Indexed OCR Text

Pages 1-20

الفَيَّةَ السَّيْهِيُّ
في عِلم ◌ِالحَديث
صحّه وشرحه
الأستاذ أحمد محمد شاكر
تنبيه
كل ما كان بين قوسين من زيادات المؤلف على ألفيَّة العراقي
المكتبَة العلميَّة

بسم الله الرحمن الرحيم
(وبه ثقتي)
لِلَّهِ حَمْدِي وَإِلَيْهِ أَسْتَنِدْ وَمَا يَنُوبُ فَعَلَيْهِ أَعْتَمِدْ
خَيْرُ صَلَّةٍ وَسَلَامٍ سَرْمَدِ
ثُمَّ عَلَى نَبِّهِ مُحَمَّدٍ
مَنْظُومَةٌ ضَمَّنْهَا عِلْمَ الأَثَز
وَهُذِهِ أَلْفِيَّةٌ تَحْكِي الدُّرَزْ
فِي الْجَمْعِ وَالإِيجَازِ وَاتِّسَاقِ
فَائِقَةٌ أَلْفِيَّةَ الْعِرَاقِي
لِي وَلَهُ وَلِذَوِي الإِيمَان
وَاللَّهُ يُجْرِي سَابِغَ الإِحْسَانِ
حَدُّ الحديث، وأقسامه
(عِلْمُ الْحَدِيثِ: ذُو فَوَانِينَ تُحَدْ
فَذَانِكَ الْمَوْضُوعُ، وَالمَقْصُودُ
وَالسَّنَدُ الإِخْبَارُ عَنْ طَرِيقٍ
وَالْمَثْنُ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ السَّنَدُ
بِمَا أُضِيفَ لِلنَّبِيِّ قَوْلاً أو
وَقِيلَ: لاَ يَخْتَصُّ بِالْمَزْفُوعِ
فَهُوَ عَلَى لهُذَا مُرَادِفُ الْخَبَزْ)
يُذْرَى بِهَا أَحْوَالُ مَثْنٍ وَسَنَدْ
أَنْ يُعْرَفَ الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ
مَثْنٍ كَالإِسْنَادِ لَدَى فَرِيقِ
مِنَ الْكَلَامِ، وَالْحَدِيثَ قَيَّدُوا(١)
فِعْلاً وَتَقْرِيراً وَنَحْوَهَا حَكَوْا(٢)
بَلْ جَاءَ لِلْمَوْقُوفِ وَالْمَقْطُـوعِ
وَشَهَّرُوا شُمُولَ هُذَيْنِ الأَثَرْ (٣)
(١) خ: حددوا.
(٢)خ: رووا.
(٣) في المتن الذي شرحه الشيخ محمد محفوظ الترمسي (المطبوع بالمطبعة الجمالية سنة ١٣٣٢) ((وَشَهَّرُوا
رِدْفَ الْحَدِيثِ وَالأَثَرْ)) أي اشتهر عند العلماء ترادف الحديث والخبر والأثر. والمراد بالنسختين واحد.
٣

(وَالأَكْثَرُونَ) قَسَّمُوا هَذِي السُّنَنْ إِلَى صَحِيحِ وَضَعِيفٍ وَحَسَِنْ
الصحيح
حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسْنَدٌ بِوَصْلِهِ
وَلَمْ يَكُنْ شَّذًّا(١) وَلاَ مُعَلَّلاَ،
ظَاهِرِهِ، لاَ الْقَطْعِ، إِلاَّ مَا حَوَى
مَا انْتُقَدُوا) قَابْنُ الصَّلاَحِ رَجَّحًا
ظَنَّا بِهِ، (وَالْقَطْعُ ذُو تَصْوِيب(٢)
وَالنَّوَوِي رَجَِّحَ فِي التَّقْرِيبِ
رِوَايَةُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدَاً غَلَطْ)
لَيْسَ شَرْطًا عَدَدْ، وَمَنْ شَرَطْ
بِنَقْلٍ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ
وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ عَلَى
كِتَابٌ مُسْلِمٍ أَو الْجُغْفِي (سِوى
قَطْعًا بِهِ، (وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا)
(١)الأصل ((شاذا)) وحذفت الألف الأولى لضرورة البحر.
(٢) بعد أن عرف المؤلف الحديث الصحيح أراد أن يبين أثره وحكمه، وهل هو يوجب العلم القطعي
اليقيني أو الظن، وهذه مسئلة فيها خلاف معروف، أما الحديث المتواتر لفظاً أو معنى، فإنه قطعي
الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم، وأما غيره من الصحيح فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع،
.بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجحه النووي في التقريب، وذهب غيرهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني،
وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحابسي وحكاه ابن خويذ
منذاد عن مالك، وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم، قال في الأحكام: ((إن خبر الواحد العدل عن
مثله إلى رسول الله (َّه يوجب العلم والعمل معا)) ثم أطال في الاحتجاج له والرد على مخالفيه في بحث
نقيس (ج ١ ص ١١٩ - ١٣٧).
واختار ابن الصلاح أن ما أخرجه الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما أو رواه أحدهما: مقطوع
بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. واستثنى من ذلك أحاديث قليلة تكلم عليها بعض أهل النقد من
الحفاظ، كالدار قطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن. هكذا قال في كتابه (علوم الحديث) ونقل
مثله العراقي في شرحه على ابن الصلاح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي نصر عبد
الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ونقله البلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الاسفرائينيين والقاضي أبي
الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد
الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلى وأبي الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة وعن أكثر أهل الكلام من
الأشعرية، وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر والمؤلف. والحق الذي ترجحه
الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله: من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء
أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني لا يحصل إلا للعالم
المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل، وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقيني ممن
سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك. وهذا
العلم اليقيني النظري يبدو ظاهراً لكل من تبحر في علم من العلوم وتيقنت نفسه بنظرياته واطمأن قلبه
إليها، ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما =
٤

-
وَالْوَقْفُ عَنْ حُكْمٍ (لِمَثْنٍ أو) سَنَدْ
وَآخَرُونَ حَكَمُوا فَاضْطَرَبُوا
فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهُ(١)
وَابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِهْ
(أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حَبْرِ الْبَشَرْ
وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرٍ وبْنِ مُرَّهْ
أَوْ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةْ
ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلي
كَذَا ابْنْ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ
(وَوَلَدُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
لاَ يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ فِي الإِسْنَادِ
فَأَزْفَعُ الإِسْنَادِ لِلصَّدِّيقِ مَا
وَعُمَرٌّ فَابْنَ شَهَابٍ بَدِّهِ
وَأَهْلُ بَيْتِ الْمُصْطَفَى جَعْفَرُ عَنْ
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ
عَنْ أَعْرَجِ، وَقِيلَ: حَمَّادٌ بِمَا
لِمَكَّةٍ سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَذَا
ابْنُ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عَبَيْدَةِ
" وَمَا رَوَى مَعْمَرُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ
لِلشَّامِ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَا
وَغَيْرُ هُذاِ مِنْ تَرَاجِمٍ تُعَدّ
بِأَنَّهُ أصَبح مُطْلَقًا أَسَدّ
(لِفَوْقٍ عَشْرٍ ضُمِّتَهَا الْكُتُبُ).
وَزِيدَ مَا لِلشافِعِي فَاحْمَدِه(٢)
عَنْ جَدِّهِ، أَوْ سَالِمٍ عَمَّنْ نَه
هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلهذَا عَنْ عُمَرْ
عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنِ فَيْسٍ كَرَّةْ
إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُيُوخِ سَادَه)
عِيدَةٍ بَمَا رَوَاهُ عَنْ عَلِي
عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
عَائِشَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ ذُو فِطَنْ):
(بَلْ خُصَّ بِالصَّحْب أَوِ الْبلادِ
إِبْنُ أَبِي خَالِدِ عَنْ قَيْسِ نَمَا
عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ
آبَائِهِ، إِنْ عَنْهُ رَاومَا وَهَنْ
سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنّ
أَيُوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى
عَنْ جَابِرٍ، وَلِلْمَدِينَةِ خُذَا:
الْحَضْرَ مِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ
أَبِي هُرَيْرَةٍ أَصَحُ لِلْيَمَنْ
عَنِ الصِّحَابِ فَائِقٌ إِثْقَانَا
ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ عَنْهَا لاَ تُعَدّ)(٣)
سـ
= نريد، ومنه زعم الزاعمين أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنكاراً لما يشعر به كل واحد من الناس من
اليقين بالشيء ثم ازدياد هذا اليقين. ﴿قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]،.
وإنما الهدى هدى الله.
(١) يعني ابن عمر رضي الله عنهما.
(٢) يعني أحمد بن حنبل عن الشافعي.
(٣) الذي انتهى إليه التحقيق في أصح الأسانيد أنه لا يحكم لإسناد بذلك مطلقاً من غير قيد، بل يقيد =
٥

