Indexed OCR Text

Pages 61-80

٥٩
وإليك ملخصاً مما قاله في مقدمة «المجموع شرح المهذَّب)). قال
رحمه الله (١): ((هذا الذي قاله الشافعي: ليس معناه أن كل أحدٍ رأى
حديثاً صحيحاً قال: هذا مذهبُ الشافعي ، وعَمِل بظاهره، وإنما هذا
فيمن له رتبةُ الاجتهادِ في المذهب ، وشرطُه : أن يَغْلِبَ على ظنه أن
الشافعيَّ رحمه الله لم يقفْ على هذا الحديث ، أو لم يعلم صحته ،
وهذا إنما يكونُ بعد مطالعة كتبِ الشافعي كلَّها ، ونحوه من كتب
أصحابه الآخذين عنه وماأشبهها. وهذا شرطٌ صعبٌ قلَّ من يتصفُ به.
وإنما اشترطوا ماذكرنا : لأنَّ الشافعي رحمه الله تَرَكَ العَملَ بظاهر
أحاديث كثيرةٍ رآها وعَلِمها ، لكنْ قام الدليلُ عنده على طعن فيها أو
نسخها (٢)، أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك .
القطان، والمقادسة: الضياء المقدسي، والموفق ابن قدامة، و ... في آخره
ابن دقيق العيد (٦٢٥ - ٧٠٢) ...
إن تلك السيادة للعلم والعلماء تمنع من ظهور مثل هذه الفتن والألعوبات في
الدين، وأنت خبير بما حصل للإمام السيوطي رحمه الله من علماء عصره بعد
نحو قرنين ونصف قرن، مع أنه غير مدفوع عما ادعاه، فكيف لو جاءهم مثل
الذي جاءني، وشرحت لك قصته في المقدمة؟ !! غفرانك اللهم.
(١) ((المجموع)) ١: ١٠٤.
(٢) قال الحاكم في المستدرك)» ٢٢٦:١: ((لعل متوهِّماً يتوهم أنْ لامعارضَ
لحديثٍ صحيح الإسناد آخرٌ صحيحٌ، وهذا المتوهم ينبغي أن يتأمل كتاب
الصحيح لمسلم حتى يَرَى من هذا النوعِ ما يَمَلُّ منه)».
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((فتح الباري) ٤١٣:١: ((وكم من
حديث منسوخ وهو صحيح من حيثُ الصناعةُ الحديثية)).
وقوله هذا يفسّر قولَه في ((شرح النخبة)) ص ٤١ بحاشية «لَقْط الدُّرَر)»:
((العلماء متفقون على وجوب العمل بكل ماصح)). فكأنه يقول: العلماء
متفقون على وجوب العمل بكل ماصلح للعمل به، كما سيأتي تقريره في =

٦٠
قال الشيخ أبو عمرو - هو الإمام ابن الصلاح - رحمه الله(١): ليس
العملُ بظاهر ماقاله الشافعيُّ بالهيِّن ، فليس كلُّ فقيه يسوغٌ له أن يستقلَّ
بالعمل بمايراه حجةٌ من الحديث . وفيمن سلك هذا المسلكَ مِن
الشافعيين مَن عمل بحديثٍ تركه الشافعي رحمه الله عمداً مع علمه
بصحته ، لمانع اطلع عليه وخّفيَ على غيره، كأبي الوليد موسى بن أبي
الجارود - ممن صحبَ الشافعي - قال: صح حديثُ ((أفطر الحاجم
والمحجوم)) فأقول: قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم، فردّوا
ذلك على أبي الوليد ، لأن الشافعي تركه مع علمه بصحته ، لكونه
منسوخاً عنده، وبيَّن الشافعيُّ نسخَه واستدلَّ عليه))(٢) انتهى كلام النووي
ونَقْلُه كلامَ ابنِ الصلاح(٣).
وأرى أن يضاف هنا ماأوجز العلامة الكوثري الإشارة إليه في كلامه
الآتي (٤)، وتوضيحه :
١ - إذا تبيَّن لنا أن إمام المذهب قال هذا القول دون بذل جهد منه،
بل متابعةٌ لغيره .
الجواب عن الشبهة الثانية قريباً.
ثم رأيت البقاعيَّ رحمه الله قال في ((النكت الوفية)) ورقة ١٢/آ بعد كلام
طويل نقله عن شيخه ابن حجر: ((فقد تحرَّر أن مرادهم بالصحيح: الذي
يجب العمل به)) بأن خلا عن أيّ معارض ونحوه.
(١) في ((أدب المفتي والمستفتي)» ص ١١٨.
(٢) انظر ((اختلاف الحديث)) للإمام الشافعي من كتابه (الأم)) ٥٢٩:٨،
و((المجموع٧ ٤٠٢:٦.
(٣) وانظر ((الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية)» للحافظ ولي الدين أبي زرعة
العراقي رحمه الله ص ٦٥، ولاداعي للإطالة بنقل كلامه، فمحصّله كما هنا.
(٤) صفحة ١٠٤.

