Indexed OCR Text

Pages 21-40

كلمة عن المؤلف
فتقاربت بجهده البليغ هذه المراكز المتنافرة، فقضى بتلك الفروق على
العواطف المختلفة. وعندي هذه نسبة إلياسية سرت في قلبه من أنفاس عمه
الجليل داعية الإسلام وداعية الحق، وإمام دعوة التبليغ مولانا محمد إلياس
المغفور له - رحمه الله -، فحاز قصبات السبق في جميع معاصريه بهذه
الخصائص الباهرة .
عهد تدريسه: أصبح مدرِّساً للعلوم المختلفة حين بلغ من عمره عشرين
عاماً بمدرسة ((مظاهر العلوم)) التي تخرج منها، وسرعان ما فوض إليه ((مشكاة
المصابيح)) وعدة أجزاء من ((صحيح البخاري))، بأمر شيخه الإمام مولانا الشيخ
خليل أحمد - رحمه الله - ثم تدريس ((سنن أبي داود))، ثم النصف الأول من
(صحيح البخاري))، ثم ((صحيح البخاري)) كله، حتى اشتهر بشيخ الحديث
وأصبح له لقباً لازماً لاسمه الكريم، وقلّما يعرفه أحد إلا بهذا اللقب الكريم.
عهد تأليفه: بدأ الشيخ الإمام مولانا خليل أحمد في شرح على ((سنن
أبي داود))، فأصبح له خير معين في البحث، والجمع، وتصفح الأوراق،
وتفحص المظان، فكان خير وسيلة لترشيحه في التأليف، وتربية ملكة
التصنيف تحت رعاية شيخه، حتى فاز بسعادة مزاملته في رحلة الحج،
فرافقه، وزامله، وتم بمساعدته ((بذل المجهود شرح سنن أبي داود)) بالمدينة
المنورة - زادها الله نوراً - حين تم له العقد الثالث من عمره، وكان خير
تمرين له بالتأليف والبحث.
ثم بالمدينة المنورة بدأ بتأليف ((شرح الموطأ)) في تلك البقعة المقدسة
الطاهرة في جوار القبر الأنور والضريح الأطهر - على صاحبه صلوات الله
وسلامه ـ وأتمه في ستة أجزاء كبيرة بعد عوده إلى البلاد، والعود أحمد.
ومن تأليفه النافعة تعليقاته على ((الكوكب الدري على جامع الترمذي))
فإنها مع وجازتها في غاية الجودة والحسن والنفع، وتعليقات نفيسة واسعة
على أمالي الشيخ الكنكوهي على ((صحيح البخاري))، وعليها مقدمة واسعة
مبسوطة، وفيها أبحاث ونفائس لا يستغني عنها كل بحاثة محقق.
٢١

كلمة عن المؤلف
وقد ألف كتباً عديدة باللغة الأردوية في ((شرح شمائل الترمذي))،
و((حكايات الصحابة))، وفضائل الذكر، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج،
وفضائل الصلاة على النبي - عليه صلوات الله وسلامه - وغيرها، ألفها هداية
وإرشاداً للناشئة الحديثة، فأقبلوا عليها إقبالاً عظيماً، وقد نفع الله بها نفعاً
كبيراً، وأصلح الله بها أمة، وأصبحت هذه الكتب والرسائل وسيلة إرشاد
وخير لأرباب دعوة التبليغ، فجعلوها كمنهج علمي لأهل التبليغ يقرؤونها،
ويدرسونها دراسة حفظ وإتقان.
٢٢

كلمة عن المؤلف
كَلِمَةٌ عَنْ أَوْجَزِ المَسَالِكِ
وَأمَّهَاتِ خَصَائِصِهِ
الأول: أنه شرح ممزوج مع متن الحديث ولفظ السند، فيشرحه شرحاً
حرفياً، فيسهل على الناظر تعاطيه، ويدرك قوادمه وخوافيه.
الثاني: أنه ينبه على سائر الألفاظ الواردة في الأمهات الست من رواية
لفظ الحديث؛ لكي يقف الناظر على شرحه بوضوح وجلاء، ويتسنَّى له
ترجيح بعضها على بعض من غير خفاء.
الثالث: أنه يستوفي شرح أسماء الرجال بكلام موجز منقح مع جرح
وتعديل إيقاظاً للناظر على درجة الحديث.
الرابع: أنه يستوفي بيان المذاهب الأربعة وما عداها في المسائل
الخلافية، من كتب موثوقة عند أهلها، بل يستقصي الأقوال والروايات
المختلفة المروية في كتب المذاهب عن الأئمة، ولا سيما في مذهب مالك
لكي يطمئن كل من انتسب إلى أحد من الأئمة المتبوعين على بصيرة.
الخامس: أنه يذكر أدلة المذاهب تارة بالاستقصاء، وتارة بالتلخيص
حسب ما اقتضاه المقام.
السادس: أنه يعتمد في شرح الحديث على جهابذة شارحي («الموطأ)»
كالقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عياض وأمثالهما، وتارة ينتقي من
كلام المتأخرين من الشارحين.
السابع: أنه أوفى شرح الموطأ حديثاً وفقهاً ولغة بقولٍ وسطٍ في الباب
من غير إخلال وإطناب.
٢٣

