Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه : (من صونِ الراوي وسترِهِ)(١)، أي: لا بدَّ منْ أنْ يكونَ صائنًا لعرضهِ، ساترًا لنفسهِ عنِ الأدناسِ وما يعيبهُ عليهِ الأكياسُ(٢) من الناسِ(٣). قولُه : (مراتب التعديلِ)(٤) كانَ ينبغي أنْ يقولَ: ألفاظُ التعديلِ، فإنَّ المراتبَ هي الطبقاتِ، فينحلَّ إلى أنَّ المراتبَ لها مراتبُ ، والطبقات لها(٥) طبقاتٌ. ثمَّ ظهرَ أنَّ الكلامَ صحيحٌ بتقديرِ مراتبِ ألفاظِ التعديلِ، واللهُ أعلم(٦). قولُه: (فأرفعُ التعديلِ ما كَرَّرتهُ)(٧) جعلَ شيخنا حافظُ العصرِ ابنُ حجر - وهو الحقُّ - أعلى المراتبِ صيغةً أفعل؛ لما تدلُّ عليهِ منَ الزيادةِ، كأن يُقال: فلانٌ أوثقُ الناسِ ، أو أثبتُ الناسِ . قولُه : (إلى الصدقِ ما هو)(٨) معناهُ عندَ أهلِ الغنِّ أنَّهُ غيرُ مدفوعٍ عنِ الصدقِ . وتحقيق معناها في اللغةِ: أنَّ حرفَ الجرّ يتعلّقُ بما يصلحُ لتعلقهِ، وهو هنا قريب، فالمعنى: فلانٌ قريبٌ(٩) إلى الصدقِ، وتحتمل(١٠) ((ما)) أنْ تكونَ نافيةٌ، وحينئذٍ يجوزُ أنْ يكونَ المعنى ما هو قريبٌ منه، فيكونَ نفيًا لما أثبتتهُ الجملةُ الأولى ، فيفيد مجموعُ العبارةِ في (١١) التَّرُدُّد في أمرهِ، ويجوزُ أن يكونَ ما هو بعيدًا ، فيكونُ (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٦٨/١). (٢) الأكياس: جمع كيِّس، وهو العاقل، انظر: لسان العرب مادة (كيس). (٣) توضيح الأفكار (٢٦٠/٢). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٦٩/١). (٥) لم ترد في (ف). (٦) من قوله: ((ثم ظهر)) إلى هنا من (أ) فقط. (٧) التبصرة والتذكرة (٣٢٨). (٨) التبصرة والتذكرة (٣٣١)، (٣٣٢). (٩) عبارة: ((فالمعنى: فلان قريب)) لم ترد في (ف). (١٠) في (ف): ((ويحتمل)). (١١) لم ترد في (ف). ٢٢ النكت الوفية بما في شرح الألفية تأكيدًا للجملةِ /٢٣٤ب/ الأولى بنفي ضدِّها، على نحوِ ما قيلَ في: إنَّما زيدٌ قائمٌ . ويحتملُ أنْ تكونَ ((ما)) استفهاميةً ويرجعُ المعنى إلى الشكُ أيضًا، فكأنهُ قيل: هو قريبٌ إلى الصدقِ، ثمّ سألَ عنْ مقدارِ القربِ فقالَ: ما هو؟ أقليلٌ أو كثيرٌ؟ وهو نحو قوله وَّهفي الدّجالِ في آخر خبرِ الجساسةِ: ((ألا إنَّه في بحرِ الشامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بلْ منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ. منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ. منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، وأومأ بيدِه إلى المشرقٍ)) أخرجهُ مسلمُ(١) في أواخرِ ((الصحيحِ)) وغيرُهُ(٢). قال الشيخُ محيي الدينِ في ((شرحهٍ)): ((قالَ القاضي: لفظةُ ((ما)) هنا زائدةٌ صلةٌ للكلامِ، ليستْ بنافيةٍ، والمرادُ إثباتُ أنَّهُ في جهةِ المشرقِ))(٣). انتهى. وهذا المعنى يرجعُ إلى التجويز الثاني منَ الاحتمالِ الأولِ الذي ظهرَ لي، ويوضحُ تجويزَ الاحتمالينِ الأخيرينِ أنَّ في روايةِ أبي يعلى: ((ثم قالَ: في بحرٍ فارسَ ما هو في بحرِ الرومِ، ما هو، ثلاثًا، ثم ضرَبَ بكفهِ اليُمنى على اليُسرى ثلاثًا))(٤). قولُه : (ان(٥) شاءَ اللهُ) و( بأس عراه)(٦) بزيادة ساكنٍ ثامن يُسمى تذييلًا وإذالةً ، لكن لم يُجيزوه في هذا البحرِ، ولا أجازوه في المشطورِ(٧)، وإنَّما خصّوهُ بمجزوءِ البسيطِ والكاملِ ، فيحملُ عملُ الشيخ هنا على ذلك ضرورةً ؛ لأَنَّهم ارتكبوا في ضروراتِ الشعرِ أشياء كثيرةً لا تُسوَُّ في النثرِ، وإنْ /٢٣٥أ/ كانَ الشاعرُ مطلقَ (١) صحيح مسلم (٢٠٣/٨-٢٠٤)، (٢٩٤٢). (٢) منهم: الحميدي (٣٦٤)، وأحمد (٣٧٣/٦، ٣٧٤، ٤١٣)، وأبو داود (٤٣٢٦)، (٤٣٢٧)، وابن ماجه (٤٠٧٤) وغيرهم. (٣) شرح صحيح مسلم عقب الحديث (٢٩٤٢). (٤) مسند أبي يعلى (٢١٦٤) من حديث جابر رضي اللَّه عنه. (٥) بدرج همزة ((إنْ))؛ لضرورة الوزن . (٦) التبصرة والتذكرة (٣٣٤). (٧) المشطور: هو ما سقط منه شطره. الكافي في العروض والقوافي: (١٤٥). ٢٣ النكت الوفية بما في شرح الألفية العنانِ غيرَ مُقيدٍ بشيءٍ، فكيفَ إذا كانَ مقيدًا بنوع، وبألفاظٍ في ذلكَ النوع(١) لا يقدرُ على الخروجِ عنها . هذا وفي قوله: ((ان شاء اللَّه )) علةٌ أخرى وهي القطعُ، وهو حذفُ ساكِنٍ الوتدِ منْ مستفعلن، وتسكينُ ما قبلُه، ولا يُجعلُ هذا البيتُ الأولُ من الإذالةِ ، بل من الوقفٍ، ويُنقلُ إلى بحرِ السريعِ؛ لِتقاربِ البحرينِ كما يأتي قريبًا. والوقفُ إِسكانُ السابعِ المحرّكِ . قولُه: (فهذهِ المرتبةُ أعلى العباراتِ)(٢) هو على حَذفٍ مُضافٍ، أي: فألفاظُ هذه المرتبةِ، قالَ الشيخُ في ((النكتِ)): ((لأنَّ التأكيدَ الحاصلَ بالتكرار لابدَّ أنْ يكونَ لهُ مزيةٌ على الكلامِ الخالي عن التأكيدِ، واللَّهُ أعلم))(٣). قوله : (لا مطلقً تكرار التوثيقِ)(٤)، أي: صدوقٌ صالحٌ مثلاً، کما يأتي عن عبد الرحمانِ بن مهديّ الإمامِ القدوةِ في هذا الشأنِ ، وكلامُهُ يدلُّ على أنَّ الأوصافَ من رُتبةٍ وإنْ تكررتْ لا تَرقى إلى الرُّتبةِ التي قبلَها ، فإِنَّهُ ذَكرَ لأبي خَلْدةً(٥) كما يأتي في (الشرحِ)) في الأبياتِ التي بعد هذه عدةً أوصافٍ مِن المرتبة الثالثةِ، ولم يُبلّغْهُ معها إلى الرتبةِ الثانيةِ . قولُه: (وكذا إذا قيلَ: ثَبتْ)(٦) قال في ((النكتِ)): ((وقد اعتُرِضَ عليهِ بأنْ قولَهُ ((ثبتّ)) ذكرها ابنُ أبي حاتمٍ ، فلا زيادةً عليه إذنْ. انتهى . (١) جاء في حاشية (أ): ((هو علم الحديث)). (٢) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٠/١). (٣) التقييد والإيضاح: (١٥٧). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧١/١). (٥) هو خالد بن دينار التميمي السعدي، أبو خلدة البصري الخياط، تابعي صغير، ثقة، توفي سنة (١٥٢هـ)، انظر: الكاشف (٣٦٣/١). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧١/١). ٢٤ النكت الوفية بما في شرح الألفية وليسَ في بعضِ النُّسخ الصحيحةِ /٢٣٥ب/ من كتابهِ(١) إلا ما نقلهُ المصنفُ عنه كما تقدّمَ، ليسَ فيه ذكرُ ثبتٍ، وفي بعضِ النسخ: إذا قيلَ للواحدِ : إِنَّهُ ثقةٌ أو متقنّ ثبتٌ، فهو ممن يُحتجُّ بحديثهِ، قالَ: هكذا في نسختي منه، أو مُتَقِنٌّ ثبتّ ، لم يقلْ فيه: أو ثبتّ، فالله أعلم))(٢). انتهى كلامُ ((النكتِ)). ولو قيلَ : إِنَّ المرادَ الجمعُ بينهما لكان له وَجهٌ؛ لأنَّ المُتَقِنَ هوَ الضابطُ الجيّدُ الضبطِ ، فلا بدّ حينئذٍ ما يدلُّ على العدالةِ ، فإذا قالَ: ثبتٌّ . أفادَ ذلكَ وزيادةً ؛ فإنَّ معناهُ يرجعُ إلى ما تطمئنُّ به النفسُ وتقنعُ به فيثْبتُ عندها، أي: لا تطلبُ عليهِ مَزيدًا، وذلك لا يكونُ إلا بمنْ جَمعَ إلى الضبطِ العدالةَ، قال في ((القاموسِ)): ((وأثبتَهُ عرَفَهُ حقَّ المعرفةِ، والأثباتُ الثقاتُ))(٣). وقالَ في ((النهايةِ)): ((الثّبتُ بالتحريكِ: الحجةُ والبينةُ))(٤) فحينئذٍ يكونُ كالألفاظِ التي قبلَها . قولُه في المرتبة الثالثة(٥): (المرتبة الثانية)(٦). قولُه: (هذه)(٧) مفعولُ ((جعلَ)) الأولُ، ويجوزُ أنْ تكونَ ((المرتبةُ)) المفعولَ الثاني، ((والثانية صفةً))(٨)، ويجوزُ أنْ تكونَ ((المرتبةُ)) صفةً ((هذه))، ((والثانية)) المفعول الثاني . (١) جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن أبي حاتم)). (٢) التقييد والإيضاح: (١٥٨). (٣) القاموس المحيط مادة (ثبت). (٤) النهاية (٢٠٦/١). (٥) لم ترد في (ب) و(ف). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧١/١). (٧) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧١/١). (٨) في (ب): ((للصفة)). ٢٥ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه: (وينظرُ فيه)(١) قالَ ابنُ الصلاح: ((هذا ما قالَ؛ لأنَّ هذه العباراتِ لا تُشعرُ بشريطةِ الضبطِ ، فَيُنظرُ حديثُهُ ويُختبرُ حتى يُعرَّفَ ضبطُهُ، وقد تقدّمَ بيانُ طريقهِ في أولِ هذا النوع - أي: مَن تُقبلُ روايتُهُ ومَنْ تُردُّ، وهو المذكورُ في قولِ الشيخِ: ((ومن يوافِقْ غالبًا ذا الضبطِ))(٢) - وإن لمْ يستوفِ النظرَ المعرّفَ لكونِ ذَلكَ المُحدّثِ /١٢٣٦/ في نفسهِ ضابطًا مطلقًا، واحتجنا إلى حديثٍ منْ حديثهِ، اعتبرنا ذَلِكَ الحديثَ ونظرنا : هل لهُ أصلٌ من روايةٍ غيرهِ؟ كما تقدّم بيانُ طريقِ الاعتبارِ في النّوعِ الخامسِ عَشر))(٣). قولُه: (وأخّرتُ هذه اللفظة)(٤)، أي: لأنَّ الدرجةَ الثالثةَ من ألفاظِها: صدوقٌ، وهو وصفٌ بالصدقِ على طريقِ المبالغةِ ، وأمّا هذه اللفظةُ ، فدالةٌ على أنَّ صاحبَها محلُّهُ ومرتبتُهُ مُطلقُ الصدقِ(٥)، ولا يُقالُ: فحينئذٍ يكونُ لا بأسَ بهِ أعلى مِن: ليسَ به بأسّ؛ لأنّها أعرقُ(٦) منها في النفي؛ لأَنَّه يُقالُ: إِنَّ ((بأسَ)) في الأخرى نكرَةٌ في سياقِ النفي فَتَعُمُّ ، وليس بينهما كبيرُ فَرَقٍ في العبارةِ بخلافٍ : محلهُ الصدقُ ؛ فإنَّه يُفهمُ أنَّ المتكلمَ ما عدلَ عن صدوقٍ وهي أخصرُ إليها إلّا لُكتَةٍ، وهي ما تقدّمَ . قولُه: (أو مُقارب الحديثِ - بفتح الراء وكسرها-)(٧) قال الشيخُ في ((النكت)): ((ضُبِطَ في الأصول الصحيحةِ المسموعةِ على المصنّفِ(٨) بكسر الراء، (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧١/١). (٢) التبصرة والتذكرة (٢٦٧). (٣) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٤٣). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧١/١). (٥) تدريب الراوي (٣٤٥/١)، وتوضيح الأفكار (٢٦٥/٢). (٦) جاء في حاشية (أ): ((بالقاف)). (٧) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٢/١). (٨) جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن الصلاح)). ٢٦ النكت الوفية بما في شرح الألفية وكذا ضبطهُ الشيخُ محي الدين النوويُّ في ((مختصريه))(١)، وقد اعترضَ بعضُ المتأخرينُ بأنَّ ابنَ (٢) السيد حَكَى فيه الوجهينِ: الكسرَ والفتحَ، وأنَّ اللفظينِ حينئذٍ لا يستويانٍ؛ لأنَّ كسرَ الراءِ من ألفاظِ التعديلِ، وفَتْحَها من ألفاظِ التجريحِ. انتھی . وهذا الاعتراضُ والدعوى ليسا صحيحينٍ، بل الوجهانِ : فتحُ الراءِ وكسرُها معروفانٍ، وقد حكاهُما ابنُ العربيّ في كتابهِ ((الأحوذيِّ))(٣) وهما على كُلِّ حَالٍ /٢٣٦ ب/ من ألفاظِ التوثيقٍ، وقد ضُبِطَ أيضًا في النُّسخِ الصحيحةِ عن البخاريِّ بالوجهينِ، وممّنْ ذكرهُ في ألفاظِ التوثيقِ الحافظُ أبو عبد اللَّه الذهبيُّ في مقدمةٍ ((الميزانِ))(٤)، وكأنَّ المعترِضَ فَهِمَ من فَتحِ الراءِ أنَّ الشيء المقارَبَ هو الرَّديءُ، وهذا فهمّ عجيبٌ، فإنَّ هذا ليسَ معروفًا في اللغةِ ، وإنَّما هوَ في ألفاظِ العوامّ، وإنَّما هوّ على الوجهينِ من قوله: ((سدّدوا وقاربوا))(٥) فمَن كَسَرَ، قالَ: إِنَّ معناهُ أنَّ حديثَهُ مُقاربٌ لحديثٍ غيرهِ ، ومَنْ فَتَحَ قالَ: إِنَّ معناه أنَّ حديثَهُ يُقارِبهُ حديثُ غيرِهِ . ومادّة ((فَاعَلَ)) تقتضي المشاركةَ إلا في مواضعَ قليلةٍ، واللَّهُ أعلم . (١) جاء في المطبوع من كتاب ((التقييد والإيضاح)): (١٦٢): ((مُختَصَرِهِ)). والمختصران هما: إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير. (٢) لم ترد في (ب). (٣) عارضة