= بالصحابي أو البلد. وقد نصوا على أسانيد جمعتها وزدت عليها قليلاً، وهي.
أصح الأسانيد عن أبي بكر: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر.
وأصح الأسانيد عن عمر: الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمر. والزهري
عن السائب بن يزيد عن عمر.
(ويزاد عليهما عندي ما سيأتي في أصح الأسانيد عن ابن عمر وهي أربعة أسانيد، لأنه إذا كان الإسناد
إلى ابن عمر من أصح الأسانيد ثم روى عن أبيه كان ما يرويه داخلاً تحت أصح الأسانيد أيضاً).
وأصح الأسانيد عن علي: محمد بن سيرين عن عبيدة - بفتح العين - السلماني عن علي. والزهري عن
علي بن الحسين عن أبيه عن علي. وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي.
ويحيى بن سعيد الفطان عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن الحارث بن سويد عن علي.
وأصح الأسانيد عن عائشة: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وأفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة.
وسفيان الثوري عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.
ويحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة. والزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة.
وأصح الأسانيد عن سعد بن أبي وقاص: علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي
وقاص.
وأصح الأسانيد عن ابن مسعود: الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. وسفيان الثوري عن
منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود.
وأصح الأسانيد عن ابن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر. والزهري عن سالم عن أبيه ابن عمر، وأيوب
عن نافع عن ابن عمر. ويحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر .
وأصح الأسانيد عن أبي هريرة. يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة. والزهري عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة. ومالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وحماد بن زيد عن أيوب عن
محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وإسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة - بفتح العين - بن سفيان الحضرمي
عن أبي هريرة. ومعمر عن همام عن أبي هريرة.
وأصح الأسانيد عن أم سلمة: شعبة عن قتادة عن سعيد عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة.
وأصح الأسانيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وفي هذا الإسناد
خلاف معروف. والحق أنه من أصح الأسانيد).
وأصح الأسانيد عن أبي موسى الأشعري: شعبة عن عمرو بن مرة عن أبيه مرة عن أبي موسى الأشعري.
وأصح الأسانيد عن أنس بن مالك: مالك عن الزهري عن أنس. وسفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس.
ومعمر عن الزهري عن أنس.
(وهذان الأخيران زدتهما أنا، فإن ابن عيينة ومعمراً ليسا بأقل من مالك في الضبط والإتقان عن الزهري).
وحماد بن زيد عن ثابت عن أنس. وحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. وشعبة عن قتادة عن أنس.
وهشام الدستوائي عن قتادة عن أنس.
وأصح الأسانيد عن ابن عباس: الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس.
وأصح الأسانيد عن جابر بن عبد الله: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر.
٦
٠

مسألة
(أوَّلُ جَامِعِ الْحَدِيث وَالأَثَزْ
وَأَزَّلُ الْجَامِعِ لِلأَبْوَابِ
كَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَالِكِ
وَأَزَّلُ الْجَامِعِ بِاقْتِصَارٍ
وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَالأَوَّلُ
(وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِماً فَإِنَّمَا
وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرًا
وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُ مِنْهُمَا
مَزْوِيُّ ذَيْنٍ، فَالْبُخَارِيُّ، فَمَا
فَشَرْطُ أَزَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا
(وَرُبَّمَا يَعْرِضُ لِلْمَفُوقِ (٣) مَا
وَشَرْطُ ذَيْن كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ
ابْنُ شِهَابٍ آمِراً لَهُ عُمَرُ(١)
جَمَاعَةٌ فِي الْعَصْرِ ذُو اقْترَابِ
وَمَعْمَرٍ وَوَلَدِ الْمُبَارَكِ)
عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ الْبُخَارِي
عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ
تَرْتِيَبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَخَّكَمَا
(فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرًا)
بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهِذَا قُدِّمَا (٢)
لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا
كَانَ عَلَى شَرْطِ فَتَّى غَيْرِهِمَا
بِجَعْلِهِ مُسَاوِياً أَوْ قُدِّمَا
لَدَيْهِمَا بالْجَمْعِ وَالإِفْرَادِ)
= وأصح الأسانيد عن عقبة بن عامر: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن
عامر .
وأصح الأسانيد عن بريدة: الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريده.
وأصح الأسانيد عن أبي ذر: سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر.
هذا ما قالوه في أصح الأسانيد عن أفراد من الصحابة وما زدناه عليهم.
وقد ذكروا إسنادين عن إمامين من التابعين يرويان عن الصحابة، فإذا جاءنا حديث بأحد هذين الإسنادين
وكان التابعي منهما يرويه عن صحابي كان إسناده من أصح الأسانيد أيضاً. وهما:
شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن شيوخه من الصحابة. والأوزاعي عن حسان بن عطية عن
الصحابة والله أعلم.
(١) يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
(٢) الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى يهديهم وتبعهم على
بصيرة من الأمر -: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما
انتقد الدار قطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة
العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها، فلا
يهولنك إرجاف المرجفين وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة. وتتبع الأحاديث التي
تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة. والله الهادي إلى
سواء السبيل.
(٣) المفوق: المرجوح.
٧

وَعِدَّةُ الأَوَّل بِالتَّحْرِيرِ:
(وَمُسْلِمٌ أَرْبَعَةُ الآلافِ)
مِنَ الصَّحِيحِ فَوَّتَا كَثِيرًا
(مُرَادُهُ أَعْلى الصَّحِيحِ فَاحْمِلٍ
النَّوَوي: لَمْ يَفُتِ الْخَمْسَةَ مِنْ
وَاحْمِلْ مَقَالَ عُشْرِ أَلْفِ أَلْفِ
وَخُذْهُ حَيْثُ حَافِظُ عَلَيْهِ نَصْ
كَابْنِ حُزَيْمَةٍ (وَيَتْلُو مُسْلِماً.
وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ (حَتَّى وَرَدْ
وَابْنُ الصَّلاَحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَا
جَرْياً عَلَى) امْتِنَاعِ أَنْ يُصَحَّحَا
أَلْفَان وَالرُّبْعُ بِلاَ تَكْرِيرٍ (١)
وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمَّا وَافِي
وَقَالَ نَجْلُ أَخْرَمِ: يَسِيرًا
أَخْذَاً مِنَ الْحَاكِمِ أَيْ فِي الْمَدْخَلِ)
مَا صَحَّ إِلَّ النَّزْرُ، فَاقْبَلْهُ وَدِنْ
أَحْوِي عَلى مُكَرَّرٍ وَوَقْفِ(٢)
وَمِنْ مُصَنَّفٍ بِجَمْعِه يخُصْ
وَأَوْلِهِ) الْبُسْتِيَّ (ثُمَّ) الْحَاكِمَا
فِيه مَنَاكِرٌ وَمَوْضُوعٌ يُرَدّ(٣))
فَحَسَنٌ إِلاَّ لِضَعْفٍ فَازْدُدَا
فِي عَصْرِنَا(٤) كَمَا إِلَيْهِ جَنَحًا
(١)الذر حرر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا
تكرار (٢٦٠٢) ومن المتون المعلقة المرفوعة (١٥٩) فمجموع ذلك (٢٧٦١) وأن عدة أحاديثه بالمكرر
وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (٩٠٨٢) وهذا غير ما فيه من الموقوف على
الصحابة وأقوال التابعين. انظر المقدمة (ص ٤٧٠، ٤٧٨ طبع بولاق).
(١) قال البخاري: ((أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح)) وهو يريد بهذا العدد
اختلاف طرق الحديث باختلاف رواته، ويدخل فيه أيضاً الأحاديث الموقوفة. فإن الحديث الواحد قد
يرويه عن الصحابي عدد من التابعين، ثم يرويه عن كل واحد منهم عدد من أتباع التابعين، وهكذا،
فيكون الحديث الواحد أحاديث كثيرة متعددة بهذا الاعتبار.
(٣) اختلفوا في تصحيح الحاكم الأحاديث في المستدرك: فبالغ بعضهم فزعم أنه لم ير فيه حديثاً على
شرط الشيخين، وهذا - كما قال الذهبي - إسراف وغلو. وبعضهم اعتمد تصحيحه مطلقاً، وهو تساهل.
والحق ما قاله الحافظ ابن حجر: ((إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سوّد الكتاب لينقحه فأعجلته المنية،
وقد وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم. قال:
وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ منه إلا بطريق الإجازة، والتساهل في القدر المملي قليل جداً بالنسبة
إلى ما بعده)). وقد اختصر الحافظ الذهبي مستدرك الحاكم وتعقبه في حكمه على الأحاديث فوافقه
وخالفه، وله أيضاً أغلاط، وقد طبع الكتابان في (حيدر آباد). والمتتبع لهما بإنصاف وروية يجد أن ما
قاله ابن حجر صحيح، وأن الحاكم لم ينقح كتابه قبل إخراجه للناس، وأن الصحيح فيه كثير جداً،
والضعيف قليل بالنسبة له، وأما الموضوع فهو نادر. وقد رأيت نقلاً عن الحافظ الذهبي أنه جمع جزءاً فيه
الأحاديث التي في المستدرك، وهي موضوعة، فبلغت نحو مائة حديث. وهو عدد ضئيل في كتاب ضخم
کبیر.
(٤) خ: في عصره.
٨
-
۔

٠
وَغِيْرُهُ جَوَّزَهُ (وَهُوَ الأَبَرّ)
(مَا سَاهَلَ الْبُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ
واسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (بأَنْ
لاَ مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا
فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنّى، وَفِي
إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا
وَاحْكُمْ بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ
(وَكَثْرَةَ الطُِّزْقِ وَتَبِينَ الَّذِي
تَدْلِيسٍ أَوْ مُخْتَلِطٍ، وَكُلُّ مَا
فَاحْكُمْ هُنَا بَمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ (١)
بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَى بِهِ)
يَزْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنّ
مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا)
لَفْظِ كَثِيراً، فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ
بِذَلِكَ الأَضْلَ (وَمَا أَحَادَا)
فَهُوَ مَعَ الْعُلُوِّ ذَا يُفِيدُ(٢)
أُهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاعَ ذِي
أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا (٣))
T
1
(١) ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد،
ومنع بناء على هذا من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصاً على صحته في
شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة. وبني على قوله هذا أن ما صححه الحاكم من
الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة
توجب ضعفه. وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم
بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن
الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه
أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث. وهيهات. فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، ولا برهان
عليه من كتاب ولا سنة، ولا تجد له شبه دلیل.
(٢) يعني أن المستخرجات على الصحيحين قد يأتي فيها ألفاظ كثيرة تخالف رواية الأصل، فالأحوط أن لا
ينسب ما ينقل عن المستخرج إلى الأصل، وأن من نقل عن المستخرج حديثاً ونسبه إلى الأصل
المستخرج عليه فإنما يريد أصل الحديث لا هذا اللفظ بعينه، ولكنه لم يحسن صنعاً بهذا العزو، على أن
الزيادة التي في المستخرج لها حكم الصحة، لأنها رويت بإسناد صحيح.
(٣) لم يذكر المؤلف (موطأ مالك) في الصحاح، مع أنه في شرحه عليه قال (ص ٨): ((الصواب إطلاق أن
الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء)) وهذا غير صواب، والحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة .
المرفوعة إلى رسول الله وَ لقر صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من
المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى، وإنما لم يعد في
الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره، ثم إن الموطأ رواه عن مالك كثير من الأئمة
وأكبر رواياته - فيما قالوه - رواية القعنبي. والذي في أيدينا منه رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي
المشهورة الآن، ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وهي مطبوعة في الهند وعليها شرح نفيس
للعلامة اللكنوي.
.
٩

خاتمة
عَرْضٌ عَلَى أَصْلٍ، وَعِدَّةٍ نُدِبْ
لأَخْذِ مَثْنٍ مِنْ مُصَنَّفٍ يَجِبْ
رِوَايَةٌ وَلَوْ مُجَازًا (غُلِّطَا)
وَمَنْ لِنَقْلِ فِي الْحَدِيثِ شَرَطَا
الحسن
الْمُرْتَضَى فِي حَدِّهِ مَا اتَّصَلاَ بِنَقْلِ عَدْلٍ فَلَّ ضَبْطُهُ وَلاَ
مَرَاتِبًا) وَالاخْتِجَاجَ يَجْتَبي
شَذَّ وَلاَ عُلِّلَ (وَلْيرَنَّبِ
فَإِنْ أَتَّى مِنْ طُرْقٍ أُخْرَى يُنْمِي
يَرْقَى إِلَى الْحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا
تَدْلِيس أوْ جَهَالَةٍ) إِذَا رَأَوْا
كَانَ لِفِسْقٍ أَوْ يُرَى مُتَّهَمَا
بَلْ رُبَّمَا يَصِيرُ كَالَّذِي بُدي(١)
لِلدَّارَ قُطْنِي مِنْ مَظِنَّاتِ الْحَسَنْ)
ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِةْ
فَصَالِحٌ(٢)، فَابْنُ الصلاَحِ جَعَلَاً
لَدَيْهِ (مَعْ جَوَازٍ أَنَّهُ وَهَنْ)
(قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلهْ)
أَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ
إِلَى الصَّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا
ضَعْفًا لِسُوءِ الْحِفْظِ (أَوْ إِرْسَالٍ أوْ
مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا
(يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالتَّعَدُّدِ
وَالْكُتُبُ الأَزْبَعُ ثُمَّتَ السُّنَنْ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كِتابِهْ:
وَمَا بِه وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لاَ
مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلاَ صَحَّ حَسَنْ
فَإِنْ يُقَلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ
(١) أما إذا كان ضعف الحديث لسوء حفظ الراوي أو نحو ذلك فإنه يرقى إلى درجة الحسن أو الصحة
بتعدد طرقه إن كانت كذلك. وأما إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من
طرق أخرى من هذا النوع، فإنه لا يرقى إلى الحسن، بل يزداد ضعفاً إلى ضعف، إذ أن تفرد المتهمين
بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم -: يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد
ضعف روايتهم. وبذلك يتبين خطأ المؤلف هنا وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف
بالترقي إلى الحسن مع هذه العلة القوية.
(٢) اختصر الحافظ عبد العظيم المنذري سنن أبي داود، وتكلم على أحاديثها وأبان عن ضعف الضعيف
منها مما لم يبينه أبو داود، ولذلك قال كثير من العلماء بالحديث: إن ما سكت عنه أبو داود والمنذري
فهو صالح للاحتجاج، وهذا لا بأس به. ومع ذلك فقد فاتهما بعض الأحاديث لم يذكرا عنها ضعفاً.
فعلى المنصف أن يدقق النظر ويحتاط في تصحيح الأحاديث. والتوفيق من الله سبحانه.
١٠
٠
٦.
٠
سـ

يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النَّلاَ
وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لاَ يَرْتَقِي
بِالْحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي الْمَاضِيَةِ؟
مَا صَحَّ فَامْنَعِ أَنْ لِذِي الْحُسْنِ يُحَطْ)
ضَعِيفَها، وَالْبَغَرِيُّ قَدْ جَمَعْ
فِي سُنَنِ (قُلْنَا: اصْطِلاَحْ يُنْتَمَى)(١)
ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ
تَزْكّا لَهُ (وَالآخَرُونَ الْحقُوا
مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ)
صَحِيحَةً (وَالدَّارِمِي وَالْمُنْتَقَى)(٢)
فَإِنْ يُقَلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لاَ
فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ
هَلَّ قَضَى فِي الطََّقَاتِ الثَّانِيَهْ
أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ
فَإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصَّحَاحُ مَخْ
مَصَابِحًا وَجَعَلَ الْحِسَانَ مَا
يَزوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ
وَالنَّسَائِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا
بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَةٍ، قِيلَ: وَمَنْ
تَسَاهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا
وَدُونَهَا مَسَانِدٌ (وَالْمُعْتَلِي مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَدٍ وَالْحَنْظَلِي)(٣)
مسألة
الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ(٤) عَلى مَثْنٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِي، وَاسْتُشْكِلَاً
(١) ألف البغوي كتاب (مصابيح السنة) وجعل كل باب منه قسمين: الصحاح والحسان، وأراد بالصحاح ما
في الصحيحين أو أحدهما، وبالحسان ما في أحد السنن الأربعة، وقد اعترضوا عليه في صنيعه هذا، لأنه
اصطلاح لا يعرف عند أهل الحديث، فإن في السنن الصحيح والحسن والضعيف. وأجاب عنه المؤلف
هنا بأن هذا اصطلاح خاص له. ولكن ضعف الجواب ظاهر، لأن هذا الاصطلاح يوهم الناظر في كتابه
بأن ما سماه من الحسان ينطبق عليه تعريف الحسن عند المحدثين.
(٢) أما الدارمي فإنه يريد به كتاب السنن للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وقد اشتهر
باسم (مسند الدارمي) وأظن ذلك خطأ - ٢ - وأن المسند كتاب آخر له لم يوجد. وسنن الدارمي كتاب
جيد، طبع في الهند مراراً، قال الحافظ ابن حجر: «ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة
لكان أولى من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير)). وأما المنتقى فهو للإمام أبي محمد عبد الله بن علي بن
الجارود النيسابوري، وهو كتاب جيد أيضاً، وقد طبع في الهند سنة ١٣٠٩ هـ، ولو جعل سادس الكتب
الستة - بدلاً من ابن ماجه - لكان أقرب إلى الصواب.
(٣) يريد مسند الإمام أحمد بن حنبل ومسند الإمام إسحق بن إبراهيم بن راهويه، والثاني منهما لم يطبع،
ويوجد منه قطعة مخطوطة أوراقها ٣٠٦ في دار الكتب المصرية. وأما مسند الإمام أحمد فإنه مطبوع،
وقد شرعت منذ سنين في وضع فهارس منظمة له، على أحدث الطرق وأدقها، مع الكلام على أسانيده
من جهة الصحة والضعف، وأسأل الله أن يوفقني لإكماله. إنه سميع الدعاء.
(٤)خ: مع حسن.
١١

فَقِيلَ: يَعْنِي اللَغَوِي، وَيَلْزَمُ
وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ
وَقِيلَ: مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي الْعُلْيَا.
كُلَّ صَحِيح حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
وَصَاحِبُ النُّخْبَةِ: ذَا إِنِ انْفَرَدْ
وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ
أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ
أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِي بِهِ يُحَدّ
وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لِلِإِسْنَادِ
(لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ) وَاحْكُم
(وَ لِلقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا
وَهذِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ
وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ
وَصْفُ الضَّعِيفِ، وَهْوَ نِكْرٌ لَهُمُ
وَفِيهِ شَيْءٌ، حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ
فَذَاكَ حَارِ أَبْدًا لِلدُّنْيَا
(وَقِيلَ: هَذَا حَيْثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ
إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ)
لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ لهُذَا الشَّانِ:
لِغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَ التَّرْجِيحُ
وَهُوَ أَصَحُ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ(١)
وَالْحُسْنِ دُونَ الْمَتِنِ لِلتُقَادِ
لِلْمَثْنِ إِنْ أَطْلَقَ ذُو حِفْظِ نُمِي
وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالْمُجَوَّدَا
وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ
أَرْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ؟ نِزَاعٌ ثَابِتٌ)
الضعيف
(وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبٍ قَدْ جُعِلاً)
هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الْحُسْنِ خَلَ
إلى كَثِيرِ (وَهُوَ لاَ يُفيدُ)
وَابْنُ الصَّلاَحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ
صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَدٍ عَنْ مُرَّةٍ (٢)
ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأَوْهَى كَرَّهْ:
عَنْ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ(٣)
وَالْبَيْتِ. عمْرٌ وَذَا عَنِ الْجُعْفِيِّ
(١) الذي أراه أن كل هذه الأجوبة عن قول الترمذي: ((حسن صحيح)) عقب أحاديث كثيرة في سننه -؛ فيها
تكلف ظاهر، وتقييد له باصطلاح لعله لم يتقيد به، وما أظنه يريد بهذا إلا تأكيد صحة الحديث: بالترقي
به من الحسن إلى الصحة. والله أعلم بالصواب.
(٢) أوهى الأسانيد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ما رواه صدقة بن موسى الدقيقي عن أبي يعقوب
فرقد بن يعقوب السبخي - بسين مهملة وباء موحدة مفتوحتين وكسر الخاء المعجمة - عن مرة الطيب ابن
شراخيل الهمداني عن أبي بكر، وضعف الإسناد من أجل الكلام في صدقة وفرقد، ولم يحسن المؤلف
في هذا، إذ أنه يوهم أن الإسناد من أوهى الأسانيد، مع أن ضعفهما محتمل، بل قد وثقهما بعض
الأئمة.
(٣) أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر الجعفي الشيعي عن جابر بن يزيد الجعفي عن الحارث بن =
١٢
مـ

