Indexed OCR Text

Pages 101-120

خمس، فإن (ح) رده من عدة أوجه فتقبلها (ع) باللفظة وصدر بقوله قلت
في نحو صفحة .
وكذا صنع في حديث عقبة بن الحارث في باب الرحلة، فمن المسألة
النازلة في الكلام على سماع ابن أبي مليكة بن عقبة وغير ذلك من تعليقاته
يظهر لمن ينظر الأصل والفرع، وهذا ذكرته على سبيل المثال وإلا فالكتاب
كله ملآن من ذلك ولله الحمد على كل حال، وكلما وقع له من ذلك في أول
الكتاب قليل مما فعله في وسطه، وأما في الثلث منه وخصوصاً في النصف
الثاني من هذا الثلث، فلو قال قائل: إنه لم يزل على نسخه لما أبعد.
قال (ح) في الكلام علی حدیث جبريل :
قال الخطابي: معنى قوله إذا ولدت الأمة ربتها أن يتسع الإِسلام
واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم فإذا ملك الرجل الأمة
واستولدها کان الولد منها بمنزلة ربها لأنه ولد سیدها.
قال النووي وغيره: هذا قول الأكثرين.
وقال بعضهم: لكن في كونه المراد نظر لأن الاستيلاد إلا ما كان موجوداً
حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري
وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإِشارة إلى وقوع ما لم
يقع مما سيقع قبل قيام الساعة (١٧٩).
قال (ع): في نظره نظر، لأن قوله: ((إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّنَهَا)) كناية عن
کثرة التسري من فتوح المسلمین واستیلائهم على بلاد الشرك وهذا بلا شك
لم يكن واقعاً وقت المقالة، والتسري وإن كان موجوداً حين المقالة ولكنه لم
(١٧٩) فتح الباري (١٢٢/١) ..
- ١:٠١ -

يكن من استيلاء المسلمين على بلاد الشرك، والمراد أن يكون من هذه
الجهة(١٨٠)
قلت: محصل نظر الأول أن الخطابي إن كان أراد مطلق التسري فلا
يصح لأنه كان موجوداً عند المقالة وإن كان أراد بقيد من الاستيلاء فلا يصح
لأن الاستيلاء قد وجد في صدر الإسلام، والسؤال إنما وقع عن العلامات
التي إذا وجدت قامت الساعة، وإنما لم يجزم الشارح برده لاحتمال أن يكون
المراد بالعلامة ما يتجدد بعد وقت المقالة سواء قرب عهد تجدده أم بعد،
فاقتصر على قوله: ففيه نظر والله الموفق.
قال (ح): قيل: يجوز أن يكون المراد أن العقوق تكثر في الأولاد فيعامل
الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة، فأطلق عليه ربها مجازاً.
ويجوز أن يكون المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه
عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تکون مع كونها تدل على
فساد الأحوال مستغربة ومحصلة الإِشارة إلى أن الساعة بقرب قيامها عند
انعكاس الأحوال بحيث يصير المربى مربياً، والسافل عالياً، وهو مناسب
لقوله في الرواية الأخرى: ((أَنْ تَصِيرَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ))(١٨١).
قال (ع): ليس هذا بأوجه الأوجه بل أضعفها، لأنه إنما عد هذا من
أشراط الساعة لكونها على نمط خارج عن العادة أو على وجه دال على فساد
الأحوال، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل (١٨٢).
قلت: الدفع بالصدر مدفوع والله أعلم.
(١٨٠) عمدة القاري (٢٨٩/١)
(١٨١) فتح الباري (١٢٢/١-١٢٣).
(١٨٢) عمدة القاري (٢٨٩/١)
-١٠٢ -