كلمة عن المؤلف
الثامن: أنه يذكر في شرح الحديث بعد استيفاء أقوال الشارحين
الأعلام ما تلقاه من أعلام عصره كالشيخ المحدث السهار نفوري صاحب
(بذل المجهود في شرح سنن أبي داود)) وفقيه عصره الشيخ المحدث
الكنكوهي وصاحبه الشيخ يحيى الكاندهلوي والد المؤلف، وذلك في
معترك صعب يتجلى فيه نبوغ هؤلاء الأعلام، وما يذكره من أعيان الهند
المحققين كالشاه ولي الله الدهلوي في شرحه باللغة الفارسية ((المصفّى))
وفيه نفائس، والشيخ المحدث اللكنوي في (السعاية))، والمحدث السنبلي
في ((شرح مسند أبي حنيفة))، والمحدث النيموي في ((آثار السنن)) وغيرهم.
وكل ذلك علوم وأبحاث، تختص بالبلاد الهندية لم تصل إلى بلاد
العرب، فأصبح الشرح بذلك وثيقة اتصال بين أعيان الهند وأعلام
العرب .
التاسع: أنه اعتنى بغرر النقول من كتب القدماء والمتأخرين من
المحدثين من كتب لم تطبع عند تأليفه بالقاهرة ولا ببلاد العرب، فلم تصل
إلى البلاد العربية تلك الأبحاث الرائعة كتأليف الإمام الطحاوي عبقري هذه
الأمة في قدماء المحدثين ((كمشكل الآثار)) و ((شرح معاني الآثار)) وككتب
الإمام محمد بن الحسن الشيباني من (الحجج)) و(الآثار))، وككتاب ((البناية
شرح الهداية)) للبدر العيني، فأصبحت وسيلة صادقة لاطلاع أرباب العلم من
بلاد العرب.
العاشر: أنه استوى الشرح من بدئه إلى الختام بأسلوب واضح غير معقد
بعبارة فصيحة سهلة وبخُطَّةٍ متوسطةٍ بين الإيجاز وبين الإسهاب والإطناب،
فتشابه طرفاه، وكان كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، وكما قال أبو
الطيب :
فتشابهت كلتاهما نجلاء
فخذها، وتلك عشرة كاملة من أمهات خصائص الشرح، لم أرد استيفاء
محاسنها، ولا استقصاء دفائنها من معادنها، وأرجو أن يقتنع بها كل بَحَّاثة،
٢٤

كلمة عن المؤلف
وتنكشف بها أمام كل باحث مخدراتها المحتجبة. والله سبحانه ولي كل توفيق
وكل نعمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محمد يوسف(١) بن السيد محمد زكريا بن السيد مزمل شاه البنوري الحسيني
عفا الله عنه وعافاه وجعل آخرته خيراً من أولاه
المدرسة العربية الإسلامية كراتشي (٥) باكستان
٢ شعبان ١٣٩٢ هـ - ١١ سبتمبر ١٩٧٢م
(١) هو من كبار علماء الحديث في عصره، انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى بتاريخ الثالث
من ذي القعدة سنة (١٣٩٧ هـ) الموافق (١٩٧٧/١٠/١٧م) ومن آثاره العلمية ((كتاب
معارف السنن شرح سنن الترمذي)) وغيره، وقد قام ولدي الدكتور ولي الدين الندوي
بكتابة بحث عنه، تناول فيه جوانب من أخباره وسيرته.
٢٥

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
ـةٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحِيـ
تَقدِيم الكتاب وتعريف بالمؤلف
بقلم: فَضِيَّةِالْعَلَامَةِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَن عَلِىّ الحَسَبِيّ النّدوي رَحِمَهُ اللهُتَّالَى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم
النبيين محمد، قائد الغر المحجلين، وعلى أصحابه حفظة الكتاب والسنة،
وحملة لواء الدين، ومن تبعهم بإحسان من العلماء الراسخين، الذين ينفون
عن الإسلام تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
أما بعد، فإن علم الحديث من العلوم التي ألهم الله هذه الأمة - في
أول عهدها وعلى إثر وفاة نبيها - العناية به، والجهاد في سبيل حفظه وتدوينه
ونقله ونشره، والتهالك على تلقيه وجمعه، والتنافس في ضبطه وإتقانه،
والاهتمام بكل ما يتصل به من علوم وفنون، إلهاماً قوياً واضحاً، تجلت فيه
حكمة الله وعنايته بصيانة هذا الدين وإكماله، حتى كان ذلك دافعاً نفسياً لا
تعرف الأمة مصدره، ولا تستطيع له قهراً ولا دفعاً؛ وكَأنَّ سائقاً يسوقها نحو
هذه الغاية سوقاً قوياً عنيفاً في الظاهر، فلا تستطيع مقاومته، رفيقاً لطيفاً في
الباطن، فلا تشعر بثقله ووطأته، وتجد في الانسياق إليه والاستجابة له، لذة
لا تعدِلُها لذة، وراحة لا تعدِلها راحة، فتهون لأجل ذلك عليها المتاعبُ
والمشقاتُ، وتقصر في سبيلها الأبعاد والمسافات، وتتدفق على طلبه من
مظانه، وحفظه وروايته من أهله ونقله من مكان إلى مكان سيولٌ وجيوش،
من أذكياء الأمم والشعوب، ومن نوابغ البلاد والعباد، لا يعرف نظيرهم في
تاريخ أمةٍ وحضارةٍ، ولا في تاريخ علم وثقافةٍ .
وكان كل ذلك سراً من الأسرار الإلهية، وبرهاناً ساطعاً على مدى
٢٧