دَاوُدَ عَنْ وَالِدِهِ أَيَّ وَهَنِ(١)
وَلأْبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ عَنْ
أَبَانَ (٢)، وَأَعْدُدْ لأَسَانِيدِ الْيَمَنْ:
لأَنَسٍ : دَاوُدُ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ
وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ تُضَمّ)
حَقْصٌ عَنَيْتُ الْعَدَنِي عَنْ الْحَكَمْ (٣)
-
1
المسند
الْمُسْنَدُ: الْمَرْفُوعُ ذَا اتَّصَالِ وَقيلَ: أَوَّلٌ، وَقِيلَ: التَّالِى (٤)
المرفوع والموقوف والمقطوع
مِنْ تَابِعِ، أَوْ صَاحِبٍ وَقْقًا رَأَوْا
وَمَا يُضَافُ لِلنَِّي الْمَرْفُوعُ لَوْ
ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُّفِي(٥)
سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي
= عبد الله الأعور الهمداني عن علي عليه السلام، وأشدهم ضعفاً عمرو بن شمر، فإنه رافضي كذاب يشتم
الصحابة، وأما جابر والحارث ففيهما خلاف قديم معروف. وللشيعة أسانيد أوهى من هذا جداً، يراها من
يقرأ في كتبهم ويعجب منها.
(١) أوهى الأسانيد عن أبي هريرة: السري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودى عن أبيه عن أبي هريرة.
والسري: بفتح السين المهملة وكسر الراء، وفي الأصل ((السدي)) بالدال. وفي المتن الذي شرحه الشيخ
محمد محفوظ ((البسري)) وزاد الشارح أنه ((ابن سليمان))، وفي التدريب للناظم (ص ٥٩) ((البسري بن
إسماعيل)) وكل هذا خطأ، والصواب ((السري بن إسماعيل)) كما قلنا.
(٢) أوهى الأسانيد عن أنس: داود بن المحبر - بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة - بن
فحذم - بفتح القاف وإسكان الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة - عن أبيه عن أبان بن أبي عياش.
(٣) أوهى أسانيد اليمانيين: حفص بن عمر بن ميمون العدني عن الحكم بن أبان العدني عن عكرمة عن ابن
عباس.
(٤) المسند هو المرفوع إلى رسول الله وي قر بالمسند المتصل ولو ظاهراً. وذهب ابن عبد البر إلى أن المسند
هو المرفوع، سواء أكان متصلاً أم غير متصل، وذهب الخطيب وغيره إلى أن المسند هو المتصل إلى
المروي عنه، سواء أكان إلى النبي ◌َّله أم إلى غيره من الصحابة والتابعين، فيدخل فيه الموقوف
والمقطوع. والصواب الأول، وهو الذي ارتضاه أكثر العلماء بالحديث، وعليه عملهم في كتبهم.
(٥) ما نسب للنبي ◌َّ من قول أو فعل أو تقرير - يسمى المرفوع، سواء حكاه عنه صحابي أو تابعي. وما
نسب للصحابي من قول أو فعل أو غيره يسمى موقوفاً. وسواء فيهما أكان الإسناد موصولاً أم منقطعاً.
وبعض المحدثين يستعمل المرفوع في مقابلة المرسل، يقول: رفعه فلان وأرسله فلان، فهو يريد
بالمرفوع المتصل، وهذا تعبير بشيء من التساهل، لا يقصد منه التزام الاصطلاح.
1
١٣

وَمَا يُضَفْ لِتَابِعِ مَقْطُوعُ
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى
(ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لاَ يَخْفَى، وَفِي
وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهْ
وَمَا أَتَّى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لاَ
وَهُكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبًا
وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ
وَقَالَ: لاَ، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ
وَهُكَذَا: يَزْفَعُهُ، يَنْمِيهِ،
وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ
صَحَّحَ فِيهِ (النَّوَوِيُّ) الْوَقْفَ
وَالْوَقْفُ إِنْ قَّدْتَهُ مَسْمُوعُ(١)
نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي
فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَا
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي)
بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهْ
يُقَالُ (إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلاً)
فِي سَبَبِ النُّزُولِ (أَوْ رَأْيَا أَبِى
وَخَصَّ فِي خِلاَفِهِ كَمَا حُكِي)
(وَقَدْ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ)
رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَزْوِيهِ(٢)
(لاَ رَابِعٌ جَزْمًا) لَهُمْ، وَالأَوَّلُ
(وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى) (٣)
(١) أما ما كان موقوفاً على التابعي فإنه يسمى ((المقطوع)) وهو غير ((المنقطع)) الذي سيأتي. وقد يعبر عنه
بعضهم بالموقوف، ولكن يقيده فيقول: هذا موقوف على ابن المسيب أو على نافع مثلاً.
(٢)خ: وهكذا يرفعه يبلغ به * رواية ينميه والذي سبه.
(٣) من أول البيت (١٢٣) إلى هنا ألفاظ ترد كثيراً في الأحاديث يريد أن يبين حكمها، وهل تعتبر الأحاديث
بها مرفوعة أولاً، وفيها تفصيل كثير في كتب المصطلح. والحق الذي نذهب إليه أن الصحابي إذا روى
حديثاً وقال التابعي الذي رواه عنه: ((يرفعه)) أو ((ينميه)) أو ((رواية)) أو ((يبلغ به)) أو ((يرويه)) أو قال
الصحابي: ((من السنة كذا)) أو ((أمرنا بكذا)) أو ((نهينا عن كذا)) أو ((كنا نفعل كذا على عهد رسول الله (ێ))،
سواء أصرح بأنه علم أم لم يصرح، أو ((من فعل كذا فقد عصى رسول الله (مٌَّ) أو حكى شيئاً من أسباب
نزول القرآن، وكذلك قول أنس - فيما رواه البخاري في الأدب المفرد - والمغيرة بن شعبة - فيما رواه
البيهقي في المدخل -: ((كان أصحاب رسول الله وَّ﴿ يقرعون بابه بالأظافير)). كل هذا ونحوه مرفوع، وإن
خالف في بعضه بعض أهل العلم. وأن قول الصحابي: ((كنا نفعل كذا)) ولم يضفه إلى عهد النبي ◌َّهِ -:
مرفوع أيضاً فيما رجحه الحاكم والرازي والآمدي والنووي في المجموع والعراقي وابن حجر وغيرهم،
وأما تفسير الصحابي لآية من القرآن فإنا نرجح أنه لا يعطى حكم الرفع، وإن كان مما لا يقال بالرأي،
لأن الصحابة اجتهدوا كثيراً في تفسير القرآن. وأما ما يحكيه بعض الصحابة عن أخبار الأمم قبلنا فإنه لا
يكون مرفوعاً حكماً، لأن كثيراً منهم - رضي الله عنهم - كان يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب على
سبيل الموعظة والذكرى، لا بمعنى أنهم يعتقدون صحتها أو يستجيزون نسبتها إلى رسول الله ◌َالغير، حاشا
وكلا، وأما التابعون فإن المثل الأولى التي لها حكم الرفع من الصحابي -: إذا جاءت عن تابعي كانت
أحاديث مرسلة، وأما تفسيرهم وحكاياتهم عن الأمم قبلنا فإنها أشد بعداً من أن تعطى حكم المرفوع.
كما هو واضح. ولله الحمد.
١٤
٠
T
.-