قال (ح): ذكر الطيبي أن قوله: ((أَنْ تُومِنَ باللهِ)) ضمن معنى لن
يعترف فلهذا عداه بالباء .
قلت: والتصديق يعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين لأن
الأصل خلافه (١٨٣).
قال (ع): الطيبي قال: ضمن الإِيمان معنى الإِعتراف، حتى يقال لا
يحتاج.
قلت: دار الأمر بين التضمين وبين الإِبقاء على معناه الأصلي وهو
التصديق، فإذا كان كل منهما تعدى بالباء، فالثاني متعين ولا يحتاج إلى
الأول(١٨٤). أفبمثل هذا يتصدى للإِعتراض؟ والله المستعان.
قال (ح): قوله عن أشراطها جمع وأقله ثلاثة على الأصح، ولم يذكر هنا
إلا اثنين، وأجاب الكرماني بأنه قد يستقرض القلة للكثرة وبالعكس أو أن
الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف، فإنه إنما ورد على
مذهب أن أقل الجمع اثنان أو الثالث لحصول المقصود بما ذكره.
قلت: وفي هذه الأجوبة نظر ولو أجيبَ بأن هذا دليل القول الصائر
إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد عن الصواب، والجواب المرضى أن المذكور
من الأشراط ثلاثة، وإنما اقتصر بعض الرواة على اثنين منها(١٨٥).
قال (ع): هذا الذي قاله أنه لا يبعد عن الصواب بعيد عن الصواب
لأنه كيف يكون هذا دليلًا لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان وهو لا يخلو، إما
أن يستدل على ذلك بلفظ الأشراط أو بلفظ إذا ولدت وإذا تطاول، وكل
منهما لا يصح أن يكون دليلاً.
(١٨٣) فتح الباري (١٧/١).
(١٨٤) عمدة القاري (٢٩٢/١).
(١٨٥) فتح الباري (١ /١٢١-١٢٢).
a
- ١٠٣ -

أما الأول: فلأنه لم يقل أحد: إنه ذكر الأشراط، وأراد به الشرطين بل
المراد أكثر من ثلاثة .
وأما الثاني: فلأنه ليس بصورة التثنية حتى يقال ذكرها وأراد بها
الجمع (١٨٦).
قلت: وجه الدلالة أنه ذكر الأشراط وهي صيغة جمع لا محالة، ثم ذكر
اثنين فقط فيؤخذ منه أن أقل الجمع اثنان، وهذا إنما قيل على تقدير تسلیم
أنه لم يقع في الحديث إلا ذكر اثنين، كما أشير له به في الأصل.
قال (ح): في الكلام على حديث النعمان بن بشير: ((الْخَلَالُ بَيِّنٌ
واْحَرَامُ بَيْنٌ)) .
تنبيه :
ادعى بعضهم أن التمثيل يعني عن قوله: ((كَرَاعٍ يَرْعی حَوْلَ الْحِمی»
من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الخبر ولم أقف على دليله إلا ما وقع عند ابن
الجارود والإسماعيلي من رواية ابن عون عن الشعبي، قال ابن عون في آخر
الحديث لا أدري المثل من قول النبي وس لو أو من قول الشعبي .
قلت: لكن تردد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجاً، لأن الأثبات
قد جزموا باتصاله ورفعه فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل
من بعض الرواة عن الشعبي لا يقدح فيمن أثبته لأنهم حفاظ، ولعل هذا
هو السر في حذف البخاري قوله: ((وقع في الحرام)) ليصير ما قبل المثل مرتبطاً
به فیسلم من دعوى الإِدراج، ومما یقوي عدم الإدراج رواية ابن حبان:
((اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَامِ سَتْرَةً مِنَ الْخَلَالِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَبْرَأُ لِعِرْضِهِ
وَدِينِهِ، وَمَنْ وَقَعَ كَانَ كَأْمُرْتَعِي إِلَى جَنْبِ الْحِمَى ... )) الحديث، وكذا ثبوت
(١٨٦) عمدة القاري (٢٩٣/١).
-١٠٤-