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
عناية الله تعالى بهذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات، وبهذه الشريعة التي
قضى الله ببقائها وخلودها، وانتشارها وعمومها لجميع العصور والأجيال.
وهذا الإلهام الذي كان سبباً لاندفاع الأمة إلى حفظ الحديث النبوي مرة،
وإلى استنباط الأحكام وتفريع الفروع مرة أخرى، وإلى تدوين العلوم المنبثقة
من القرآن من صرف ونحو وبلاغة مرة ثالثة؛ وإلى تأليف الكتب ووضع
المعاجم وتأسيس المدارس مرة رابعة، وإلى العناية بتزكية النفوس، وتهذيب
الأخلاق وتحصيل حقيقة الإيمان، والوصول إلى درجة الإحسان، وتجديد
الطب النبوي، في معالجة القلوب والنفوس، ووضع أسس هذا العلم وإرساء
قواعده، إلى غير ذلك مما ألهمه أزكى نفوس هذه الأمة، وأعظمها رسوخاً
في العلم والدين، وأكثرها حظاً في الإيمان واليقين، من أجلى(١) دلائل ختم
النبوة وإكمال هذا الدين، وأن عناية الله لا تفارقه لحظة واحدة، وأن مدده لا
يتخلف عنه في حين من الأحيان.
وكان لكل بلد من بلاد الإسلام نصيب غير منقوص من هذا الإرث
النبوي يدخل مع الغزاة والفاتحين، والدعاة والمبلغين، والأساتذة
والمدرسين، والفقهاء والمحدثين، فدخل علم الحديث في أوائل الفتح
الإسلامي في بلاد الهند، وكان من جملة من وفد إليها من المجاهدين في
سبيل الله الربيع بن الصبيح السعدي، الذي قال عنه الجلبي في (كشف
الظنون)): ((هو أول من صنف في الإسلام)) ولا شك أنه من أول المؤلفين في
علم الحديث إذا لم يكن أولهم بالإطلاق، وقد مات ودفن في الهند سنة
١٦٠ هـ.
وقد رافق علم الحديث العرب الذين غزوا هذه البلاد، فقد امتزج
بلحمهم ودمهم، فحملوا معهم هذا العلم الشريف، وكان يرافقهم في كل
غزوة علماء محدثون، وكان فيهم من سكن الهند ومات فيها، وانتشر علم
(١) قوله: (من أجلى) خبر لقوله قبل أسطر: (وهذا الإلهامُ).
٢٨

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
الحديث(١) في دولة العرب وحكمهم.
((فلما انقرضت دولة العرب من بلاد السند وتغلبت عليها الملوك
الغزنوية والغورية، وتتابع الناس من خراسان وما وراء النهر صار الحديث
فيها غريباً كالكبريت الأحمر، وعديماً كعنقاء المُغْرِب، وغلب على الناس
الشعر والنجوم والفنون الرياضية، وفي العلوم الدينية الفقه والأصول، ومضت
على ذلك قرون متطاولة، حتى صارت صناعة أهل الهند حكمة اليونان،
والإضراب عن علوم السنة والقرآن إلا ما يذكر من الفقه على القلة، وكان
قصارى نظرهم في الحديث في ((مشارق الأنوار)) للصغاني، فإن ترفّعَ أحد إلى
((مصابيح السنة)) للبغوي، أو إلى ((مشكاة المصابيح)) ظن أنه وصل إلى درجة
المحدثين وما ذلك إلا لجهلهم بالحديث))(٢).
واستمر الحال على ذلك وتفاقم الخطب، حتى كادت صلة المسلمين
في الهند تنقطع عن هذا المعين الصافي والمصدر الأصل للدين، وأصبحت
الهند تعيش في عزلة عن حركة التأليف والتعليم في البلاد العربية، وتخلفت
عن ركب العلوم الإسلامية، وأصبحت عالماً مستقلاً منفصلاً، ولما زار الشيخ
شمس الدين المصري هذه البلاد في عهد علاء الدين الخلجي في القرن
الثامن الهجري آلمه ذلك وأفزعه، فكتب رسالة إلى السلطان يؤاخذ فيها
الفقهاء في هذه البلاد على قلة الاعتناء بالحديث، ولكن علماء البلاد احتالوا
في منع هذه الرسالة عن الوصول إلى السلطان(٣).
وأدركت الهند العناية الإلهية، فأتحف الله هذه البلاد بالوافدين الكرام
من المحدثين، من الحجاز، وحضرموت، ومصر، والعراق، وإيران (٤) وذلك
(١) راجع لمعرفة أسماء من قصد الهند من المحدثين وأتباع التابعين كتاب ((الثقافة الإسلامية
في الهند)) للعلامة السيد عبد الحي الحسني، فصل الحديث في بلاد الهند (ص ١٣٥).
(٢) العبارة بلفظها منقولة عن كتاب ((الثقافة الإسلامية في الهند)) للعلامة السيد عبد الحي
الحسني طبع دمشق (ص ١٣٥).
(٣) راجع ((تاريخ فيروز شاهي)) للقاضي ضياء الدين البرني.
(٤) اقرأ أسماءهم في كتاب ((الثقافة)) (ص١٣٦).
٢٩