الموصول والمنقطع والمعضل
إِسْنَادُهُ: الْمَوْصُولُ وَالْمُتَّصِل
مَرْفُوعًا أوْ مَوْقُوفًا اذْ يَتَّصِلُ
وَوَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ سَقَطْ
٠
مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبُ قَطْ
تَوَالِياً) وَمُعْضَلٌ حَيْثُ وَلاَ
(مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ لاَ
وَمَتْنُهُ بِالتَّابِعَيِّ وُقِفَا (١)
وَمِنْهُ حَذْفُ صَاحِبٍ وَالْمُصْطَفَى
+
-
المرسل
ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَارٍ، قَدْ حَكَوْا
الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ
بِهِ رَأَي الأَثِمَّةُ (الثَّلَاثَةُ)
أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ، ثُمَّ الْحُجَّةُ
كَالشَّافِعِي، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ
وَرَدُّهُ الأَقْوَى، وَقَوْلُ الأَكْثَرِ
بِمُزْسَلٍ آخَرَ أَوْ بِمُسْنَدٍ
نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُ إِنْ يَعْتَضِدِ
فَيْسٍ (٢) وَمِنْ شُرُوطِهِ كَمَا رَأَوْا
(أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوِ الْجَمْهُورِ أَوْ
٣
(١) ما روي عن النبي ◌َّ﴿ مرفوعاً، أو عن صحابي موقوفاً، وكان إسناده متصلاً -: يسمى ((الموصول)) أو
((المتصل)). وأما إذا كان المروي من كلام التابعين فمن دونهم واتصل إسناده فلا يسمى بذلك من غير
قيد، وإنما يجوز أن يقال: ((هذا متصل إلى فلان)). وإذا سقط من الإسناد واحد قبل الصحابي سمي
((منقطع)). وقيل: يسمى بذلك أيضاً إذا سقط الصحابي، فكأن هذا القائل جعل المرسل داخلاً في
المنقطع، وهو غير جيد. وإذا سقط من الإسناد اثنان: فإن لم يكونا متواليين سمي ((منقطعاً)) أيضاً، وإن
كانا متواليين سمي ((معضلا)). ومما اعتبره المؤلف من المعضل ما يرويه تابع التابعي عن التابعي موقوفاً
عليه، لأنه حذف منه الصحابي ولم يذكر فيه النبي ◌َّ، وهذا على إطلاقه غير جيد، فإن ما يقوله التابعي
كلام من كلامه فقط، حتى ولو كان مما ليس للرأي فيه مجال، فإنه لعله نقله عن ضعيف أو عن
الإسرائيليات، أو لعله رأى أن ما يقوله يدخل تحت الاجتهاد. والصحيح ما عبر به النووي في التقريب،
قال: ((وإذا روى تابع التابعي عن التابعي حديثاً وقفه عليه وهو عند ذلك التابعي مرفوع متصل فهو معضل))
وهذا الرأي رأي الحاكم، وقد ذكر له مثالاً حديث الأعمش عن الشعبي قال: ((يقال للرجل يوم القيامة:
عملت كذا وكذا؟ فيقول: ما عملته، فيختم على فيه)) الحديث، أعضله الأعمش، ووصله فضيل بن عمرو
عن الشعبي عن أنس قال: ((كنا عند النبي وَل﴿)) فذكر الحديث. وقد رواه مسلم من طريق فضيل بن عمرو،
وهذه الصورة باسم ((المرسل)) أولى، بل هي داخلة فيه. وإطلاق اسم ((المعضَل)) عليها جائز أيضاً، كما
هو ظاهر.
1
٠
(٢) أي- قيس، قال الجوهري: وقست الشيء بغيره وعلى غيره أقيسه قيساً وقياساً
١٥

كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَارِ
وَلَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ مَنْ ضُعْفَا
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَضْلٌ فِي الأَصَحّ
إِسْلاَمُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ، وَالَّذِي
وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُلٍ (مُتَّصِلُ)
(كَذَاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ
وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبِى
وَإِنْ مَشَى مَعْ حَافِظٍ يُجَارِي
(كَنَهْي بَيْعِ اللَّخمِ بِالأَصْلِ وَفَا)
(كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ انَّضَخْ
رَآهُ لاَ مُمَيِّزًا لاَ تَحْتَ ذِي)(١)
وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُرْسَلُ
حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُذْرى مَا أَّسَمْ
كالَصَّيرَفِي مُعَنْعَنًا، وَلْيُجْتَبى)(٢)
(١) الحديث المرسل هو ما رواه التابعي - صغيراً أو كبيراً - عن النبي ◌َّير ولم يذكر من حدثه به، وكذلك
ما رواه من رأى النبي ◌َّر ولكنه كان غير مميز حين الرؤية، كمحمد بن أبي بكر الصديق، فإنه وإن كان
يدخل في تعريف الصحابي إلا أن روايته مرسلة. وأما من سمع من النبي وَّله شيئاً قبل إسلامه ثم أسلم
بعد وفاة رسول الله ـ كالتنوخي رسول هرقل، وقيل رسول قيصر - فإنه وإن كان تابعياً إلا أن حديثه
موصول ليس بمرسل، لأن العبرة في كل هذا بالرواية، أعني أن هذا روى عن النبي وَلّر وهو يدرك
الرواية، وإن كان غير عدل حين التحمل، ولكنه صار عدلاً حين الأداء. وأما غير المميز حين الرؤية إنه
لم يكن أهلاً للتحمل، فروايته حقيقتها أنها عن غير النبي ◌َّ$، فكانت لذلك مرسلة. هذا هو الصحيح في
ذلك كله. وذهب بعضهم إلى أن المرسل إنما هو رواية التابعي الكبير فقط، كسعيد بن المسيب وغيره،
وأما رواية التابعي الصغير كالزهري ونحوه فإنها عنده لا تدخل في المرسل بل هي من باب ((المنقطع))؛
لأن أكثر رواية صغار التابعين عن كبارهم، وأطلق بعضهم ((المرسل)) على كل ما سقط منه راوٍ أو أكثر من
راوٍ، واشتهر هذا عند الأصوليين والفقهاء، وهو اختلاف في الاصطلاح فقط.
والراجح عند العلماء والمختار أن المرسل - أعني على التعريف الأول - ليس بحجة، لأنه حذف منه راو
غير معروف، وقد يكون غير ثقة، والعبرة في الرواية بالثقة واليقين، ولا حجة في المجهول.
وذهب بعضهم إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقاً، وبعضهم إلى الاحتجاج به إن اعتضد بحديث مسند - وهذا
غير جيد، لأن المسند إن كان صحيحاً فهو الحجة، وإن كان ضعيفاً فلا حجة فيه - أو اعتضد بمرسل
آخر، أو بقول صحابي. أو بقول الجمهور، أو بالقياس. وكل هذه أقوال ضعيفة عند المحققين.
وأما مرسل الصحابي، أي ما يرويه صحابي عن النبي ◌ّيه وتدل الدلائل على أنه لم يسمعه منه، كما إذا
كان متأخر الإسلام وروى حكاية عن صدر الإسلام، أو غير ذلك من الدلائل -: فإنه حجة، لأن الصحابة
كلهم عدول، ويبعد جداً أن يروي الصحابي عن تابعي، وإن حصل فإنه يبينه ويظهره. قال المؤلف في
التدريب (ص ٧١): ((وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى، لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم
عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها. بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس
أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات)).
(٢) إذا قال الراوي في الإسناد: ((عن رجل)) فإن أصح الأقوال فيه أنه منقطع، لأن هذا الرجل مبهم
مجهول، فكأنه لم يذكر، وقيل: إنه مرسل، وقيل: إنه متصل، وهو أبعدها عن الصواب. هذا كله إذا
كان الرجل المبهم غير صحابي، أما إذا قال التابعي: ((عن رجل من الصحابة)) فالصحيح أنه متصل، روى
١٦