المثل مرفوعاً في رواية ابن عباس وعمار أيضاً(١٨٧).
قال (ع): ولعل هذا هو السر ... الخ ليس لهذا الكلام معنى أصلاً،
ولا هو دليل على منع دعوى الإِدراج لأن قوله وقع في الجرام لم يحذفه
البخاري، وإنما رواه في هذه الطریق مثل ما سمعه، وقد ثبت عنده في غیر
هذه الطريق، وكيف يحذف لفظاً مرفوعاً متفقاً عليه لأجل الدلالة على رفع،
قيل فيه بالإِدراج.
وقوله: ليصير مما قبل المثل مرتبطاً به إن أراد الارتباط المعنوي فلا يصح
لأن كلا منهما كلام بذاته مستقل، وإن أراد به الإرتباط اللفظي فكذلك لا
يصح (١٨٨).
قلت: لا یزال يدفع بالصدر ولا یقیم علی ما ینکره دلیلا، وتعجبه من
حذف لفظ مرفوع للدلالة لأنه من تعجب ممن يجيز الإِختصار من الحديث،
وقد عهد ذلك من البخاري كثيراً، وأما افتتاح كلامه بدعواه أن ليس للكلام
المذكور معنىً، فغايته أنه لم يفهم المراد منه وما عليّ إذا لم يفهم.
قال (ح): في الكلام على حديث ابن عباس في وفد عبدالقيس
قال النووي: كانوا أربعة عشر رجلاً كبيرهم الأشج واسمه المنذر، وقد
سمى صاحب التحرير في شرح مسلم منهم ثمانية أنفس، ثم قال: ولم أظفر
بأسماء الباقين بعد طول التتبع .
قلت: قد ظفرت بهم فذکرهم، وذکر الكتب التي أخرج ذکرهم فيها،
ثم ذكر حديث مزبدة العبدي قال: بينما رسول الله ولم يحدث أصحابه إذ
قال لهم: ((سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق)) فقام
(١٨٧) فتح الباري (١٢٨/١).
(١٨٨) عمدة القاري (٣٠٢/١).
- ١٠٥ -
:

عمر فلقي ثلاثة عشر راكباً فرحب بهم وقرب وقال: من القوم؟ قالوا: وفد
عبدالقيس.
قلت: وجمع بأن الرابع عشر کان غیر راکب أو کان تخلف عنهم
لضرورة، لكن أخرج الدولابي من حديث أبي خيرة الصباحي نسبه إلى
صباح بضم المهملة وتخفيف الموحدة بطن من عبدالقيس قال: كنت في الوفد
الذين أتوا رسول الله مسي، وكنا أربعين رجلاً، ويمكن الجمع بأن الثلاثة
عشر كانوا رؤوس الوفد، وبأن وفادتهم كانت مرتين(١٨٩).
قال (ع): هذا عجب منه لأنه لم يسلم التنصيص على العدد المذكور
فكيف يوفق بين ثلاثة عشر وأربعين، فقد قال وقع في جملة من الأخبار ذکر
جماعة من عبدالقيس، فسرد من ذلك اثنين وعشرين رجلاً، فعلم أن
التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم يخرجه البخاري ومسلم بالعدد
المعين(١٩٠).
قلت: ومن يكون هذا مبلغ فهمه ماله وللإعتراض إذا صرح الشارح
بأن العدد المعين لم يصح سنده يمتنع أن يقول على فرض الصحة يجمع بين
اختلاف الروايات فيه بكذا، وإذا جمع بين الثلاثة عشر والأربعين باحتمال
أن يكون الزائد على الثلاثة عشر إتباعاً يمتنع من هذا الجمع التصريح
بأسماء اثنين وعشرين نفساً منهم، أما يكفي دلالة سعة اطلاع هذا الشارح
الناشيء عن تبحره في هذا الفن إطلاعه على تسمية نحو الثلاثين منهم بعد
نقل إمام الناس الشيخ محي الدين النووي، وقول صاحب التحرير أنه لم
يطلع من أسمائهم إلا على ثمانية أسماء وأنه بعد التتبع لم يظفر بأسماء الستة
(١٨٩) فتح الباري (١٣٠/١-١٣١).
(١٩٠) عمدة القاري (٣٠٩/١).
-١٠٦ -

الآخرين وتقريره على ذلك، وهل يعترض بمثل ما اعترض به هذا الرجل
إلا ظاهر الحسد أو سيء الفهم.
قوله: فيه إلا الشهر الحرام وهي رواية مسلم.
قال (ح): وهي من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع(١٩١)
قال (ع): إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز(١٩٢).
قال (ح): قوله :
(١٩١) فتح الباري (١٣٢/١).
(١٩٢) عمدة القاري (٣٠٦/١).
- ١٠٧ -