الأحوذي (١٧/١). (٤) ميزان الاعتدال (٤/١). (٥) هو جزء من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه وَّهِ: ((لن ينجي أحدًا منكم عمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمةٍ. سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقصد القصد تبلغوا)). أخرجه: أحمد (٥١٤/٢، ٥٣٧)، والبخاري (١٢٢/٨)، (٦٤٦٣)، وفي ((الأدب المفرد))، له (٤٦١)، وغيرهما . ٢٧ النكت الوفية بما في شرح الألفية واعلمْ: أَنَّ ابنَ سيده حَكَى في الرجلِ المقاربِ الكسرَ فقط، فقالَ: ((ورجلٌ مُقاربٌ ومتاعٌ مقارِبٌ، ليس بنفيسٍ، وقالَ بعضُهم: دينٌّ مقاربٌ بالكسرِ، ومتاعٌ مقارَبٌ بالفتح))(١) هذه عبارتُهُ في ((المُحكمٍ)) فلم يحكِ الفتح إلا في المتاعِ فقط. وأمّا الجوهريُّ فجعلَ الكلَّ بالكسر، فقال: ((فلا تقُلْ: ((مقارَبٌ))(٢) بالفتح))(٣). انتھی . وقالَ في ((القاموس)): ((وشيءٌ مقاربٌ - بالكسرِ - بينَ الجِيِّدِ والرديءٍ، أو دَينٌ مقاربٌ - بالكسرِ - ومتاعٌ مقارَبٌ - بالفتح -))(٤). واعتراضُ الشيخ على المعترضِ في نقلهِ وقوله حسنٌ، وأمّا فيما كأنهُ فهمَهُ فلا. والتحقيقُ أنَّ ما نزلَ عن أعلى المراتبِ يصحُ في اللغةِ أنْ يُقالَ: إِنَّه / ٢٢٣٧/ تجريح باعتبارٍ أَنَّ نَزلَ بصاحبهِ عن الرتبةِ العُليا، وتوثيقٌ نظرًا إلى أنَّه لم يُنزِلْ صاحبَهُ إلى درجةٍ مَن يُرَدُّ حديثُهُ، والمقاربُ يستوي معناهُ عند العلماءِ والعوامٌّ في أنَّهُ ما بينَ الجيّدِ والرديءٍ ، وإنْ أطلَقَ أحدٌ عليه الرداءةَ فمرادُهُ بالنسبة إلى الجيّدِ، وكلما قَرْبَ اللفظُ من أولٍ مراتبٍ الردِّ كانَ إطلاقُ التجريحِ عليه أسوعَ. واعتراضُ الشيخِ على القائلِ لتنزيلِهِ ذلك على استعمالِ أهلِ الفنِّ حقيقةً، ولو ادَّعى التجوّزَ لم يُشاحِحهُ، واللَّهُ أعلم . ثم إنَّ هذه اللفظةَ مِن الألفاظِ التي قالَ ابنُ الصلاحِ(٥) إِنَّ ابنَ أبي حاتمٍ وغيرَهُ لم يشرحوها، ومرادُهُ كما ذكرَ في ((النكتِ)) (٦) أنَّهم لم يُبيِّنوا منْ أَيِّ رُتبةٍ هي، وأمَّا (١) المحكم مادة (قرب). (٢) الصحاح مادة (قرب). (٣) التقييد والإيضاح: (١٦٢). (٤) القاموس المحيط مادة (قرب). (٥) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٤٦). (٦) التقييد والإيضاح: (١٦١). ٢٨ النكت الوفية بما في شرح الألفية تمييزُ ألفاظِ التّوثيقِ منْ ألفاظِ التجريح فأمرّ لا يخفى على أحدٍ منْ أهلِ الحديثِ، ثم إِنَّ الشيخَ رأى أنَّ ما أَضيفَ إلى هذه اللفظةِ منْ ألفاظِ التوثيقِ مِن الرتبةِ الرابعةِ، ويأتي الكلامُ على ألفاظِ التجريح إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، ومعنى قولِ المعترضِ: إِنَّ اللفظينِ حينئذٍ لا يستويانٍ ، أَنَّ اختلافَ الحركات