٦١
٢ - ووضح الحق وظهرت الحجة في خلاف قوله ذاك.
٣ - وظهر خطأ من أخذ الإمامُ بقوله كوضح الصبح.
فحينئذ لا يصح أن يعزى إلى الإمام هذا القولُ المخالفُ للدليل
الواضح، لأن الاجتهاد يكون فيما لانصَّ فيه.
وقد حصلَ لابن حبانَ رحمه الله تسرع أكبر مما حصل لابن أبي
الجارود، فإنه قال في ((صحيحه))(١): ((كلُّ أصل تكلّمنا عليه في كتبنا ،
أو فرع استنبطناه من السنن في مصنفاتنا: هي كلّها قول الشافعي، وهو
راجعٌ عَما في كتبه، وإنْ كان ذلك المشهورَ من قوله، وذاك أني سمعتُ
ابنَ خزيمة يقول سمعت المزنيَّ يقول: سمعتُ الشافعي يقول: إذا صحَّ
لكم الحديثُ عن رسول الله {﴿ فخذوا به ودعوا قولي)».
ولا أدري كيف حصلت هذه الجَراءة من ابن حبان: أن يضرب بكتب
الشافعي عُرْض الحائط، ويدعوهم إلى ماأصَّله هو وفرّعه في كتبه على أنها
مذهب الشافعي، من أجل هذه الكلمة المجملة؟ !!.
ونقولُ عن قولة ابن حبان هذه : قد صح هذا القولُ أو نحوُه عن
أئمة آخرين، فلمَ لاتَنسُب ما أصَّلْتَه وفرَّعتَه إليهم أيضاً ؟ ! .
وقال العلامة الكوثري(٢): ((قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو
مذهبي : ليس بمعنى : أن كلَّ ماقال فيه أحد : إنه حديث صحيح ،
آخُذُ به راجعاً عما قلتُه من قبلُ، بل بمعنى : أن الحديث إذا صح
بشَرْطه، ووَضَحَتْ دلالته آخُذُ به ، وإلا اختلط مذهبه.
وقد أقاموا النكير على أبي محمد الجُوَيني حيث حاول أن يؤلّف
(١) ٤٣٥:٣ من ((الإحسان)).
(٢) في تعليقاته على ترجمة الإمام أبي يوسف للذهبي رحمهم الله تعالى، ص ٦٣.

٦٢
كتاباً يجمع فيه مسائلَ صحّ الحديثُ فيها في نظره، عازياً إياها إلى
الشافعي، تعويلاً منه على هذا القول المحكيِّ عن الشافعي (١)، وقد
استبانَ لأهل العلم بالحديث أنه كان يصحح أحاديثَ غير صحيحة،
ويجعل المسائل المستنبطةَ منها أقوالاً للشافعي، فزجروه عن ذلك)).
وللإمام التقيِّ السبكي رحمه الله رسالة سماها ((معنى قول الإمام
المطلبي: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي))(٢) نَقَل في أولها كلامَ الإمام
ابن الصلاح والإمام النووي الذي نقلتُ بعضه، ووافقهما عليه،
وقال(٣): ((هذا تبيينٌ لصعوبة هذا المقام حتى لا يغترَّ به كل أحد))(٤).
ثم قال بعد سطرين: ((وأما قصةُ ابن أبي الجارود: فالردُّ فيها على
ابن أبي الجارود لتقصيره في البحث، لاعلى حُسْن كلام الشافعي في
نفسه وإمكان اتباعه. وممن وافق ابن أبي الجارود عليه: أبو الوليد
النيسابوريُّ حسان بن محمد، من ذرية سعيد بن العاص ، من أكابر
أئمة أصحابنا ، توفي سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، كان يحلف بالله أن
مذهب الشافعي أنه يُفطر الحاجم والمحجوم ، استناداً إلى ذلك .
وغلَّطه الأصحاب بما سبق - من أن الشافعي تركه مع علمه بصحته
(١) كأن الشيخ رحمه الله يشير إلى المكاتبة التي جرت بين الإمامين البيهقي
والجُويني رحمهما الله تعالى، التي عَرَضها بلطفٍ التاج السبكيُّ في ((طبقاته»
٧٦:٥ فما بعدها، في ترجمة الجويني.
واستُلَّت هذه المكاتبة فطُبعت مستقلّة غيرَ معزوَّة إلى أصل، في آخر المجلد
الأول من مجموعة الرسائل المنيرية .
(٢) طُبعت ضمن المجلد الثاني من ((مجموعة الرسائل المنيرية من صفحة
٩٨ - ١١٤ - ثم أُفردت بالطبع والتحقيق الجيد ..
(٣) صفحة ١٠٢.
(٤) أي: فالمجترى على هذا المقام دون أهلية فيه: هو إنسانٌ مغرور !.

٦٣
لكونه منسوخاً عنده(١)- كما غلّطوا ابن أبي الجارود ، وهو كمسألة
يغلط فيها بعض المجتهدين، لكنْ تغليط ذلك صعب، لاتِّساع
المدارك ... .
وقد حُكي عن أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكَرَجي الشافعيّ ،
وكان فقيهاً محدثاً ، أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح ، يقول : صحَّ
عندي أن النبي # ترك القنوت في صلاة الصبح ... .
فتركتُ - المتكلم هو السبكي نفسه - القنوتَ في صلاة الصبح مدةٌ ،
ثم علمتُ أن الذي صحَّ من قولهمَ﴿ القنوتَ في صلاة الصبح هو:
الدعاءُ على رِعْلٍ وذَكْوان، وفي غير صلاة الصبح. أما ترك الدعاء
مطلقاً بعد القيام في صلاة الصبح: ففيه حديث عيسى بن ماهان، وفيه
من الكلام ماعُرف، وليس هذا موضعَ تَحريره، فرجعتُ إلى القنوت،
وأنا الآن أقنت ، وليس في شيءٍ من ذلك إشكالٌ على كلام الشافعي،
وإنما قصورٌ يَعرِضُ لنا في بعض النظر)). انتهى كلام الإمام السبكي.
وفي هذا النصِّ عبرةٌ لمن يعتبر ! إذا كان هذا حالَ ابن أبي الجارود
- وهو من تلامذة الشافعي ، ومحلُّه في العلم معروف - ومثلُه وأجلُّ منه
أبو الوليد النيسابوري - وليس هو من الرواة فقط ، بل هو من أهل
الرواية وأئمة الدراية - ومع ذلك يحلفُ بالله ويَنسُبُ إلى الشافعي العمل
بحديثٍ تَرَكَ الشافعي العمل به عمداً لأنه منسوخ عنده: إذا كان هذا
حالَ هؤلاء: فما القولُ بأهل زماننا (٢)، هل يجوزُ لهم أن يُطبّقوا على
(١) انظر كلام الحافظ الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي الوليد في (سير أعلام
النبلاء)» ١٥ :٤٩٣، و«تذكرة الحفاظ ٨٩٥:٣.
(٢) قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ((التذكرة)) ص ٦٢٧ - ٦٢٨ في آخر
كلامه عن رجال الطبقة التاسعة المتوفّين بين عام ٢٥٨ - ٢٨٢ قال: ((ياشيخ=