١٩ - باب
ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة
أي بيان ما ورد [دالاً] على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة،
والمراد بالحسبة طلب الثواب، ولم يستدل بحديث لفظه: الأعمال بالنية
والحسبة، وإنما استدل بحديث عمر على أن الأعمال بالنية، وبحديث أبي
مسعود على أن الأعمال بالحسبة .
وقوله: ((لكل امرىء ما نوى)) هو بقية حديث الأعمال بالنية، وكأنه
أدخله على قوله: والحسبة بين الجملتين للإشارة إلى أن الثانية تفيد مالا تفيد
الأولى(١٩٣).
قال (٤): قوله: ((ولكل امرىء ما نوى)) من بعض الحديث الأول،
وقوله: الحسبة ليس من لفظ الحديث أصلًا لا من هذا الحديث ولا من
غيره، وإنما أخذه من لفظة يحتسبها التي في حديث أبي مسعود المذكور في
الباب إلى أن قال: كان ينبغي أن يقول: باب ما جاء أن الأعمال بالنية ولكل
امرىء ما نوى والحسبة، ولكن لما كان لفظ الحسبة من الاحتساب وهو
الإِخلاص كان ذكره عقب النية أولى من ذكره عقب قوله: ((وَلِكُلِّ امْرِيءٍ
مَانَوَى)) ولهذا أخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث لكل ترجمة حديث،
فحديث لقوله: ((الَأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ)) وحديث أبي مسعود لقوله: ((والحسبة))
وحديث سعد بن أبي وقاص لقوله: ((وَلِكُلِّ امْرِيٍ مَانَوَى فلو أخر لفظ
الحسبة إلى آخر الكلام كان يفوت قصده التنبيه على ثلاثة تراجم، وإنما كان
يفهم منه ترجمتان :
(١٩٣) فتح الباري (١٣٥/١)
- ١٠٨ -

الأولى: الأعمال بالنية ولكل امرىء ما نوى.
والثانية: قوله: والحسبة .
فانظر إلى هذه النكات هل ترى شارحاً ذكرها أو حام حولها، وكل ذلك
·بالفيض الإِلهي والعناية الرحمانية (١٩٤).
قلت: إشارته إلى أنه اخترع ذلك لا يخفى بطلانها.
وقوله: كل ذلك بالفيض الإِلهي مسلم ولكن على السابق الذي أخذ
كلامه الموجز وبسطه فغير مقاصده ووقع بذلك في اعتراض لا جواب له عنه
وهو أن يقال له: لو كان كما ظننت لا اعتراض عليك بأنه كان يمكنه أن
یقدم حدیث سعد علی حدیث ابي مسعود فيصح التركيب ولا يفوت قصد
التنبيه على ثلاث تراجم، هذا علی تقدیر تسلیم أن حديث سعد يستفاد منه
((وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَانَوَى)) فإن الذي يظهر أنه موافق لحديث أبي مسعود، لأن
لفظ حديث أبي مسعود: ((إذا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلى أَهْلِهِ يَخْتَسِبُهَا فَهُوَلَهُ صَدَقَةٌ))،
وحديث سعد: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةَ تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الَّلِهِ إلَّ أَجِرْتَ بِهَا)) وإنما
المناسب لكل امرىء ما نوى قوله: ((وَلَكَنْ جِهَادٍ وَنِيَّةٌ)) وهو طَرف من
حديث ابن عباس: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٍ وَنِيَّة)) ومعناه أن نفي
الهجرة بعد الفتح لا يمنع مقصود الهجرة، وهو الجهاد إذا خلصت فيه النية،
وقد وقعت الإشارة إلى أن النكتة في توسيط لفظ الحسبة بين الجملتين بألخص
عبارة، فما الذي زاده حتى يتبجح ولا قوة إلا بالله .
قال (ح) في الكلام على حديث سعد بن أبي وقاص: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ
نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الَّهِ إِلَّ أَجْرتَ بِهَا، حَتَّى مَاتَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأْتِكَ)) قوله :
((حَتَى مَاتَجْعَلُ)) حتى عاطفة وما بعدها منصوب المحل، وقد وقع في الرواية
(١٩٤) عمدة القاري (٣١١/١-٣١٢).
- ١٠٩ -