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
في القرن العاشر الهجري، ولكن أكثرهم آثروا الإقامة في ((كجرات)) لوجود
دولة إسلامية تحمي العلوم وتحتضن العلماء، وامتاز ملوكها بتحصيل علم
الحديث، والشغف به، وأكثر هؤلاء الوافدين مات، ودفن في أحمد آباد(١)
عاصمة حكومة كجرات.
ثم ساق بعض علماء الهند سائق التوفيق إلى الحرمين الشريفين مصدر
هذا العلم ومعقله، يطول ذكر أسمائهم، أشهرهم الشيخ حسام الدين علي
المتقي صاحب ((كنز العمال)) المتوفى سنة ٩٧٥هـ وتلميذه الشيخ محمد بن
طاهر الفَتَّنِي صاحب ((مجمع البحار)) المتوفى سنة ٩٨٦هـ(٢)، فخدما علم
الحديث خدمة باهرة، وألفا مؤلفات عظيمة، حتى جاء دور الشيخ العلامة
عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي، المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ فأخذ علم
الحديث من علماء الحجاز ونقله إلى الهند واتخذ دار الملك ((دهلي)) مركزاً
له، وشمّر عن ساق الجد، والاجتهاد في نشر علم الحديث، وخدمته تعليماً
وتدريساً وشرحاً وتعليقاً، فأقبل العلماء على علم الحديث، وانتشرت الصحاح
وتداولتها الأيدي ونفقت سوق هذا العلم بعد كسادها لقلة البضاعة وزهد
العلماء فيه، وخلفه ولده وأولاد أولاده، ودرسوا وألفوا، ونهض علماء كبار
في كل طرف من أطراف الهند. ونبغ فيهم رجال يعترف بفضلهم وحذقهم
للصناعة(٣).
ثم جاء دور شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي
المعروف بولي الله المتوفى سنة ١١٧٦هـ فرحل إلى الحجاز، وأخذ الحديث
(١) وهي المدينة التي وقعت فيها في سبتمبر (١٩٦٩ م) المجزرة التي ذهب ضحيتها آلاف من
المسلمين .
(٢) انظر تراجمهما وتراجم معاصريهما من المحدثين في الجزء الرابع من ((نزهة الخواطر))
للعلامة السيد عبد الحي المذكور.
(٣) انظر أسماء النابهين منهم والمبرزين في كتاب ((الثقافة الإسلامية)) فصل علم الحديث في
الهند .
٣٠

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
عن الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكردي المدني، وعاد وقصر همته
على نشر الحديث، فقامت دولة الحديث في الهند، وهبت ريحه. تجري
رُخاءً من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، وتهافت على طلبه
رُوّاد علم الحديث من أقصى الهند إلى أقصاها، وأصبح علم الحديث شرطاً
للكمال، وشعاراً لأهل الصلاح والعقيدة الصحيحة، حتى أصبح العالم لا
يعتبر عالماً حتى يبرز فيه، وتقرر تدريس الصحاح الستة في كل حلقة تدريس،
وانتشر تلاميذه وتلاميذ تلاميذهم في طول الهند وعرضها، كشجرة ((طوبى))
التي يوجد فرعها في كل مكان، ولا يعرف أصلها ومركزها، فما من سند
ولا درس ولا تأليف ولا حركة إصلاح وتجديد إلا وينتهي نسبه العلمي إلى
هذه الدوحة المباركة، وفروعها السامقة، وقد صدق من قال(١):
تروي أحاديثَ ما أوليت من مِنَنِ
من زار بابَكَ لم تبرَحْ جوارحُهُ
والقلبُ عن جابرٍ والسمعُ عن حَسَنِ(٢)
فالعين عن قُرَّةٍ والكفُّ عن صلةٍ
وخلف الشيخ ولي الله ابنه النجيب وتلميذه الرشيد الشيخ عبد العزيز بن
ولي الله المتوفى سنة ١٢٣٩هـ، وقد بارك الله في تدريسه، وتخرج عليه علماء
أعلام، ومحدثون عظام، أشهرهم وأعظمهم توفيقاً في نشر الحديث وتربية
الأساتذة والمدرسين، سبطه الشيخ محمد إسحاق بن محمد أفضل العمري
المتوفى سنة ١٢٦٢ هـ، فقد انتهت إليه رئاسة الحديث في العصر الأخير،
وأصبح المرجع والمآب في التدريس والتخريج، وشُدَّت إليه الرحال من
أقاصي البلاد، وكتب الله له من التوفيق والقبول ما لم يكتبه لأحد من
معاصريه في الهند، وفي أكثر الأمصار الإسلامية، ذلك فضل الله يؤتيه من
(١) انظر ((المستطرف)) (٣٧٩/١).
(٢) قرة، وصلة، وجابر، وحسن، الكلمات التي جاءت في هذين البيتين كلها أسماء رواة
الحديث الكبار، وقد ورد في ((تهذيب التهذيب)) ستة رجال اسم كل واحد منهم ((قرة))
مثل قرة بن إياس، وقرة بن حبيب، وقرة بن خالد وغيرهم، والمراد بصلة، هو صلة بن
زفر العبسي، وجابر هو جابر بن عبد الله الصحابي المشهور و ((حسن)) هو الحسن بن
يسار البصري الإمام المشهور.
٣١

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
يشاء، ومنه تبتدئ وعليه تلتقي جميع المدارس الفكرية(١) في فهم الحديث
وشرحه وتأويله، وهي على اختلاف مشاربها وتباين مذاهبها ترد نسبها العلمي
وينتهي بسندها في الحديث إليه، فهو مسند الهند وواسطة العقد، ومنتهى أهل
الرواية في العصر الأخير.
ومن أنجب تلاميذه وأشهرهم الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد(٢)
المجددي الدهلوي المتوفى سنة ١٢٩٦ هـ المهاجر إلى المدينة المنورة، فقد
انتفع بدروسه في الهند وفي الحرمين الشريفين خلق كثير، وتخرج على يده
عدد من المخلصين والعلماء الربانيين، الذين وقفوا حياتهم على تدريس
الحديث الشريف ونشره وخدمته.
وبفضل هؤلاء المخلصين الذين وهبوا حياتهم لنشر الحديث وتدريسه،
والتأليف في فنونه وفروعه، أصبحت الهند مركزاً لهذا العلم ومنتجعاً لرُوّاد
هذا الفن، بعد ما عاشت قروناً متطفلة على مائدة البلاد العربية، تقتبس منها
هذا العلم بعد فترة، وتشعل مصباحها بعد ما ينفد زيته من مصباح من
مصابيح هذا العلم في بلاد العرب، وأشرقت الهند بنور هذا العلم وانتشرت
المصابيح في جميع نواحيها كالكواكب الدرية، وقامت في وقت واحد في
مدن كثيرة في هذه البلاد وبعض قراها حلقات مختصة لتدريس علم الحديث،
يَشُدُّ العلماء المتخرجون في العلوم الأخرى إليها الرحال، فيعكفون على طلب
الحديث النبوي عكوفاً كاملاً، سنة أو أكثر منها، وينقطعون إليه انقطاعاً كلياً،
لا يشوبهم غرض، ولا يُزاحمه علم، ولا يتوزع همهم، ولا يتشوش
خاطرهم، يقتصرون في أكثر الأحيان على شيخ واحد، وعلى علم واحد،
(١) كمدرسة المحدث الشهير الشيخ نذير حسين الدهلوي وتلاميذه، وكمدرسة الشيخ
عبد الرحمن الباني بتي، والشيخ عالم علي النكينوي، والشيخ أحمد علي السهار نبوري،
والشيخ عبد الغني المجددي.
(٢) اقرأ لمعرفة أخباره وأخبار شيوخه ((اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني)) للشيخ
محسن بن يحيى الترهتي، و((مقدمة أوجز المسالك)).
٣٢