هنا ملزومٌ لاختلافِ المعنى؛ لأَنَّهُ لا شكَّ في التفرقةِ بين الفاعلِ والمفعولِ ، فيكونُ كلٌّ منهما من بابٍ ، بخلافٍ ما يلزمُ على ضَبطِهِ بالكسرِ فقط من(١) توحيدٍ(٢) المعنى /٢٣٧أ/ الملزوم لأُنْ يكونَ منْ بابٍ واحدٍ. هذا تقديرُ اعتراضهِ . ورَدَّ عليه الشيخُ بأنَّ الوجهينِ معروفانِ عند أهلِ الفنِّ وإنْ ضَبَطَهُ المصنفُ بوجهٍ واحدٍ خِلافًا لما أفهَمَهُ كلامُ المُعترِضِ مِن أنَّ أهلَ الحديثِ اقتصروا على وجهٍ واحدٍ ، ومعَ الضبطِ بالوجهينِ جعلوا المعنى واحدًا ، وجعلوا اللفظةَ بتقديرِها منْ ألفاظِ التوثيقِ فقط، فتوحيدُهُمُ البابَ على تقديرِ الضبطينِ(٣) فرعُ توحيدِهمُ المعنى؛ وذلك لأنَّ المقاربةَ أمرٌ نسبيٌّ، فمن قَاربَكَ فقد قاربتَهُ، فكلُّ مَنْ كانَ مقارِبًا - بالكسرِ(٤) - كان مقاربًا - بالفتح - فلا فرقَ في المآل، والله علم. قولُه: (واقتصَرَ في الرابعةِ على قولهم: صالحُ الحديثِ)(٥) سيأتي عن ابنٍ مهديٍّ في آخرٍ شَرح الأبياتِ التي بعدَها ما يقتضي أنْ تكونَ هذه اللفظةُ عندَهُ في الرتبةِ الثالثةِ ؛ لأنَّهُ يُطلِقُها على منِ اتَّصفَ بِصَدُوقٍ . قولُه: (وهوَ دونَ قولِهم: لا بأسَ به)(٦) وهو كذلكَ؛ لأنَّ الثانيةَ ظاهرةٌ في (١) في (ب): ((في)). (٢) في (ف): (( توجيه). (٣) في (ب): ((الضبطي)). (٤) في (ف): ((لك)). (٥) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٢/١). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٢/١). ٢٩ النكت الوفية بما في شرح الألفية أنَّهُ على وُثوقٍ من حُكمِهِ بذلك، محتملة احتمالًا قويًّا لأُنْ يكونَ جارَى غيرَهُ منْ علماءِ الفنِّ فَوافَقَهُ ، بخلافٍ الأولى في الأمرّينِ. قولُه: (وشيخ)(١) ليس زيادةً فإِنَّه في كلامٍ ابنٍ أبي حاتمٍ (٢). قولُه : ٣٣٥ - وَ(ابْنُ مَعِينٍ) قال: مَنْ أَقُولُ: (لَا بَأْسَ بِهِ فَشِقَةٌ وَنُقِلا أَثِقَةٌ كَانَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ ٣٣٦- أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَل: الثِّقَةُ (الثَّوْرِيُّ) لَوْ تَعُونَا ٣٣٧- كَانَ ( صَدُوقًا) (خَيِّرًا) (مَأْمُونَا ) ٣٣٨- وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ضُعْفًا بِ (صَالِحِ الْحَدِيثِ) إِذْ يَسِمْ قولُهُ : (إلى نفسهِ خاصةً)(٣) سيأتي أنَّ دُحَيمًا قالَ به أيضًا، وعبارةُ دُحَیم ژُبما تُفْهِمُ شيوعَهُ عن أهلِ /٢٣٨أ/ الفنِّ. قولُه : (حتى يلزمَ منهُ التساوي)(٤) بلِ الذي قالَهُ يَلزمُ منه التساوي؛ فإنَّه حَكَمَ أنَّ هذا ذاكَ ، فإمّا أنْ يكونَ الموضوعُ الذي هو: ليس به بأسّ. مُساويًا لِثقةٍ أو أخصَّ، وعلى كُلِّ حالٍ يكونُ حُكمُهُ حكمَهُ، بخلافٍ ما لو قالَ كقولي : ثقةٌ. فإِنَّه