الأخرى حتى اللقمة، فظهر النصب فيه و(ما) موصولة والعائد محذوف(١٩٥) .
قال (ع): هذا سبقه إليه الكرماني، وحتى هذه ابتدائية حرف يبدأ
بعده الجمل، لأن شرط كونها معطوفة أن تكون جزء لما قبلها أو كجزء منه،
ولا يتأتى إلا في المفردات على أن العطف بحتى قليل، والكوفيون ينكرونه .
البتة وما بعد حتى جملة، لأن قوله: (ما) موصولة مبتدأ وخبره محذوف، وكذا
العائد الموصول.
ثم قال: ووجه آخر يمنع كون حتى عاطفة، وهو أن المعطوف غير
المعطوف عليه، فلو كانت عاطفة لا استفاد أن الذي يجعل في فم المرأة
مأجور فيه، وأما قول الكرماني إن ذاك يستفاد من حيث إن قيد المعطوف
عليه قيد في المعطوف، فمردود لأن القيد في المعطوف عليه وهو الابتغاء لوجه
الله لأن الأجر ليس بقيد فيه، لأن الأصل من الكلام والمقصود من المعطوف
حصول الأجر بالإِنفاق المقيد بالإِبتغاء. انتهى (١٩٦).
ودعواه أن حتى لا يصح أن تكون هنا عاطفة لما ذكره من الشروط أخذه
ودعوی
أنها
من .
٩٧
ابتدائية.
تنبيه :
كلام (ع) يدل على أنه إنما اعترض على الكرماني، ولولا الكرماني ما
مشى على أحاديث هذا الكتاب لأنه هو الذي اعتنى بذلك دون من سبقه
من الشراح، وهذا إذا لم يتخيل أنت في كلامه ما يقتضي الإِعتراض عليه
بأخذه كما هو ولا ينسبه إليه، ويفعل معه ذلك في غالب ما يورده ويتفق أن
(١٩٥) فتح الباري (١٣٧/١).
(١٩٦) عمدة القاري (٣٢٠/١)
(١٩٧) كذا في النسخ الثلاث بياض.
- ١١٠ -

غالب ما يعترض به عليه يكون الصواب مع الكرماني حتى في الأمور
الواضحة، وقد وقع له في ترجمة جرير البجلي في الكلام على آخر حدیث في
کتاب الإِيمان أنه قال: له مئة حديث اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري
بحديث ومسلم بستة، وكذا في شرح الشيخ قطب الدين، وفي شرح النووي
له مئتا حدیث، انفرد البخاري بحديث وقيل بستة، ولعل صوابه، ومسلم
بستة بدل وقیل بستة .
وقال الكرماني في شرحه لجرير مئة حديث ذكر البخاري منها تسعة،
وهذا غلط صريح(١٩٨).
قلت: إذا قدر أنهما اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، كيف
يكون قول الكرماني ذكر البخاري منها تسعة غلطاً صريحاً فإن تفصيل
التسعة هو أن له في المتفق ثمانية، وانفرد بواحدة فمن يكون هذا مبلغ فهمه
كيف يليق به أن يعترض على من سبقه ويدعي على ما يذكر من الصواب أنه
خطأ مع أن تخطئته هي الخطأ الصريح والمستعان بالله
من كتاب العلم
قوله :
(١٩٨) عمدة القاري (٣٢٣/١).
- ١١١ -