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
وعلى غرض واحد، حتى يخرجوا من هذه الحلقات أساتذة معلمين، ومربين
مرشدين، فيلتف حولهم التلاميذ النجباء، والمتخرجون في المدارس، شأنهم
مع أساتذتهم وشيوخهم، ويتصل الأمر وينتقل النور وتتسع الدائرة إلى ما
يشاء الله .
وكانت هذه الحلقات التي تنبع من فرد، وتدور حوله، قائمة في أكثر
المدن الرئيسية والقرى الشهيرة كدلهي، ولكناؤ، وسهارنفور، وباني بت(١)،
وديوبند، ومراد آباد، وبهوبال، ومن القرى كَنكوه، وكَنج مراد آباد(٢)
وغيرها .
وكانت كَنكوه مركزاً للعلامة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي المتوفى سنة
١٣٢٣ هـ تلميذ الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد المجددي، وقد جمع بين التربية
والإرشاد والتدريس والإفتاء، وكان يُدَرِّس في علوم متنوعة، ثم انقطع إلى
تدريس الحديث الشريف، واقتصر عليه دون سائر العلوم، وقصده الطلبة
والعلماء من الآفاق، وكانوا يمكثون عنده سنة يقرؤن عليه الصحاح الستة،
وينتفعون بصحبته وتربيته، ويتخذونه قدوة في الأخلاق والعادات، والأعمال
والعبادات، واتباع السنة والنفور عن البدع ومحدثات الأمور، ويتذوّقون علم
الحديث ممارسة ومدارسة، ويتضلَّعُون بحبه، ويعزمون على خدمته ونشره،
وإيثاره على جميع العلوم والأشغال، لما رأوا من شيخهم التفاني في
الاشتغال به، وأنه قد خالط لحمه ودمه، وظهر في حياته وحركاته وسكناته،
وقد ذكره صاحب ((الثقافة الإسلامية في الهند)) فقال: ((أخذ عن الشيخ عبد
الغني المذكور، ودَرَّسَ ثلاثين سنة. وكان تدريسه للأمهات الست في سنة
(١) كان يدرس فيها الشيخ عبد الرحمن الباني بتي المتوفى (١٣١٤ هـ) من كبار تلاميذ الشيخ
محمد إسحاق .
(٢) كان يدرس الحديث الشريف فيها العارف الكبير الشيخ الجليل مولانا فضل الرحمن
الكنج مراد آبادي المتوفى (١٣١٣ هـ) تلميذ الشيخ محمد إسحاق، وله إجازة عن الشيخ
عبد العزيز بن ولي الله .
٣٣

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
كاملة على وجه التدبر والإتقان، والضبط والتحقيق، لا يعادله في ذلك أحد
من معاصريه))(١) .
وكان من أنجب تلاميذه وأوفاهم لعلومه وتراثه العلمي، وأحرصهم على
نشره وإفاضته الشيخ محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوي المتوفى
١٣٣٤ هـ وكانت له ملكة علمية راسخة، يتوقد ذكاء وفطنة، وكان شيخه عظيم
الحب كثير الإيثار له، قد اتخذه بطانة لنفسه، وراوية علمه، وكاتبَ رسائله،
فقيّد دروس الشيخ، ودوّن أماليه، ونقّحها وحرّرها، فجمع ما سمع منه في
درس ((سنن الترمذي)) في مجموع سماه ((الكوكب الدري)) (٢) وجمع ما سمعه
في درس ((الجامع الصحيح)) للبخاري في كتاب آخر (٣)، فحفظ بذلك قسطاً
كبيراً من علمه وتحقيقاته، وجعلها كلمة باقية في عقبه.
وصاحب مقدمة ((أوجز المسالك إلى شرح موطأ الإمام مالك)) هو ابن
الشيخ محمد يحيى البارّ الذي أراد الله أن يكمل ما بدأه أبوه، وأن ينشر ما
دَوَّنَه من أمالي شيخه وعلومه، وأن يزيدها تنقيحاً وتهذيباً، ويضيف إليها
الشيء الكثير من تحقيقاته وحصيلة دراسته ومطالعاته، ونتيجة فكره وتأملاته،
وأن يكون ركناً من أركان علم الحديث في هذه البلاد، وفي هذا العصر
الأخير يعيد إليه زهرته ونضارته، ويجدد ذكرى مآثر السلف في الانقطاع للعلم
والتبتل له، وعلو الهمة وشدة المجاهدة، وقوة النفس، والانصراف إلى معالي
الأمور، والزهد في سفسافها ومحقراتها والاستهانة بزخارف الحياة
والاستغراق في المطالعة والتأليف والتعليم والتدريس، والانصراف عما لا
يعنيه إلى ما ينفعه وينفع الناس، وفي سعة الأخلاق، وسماحة النفس،
(١) ((الثقافة)) (ص١٤١).
(٢) طبع الكتاب في جزءين في الهند. ثم طبع في أربع مجلدات.
(٣) سمى هذا الكتاب من بعد (بلامع الدراري)) تم في ثلاثة أجزاء. ثم طبع في (١٠)
مجلدات .
٣٤