٦٤
الإمام الشافعي مقتضى قوله ، وهم لا يفقهون للشافعي قولاً !!.
وهذا أبو الحسن الكَرَجي ، وقد وصفه الشُّبْكي كما تَرَى بالفقيه
المحدث، ووصفه تلميذه السمعاني بأنه «إمامٌ ورعٌ عالم عاقل فقيه مفتٍ
محدثٌ شاعر أديب))(١) ومع ذلك تَرَكَ القنوتّ مخالفاً لإمام مذهبه ،
أُرفُق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشَّزْر، ولا
تَّرمقنّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا (٦٧٣ -
٧٤٨) حاشا وكلا، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في
المعرفة، فإني أحسيك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: من
أحمد؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ فاسكت بحلم أو
انطِقْ بعلم، فالعلم النافع هو ماجاء عن أمثال هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة
الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما
يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل)).
ثم قال صفحة ٩٤٨ في ترجمة الإسماعيلي صاحب ((المستخرج)) على
صحيح البخاري: ((صنف مسندَ عمر رضي الله عنه، طالعتُه وعلّقتُ منه
وابتهرت بحفظ هذا الإمام ، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن
يلحقوا المتقدمین)).
هذا كلام الإمام الحافظ الناقد الذهبي، الذي كان في القرن الثامن الزاخر
بكبار المحدثين في العصور المتأخرة، وكان في فاتحة ذلك القرن الإمام شيخ
الإسلام ابن دقيق العيد (٧٠٢)، وفي خاتمته البحر الهادىء الصامت الحافظ
ابن رجب الحنبلي (٧٩٥). رحمهم الله أجمعين، فاعتبر وتبصر.
ولم نر أحداً من أولئك أو هؤلاء ادعى لنفسه العلم، فضلاً عن حيازته على
العلم كله، وأنه حريص على التوسع في الاطلاع على السنة والوقوف على
ألفاظها وطرقها ومعانيها، وأن علي بن المديني يقول: ((التفقه في معاني
الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم)». ولا يرى المتمثّل بهذا
القول أحداً يدانيه !!.
(١) ((طبقات الشافعية)) للتاج السبكي ١٣٨:٦.

٦٥
بحجةِ صحةِ الحديثِ وأن إمامه يقول : إذا صح الحديث فهو مذهبي ،
و((اتركوا قولي وخذوا بالحديث))، ومع ذلك تعقّبه مَن بعده، منهم التاج
ابن السبكي رحمه الله لمّا ترجم له في ((طبقات الشافعية)) فإنه قال بعد
أن ذكر له هذا الرأي (١): ((أمامَه عَقَبتان في غاية الصعوبة: صحةٌ
الحديث - في النهي عن القنوت - وهيهات! إن الوصول إلى ذلك
لَشديد عليه، عسير ، وكونُه يصير - تركُ القنوت - مذهباً للشافعي ،
وهو أيضاً صعب)).
وكذلك: الإمام التقي السبكي كان يقنت في صلاة الفجر، بمقتضى
مذهبه الشافعي الذي نشأ عليه ، ثم لما اطلع على قصة الكَرَجي هذا
ترك القنوت، ثم تراه عاد إليه ، والسبكيُّ هو الإمام الذي وُصف
بحقّ : بالمجتهد المطلق ، أو المجتهد في المذهب ، ووصَفَه عصريُه
وقَرينه الحافظ الذهبي رحمه الله - وبينهما شيء من اختلاف المنزع - بأنه
شيخ عصره حديثاً وفقهاً، فقال له لما تولَّى السُّبْكي خطابةَ الجامع
الأموي بدمشق :
لِيَهْنَ الْمنبَرُ الأمويُّ لمَّا علاه الحاكمُ البحرُ التقيُّ
شيوخُ العَصرِ أحفظُهم جميعاً وأخطَبُهم وأقضاهم عليّ(٢)
فإذا كان السبكيُّ قد حَصَل له هذا الترددُ - وهو بهذه المنزلة في
(١) ١٣٨:٦ - ١٣٩.
(٢) علي: هو اسم التقي السبكي، وهو علي بن عبدالكافي السبكي. ويريد
الذهبيُّ الإشارة إلى قوله ( ((وأقضاهم علي)» الذي رواه ابن ماجه ٥٥:١
(١٥٤، ١٥٥) عن أنس بإسناد جيد، وأبو يعلى ١٤١:١٠ (٥٧٦٣) عن ابن
عمر بإسناد ضعيف جداً، وهو في «الفقيه والمتفقه)) ١٣٩:٢ من حديث جابر،
بإسناد ضعيف، ولم يعز الحافظ الحديث إليهم في ((الفتح)» ١٦٧:٨ (٤٤٨١).