٢٠ - باب
أفضل العلم، وقوله الله تعالى:
﴿يَرْفَعُ الَّلهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... الخ)
قال (ح): حفظناه في الأصول بالرفع على الاستئناف(١٩٩).
قال (ع): إن أراد بالإِستنئاف الجواب عن السؤال لم يصح، لأنه ليس
في الكلام ما يقتضى هذا، وإن أراد ابتداء الكلام فذا لا يصح لأنه على
تقدير الرفع لا يتأتى الكلام، لأن قوله: وقول الله ليس بكلام ...
الخ (٢٠٠) ...
قوله: «وُسِّدَ» أي أُسند
قال (ح): وأصله من الوسادة وكان من شأن الأمير إذا جلس أن تثنى
تحته وسادة فمعنى وسد أي فعل له غير أهله وسأدة فتكون إلى بمعنى اللام،
وأتى بها ليدل على تضمين معنى أسند(٢٠١).
قال (ع): ليس كما قال: وإنما المعنى إذا وضعت وسادة الأمير لتعير
أهلها(٢٠٢).
قوله: فقال أين أراه السائل؟
(١٩٩) فتح الباري (١٤١/١).
(٢٠٠) عمدة القاري (٤/٢).
(٢٠١) فتح الباري (١٤٣/١).
(٢٠٢) عمدة القاري (٦/٢).
- ١١٢ -

قال (ح): لفظ أراه كلام معترض كأن الراوي شك في هذه اللفظة
وهي فقال: أين السائل هل قال هذا اللفظ أو لفظاً آخر، والسائل هنا
بالرفع على الحكاية لا بالنصب على أنه مفعول أراه(٢٠٣).
قال (ع): هذا خطأ بل هو مرفوع على الإبتداء (٢٠٤)
قال (ح): في الكلام على:
(٢٠٣) فتح الباري (١٤٣/١).
(٢٠٤) عمدة القاري (٦/٢).
- ١١٣ -
( ٨ - انتقاض الاعتراض جـ ١ )

٢١ - باب
قول المحدث ثنا وأخبرنا وأنبأنا
بعد أن حكى كلام من سوى بينها ومن فرق: إن التفريق بحسب
الإِصطلاح وإلا فلا خلاف عند أهل العلم أنها سواء بالنسبة إلى اللغة عند
إراده الإِعلام بالشيء، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمِئِذٍ تُحَدِّثُ أُخْبَارَها﴾
فهي بمعنى تخبر أخبارها، وقوله تعالى: ﴿وَلاَيُنَبِّئُكَ مِثل خبير﴾ فهو بمعنى
ولا يخبرك مثل خبير(٢٠٥).
قال (ع): لا نسلم التسوية لأن الحديث هو القول والإِخبار هو الخبر
بضم وسكون، وهو العلم بالشيء من خبرت الشيء أخبره خبراً وخبرة، ومن
أين خبرت هذا؟ أي علمته، وكلما ورد من لفظ الخبر وما يشتق منه من
القرآن والحديث وغيرهما فمعناه الأصلي هو العلم، وإنما استوى هذه الألفاظ
بالنسبة إلى الإِصطلاح(٢٠٦).
قلت: الذي استدل به لا ینهض لمدعاه كما لا يخفى، والجامع بينهما من
حيث اللغة الإعلام.
قال (ح): في الكلام على قوله: وقال أبوالعالية: عن ابن عباس عن
النبي * فيما يروي عن ربه .. إلى أن قال: وأبوالعالية المذكور هنا هو
الرياحي، واسمه رفيع بالتصغير، ومن زعم أنه البراء بالراء المثقلة فقد
وهم، فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه(٢٠٧).
(٢٠٥) فتح الباري (١٤٤/١_١٤٥).
(٢٠٦) عمدة القاري (١١/٢).
(٢٠٧) فتح الباري (١٤٤/١).
- ١١٤ -