مـ
مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِزْسَالِ
وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالاتِّصَالِ
وَقِيلَ: قَدِّمْ أَحْفَظًا. وَالأَشْهَرُ
وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ،
عَلَيْهِ لاَ يَقْدَحُ هُذَا مِنْهُ فِي
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا
أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي
فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى (١)
المعلق
- وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ - مُعَلَّقُ
مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ
أُتِي بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذٍ
وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي
وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلاَ تُوهِنْهُ
صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ
فَفَي الأَصَحِّ أَحْكُمْ لَهُ انْصَالاَ
وَمَا عَزَىُ لِشَيْخِهِ بِقَالاً
= البخاري عن الحميدي قال: ((إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة، وإن لم يسم
ذلك الرجل)) وقال الأثرم: ((قلت لأحمد بن حنبل: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة
ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم)) وهذا النوع الأخير - أعني ما فيه إبهام الصحابي - سماه البيهقي
مرسلاً، قال العلائي: ((وليس بجيد، اللهم إلا إن كان يسميه مرسلا ويجعله حجة كمراسيل الصحابة، فهو
قريب)). وقيد الصيرفي هذا النوع بما إذا صرح التابعي بالسماع من الصحابي المبهم، وأبى أن يحتج
بالمعنعن، واختاره المؤلف هنا، ولكن هذا القيد غير جيد عندي، لأنه يرجع إلى حكم المعنعن، فإن كان
الراوي معروفاً بالتدليس أو لم يعاصر من روى عنه كانت روايته منقطعة، فكذا ما هنا، وإن كان الراوي
غير مدلس وقد عاصر من روى عنه كانت روايته بالعنعنة محكوماً باتصالها ومحتجًا بها، كما سيأتي في
أحكام ((المعنعن)). وأما كتب النبي ◌َّر التي لم يسم حاملها فإن الأكثرين على أنها متصلة، وبعضهم
جعلها مرسلة. والعبرة في هذا بتحقيق ثبوت نسبتها إليه.
٣
(١) قد يروي الثقات الحديث الواحد من طريق واحد ثم يختلفون فيه: فبعضهم يرويه مرسلاً وبعضهم
موصولاً، أو يرويه بعضهم مرفوعاً وبعضهم موقوفاً، فالقول الراجح في هذا، وهو الصحيح عند المحدثين
والفقهاء والأصوليين: أن تقدم الرواية التي فيها الزيادة، من الوصل والرفع. لأن الزيادة من الثقة واجب
قبولها، إذ أنه حفظ ما غاب عن غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وذهب بعضهم إلى تقديم
الوقف والإرسال. وذهب بعضهم إلى تقديم رواية الأكثر، كأن يرسله أو يقفه إثنان أو ثلاثة من الثقات
ويصله أو يرفعه واحد. وقيل: يقدم الأحفظ. وهذه الأقوال ضعيفة، والصحيح الأول كما قلنا. وعلى
القول الأخير - قول من رأى تقديم الأحفظ - لا تقدح رواية الأحفظ في ضبط الذي خالفه وفي حفظه على
القول الأشهر، وذهب بعضهم إلى أن ذلك قادح فيه، وهو ضعيف جداً.
وإذا روى الراوي الحديث واختلف على نفسه: فرواه مرة مرفوعاً ومرة موقوفاً، أو مرة موصولاً ومرة
مرسلاً، فحكمه حكم ما إذا اختلف الراويان، والخلاف فيه كالخلاف في ذاك، والصحيح تقديم الرواية
الزائدة، إذ قد ينشط الشيخ فيأتي بالحديث على وجهه، وقد يعرض له ما يدعوه إلى وقفه أو إرساله
لمناسبة خاصة. فلا يقدح النقص في الزيادة.
ألفية السيوطي في علم الحديث / م ٢.
١٧

وَمَا لَهَا لَدَى سِوَاهُ ضَابِطْ فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ (١).
المعنعن
وَمَن رَوَى بِـ ((عَنْ)) وَ ((أَنَّ) فَاحْكُم بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ
وَقِيلَ ((أَنَّ)) اقْطَغْ وَأَمَّا ((عَنْ)) فلا
وَلَمْ يَكُنْ مُدَلّسًا، وَقِيلَ: لاَ
وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ
وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ
وَاسْتُعْمِلَا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ(٣)
وَبَعْضُهُمْ عِزْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ(٢)
۔۔
(١) المعلق هو ما حذف أول إسناده، سواء كان المحذوف من الإسناد واحداً أو أكثر، ويشمل ما إذا حذف
الإسناد جميعه. كما إذا قال بعض المؤلفين: ((قال رسول الله بَ ل)) أو ((قال ابن عباس)) أو ((قال عطاء))
مثلاً، فكل هذا معلق، لأنه حذف الإسناد من المؤلف إلى المروي عنه. وهذا النوع كثير في صحيح
البخاري، فتارة يأتي به بصيغة الجزم نحو ((قال فلان)) ويعطى حكم الصحيح، لأنه حزم بنسبته إلى قائله
في كتاب التزم فيه الصحة. وتارة يأتي بصيغة التمريض، نحو ((يذكر ويحكى ويقال)) فإذا جاء هكذا لم
يحكم به بالصحة، ولكن وروده في أحد الصحيحين يجعل له أصلاً، فلا يحكم عليه بالوهن الشديد.
وأما ما يرويه أصحاب الكتب التي لا تلتزم الصحة بغير إسناد، فلا يحكم له بالصحة، سواء أجاء بصيغة
الحزم أم جاء بغيرها، بل يفحص عن إسناده أولاً :
واعلم أن البخاري كثيراً ما يذكر حديثاً عن شيوخه بصيغة التعليق فيقول: ((قال عفان)) أو ((قال القعنبي)»
فهذا من البخاري محمول على الاتصال، لأن حكمه حكم العنعنة: لثبوت اللقاء بين البخاري وبين
شيخه، ولأن البخاري ليس مدلساً. وأما غير البخاري فليس لعمله ضابط معروف في ذلك، فلا يحكم له
بالاتصال، بل يفحص عنه من الطرق الأخرى، ويحكم له بما يظهر من صحة أو ضعف.
(٢) إذا قال الراوي: ((عن فلان)) أو ((أن فلاناً قال كذا)) فإن كان يروي ذلك عن شخص لم
يعاصره، أو عاصره وثبت أنه لم يلاقه أصلاً -: جزمنا بأن روايته منقطعة. وإن كان معاصراً له -
ولم نعلم إن كان لقيه أولا، أو علمنا أنه لقيه ولكن كان الراوي مدلساً -: توقفنا في روايته، ولم
نحكم لها بالاتصال، إلا إن ثبت أنه لقي من روى عنه وحدثه به. وإن كان الراوي غير مدلس،
فالصحيح الراجح أنه يحكم لروايته بالاتصال وإن لم نعلم أنه لقي من روى عنه، فلعله لقيه ولم
ينقل إلينا. وهذا هو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج في صحيحه، ورد على من خالفه أشد ردّ
وأقواه .
وذهب ابن المديني والبخاري وغيرهما إلى اشتراط اللقاء، وقيل: إن البخاري لا يشترط ذلك في
أصل صحة الحديث، وإنما التزمه في الجامع الصحيح فقط.
وهناك أقوال أخرى في هذا غير جيدة: فبعضهم حكم بعدم الاتصال مطلقاً، وبعضهم حكم بأن
((عن)) للاتصال و ((أن)) لغير الاتصال، وبعضه شرط طول صحبة الراوي لشيخه، وبعضهم شرط أن
يكون معروفاً بالرواية عن شيخه. وهذه أقوال لا دليل عليها، ولا تثبت تحت التمحيص.
(٣) الذي سبق من حكم ((عن)) و ((أنّ)) هو في روايات المتقدمين، وأما المتأخرون فقد كثر=
١٨
٦

وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ رَوى مُتَّصِلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى(١)
التدليس
تَدْليسُ الإِسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ مُعَاصِرٍ مَّا لَمْ يُحَدِّثْهُ بِأَنْ
(كَعَنْ)» وَ «أَنَّ)) وَكَذَاكَ ((قَالا))
يَأْتِي بِلَفْظِ يُوهِمُ اتّصَالاً.
بِهِ وَلَوْ تعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ
(وَقِيلَ: أَنْ يَزْوِيَ مَا لَمْ يَسْمَعِ
قَطْعٌ بِهِ الأَدَاةُ مُطْلَقًا سَقَطْ
وَمِنْهُ أَنْ يُسَمِّي الشَّيْخَ فَقَطْ
((حَدَّثَنَا)) وَفَصْلَهُ الإِسْمِ طَرًا)
وَمِنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكِرَا
فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَزَّةٍ وَضَخْ
وكُلّهُ ذٌَّ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَخ
بِالْوَصْلِ، فَالأَكْثَرُ هُذَا صَحَّحُوا
وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا
فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِه قَمَنْ(٢))
وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ ((عَنْ))
٠
= استعمالهم لهما في الرواية بالإجازة، والرواية بالإجازة محمولة على الاتصال عند العلماء. ونقل
المؤلف في التدريب أن هذا استعمال المشارقة، وأما المغاربة فيستعملونها في السماع وفي
الإجازة سواء.
(١) إذا روى أحد الرواة قصة لم يدركها كانت روايته منقطعة، فإن كان الراوي صحابياً، قبلت
روايته، لأنها تكون من مراسيل الصحابة، وهي حجة كما تقدم وإن كان غير صحابي لم تقبل، إذ
لا حجة في المرسل. مثال ذلك: رواية قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن محمد بن
الحنفية ((أن عماراً مر بالنبي ◌َّ وهو يصلي)) إلخ، فهذه رواية منقطعة، لأن ابن الحنفية لم يدرك
ذلك، ولكن وصله أبو الزبير فقال: ((عن محمد بن الحنفية عن عمار قال: أتيت النبي ◌َّللر وهو
يصلي)) الخ، فهذه رواية موصولة غير مرسلة. روى الخطيب في الكفاية عن أبي داود صاحب
السنن قال: ((سمعت أحمد - يعني ابن حنبل - قيل له: إن رجلاً قال: قال عروة إن عائشة قالت يا
رسول الله، وعن عروة عن عائشة -: سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟! ليس هذا بسواء))، قال ابن
المواق: «فإنما فرق أحمد بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند إلى عائشة ولا أدرك
القصة، فكانت مرسلة، وأما اللفظ الثاني فأسند إليها بالعنعنة فكانت متصلة)).
(٢) إذا روى الراوي شيئاً لم يسمعه من المروي عنه وصرح في روايته بالتحديث والسماع كان كاذباً
فاسقاً، وفرغ من أمره. أما إذا روى ذلك بصيغة لا تقتضي السماع كأن يقول ((عن فلان)) أو ((قال فلان)) أو
نحو هذا، فإن كان المروي عنه لم يعاصره الراوي ولم يلقه كان ما يرويه منقطعاً كما مضى، وزعم
بعضهم أن هذا من باب التدليس، وهو قول مرجوح غير مشهور، قال ابن عبد البر: ((وعلى هذا فما سلم
أحد من التدليس، لا مالك ولا غيره)) أي لأنهم كثيراً ما يروون عمن لم يعاصروه بغير إسناد، ثقة منهم =
١٩

(إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِت
وشَرُهُ (الَّجْوِيدُ) وَالتَّسْوِيَةُ
وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخِ يُفْصِحُ
كَمِثْلِ ((عَنْ)) وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ(١))
= بمعرفة أهل العلم أنه منقطع وأنهم قصدوا إلى روايته بغير إسناد. وإذا كان الراوي معاصراً لمن روى عنه
وثبت أنه لقيه وأتى في روايته بصيغة لا تقتضي السماع وروى بها ما لم يسمع كان هذا تدليسا، وسمي
الراوي ((مدلساً). ومن ألفاظ التدليس وصيغه أن يسقط أداة الرواية ويسمي الشيخ فقط فيقول: ((فلان عن
فلان)) كما حكى علي بن خشرم قال: ((كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟
فسکت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثنا
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري))، وهذا يسمى ((تدليس القطع)). ومنها أن يحدث عن شيخ بما سمعه
منه ويعطف عليه شيخاً آخر لم يسمعه منه، مثل ما نقل الحاكم والخطيب عن هشيم: ((أن أصحابه قالوا
له: نريد أن تحدثنا اليوم شيئاً لا يكون فيه تدليس! فقال: خذوا، ثم أملى عليهم مجلساً، يقول في كل
حديث منه: حدثنا فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئاً؟!
قالوا: لا، قال: بلى، كل ما قلت ((وفلان)) فإني لم أسمعه منه !! )) ويسمى هذا ((تدليس العطف)) ومنه أن
يقول: ((حدثنا)) ثم يسكت وينوي القطع ثم يذكر اسم الشيخ، كما نقل ابن سعد عن أبي حفص عمر بن
علي المقدمي ((أنه كان يدلس تدليساً شديداً، يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن
عروة، الأعمش)) وهذا قبيح جداً.
وللتدليس أنواع كثيرة ذكرها المؤلف في التدريب؛ وألف الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي المتوفى
سنة ٨٤١ رسالة فيه وفي الرواة المدلسين طبعت في حلب، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني رسالة
طبعت في مصر.
.1
وحكم التدليس أنه مذموم كله على الإطلاق، حتى بالغ شعبة بن الحجاج - أمام أهل الجرح والتعديل -
فقال: ((لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس)) وقال أيضاً: ((التدليس أخو الكذب)) قال ابن الصلاح: ((وهذا منه
إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير)) وذهب بعضهم إلى أن من عرف به صار مجروحاً
مردود الرواية مطلقاً، وإن صرح بالسماع بعد ذلك. والصحيح الذي رجحه علماء الحديث أن ما رواه
المدلس بلفظ محتمل - لم يصرح فيه بالسماع - لا يقبل؛ بل يكون منقطعاً، وما صرح فيه بالسماع يقبل،
وهذا كله إذا كان الراوي ثقة في روايته كما هو معروف بداهة، وفصل بعضهم تفصيلا آخر فقال: ((إن كان
الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فهو جرح له، لأن ذلك حرام وغش، وإلا فلا)).
وقد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلسين الثقات، ولم يصرحوا فيها بالسماع،
كقتادة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق، وهو محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى غير
التي ذكرها صاحب الصحيح.
(١) هناك نوع آخر سماه المتقدمون ((التجويد)) وسماه المتأخرون ((تدليس التسوية)) لما فيه من تجويد الإسناد
وتسويته. وذلك بأن الراوي يذكر شيخه الذي سمع منه، ولكن يسقط أحد الرواة في الإسناد، لضعفه أو
لصغره، تحسيناً للحديث، ويأتي به بصيغة محتملة للسماع، نحو ((عن))، فيكون أصل الحديث عن
ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف، ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني
فيستوي الإسناد کله.
وهذا شر الأقسام وأفحشها، لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفاً بالتدليس، ويجده الواقف على السند =
٢٠
-