٦٦
العلم - فهل يجوزُ لمن هو دونه أن يتمسكَ بظاهرٍ كلام الشافعيِّ رضي الله
عنه ، ويُسرعَ إلى العمل بما صحَّ من الحديث ، مشوَّشاً على نفسه
وعلى غيره من الناس ، متظاهراً بأنه يعمل بمقتضى قول إمام معتبرٍ من
أئمةِ المسلمين معتمدٍ عندهم، فلمَ ننكرُ عليه؟.
ثم نقل السبكي في الرسالة المذكورة(١) نصاً طويلاً عن الإمام أبي
شامة المقدسي فيه كلام يتعلَّقُ بما نحن في صدد الحديث عنه ، وصدَّر
السبكيُّ هذا النصَّ بقوله : ((قال أبو شامة رحمه الله - تلميذ ابن الصلاح
وشيخ النووي - وهو من المبالغين في اتباع الحديث)) ثم نقل كلامه ،
وفي آخره يقول أبو شامة: ((ولا يتأتَى النهوضُ بهذا إلا من عالم معلوم
الاجتهاد، وهو الذي خاطبه الشافعي بقوله: إذا وجدتم حديث رسول الله
على خلاف قولي فخذوا به ودّعوا ماقلتُ، وليس هذا لكل
أحد)»(٢).
وروى البخاري في ((صحيحه)»(٣) عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن
النبي # أنه كان يرفع يديه إذا قام إلى الركعة الثالثة. وجاء في شرحه
((فتح الباري)) مانصه: ((قال الخطابي: لم يقل به الشافعي، وهو لازم على
أصله في قبول الزيادة. وقال ابن خزيمة: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي
فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا بالسنة، ودَعُوا قولي.
وقال ابن دقيق العيد: قياسُ نظرِ الشافعي أنه يستحب الرفع فيه، لأنه
(١) صفحة ١٠٦.
(٢) وأبو شامة هذا وصفه الحافظ الذهبي في ((التذكرة)) ٤: ١٤٦٠، والسيوطي في
((طبقات الحفاظ)) ص ٥٠٧، وفي أول كتابه ((نظم العقيان)) بـ: ((الإمام الحافظ
العلامة المجتهد».
(٣) ٣٦٥:٢.

٦٧
أثبت الرفع عند الركوع والرفع منه .. ، وأما كونه مذهباً للشافعي لكونه
قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي: ففيه نظر. انتهى.
ووجه النظر: أن محل العمل بهذه الوصية ما إذا عُرف أن الحديث
لم يطلع عليه الشافعي، أما إذا عُرف أنه اطلع عليه وردّه أو تأوّله بوجه
من الوجوه: فلا. والأمر هنا محتمِل)).
وبهذا التبيين الهامّ جداً من أولئك الأئمة المحدثين الفقهاء الأتقياء،
يتبين لنا مَن أراده الشافعي في كلامه، وأنه رضي الله عنه ما أراد هؤلاء
المتطاولين على العلم والعلماء، المُقْعَدين في حقيقة أمرهم وواقعهم !.
وأما من علماء المالكية: فقد بينَّ الإمام الحجّة الأصولي شهاب
الدين أبو العباس القَرَافي المالكي رحمه الله تعالى في كتابه ((شرح
التنقيح))(١) بيانَ حال المتأهِّل لهذا المقام فقال:
((كثيرٌ من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا ويقولون: مذهب
الشافعي كذا، لأن الحديث صح فيه. وهو غلط، لأنه لابدَّ من انتفاءِ
المعارض، والعلمُ بعدم المعارض يتوقَّفُ على مَن له أهليةُ استقراء
الشريعةِ حتى يَحسُنَ أن يقال: لامعارضَ لهذا الحديث، أما استقراءُ غير
المجتهد المطلق فلا عبرة به . فهذا القائلُ من الشافعية ينبغي أن يحصِّل
لنفسه أهليةَ الاستقراء قبل أن يصرّح بهذه الفُتيا)».
أي : إذا أردنا أن ننسبَ إلى مذهب الشافعي حكماً بناءً على صحة
حديثٍ فيه ، فلايجوز لنا أن ننسبه إليه إلا بعد تتبعنا تتبعاً كاملاً،
ليحصُل لنا علم جازمٌ بعدم وجود دليل آخر يعارضه ، ولا يحصل العلم
بعدم وجود دليل معارضٍٍ له إلا لمن له أهليةُ استقراء الشريعةِ كاملةً ،
(١) صفحة ٤٥٠.

٦٨
لا الأحاديثِ فقط، وهذا لا يكون إلا للمجتهد دون سواه.
وتُذكِّرنا كلمةُ القَرَاقِيِّ المالكيِّ هذه، بكلمةٍ لمالكي آخر، هو أبو
بكر المالكي(١) قالها في ترجمة الإمام الكبير أَسدٍ بن الفرات رحمه الله
تعالى ، تلميذِ الإمام مالكٍ في المدينةَ ، ومحمدٍ بن الحسن في بغداد ،
قال: ((والمشهورُ عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزمُ من أقوال أهل
المدينة وأهلِ العراق ماوافق الحقَّ عنده، ويحقُّ له ذلك، لاسْتبحاره في
العلوم، وبحثِه عنها، وكثرةٍ مَن لقيَ من العلماء والمحدثين)».
فتأمل الأسباب الثلاثة التي أهَّلتْه لذلك : استبحاره في العلوم ،
وبحثه عنها ، وكثرة شيوخه .
ولولا ضرورةُ التأمُّل والتأنّي واشتراطِ الشروط: لساغ لكل إنسان أن
ينسب كلَّ مسألة يقتنع بصحة الحديث فيها إلى فلان من الأئمة، ويأتيّ
آخر فينسب القولَ بالمسألة نفسها إلى إمام آخر، ويأتي ثالثٌ فيقتنع
بصحة حديثٍ مخالفٍ في المسألة نفسها فينسب القولَ به إلى الإمام
الأول والثاني، وهكذا وهكذا إلى مالانهاية له من الاضطراب في العلم
والبلبلة في الدين تحت تطبيق شعار: إذا صح الحديث فهو مذهبي !!.
وحيئذ يشَّعُ الخَرْق وتمتَذُّ الفوضى إلى دعوى الإجماع على كل
مسألة حصل لأحدنا الاقتناع بصحة الحديث فيها ! لأن هذا المعنى - إذا
صح الحديث فهو مذهبي - هو لسانُ حالِ كلِّ عالمٍ ، بل : كلِّ مسلم ،
كما أسلفتُه أول كلامي عن هذه الشبهة ، نسأل الله الصَّوْن .
فإن قيل : فما مرادُ الأئمة من تقرير هذه الكلمة وما شابهها في
-
(١) في ((رياض النفوس)) ٢٦٣:١ من طبعة حسين مؤنس، و٢٦٣:١ من الطبعة
التامة الجديدة.