قال (ع): كل منهما معروف بالرواية عن ابن عباس، فترجيح أحدهما
على الأخر برواية هذا الحديث عن ابن عباس يحتاج إلى دليل.
وقوله: فإن الحديث ... الخ يحتاج إلى نقل أحد ممن يعتمد عليه(٢٠٨).
قلت: قد سبق النقل لكن بطريق الإِشارة وهي في قوله: إن المصنف
وصله في التوحيد، فلو راجعه من ثم لما احتاج إلى طلب الدليل، ثم تعبيره
بقوله وترجيح أحدهما فيه مناقشة، وفيه أن يقول فيخصص أحدهما، وما
أفهمه قوله عن أحد ممن يعتمد أن الشارح لا يعتمد عليه إساءة ومخالفة
للأئمة من مشايخه وأئمة عصره الذين شهدوا له بالاعتماد، وحسبي إذا
رضيت عني عشيرتي ومما يتعجب منه أن الشارح نقل في الكلام على حديث
ابن عمر المذكور في الباب اختلاف ألفاظ الناقلين، كقوله: حدثوني ما
هي، وأن بعضهم ذكرها بلفظ أخبروني، وبعضهم بلفظ أنبؤني، وبين نسبة
كل لفظة بمخرجها فنقل (ع) الفصل كله كما هو مقلداً له في ذلك مدعياً
لترك سبقه إلى من سبقه، لكن الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله أعان عليه
لأنه لما كثر من أخذ كلامه وترك نسبته إليه حتى يظن من لم ينظر في كلام
السابق أنه من تصرف اللاحق أكثر من الإعتراض على كلامه بكل وجه أداه
إليه فهمه سواء كان الإِعتراض موجهاً أو غير موجه فتضمن ذلك اعترافه بأن
الذي نوقش في كلامه سابق عليه، فإذا نظر ذلك من له أدنى فهم عرف
سبق الأول وأخذ الثاني كلامه نهباً ومصالقة، فكان كأكل خبز الشعير
يستوعبه شبعاً ثم يدمه والله المستعان .
قوله في :
(٢٠٨) عمدة القاري (١٣/٢).
- ١١٥ -

٢١ مكرر - باب
القراءة والعرض على المحدث
قال الكرماني: العرض هو عرض القراءة، فعلى هذا لا يصح العطف
لأنه نفسها، لكن العرض تفسير القراءة، ومثله يسمى العطف التفسيري .
وقال (ح): بينهما عموم وخصوص وجهي، لأن لكل عرض قراءة من
غير عكس لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من أن يكون استقلالاً أو مع
المعارضة ... الخ (٢٠٩).
قال (ع): هذا كلام مخبط ، لأنه تارة جعل القراءة أعم من العرض،
وتارة جعلهما متساويين، واستمر على دعوى أن أحدهما أعم مطلقاً، وليس
ذلك مراد (ح)(٢١٠).
قوله في الكلام على حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة فقال فلا تجد
عَلَيَّ.
قال (ح): مادة وجد متحدة الماضى والمضارع مختلفة المصادر بحسب
اختلاف المعاني(٢١١).
قال (ع): لا نسلم ذلك كذا، قال: ولم يأت بشيء ينقض الدعوى
الأولى(٢١٢).
(٢٠٩) فتح الباري (١٤٩/١).
(٢١٠) عمدة القاري (١٦/٢).
(٢١١) فتح الباري (١٥١/١).
(٢١٢) عمدة القاري (٢٠/٢).
- ١١٦ -

قوله: ورواه موسى بن إسماعيل عن سليمان بن المغيرة، وصله أبوعوانة
في صحيحه وابن منده في كتاب الإِيمان من طريق موسى، وإنما علقه
البخاري لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة(٢١٣).
قال (ع): کیف لم يحتج به وقد روی له حدیثاً واحداً عن آدم بن أبي
أياس عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي صالح السمان قال:
رأيت أباسعيد في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره. الحديث ذكره في باب يرد
المصلي من مربين يديه(٢١٤).
قلت: هذا يؤيد قوله السابق أنه لم يحتج به لأنه من المكثرين، وإذا لم
يخرج عنه إلا حديثاً واحداً له عنده أصل من حديث غيره ممن أكثر من يخرج
حديثه كان في ذلك دلالة على أنه لم يخرج له إلا في الشواهد والأمر فيه
كذلك، لكن المعترض كأنه لا يفرق بين مطلق التخريج والإِحتجاج والله
أعلم.
قوله: قال (ح): الكلام على قول البخاري في
(٢١٣) فتح الباري (١٥٣/١).
(٢١٤) عمدة القاري (٢٣/٢).
- ١١٧ -

