبر. يقال: إنه توفي سابع شوال يوم الأحد سنة تسع وأربعين بعد المائتين وألف، وكان عمره تسعين سنة، وتفصيل مرضه ووصيته وغير ذلك مذكور في ((الروض الممطور في تراجم علماء شرح الصدور)) من شاء التفصيل فليرجع إليه، نتركه روماً للاختصار، وأكثر هذا الكلام مأخوذ من ((اليانع الجني)). ولأجل تمام النفع نذكر نُبذاً من أنساب عشيرته لشدة الاحتياج إلى ذلك، لما أن بعضهم تلميذ بعض منهم، يأتي ذكرهم في أسانيد الحديث (١) انظر ترجمته في ((نزهة الخواطر)) (٧٢/٧). ١٥٥ --- .--- الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد كثيراً، فقد كان بيته في الهند بيت علم الدين، وهم كانوا مشايخ الهند في العلوم النقلية، بل والعقلية، أصحاب الأعمال الصالحات، وأرباب الفضائل الباقيات، فلم تكن علوم الحديث والتفسير والفقه والأصول وما يليها إلا في هذا البيت، لا يختلف في ذلك مختلف من موافق ولا مخالف، إلا من أعماه الله عن الإِنصاف، ومَسَّتْه العصبية والاعتساف. حضرة الشاه ولي الله العارف من زوجته الأولى من بطن السيدة )- الشيخ محمد لا ولد له الشاه عبد العزيز صاحب تراجم زوجة الشاه محمد فائق بن وبنتان الشاه محمد له خمسة بنين له بنت واحدة لا غير هي زينب وبنت واحدة لها بنت وهي أم كلثوم زوجة الشاه إسماعيل الشهيد ثلاث بنات وتوفيت كل واحدة منهن في حياته كبراهن زوجة محمد عيسى ووسطاهن زوجة وصغراهن زوجة ابن الشاه رفیع الدین الشيخ محمد أفضل الشيخ عبد الحي البدهانوي مولانا عبد القيوم البدهانوي ختن الشاه إسحاق رحـ الشاه محمد الشاه يعقوب المهاجر إسحاق المهاجر وأما الإِمام الحجة قدوة الأمة الشاه ولي الله(١)، فهو قطب الدين أحمد، بن الشاه عبد الرحيم، بن وجيه الدين الشهيد، بن معظم، بن (١) انظر ترجمته في ((التعليق الممجد)) (١٠٤/١) و((نزهة الخواطر)) (٣٩٨/٦ _ ٤١٥)، و((أبجد العلوم)) (٣٤١/٣)، والجزء الرابع من كتاب ((رجال الفكر والدعوة)) لسماحة الشيخ أبي الحسن الندوي. ١٥٦ ۔۔ لم یولد له ذکر بل - الشاه رفيع الدين الشاه عبد القادر، الشاه عبد الغني، أمة العزيز ولدت له القرآن ومؤلف ((موضح القرآن)) الشاه إسماعيل الشهید عاشق البهلتي الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد منصور، بن أحمد، بن محمود، بن قوام الدين، المعروف بقاضي قواذن، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المفسر المحدث، الفقيه العارف، لسان الحقائق والمعارف، رئيس المحدثين، وريحانة الفقهاء المبرزين صدر الأئمة وحجتهم، صاحب التصانيف الكثيرة، والتآليف الرفيعة، يضيق نطاق البيان عن تعديد محامده، فنتركها روماً للاختصار، وهي مذكورة في كتب سير أولياء الهند، قيل في شأنه: أَكُلّ فصيح قال شعراً متيّمُ إذا كان مدحٌ فالنسيبُ المقدَّمُ به يُبْدَأُ الذكرُ الجميلُ ويُخْتَمُ لحبِ ولي اللهِ خيرٌ فإنهُ ولد - رضي الله عنه - يوم الأربعاء رابع شوال عند طلوع الشمس سنة أربع عشرة بعد مائة وألف، وأرخ ((بعظيم الدين)). وحفظ القرآن إذ كان عمره سبع سنين، فشرع الكتب الفارسية، وشرع الفوائد الضيائية، إذ كان ابن عشر، وتزوج في الرابع عشرة، وفرغ عن المعقول والمنقول، والفروع والأصول، والحديث والفقه، في الخامس عشرة، واشتغل عند والده في تحصيل طرق السلوك، سيما الطريقة الصافية النقشبندية، وتوفي والده - رضي الله عنه - في السابع عشرة بعد إعطائه إجازة الإِرشاد، وخرقة السلوك. ولم يزل مشتغلاً بعد ذلك في التدريس والإِفادة إلى أن سافر الحجاز