٦٩
نفوس أصحابهم فمن بعدهم ؟ .
فالجواب : ماقاله العلامةُ المحقق الأصولي مولانا الشيخُ حبيب
أحمد الكيرانَوي في المقدمة الثانية لـ(( إعلاء السنن)) التي طبعت قديماً
باسم ((إنهاء السكن)) وأعيد طبعها حديثاً باسم ((قواعد في علوم الفقه»
قال رحمه الله (١): ((حقيقة هذه الأقوال: هو إظهار الحقيقة الواقعة بأن
الحجة هو قول رسول الله # لاقولي، فلا تظنوا قولي حجةً مستقلة،
وأنا أبرأُ إلى الله مما قلتُه خلافَ رسول الله ﴾، وهذه الحقيقة لا تستلزم
مانسب هذا القائل إليه رحمه الله - أي إلى الشافعي - من تجويز نسبةٍ
كلِّ قولٍ صح الحديث به عند كل قائل : إليه، فاعرفْ ذلك ولا تغترَّ
بأمثال هذه الكلمات .. )) إلى آخر كلامه الدقيق المتين.
وخلاصةُ هذا الجواب عن هذه الشبهة الأولى من كلام هؤلاءِ
الأئمة : ابنِ عابدين ، وابنِ الصلاح ، وتلميذِه أبي شامة ، وتلميذٍ أبي
شامة : النووي ، ثم القَرافي ، والسبكي : أنه لا يصلُ إلى رتبةِ ادعاءِ
نسبةٍ حكم ما إلى مذهب الشافعي وغيره بناء على قوله المذكور إلا من
وصل إلى رتبة الاجتهاد أو قاربها .
وبهذا يتبين : أنه لا يحقُّ لأمثالنا أن يعمل بمجرَّد وقوفه على حدیثٍ
ما - ولو كان صحيحاً - ويدَّعى أنه مذهبٌ للشافعي - أو غيره -، وأنه
إذا عمل به فقد عمل بمذهبٍ فقهي معتبر لإمام معتمَد .
ويتبين أيضاً: أن جماعةً من كبار العماء السابقين عملوا بظاهر هذا
القول : فغلّطهم مَن بعدهم ، أو اضطرب تطبيقهم، فما على العاقل إلا
الاعتبار! ودِينُ الله عز وجل أجلُّ من أن يترك ألعوبة للعابثين ، بحجة
العمل بالسنة من غير متأهل !.
(١) صفحة ٥٧ - ٥٨ من الطبعة الأولى، وصفحة ٦٤ من الطبعة الثانية.

٧٠
ومع هذا فلا ننكر أن كلمةَ الإمام هذه لها حقيقةٌ واقعيةٌ (١) ومن هذا
القبيل ماعلَّق الإمام الشافعي القول به على صحة الحديث ، وقد ذكر
الحافظ (٢) حديث عائشة: ((مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَني)) وقال: «هو أحدٌ
المواضع التي علَّق الشافعي القولَ بها على صحة الحديث، وقد جمعتُها
في كتاب مفرد، مع الكلام على تلك الأحاديث».
ولكلٍّ ميدانٍ رجالهُ ، ولا يجوزُ الإنسان أن يتعدَّى طورَه.
وأقول بعد هذا البيان : أفلا يحقُّ لنا أن نعتبر من واقع غيرنا - على
علمهم وفضلهم (٣)- فنثبُتَ عند أقوال الإمام الذي يسَّر الله تعالى لنا
(١) كما تقدم في كلام الإمام النووي المنقول عن «تهذيب الأسماء واللغات))
ص٥٩ .
(٢) في ((الفتح)) ٤: ٣٨٠ أوائل كتاب المُخْصَر - في الحج -.
(٣) أضفت قولي ((على علمهم وفضلهم)) تفسيراً للضمير في قولي ((غيرنا)» فإنه
واضح من السباق، واللِّحاق، والسياق العام: أنني أريد العلماء المذكورين
الذين أرادوا تطبيق كلمة الإمام الشافعي، فوقعوا فيما انتُقِدوا عليه.
لكني رأيت هذا (المتمجهد!) فسَّر الضمير بـ(واقع السلفيين). ذكر ذلك في
ص٢٩ من مقدمته لرسالة ((رفع الأستار)) للأمير الصنعاني،
فإذا كان يخطىء في فهم كلام مثلي، فكيف في فهمه لكلام الله عز وجل
ورسوله # !.
ومن حماقاته قوله في تلك المقدمة ص ٤٨ في ذم المقلِّدين: «يجب على أهل
العلم أن يحاولوا في كل قطر ومصر تقليل الخلاف قدر الاستطاعة، ولاسبيل
إلى ذلك إلا بشيء واحد، وهو تحكيم الكتاب والسنة في كل خلاف)).
وهذا يلزم منه - أولاً - أن أصحاب المذاهب الأربعة لم يكونوا يحكمون
الكتاب والسنة !.
وثانياً: هذا تغطية للعينين وصكّ للأذنين عن الواقع الذي يعيشه الناس اليوم !.
أخبرني بربك: إلى كم مذهبٍ صاروا إليه، بعد أن كان الناس مئات السنين على