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
ورحابة الصدر، والاحتمال للأضداد والأشتات من الأعمال والأشغال،
والمشارب والأذواق، والأفراد والجماعات، ما لا يوفق له ولا يقدر عليه إلا
الأفراد القلائل في فترات طويلة من أهل النفوس الزكية، والقوة القدسية،
والهمة القعساء العلية.
ولد في بيت عريق في العلم والدين، امتاز رجاله وأسلافه بعلو الهمة،
وشدة المجاهدة، والتمسك بالدين والصلابة فيه، والحرص على حفظ القرآن
وقراءته وطلب العلوم الدينية؛ أشهرهم في الأولين الشيخ العلامة المفتي إلهي
بخش الكاندهلوي (١١٦٢ هـ - ١٢٤٥ هـ) تلميذ الشيخ عبد العزيز بن ولي الله
الدهلوي، وخليفة المجاهد الشهير السيد أحمد الشهيد البريلوي، وأشهرهم
في الآخرين الداعي إلى الله المشهور في الآفاق عمه الشيخ محمد إلياس بن
محمد إسماعيل الكاندهلوي صاحب دعوة ((التبليغ)) المشهورة م(١٣٦٣هـ)،
ودَرَّسَ وجاهد في سبيل الله غير واحد من أفراد هذه الأسرة، وجده الشيخ
محمد إسماعيل (م ١٣١٥هـ) من الذين اتفقت الألسنة على إخلاصه وصلاحه
وزهده .
وُلد لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان في كاندهلة من أعمال مظفر
نكَر، سنة ١٣١٥ هـ ورضع بِلبان العلم والدين، ونشأ في تصونٍ تام، وتربية
دقيقة حكيمة، ونُقِلَ إلى كَنكُوه، وهو قريب العهد بالفطام، فدبَّ ودرج بين
الصالحين والعلماء الراسخين، وأدرك الشيخ الكبير العلامة رشيد أحمد
الكنكوهي، وسعد بحنانه وعطفه الأبوي، لما بينه وبين والده من اختصاص،
وعقل أول ما عقل أيامه وشفقته، وقد بلغ الثامنة من عمره حين انتقل الشيخ
إلى رحمة الله تعالى، وبقي في كَنكوه إلى أن بلغ الثانية عشرة من عمره،
فنشأ في بيئة من أفضل البيئات في ذلك الزمان، وأكثرها محافظة على الآداب
والسنن، وأبعدها عن الفساد الذي بدأ ينتشر في البلاد، ووالده يعتني بتربيته
أشد الاعتناء، ويحاسبه على النقير والقطمير، ويأخذه بعلو الهمة في كل
شيء، والإقبال على العلم وصحبة الصالحين إقبالاً كلياً، والابتعاد عن
٣٥

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
الاختلاط بالناس، وكان والده أشد اعتناءً بالتربية منه بالتعليم، فقرأ مبادئ
اللغة الأردية والفارسية على عمه الشيخ محمد إلياس، وحفظ القرآن.
ثم انتقل مع والده سنة ١٣٢٨ هـ إلى سهار نفور المركز العلمي الكبير،
وأقبل على العلم إقبالاً بالقلب والقالب، واشتغل به بهمة عالية، وقلب
متفرغ، وبدأ درس الحديث على والده، وقد تهيأ تهيؤاً كبيراً، ودعا في آخر
الدرس دعاءً طويلاً، ومن ذلك اليوم أصبح الحديث أكبر همه وغاية رغبته،
وشعاراً يعرف به، وغلب على اسمه، فاشتهر في آخر الأمر بشيخ الحديث،
وقرأ الصحاح على والده - غير سنن ابن ماجه - سنة ١٣٣٣هـ، ثم قرأ صحيح
البخاري وسنن الترمذي على العالم الجليل والمربي الكبير الشيخ خليل أحمد
السهار نفوري (١)، - الذي قدر الله أن يكون أكبر خلفائه، وناشر علومه،
ومفيض بركته - سنة ١٣٣٤هـ، وكان ذلك بطلب واقتراح من الشيخ لما توسّم
فيه من النجابة، وصدق الطلب وعلو الهمة، ولما بينه وبين والده من الحب
العميق، والرباط الوثيق، وقضى هذه المدة في عكوف كامل على الدراسة،
وفي إجهاد النفس وإرهاقها في المطالعة، والاطلاع على المصادر،
والاستعداد للدروس.
وكان مما أكرمه الله به، أن شيخه أبدى رغبته وحرصه الشديد على
وضع شرح لسنن أبي داود، وطلب منه أن يساعده في ذلك، وأن يكون له
فيه عضده الأيمن، وقلمه الكاتب. وكان ذلك مبدأ سعادته وإقباله، ووسيلة
وصوله إلى الكمال، واختصاصٍ لا مزيد عليه بالشيخ، فكان الشيخ خليل
أحمد يرشده إلى المظان والمصادر العلمية التي يلتقط منها المواد، فيجمعها
الشيخ محمد زكريا ويعرضها على شيخه، فيأخذ منها ما يشاء، ويترك ما
يشاء، ثم يملي عليه الشرح فيكتبه، وهكذا يكون كتاب ((بذل المجهود في
شرح سنن أبي داود)) في خمسة أجزاء كبار (٢)، وفتح ذلك قريحته في التأليف
(١) اقرأ ترجمته في الجزء الثامن من ((نزهة الخواطر)).
(٢) قد طبع الكتاب في القاهرة في عشرين مجدداً.
٣٦