في سنة ثلاث وأربعين بعد مائة وألف وأقام هناك سنة، وحج مرتين، وأخذ الإِجازة عن علماء الحرمين، وأخذ الخرقة عن الشيخ أبي طاهر المدني، الجامع لجميع خرق الصوفية، ورجع إلى دهلي في أربع عشرة خلت من رجب سنة ١١٤٥ هـ، فاشتغل بنشر العلوم والمعارف، حتى لبى داعي الله - سبحانه وتقدس - سنة ست وسبعين بعد مائة وألف. وله مؤلفات كثيرة يتعسر عدُّها بقضها وقضيضها، ومن أشهرها ((الفوز الكبير في أصول التفسير)) و((المسؤَّى في شرح الموطأ)) في العربية، و((المصفَّى شرح الموطأ)» في الفارسية، رتب فيهما أحاديث ((الموطأ)) ترتيباً يسهل تناوله، و(شرح تراجم الجامع الصحيح للبخاري)) و((إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء)) ١٥٧ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد و((حجة الله البالغة)) في أسرار الحديث وحكم الشريعة و((القول الجميل)) في علم السلوك و((الانتباه في سلاسل أولياء الله))، و((الإِرشاد إلى مهمات الإِسناد)) و((الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين)) و((الفضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين))، و((النوادر من حديث سيد الأوائل والأواخر)) و((فيوض الحرمين))، و((أنفاس العارفين))، و((تأويل الأحاديث))، في رموز قصص الأنبياء والمرسلين. و((الخير الكثير)) الملقب بخزائن الحكمة، فيها زبدة معارف الصوفية، وخلاصة أذواقها، و((التفهيمات الإلهية في علم الحقائق))، قال الشاه عبد العزيز: إنه عمدة مصنفاته، قيل: إنه متضمن أكثر من مائتي رسالة، و((إنسان العين في مشايخ الحرمين))، و((عقد الجيد في الاجتهاد والتقليد))، و(ألطاف القدس))، و((المقالة العرضية في النصيحة والوصية))، و((الإِنصاف في سبب الاختلاف)) بين الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، و((سرور المحزون))، و((اللمعات))، و((السطعات))، و((الهمعات))، و((المقدمة السَّنِيَّة في انتصار الفرقة السُّنِّيَّة))، و((فتح الرحمن في ترجمة القرآن))، و((شفاء القلوب))، و((فتح الخبير فيما لا بد من حفظه في علم التفسير))، و(قرة العينين في تفضيل الشيخين))، و((البدور البازغة))، و((السر المكتوم في أسباب تدوين العلوم))، و(الأربعينة))، و((حسن العقيدة))، و((شرح الرباعيتين))، و((قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم))، و((الكلمات الطيبات))، و((الإِمداد في مآثر الأجداد))، و((وصيت نامه)) و((رسالة دانشمندي)). وكان - رضي الله عنه - شاعراً أديباً بليغاً، ينظم الكلام في اللغات الثلاث، وقال في قصيدته النعتية الطويلة: عصائبُ تتلو مثلَها من عصائبٍ يؤيد دينَ الله في كل دَوْرَةٍ بسُمْرِ القَنَا والمرهَفَاتِ القَواضبِ فمنهم رجالٌ يدفعون عدوّهمْ ومنهم رجالٌ يغلبون عدوَّهم ومنهم رجالٌ بيَّنُوا شرعَ ربِّنا ومنهم رجالٌ يَدْرُسون كتابَه بأقوى دليلٍ مفحِمٍ للمُغَاضبِ وما كان من أمرٍ حرامٍ وواجبٍ بتجويدٍ ترتيل وحفظِ المراتبِ ١٥٨ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد وما كان منه من صحيحٍ وذاهب بأنفاسهمْ خصبُ البلادِ الأجادبِ ومنهم رجالٌ بالحديث تَوَلَّعوا ومنهم رجالٌ مخلصون لربهمْ فئامٌ إلى دينٍ من الله واصبِ ومنهم رجالٌ يُهْتَدَى بعظاتهم بما لا يوافي حده ذهنُ حاسبٍ على الله ربِّ الناس حسنُ جزائهمْ ومن شاء فلينزل بحب الزيانبِ فمن شاء فليذكر جمال نبيهِ سأذكر حبي للحبيب محمد إذا وصف العشاق حبَّ الحبائبِ وكتب في ((التفهيمات)): ومن نعم