٧١
الاقتداءَ به منذ أول نشأتنا ؟ ! .
وقد أثارت هذه الجملةُ - في الطبعة الأولى - حفيظةَ بعض الناس(١)
ففهم أن هذا تقليد أعمى، و((أن المقلِّد يساوي عند العلماء: الجاهل)»
ثم لا تمرُّ صفحة واحدة إلا ويناقضُ نفسّه، لأن المقام أعوزه إلى
التناقض فقال عن الذين لم تكتمل آلاتُ الاجتهاد فيهم: هم ((أمثال
جماهير العلماء اليوم)»! وهو يعترف بأن جماهير علماء اليوم من المقلدين،
فهل يصف (الجاهلَ) بأنه ((من لم تكتمل آلات الاحتهاد فيه)) إلا من هو
أشدُّ جهلاً منه؟.
إن هذا التناقضَ لايكونُ إلا في منطق مَن إذا ذَكَرَ أصحاب الملايين
من الليرات الذهبية قال : لكن فلاناً لا يملكُ هذا المقدار ، فإذا سئل :
فماذا يملك ؟ أجابك : بأنه مَدينٌ عاجزٌ عن تأمين قوتٍ يومه لنفسه
وعياله . فإذا أنكرتَ عليه هذه الحماقة في المقايسة: قال لك : أليس
صحيحاً أنه لا يملك الملايين مَن لا يملك قوت يومه ! .
وهكذا منطقُ هذا المأفون: يصف المقلِّد بالجاهل، وأن هذه قيمته
عند العلماء، فإذا جاوز صفحةً قال: إنه من لم تكتمل فيه آلات
الاجتهاد ! .
وحقاً: إن من قارب اكتمالها: لم تكتمل فيه، وإن مَن لايعرف
حرفَ هجاءٍ من العلوم الشرعية لم تكتمل فيه أيضاً! فأيُّ فرق بين هذين
المنطقين !!.
أربعة مذاهب. فأين العقل؟ !.
ولقد صار صغارُ الصغارِ يجتهدون، فأين الدِّين؟ !.
(١) مقدمة ((الآيات البينات)) لنعمان الآلوسي صفحة (هـ).

٧٢
لقد عَشِيَ بصره عن القصة التي حكاها الإمام ابن تيمية في
((المسوّدة)) وتلميذه ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (١) عن الإمام أحمد
رحمهم الله تعالى، أن رجلاً سأل الإمام: ((إذا حفظ الرجلُ مئةَ ألفٍ
حديث، يكون فقيهاً؟ قال: لا، قال: فمئتي ألفٍ؟ قال: لا، قال:
فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مئة ألف؟ قال بيده: هكذا.
وحرك يده)). يعني: لعله يكون فقيهاً يفتي الناس باجتهاده.
ثم ذكر الشيخان ابنُ تيمية وابنُ القيم عن ابن شافلا أحد أئمة
الحنابلة: أنه قال : ((لما جلستُ في جامع المنصور للفُتيا ذكرتُ هذه
المسألة - حكايةً الرجل مع الإمام أحمد - فقال لي رجل : فأنتَ هو ذا
لا تحفظ هذا المقدار حتى تفتيَ الناس! فقلت له: عافاك الله! إنْ كنتُ
لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أَفتي الناسَ بقول مَن كان يحفظ هذا
المقدارَ وأكثر منه» يريد : أنه يفتي الناس بقول الإمام أحمد الذي انتقى
((مسنده)) من أكثرَ من ٧٥٠ ألف حديثٍ!(٢).
وبعد هاتين القصتين علّق ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله : (( قلت :
إذا أخبر المفتي بقول إمامه فقد أخبر بعلم ، وهو في الحقيقة مبلِّغٌ لقول
إمامه، فلم يخرجْ عن العلم»(٣).
وفي ((التمهيد)»(٤) لابن عبد البر أن الإمام ابن شهاب الزهري قال
(١) ((المسؤَّدة)) ص ٥١٦، ((وإعلام الموقعين)) ٤٥:١.
(٢) وهذا هو التقليد، سواء أكان للإمام أحمد أم غيره من الأئمة، فلم ينكر
المنكرون؟ !.
(٣) وهذا هو الإقرارُ للتقليد وعدمُ الإنكار على المقلِّدة غير المتأهلين للبحث
والاستدلال، وبه يكون الحفاظ على الفقه الإسلامي من عبث العابثين.
(٤) ٢٣٧،٢٣٦:٣.