٢٢ - باب
ما يذكر في المناولة
ورأى عبدالله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزاً: عبدالله بن
عمر هذا كنت أظنه العمري المدني، ثم ظهر لي من قرينة تقديمه على
يحيى بن سعيد أنه غير العمري، لأن يحیی أكبر منه سناً وقدراً، فتتبعت فلم
أجده عن عبدالله بن عمر بن الخطاب صريحاً، لكن وجدت في كتاب
الوصية لأبي القاسم بن منده من طريق البخاري بسند له صحیح إلى أبي
عبدالرحمن الحبلي أنه أتى عبدالله بكتاب فيه أحاديث، فقال: انظر في هذا
الكتاب فما عرفت منه اتركه، وما لم تعرفه امحه، فذكر القصة وهو أصل في
عرض المناولة، وعبدالله يحتمل أن يكون هو ابن عمر بن الخطاب، فإن
الحبلي سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمروبن العاص، فإن الحبلي
معروف بالرواية عنه. انتهى(٢١٥).
قال (ع) فیه نظر من وجوه:
الأول: أن تقدم عبدالله على يحيى لا يستلزم أن لا يكون هو العمري
فمن ادعاه فعليه الملازمة.
الثاني: أن قول الحبلي أنه أتى عبدالله لا يدل اصطلاحاً إلا على
عبدالله بن مسعود إن كان من الصحابة، وعلى عبدالله بن مبارك إن كان مما
بعدهم.
الثالث: أن قوله ويحتمل أن يكون عبدالله بن عمرو بن العاص إن أراد
(٢١٥) فتح الباري (١٥٤/١)
-١١٨ -

أن يكون المراد من قول البخاري عبدالله بن عمر غير صحيح، لأنه لم يثبت
في نسخة من البخاري إلا عبدالله بن عمر بضم العين. انتهى(٢١٦).
والجواب عن نظره:
الأول: أنه لا يلزم من انتفاء الملازمة أن لا يثبت المدعى إذا وجدت
القرينة وهي أن التقديم يفيد الاهتمام، والاهتمام بالأسن الأوثق مستقرء.
وعن نظره الثاني: أن الحصر الذي ادعاه مردود، وقد صرح الأئمة
بخلافه .
فقال الخطيب عن أهل الفن: إذا قال المصري عن عبدالله فمراده
عبدالله بن عمروبن العاص، وإذا قال الكوفي: عن عبدالله، فمراده
عبدالله بن مسعود ... الخ، والحبلي مصري.
وعن نظره الثالث: أن الشارح رد بین أن یکون مراد الحبلي ابن عمر بن
الخطاب فيضح تفسيره به أو ابن عمروبن العاص فلا يصح، فاستدلاله
على عدم صحة الاحتمال بأنه لم يثبت في نسخة ... الخ كلام من لم يفهم
مراد الشارح والله الموفق.
قال (ح): في الكلام على:
(٢١٦) عمدة القاري (٢٥/٢)
- ١١٩ -

٢٣ - باب
من قعد حیث ینتهي به المجلس
ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها
إلى أن قال: مناسبة هذا الباب لكتاب العلم من جهة أن المراد
بالمجلس وبالحلقة حلقة العلم، ومجلس العلم فيدخل في أدب الطالب من
هذا الوجه، وكلما ذكره من أول كتاب العلم إلى هنا يتعلق بصفات في
العلم(٢١٧).
قال (ع): أخذ هذا الكلام من الكرماني وليس فيه بيان المناسبة بين
البابين، وإنما فيه بيان وجه مناسبة إدخال هذا الباب في كتاب العلم
ومناسبته للذي قبله من جهة أن فيه المناولة وهي أن يكون في مجلس العلم،
وهذا في شأن من يأتي إلى مجلس العلم كيف! انتهى (٢١٨).
ولا يخفى تكلفه، ولو قال قائل: المناولة قد تقع في غير مجلس العلم
لصدق، والذي ذكره الشارح يشمل هذا بدون تكلف.
قوله: فوقفا على رسول الله آل﴾ .
قال (ح): (على) هنا بمعنى عند(٢١٩)
(٢١٧) فتح الباري (١٥٦/١).
(٢١٨) عمدة القاري (٣١/٢).
(٢١٩) فتح الباري (١٥٧/١).
- ١٢٠ -