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
والشرح، ووسع نظره في فن الحديث، ثم اهتم بطبعه في المطابع الهندية،
والعناية بتصحيحه وإخراجه بإخلاص كامل، ومجاهدة شديدة، فنال بذلك
رضا شيخه وحاز ثقته حتى انتهى ذلك إلى ما انتهى إليه من خلافة ونيابة،
وإقبال القلوب والنفوس إليه، وما وفق له من بعد من جلائل الأعمال،
وفضائل الأخلاق .
وعُيِّنَ مدرساً في مظاهر العلوم التي كان يدرس فيها شيخه - ووالده من
قبل - والتي تعلّم فيها، وكان ذلك غُرّة محرم سنة ١٣٣٥ هـ وهو من أصغر
الأساتذة سناً وأشبِّهم عمراً، براتب زهيد لا يتصور في هذا الزمان، وأسند
إليه تدريس كتب لا تسند عادة إلى أمثاله في العمر وفي أول التدريس، ولم
يزل يتدرج فيها حتى أسند إليه تدريس بعض أجزاء من صحيح البخاري في
سنة ١٣٤١ هـ، وأثبت المدرس الشابُّ جدارته وقدرته على التدريس، حتى
أصبح رئيس أساتذة هذه المدرسة وانتهت إليه رئاسة تدريس الحديث أخيراً،
وكان أكثر اشتغاله بتدريس ((سنن أبي داود))، ويدرس النصف الثاني من
(صحيح البخاري)) في آخر السنة، وبعد وفاة الشيخ عبد اللطيف مدير
المدرسة آل إليه تدريس ((الجامع الصحيح)) بكامله، فواظب عليه مدة طويلة
مع ضعف بصره وأمراضه الكثيرة ولم يعتذر عنه إلا في أول السنة الدراسية
في سنة ١٣٨٨ هـ.
ولم يأخذ الشيخ محمد زكريا ما عُيِّنَ له من المرتب، ولما اضطر بأمر
شيخه إلى أن يأخذها مجموعة لينفقها في الحجة الثانية سنة ١٣٤٤هـ التي
رافق فيها أستاذه ليكمل تأليف ((بذل المجهود))، أخذها الشيخ محمد زكريا
امتثالاً لأمر شيخه، وتطييباً لخاطره. ثم ردّها إلى المدرسة بجملتها، وهكذا
كان اشتغاله بالتدريس طول هذه المدة تطوعاً وتبرعاً، لا يأخذ في ذلك أجراً
ولا يبغي جزاءً، وعُرِضَتْ عليه مرتين وظيفتان للتدريس براتب كبير يزيد على
راتبه الرمزي في مظاهر العلوم أضعافاً مضاعفة، وكان امتحاناً شديداً
لإخلاصه وعلو همته، فقد كانت هذه الوظائف مما يتنافس فيها المتنافسون،
٣٧

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
ويتهالك عليها الطالبون، فاعتذر منها في صرامةٍ وعزم، وفي ثقةٍ وإيمانٍ،
فكافأه الله على ذلك مكافأة لم يكن يتصورها، وعوّضه من ذلك بما هو خيرٌ
وأبقى .
وكانت سفرة ١٣٤٤ هـ للحج التي رافق فيها شيخه هي سفرة شيخه
الأخيرة للحج ومبدأ سفره للآخرة، فأكمل تأليف ((بذل المجهود)). وهنالك
حصلت له الإجازة العامة والخلافة المطلقة عن الشيخ خليل أحمد، وفي هذه
الرحلة وأثناء إقامته في مدينة الرسول - عليه أفضل الصلاة والتسليم - بدأ في
تأليف كتاب ((أوجز المسالك في شرح الموطأ)» لإمام دار الهجرة وهو في
التاسعة والعشرين من عمره. بدأ في تأليفه في مسجد الرسول بَّر، عند أقدام
الرسول وَل8، وبارك الله في الكتابة والتأليف، فأكمل في بضعة شهور ما لم
يكمله في سنين عديدة في الهند، ووصل في الشرح إلى أبواب الصلاة، وظل
مشتغلاً به بعد عودته إلى الهند، تتخلله فترات طويلة حتى أكمله في ستة
أجزاء كبار.
وعاد إلى الهند مكرماً محبباً، مثقلاً بالأعباء، قد شخصت إليه
الأبصار، وارتفعت إليه الأصابع، واتجهت إليه القلوب، فأقبل على التدريس
والتأليف بجميع همته، وتوفي شيخه في الحجاز سنة ١٣٤٥ هـ فآلت إليه
المشيخة ورئاسة تدريس الحديث، والإشراف على تربية أصحابه، والاتصال
بمراكز العلم المنتشرة حوله، وبالجماعات الدينية التي تلوذ به، وتلتقي عليه،
وتَصْدُرُ عن رأيه، وبيته ملتقى العلماء والطلبة، والواردين والصابرين، الذين
قد يحملون آراءً متناقضة، وأذواقاً مختلفة، وينتمون إلى مدارس متباينة، ورأيُهُ
الحصيف وما رزقه الله من السداد والاقتصاد يؤلفُ بين القلوب المتنافرة
والآراء المتباينة، ومائدته الواسعة تجمع كل صنف من الناس، وكل طبقة من
الرجال، وكل فرد من الجماعات المتنافسة، وهو محافظ على أوقاته
وأشغاله، دؤوب في المطالعة والتأليف، بشوش منبسط مع الوافدين، يؤتي
كل ذي حق حقه، ويعرف لكل صاحب فضل فضله، وينزل الناس منازلهم،
٣٨