٧٣
لتلميذه يونسَ بن يزيد الأيلي: ((أَطِعني وتوضأْ مما مسَت النار! فقال
له: لا أُطيعك وأَدَع سعيد بن المسيَّب، فسكت الزهري!».
وهذا تقليد وتمشُّك بقول إمام، ولم يخرج صاحبه عن العلم وعن
العمل بعلم ، ولو كان خطأ وضلالاً لما سكتَ عنه ابن شهاب ! .
فمن الجاهلُ إذاً ؟ ! .
إن الجاهل حقاً هو الذي يستعمل المصطلح العلمي الأصولي
(عامي) بالمعنى المتعارف عليه المتبادر إلى الذهن من كلمةِ (جاهل).
نسأل الله الصون والسلامة، و﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ علماً
وعملاً وخُلُقاً .
* *

٧٤
وأما الشبهة الثانية : - وهي أن صحةَ الحديث كافيةٌ للعمل به -:
فتقريرها على لسان حال قائليها: أن الله تعالى تعبَّدنا باتباع نبيه الكريم
عليه أفضل الصلاة والتسليم ، فإذا صح الحديث عنه كان ذلك كافياً
للعمل به، واتّباعه ◌َ فيه، ولا يجوز لمسلم أن يتوقّف عن العمل
بحديث صحيح بَلَغه عن رسول الله صل*، كما تقدم(١) في جواب الإمام
الشافعي للحميدي: رأيتني خرجتُ من كنيسة؟ عليَّ زنار ....
ولم يتعبَّدِ الله عز وجل أحداً من خَلْقه باتّباع أحدٍ ، مهما سَمَا قدرُه
في العلم ، مادام غيرَ معصوم .
والجواب : أن نقول : إنها شبهة قائمة على جملتين :
أولاهما : صحةُ الحديثِ كافيةٌ للعمل به .
ثانيتهما : أننا مأمورون باتباع النبي {* ، لا باتباع فلانٍ وفلانٍ من
الناس .
والجواب عن الجملة الأولى مستفادٌ من الجواب عن الشبهة
الأولى : إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي . فكذلك نقولُ هنا : إن
معنى : صحة الحديث كافية للعمل به ، معناها : صلاحيَةُ الحديثِ
للعمل به كافيةٌ لذلك . وصلاحيتُه للعمل تكون بعد استكمالِ سندِه
ومتنِه شروطاً كثيرةً جداً ، منها الشروطُ الحديثية ، ومنها الشروط
الأُصولية ، وليس الأمرُ موقوفاً على النظر في رجالِ إسناده في
(( تقريب التهذيب)» كما يظنُّ بعضُ الناس ! .
إنما هذه مهمة كبرى من مهمات الأئمة المتضلَّعين من الحديث
وعلومِه ، والأصول وفروعه .
(١) صفحة ٢٤.

٧٥
وبسبب هذا الفهم الخاطىء يكون إهدارُ السنة - التي يريدون
نصرتها - قبل إهدار الفقه ، وفيه أيضاً تضليلٌ للناس ! .
روى ابن أبي خَيْثمة - كما في ((شرح علل الترمذي)) (١) - وأبو نعيم
في ((الحلية))(٢) كلاهما من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش ، عن
إبراهيم النخعي أنه قال: ((إني لأسمعُ الحديث فأنظرُ إلى ما يؤخذ به
فَآخذُ به، وأدعُ سائره)).
وروى الإمام الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله (٣) بسنده إلى القاضي
المجتهد ابن أبي ليلى رحمه الله أنه قال: ((لا يَفْقَهُ الرجلُ في الحديثِ
حتى يأخذَ منه ويدع )) .
وروى أبو نعيم (٤) أول ترجمة الإمام أمير المؤمنين في الحديث
عبد الرحمن بن مهدي أنه قال : (( لا يجوز أن يكونَ الرجلُ إماماً حتى
يعلمَ مايصحُ وما لا يصحُ ، وحتى لا يحتجَّ بكل شيء، وحتى يعلمَ
بمخارج العلم» .
وروى ابن حبان رحمه الله بسنده(٥) إلى الإمام عبد الله بن وهب
رحمه الله أنه قال : لقيتُ ثلاث مئةِ عالمٍ وستين عالماً ، ولولا مالكٌ
والليث لضَلِلتُ في العلم ».
ثم روى عنه قوله أيضاً : ((اقتدينا في العلم بأربعة : اثنان بمصر ،
واثنان بالمدينة : الليث بن سعد ، وعمرو بن الحارث بمصر ، ومالك
والماجشون بالمدينة ، ولولا هؤلاء لكنا ضالِّين)).
(١ ) ٤١٣:١ .
(٢) ٢٢٥:٤.
(٣) في ((جامع بيان العلم)) ٢: ١٣٠.
(٤)
في ((الحلية)) ٣:٩.
في مقدمة كتابه «المجروحين)) ١ :٤٢.
(٥)

٧٦
وروى عنه نحو هذا ابنُ أبي حاتم وابن عبدالبر (١)، وعلّق العلامة
الكوثري رحمه الله على ((الانتقاء)) بما يوضحُ سببَ الضلال لولا إنقاذُ
الله تعالى له فقال : ((ولفظ ابن عساكر (٢) بسنده إلى ابن وهب : لولا
مالكُ بن أنس والليثُ بن سعد لهلكت : كنتُ أظنُّ أن كل ماجاء عن
النبي * يُفعلُ به، وفي رواية: لضَلِلت. يعني: لاختلاف
الأحاديث» قال الكوثري: ((كما يقع لكثير من الرواة البعيدين عن الفقه
غيرِ المميزين ماقارن العملَ به عما سواه»(٣).
ولفظ رواية القاضي عياض رحمه الله (٤): ((قال ابن وهب: لولا أنَّ
الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له : كيف ذلك ؟ قال:
أكثرتُ من الحديث فحيّرني(٥)، فكنت أَعرِضُ ذلك على مالك والليث
فيقولان لي : خُذْ هذا ودَعْ هذا».
ومن هنا قال الإمام سفيان الثوري (٦) منبُّهاً ومتخوّفاً من هذه
الخَيْرة: ((تفسير الحديث خير من سماعه)) (٧). وقال الإمام أبو علي
النيسابوري: ((الفهم عندنا أجلُّ من الحفظ))(٨).
(١) في ((تقدمة الجرح والتعديل)) ص ٢٢ - ٢٣، و((الانتقاء)) ص ٢٧ - ٢٨.
(٢) وهو لفظ البيهقي أيضاً، عزاه إليه ابن رجب في ((شرح العلل» ٤١٣:١.
(٣) وانظر كلامه في التعليق على ((شروط الأئمة الخمسة)) الحازمي ص ٣٦.
(٤) في (ترتيب المدارك)» ٤٢٧:٢.
(٥) نقل التاج السبكي في ((طبقاته)) ١٢٨:٢ عن الإمام أحمد بن صالح المصري
أنه قال: ((صنف ابن وهب مائة ألف وعشرين ألف حديث!)).
(٦) راويها عن سفيان: أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات، وحصل
سقط في ((الجامع)) للخطيب ٢: ١١١ فيصحح.
(٧) «جامع بيان العلم ٢: ١٧٥.
«تذكرة الحفاظ)» ص ٧٧٦.
(٨)