الله عليَّ - ولا فخر ــ أن جعلني ناطق هذه الدورة وحكيمها وقائد هذه الطبقة وزعيمها، فنطق على لساني ونفث في نفسي، فإن نطقت بأذكار القوم وأشغالهم نطقت بجوامعها، وأتيت على مذاهبهم جميعها. وإن تكلمت على نسب القوم فيما بينهم وبين ربهم زويت لي مناكبها، وبسطت في جوانبها، وأوفيت ذروة سنامها، وقبضت على مجامع خطامها، وإن خطبت بأسرار اللطائف الإِنسانية تفوضَّتُ قاموسها، وتلمسَّتُ ناعوسها، وقبضت على جلابيبها، وأخذت بتلابيبها، وإن تمطَّيْتُ ظهر علم النفوس ومبالغها، فأنا أبو عُذرتها، أتيتهم بعجائب لا تحصى، وغرائب لا تكتنه، ولا اكتناهها يرجى، وإن بحثت عن علم الشرائع والنبوات فأنا ليث عرينها، وحافظ جرينها، ووارث خزائنها، وباحث مغابنها . يدِقّ خفاهُ عن فهم الذكي وكمْ لله من لطفٍ خفيٍّ ولا شك في أنه - رضي الله عنه - أعلى من ذلك كله، وتآليفه تصدق كلامه، وقد صدق من قال في حقه: ((إنه آية من آيات الله، ومعجزة من معجزات نبيه)) وثناء الناس عليه أكثر من أن يحصى، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل أعلى الجنة مثواه، وجعلنا فيمن تلاه، فإنه رضى الله تعالى عنه كان جامعاً بين العلوم والمعارف، بل سباق ميادينها . ولمثله قيل: إنه إن أخذ في التفسير كَلَّ عنده الكشاف واختفى، أو الحديث كان عن ألفاظه الغريبة مزيل الخفاء، أو الفقه عُدَّ للنعمان شقيقاً، أو النحو كان للخليل رفيقاً، أو الكلام فلو رآه النَّظّام لاختلَّ نظامه، ولو أدركه ١٥٩ الباب الثالث: في بيان هذا التعليق، وفيه فوائد صاحب ((المواقف)) لقال: أنت في كل موقف مقدمه وإمامه، أو الأصول فلو جادله السيف لاختفى في غمده، ولقطع له بالإِمامة، ولم يقطع بحضرته لكلال حدِّه، أو الإِمام الفخر لقال: ما لأحد أن يتقدم هذا الحبر، وخاطبه لسان حاله: أنت إمام الطائفة، بل مفاخره أكثر من ذلك. وأما الشيخ وفد الله(١) بن محمد بن سليمان المغربي الرداني ثم المكي، فهو الحافظ المحدث من علماء المالكية، كان والده من أشهر مشايخ الحرمين والعلماء العارفين من أصحاب الكرامات، وشيخنا الدهلوي أخذ عنه الإِجازة لجميع مروياته، عن والده قراءة وسماعاً وإجازة، وعن الشيخ حسن العجمي(٢) ((الموطأ)) خاصة، وأيضاً روى عنه شيخنا الدهلوي الحديث المسلسل بالفقهاء المالكية. وفيه لطيفة التسلسل بالمغاربة أيضاً، فقال في المسلسلات: قال الفقير ولي الله - عفا الله عنه - وهو خادم كتاب ((الموطأ)) الذي هو أصل مذهب مالك، وله إجازة لتدريس كتبها ومطالعتها ومراجعة فيما يهمه إليها، قرأت على الشيخ محمد وفد الله المكي المالكي عن أبيه الشيخ محمد بن محمد بن سليمان المغربي المالكي، نزيل مكة، عن أبي عثمان سعيد بن إبراهيم الجزائري عرف بقدّوره، فذكر سنده، وأيضاً روى عنه الحديث المسلسل بالمحدثين، والحديث المسلسل بالمغاربة، وروى الشيخ هذه الروايات كلها حين حضر الحجاز الشريف سنة ثلاث وأربعين بعد مائة وألف، وأخذ عنه الحديث المسلسل بالصوفية في ثالث عشر من المحرم، والشيخ وفد الله يروي ((الموطأ)» عن طريق والده المرحوم محمد بن محمد بن سليمان المغربي أيضاً، وأسانيدها كلها مذكورة في ((صلة الخلف)). وأما الشيخ حسن بن علي العُجَيمي(٣) - مصغراً - الحنفي فهو أحد (١) ((إنسان العين)) (ص٧). (٢) كذا في الأصل، والظاهر ((العُجيمي)) كما في ((الأعلام للزركلي)) (٢٢٣/٢). (٣) انظر ترجمته في: ((خلاصة الأثر)) (٣٤٦/١)، و((هدية العارفين)) (٢٩٤/١) و((أبجد العلوم)» (١٦٧/٣). ١٦٠ ----- -