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
لا يشغله تلقي الضيوف وحسن وفادتهم عن المطالعة، ولا تشغله المطالعة وما
فطر عليه من حب العلم وحب الانزواء والخلوة عن البشاشة، وبذل الود،
وطيب النفس، ولا يشغله كل ذلك عن الاشتغال بربه، والانفراد بعبادته
ومناجاته، وعن تربية المريدين، وعن حضور حفلات التبليغ، وعن وضع كتب
ورسائل في الإصلاح والدعوة إلى الله، في أسلوب سهل يتنزل فيه إلى مستوى
العامة، وقد تلقيت هذه الرسائل بقبول عام، وانتفع بها خلق لا يحصون،
وظهرت لها طبعات لم تتيسر إلا لكتب دينية معدودة في عصرنا، هذا مع جذبة
قاهرة إلى رفض جميع الأشغال والمسؤوليات، والفرار من الناس، والتبتل
الكلي، والتفرغ للعبادة، والمناجاة، والاشتغال مع الله، ولا يقدر على قهر هذا
الدافع وجمعه بكل ما يُشَتِّتُ القلب، ويُكَدِّرُ صفاء النفس، إلا كبار الأقوياء،
الذين أراد الله أن ينفع بنفوسهم وأنفاسهم، وعلومهم ومؤلفاتهم.
وأوقاته مشغولة بأمور نافعة، موزعة بينها، يحافظ عليها بكل دقة
وشدة، فإذا صلّى الفجر جلس قليلاً، مشغولاً بحزبه وورده، ثم يخرج إلى
بيته ويجلس مع الناس، ويتناول الشاي من غير فطور وأكل، ويكثر عدد
الناس في هذا الوقت، ثم يطلع إلى غرفة مطالعته فيشتغل بالمطالعة
والتأليف، ولا يزوره في هذا الوقت إلا من يطلبه أو من يكون مستعجلاً من
الضيوف، وغرفته هذه تُذَكِّرُ بالسلف المنقطعين إلى العلم والتأليف، فهي آية
في البساطة والتقشف، مجردة عن كل زينة وتكلف، ويثقل عليه أن يزعجه
أحد بزيارته ويصرفه عن شغله؛ فإذا كان وقت الغداء نزل، وجلس مع
الضيوف الذين يكثر عددهم عادة وهم من طبقات شتى، فيؤنسهم ويلاطفهم،
ويبالغ في إكرامهم، والتفقد لما يسرهم ويلذهم، فيكثر من ذلك، ثم يقيل،
فإذا صلى الظهر اشتغل بإملاء الرسائل والرد عليها(١) قليلاً، ثم خرج إلى
(١) علمت في بعض زياراتي أن عدد الرسائل التي تأتيه من أنحاء مختلفة يتراوح عددها بين
أربعين وخمسين .
قلت: قد زاد عدد هذه الرسائل بعد ذلك حتى بلغ عددها بين ثمانين ومائة.
٣٩

تقديم الكتاب وتعريف بالمؤلف
الدرس، وكان يشتغل به ساعتين كاملتين قبل العصر، فإذا صلى العصر جلس
للناس، وقدم لهم الشاي وهم في عدد كبير، يتوهم الزائر أنه في حفلة
صغيرة، وأنه شيء جديد، وهو له عادةٌ، فإذا صلى المغرب اشتغل طويلاً
بالتطوع والأوراد، ولا يتناول طعام العشاء عادة، إلا إكراماً لضيف كبير.
وهو مربوع القامة، جسيم وسيم، أبيض اللون مشرب الحمرة، كأنما
فقئ في وجنتيه حب الرمان، كثير النشاط، لا يعرف الكسل، خفيف الروح،
بشوش ودود، كثير الدعابة مع الذين يأنسهم أو يحب أن يؤنسهم، سريع
الدمعة، جريح المقلة كلما ذُكِر شيء من أخبار الرسول وَل# أو الصحابة
والأولياء أو أُنشِدَ بيت رقيق مرفق فاضت عيناه، وتملكه البكاء، وهو يغالبه
ويخفيه فَتَنِمُّ عليه الدموع، وليس الحديث له صناعةً وعلماً فحسب، بل هو
ذوق وحال يعيش به ويعيش فيه.
وتوفي عمه الكبير الذي كان صنو أبيه وأستاذَه وصهرَه، ومن أحب
الناس إليه، وأعظمهم حنواً عليه الشيخ محمد إلياس سنة ١٣٦٣ هـ فكان
المصاب عظيماً، والواقع كبيراً. فتحمله في صبر العظماء، ثم توفي ابن عمه
الذي كان عضده الأيمن. وأحب إليه من أولاده، والذي كانت حياته كلها
غناءً للمسلمين، وذخراً للدين، وكان فضله كبيراً على المسلمين، الشيخ
محمد يوسف بن إلياس سنة ١٣٨٤ هـ فَطَمَّ الأمرُ وعظمُ الخطبُ، وكانت
الخسارة فادحة، وتتابعت المحن والحوادث، ومن قبلُ توفي الشيخ حسين
أحمد المدني سنة ١٣٧٧ هـ، والشيخ عبد القادر الرائفوري سنة ١٣٨٢هـ،
وكان شديد الحب لهما، فتحمل كل هذا في إيمان وصبر، ورضاً وتفويض،
وآلت إليه نيابة كل واحد منهم، في إكمال المبتدئين وتربية المريدين، وتوجيه
القاصدين، والإشراف على مراكز العلم والدين، هذا مع إجهاد شديد للنفس
في النوافل والعبادات، وفي الجمع بين الأشتات والمتناقضات، خصوصاً في
رمضان، فإنه ملازم لختمه للقرآن في كل يوم، وطول السهر في الليل،
والاجتزاء بالأكل اليسير، ويصوم عنده بضع مئات من الناس، ويعتكفون أكثر
٤٠