٧٧
وفي («الفقيه والمتفقه))(١): أن رجلاً سأل ابن عُقدةً عن حديثٍ فقال
له : «أَقِلُّوا من هذه الأحاديثِ فإنها لا تصلح إلا لمن عَلِمَ تأويلَها ،
فقد روى يحيى بن سليمان ، عن ابن وهب قال : سمعت مالكاً
يقول: كثير من هذه الأحاديث ضلالة، لقد خَرَجتْ مني أحاديثُ
لودِدتُ أني ضُرِبتُ بكل حديث منها سوطَين وأني لم أُحدثْ به))(٢).
وعلّق هنا فضيلة العلامة الشيخ إسماعيل الأنصاري حفظه الله تعالى
بقوله: ((إنما هذا بالنسبة لمن يَضعُها غيرَ مواضعها)»، وإلا فالهداية في سنة
النبي ◌َ*، قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَّدُونَ﴾ لكن من يضع
الشيء في غير موضعه يضلُّ، ولذلك سمَّى الله تعالى سنة النبي ◌َّ في
كثير من الآيات الكريمة بـ: الحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه.
وفي ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع))(٣): ((قال الشافعي:
قيل لمالك بن أنس : إن عند ابن عيينة عن الزهري أشياءً ليست
عندك! فقال مالك: وأنا كلُّ ماسمعتُه من الحديث أحدِّث به؟ أنا إذاً
أريدُ أن أُضلَّهم)»(٤) .
(١) للخطيب البغدادي ٨٠:٢.
(٢) ورواها الحاكم عن مالك في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٦١ وعلّق عليها
بقوله: «فمالك بن أنس على تحرُّجه وقلة حديثه - أي قلة تحديثه وروايته -
يتقي الحديث هذه التَّقِية، فكيف بغيره ممن يحدِّث بالطّمُ والرِّمِّ!)). أي: يروي:
ماهبّ ودبَّ، والطُّم: ما يحمله الماء على وجهه، والرِّم: ماتحمله الريح.
(٣) للخطيب البغدادي ١٠٩:٢.
(٤) قال الحافظ رحمه الله في ((فتح الباري)) ٢٣٦:١ أول كلامه على باب من
خصَّ بالعلم قوماً دون قوم ..: ((وممن كره التحديث ببعضٍ دون بعض:
أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في
أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومِن قبلهم أبو هريرة، كما
تقدم عنه في الجرابين وأن المراد مايقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن =
W

٧٨
ولهذا قال ابن وهب كلمتَه هذه («الحَديث مَضِلَّة إلا للعلماء)».
يريد: إلا الفقهاء، كما جاء لفظ ابن عيينة المتقدم (١).
فالتفقُّه في السنَّة على أيدي الأئمة الفقهاء ومائدتهم مَنْجاة من الزيغ
والضلال، بشهادة هذين الإمامين ابن عيينة وابن وهب، وبإقرار مَن
نقل كلامهم هذا من الأئمة الآخرين، وهذا تعداد أسمائهم من خلال
النصوص التي تقدم نقلها (١): فابن عيينة، نقل كلمته ابن أبي زيد
القيرواني، وخليل الجُنْدي، وابن حجر الهيتمي، وأما ابن وهب: فنقل
كلمته ابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن أبي زيد أيضاً، والبيهقي، وابن
عبدالبر، وعياض، وابن عساكر، وابن رجب، ولفظ ابن عبدالبر في
((التمهيد)»(٢) من طريق أبي جعفر الأيلي: «سمعت ابن وهب مالا
أحصي: لولا .. )). ولذلك تعدَّدت ألفاظ ابن وهب في المصادر التي
ذکرتها .
فما أخطرَ غفلةَ الغافلين عن هذه الحقيقة !! .
الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العُرَنيين، لأنه اتخذها وسيلة
إلى ماكان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوّي البدعة، وظاهره في الأصل
غير مراد، فالإمساكُ عنه عند مَن يُخْشَى عليه الأخذُ بظاهره: مطلوب. والله
أعلم».
قلت: ومن أمثلة ذلك: أن ابن عيينة روى حديث عمر مرفوعاً: ((تابع مابين
الحج والعمرة، فإن متابعةً بينهما يزيدان في الأجل وينفيان الفقر والذنوب،
كما ينفي الكير خَبَثَ الحديد)).
وقال : ربما سكتنا عن هذه الكلمة ((يزيدان في الأجل)) فلا نحدث بها،
مخافة أن يحتج بها هؤلاء - يعني القدرية - وليس لهم فيها حجة)). كما في
((مسند الحميدي)) ١٠:١ - ١١ (١٧).
(١) صفحة ٥٥ .
(٢) ٢٦:١ .