يُفهمُ حينئذٍ أنَّ: ليس به بأسٌ . أنْزل رُتبةً؛ لأَنَّهُ مشبَةٌ من ثقةٍ؛ لأنه مشبةٌ(٥) به . نَّه عليه شيخُنا، ورأيتُ بخطّ بعضٍ أصحابِنا الآخرينَ عنه أنَّهُ قد يُعتَذَرُ عنِ الشيخِ بأنّهم يُطلِقونَ في بابِ التَّوثيقِ والتَّجريحِ لفظَ الثقةِ على مَنْ كانَ مقبولًا ولا يُريدونُ أَنَّهُ تام الضبطِ ، وقولُ ابنٍ معينٍ من هذا القبيلِ . (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٣/١). (٢) الجرح والتعديل (٣٧/٢). (٣) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٣/١). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٣/١-٣٧٤). (٥) عبارة: ((لأنه مشبه)) من (ف) فقط. ٠ ٣٠ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه: (فالتعبيرُ عنه بقولهم: ثقةٌ. أرفعُ)(١) قد يُقال: إنَّه إنَّما يدلُّ على أنَّهُ أرفَعُ منْ قولهم: صدوقٌ، ويُدَّعى أنَّه: لا بأسَ بهِ . أعلى من ذلك، فإنَّها نافيةٌ لِكُلِّ بأسٍ . وأمّا الصدوقُ فقد يكونُ فيهِ بأسّ في غير الكذبِ، وقد يُجابُ بأنْ هذا بالنَّظرِ إلى مفهومٍ ذلك لغةً، وأما اصطلاحًا فلا. قولُه: (لعبدِ الرحمان بن إبراهيم)(٢) قال شيخُنا: هو دُحَيمٌ، وكانَ في أهلٍ الشامِ كأبي حاتم في أهل المشرقِ، وكلامُهُ إنَّما يدلّ على تساوي اللفظين في اصطلاحه خاصة(٣)، وسؤالُ أبي زُرعةً له منبةٌ على ذلك، فإنَّهُ يدلُّ على أنَّ الشائِعَ بين أهلِ الحديثِ أنَّ: لا بأسَ به . أَنْزَلُ رُتبةً من ((ثقة)) وإلا لما سألَ. /٢٣٨ب / قولُه: (الثقةُ: شعبةُ، وسفيانُ)(٤) قال في ((النكتِ)): ((وقد اعتُرِضَ عليهِ بأنَّ الذي في كتابٍ الخطيبِ، وغيرِهِ: الثقةُ شعبةُ، ومسعوّ(٥)، ولم یذکرْ سفيانَ جملةً. انتهى . والجوابُ : أنَّ المصنّفَ لم يحكِ ذلك عن الخطيب، وعلى تقديرٍ كونه في كتابٍ الخطيبِ هكذا، فيحتملُ أنَّهُ منَ النُّسَّاخِ ، فليسَ غلطُ المصنِّفِ بأولى منْ تغليطِهم، على أنَّ المشهورَ عن ابنٍ مهديٍّ ما ذكرهُ المصنِّفُ، وهكذا حكاه عمرو ابنُ عليّ الفلّاسُ، وكذا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في ((الجرح والتعديلِ))(٦)، وكذلكَ ذَكرَهُ الحافظُ أبو الحجاج المزيُّ في ((تهذيب الكمالِ))(٧) في ترجمةٍ أبِي خَلْدَةَ - وهو (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٤/١). (٢) المصدر السابق . (٣) لم ترد في (ب). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٤/١). (٥) الكفاية (٦٠ت، ٢٢هـ)، والذي في المطبوع من الكفاية: ((شعبة، وسفيان)). (٦) الجرح والتعديل (٣٢٨/٣). (٧) تهذيب الكمال (٣٤٢/٢). ٣١ النكت الوفية بما في شرح الألفية خالدُ بنُ دينارٍ التميميُّ الخيّاطُ - ونقلَ في ترجمةِ مِسعَر منْ روايةِ الفلّاسِ أيضًا عنٍ ابنِ مهديٍّ: ((الثقةُ شعبةُ، ومِسعَرٌ))(١) وعلى هذا، فلعلهُ سُئِلَ عنهُ مرّتينٍ، فإنَّ المنقولَ في هذه الروايةِ ، أنَّ أحمدَ بنَ حَنبلِ سأله، ولَعلهُ قالَ : الثقةُ شعبةُ، وسفيانُ ، ومِسعرٌ، فاقتصر الفَلَّاسُ على التمثيلِ باثنينٍ فمرَّةً ذكرَ سفيانَ، ومرَّةً ذكر مِسعرًا، واللَّهُ أعلم))(٢). قولُه في المتن: (مراتبُ التجريحِ) (٣). قولُه: (يضَع)(٤)، أي: يصنعُ(٥) حديثًا، ويعزوهُ إلى رسولِ اللَّهِ وَّهِ، ومادةٌ وَضَعَ تدورُ على مُلازمةِ الموضعِ، ويلزمُها في الأغلبِ: الخِسَّةُ، والدَّناءةُ، والحطُّ والسفولُ(٦)؛ لأنَّ الجيدَ منْ شأنهِ /٢٣٩أ/ أنْ يُرغَبَ فيهِ فيتناقلَ، والرديءُ وإن انتقلَ بالفعلِ فشأنهُ غيرُ ذلكَ؛ للإعراضِ عنه، فكأنَّ هذا لما كذبَ وضعَ ما يأتي منْ قِبَلِهِ فَجعلهُ بحيثُ لا يُلتفتُ إليهِ، وقد يلزمُها الترتيبُ والتصنيفُ، ومنهُ: وضعَ فلانٌ في الفَنِّ الفُلانيّ كتابًا ، أي: أنشأهُ فرتَّبُهُ وهذَّبهُ، ومنهُ: الوضيعةُ ، لكتابٍ يُكتبُ في الحكمةِ، وقد يلزمها الشرفُ، ومنه: الواضعةُ للرَّوضَةِ ؛ كأنَّها لحُسنِها توجبُ لمن رآها الانقطاع إليها، وألا يعدوها . قولُه: (واهٍ بمرّةٍ)(٧)، قال شيخُنا: أي قولًا واحدًا لا تَردُّدَ فيهِ. انتهى. وكأنَّ الباءَ زِيدَتْ تأكيدًا . (١) تهذيب الكمال: (٨٨/٧). (٢) التقييد والإيضاح: (١٥٨-١٥٩). (٣) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٥/١). (٤) التبصرة والتذكرة (٢٣٩). (٥) في (ب): ((يضع)). (٦) انظر: لسان العرب مادة (وضع). (٧) التبصرة والتذكرة (٣٤٣). ٣٢ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه : (تنكرُ وتعرفُ)(١) أي: يأتي مرّةً بالمناكير، ومرَّةً بالمشاهيرِ، فينبغي أن يُنظرَ في حديثِهِ، ولا يؤخذَ ما رواهُ مُسلَّمًا ، وهو قريبٌ منْ قولهم في التوثيقٍ : محلُّهُ الصدقُ، وما معها منْ ألفاظِ المرتبةِ الرابعةِ . ثم اعلَمْ أنَّ البيتَ مكسورٌ؛ لأنَّهُ كُفَّ الجزء الثاني، أي : أَسقطَ ساكنُهُ السابعُ، وهو لا يجوزُ في هذا البحرِ؛ لأنَّ مُستَفْعِلُن فيهِ ذو وتدٍ مجموع(٢)، والزّحافُ لا يكونُ إلا في ثواني الأسبابٍ، فلو قالَ: تنكرُّه، بزيادةِ هاءٍ ساكنةٍ لَاسْتَقَامَ(٣)، و((تعرفُ)) مُسْتَفِعِلُنْ، لكنّهُ مخبونٌ مقطوعٌ بحذفٍ ساكنٍ وَتَدِهِ، وإسكان متحركِهِ ، وَقَلَ /٢٣٩ ب/ لي صاحبنا العلامةُ نجمُ الدينِ محمدُ بنُ قاضي عجلون - أدامَ اللَّهُ تعالى النفعَ به - عن شيخِنا علّامةٍ زمانِهِ الشيخ أبي الفَضْل المغربيّ المشدالي البجائيّ : أنَّ بعضَهم جَعَلَ هذا المقطوعَ في مثلِ هذا مِن السريعِ، مِنْ ضرْبهِ المخبون المكشوف، فإنَّ القطعَ لم يرد في مَشطورِ الرَّجزِ، وجَوَّزوا هذا في مُزدوجِ الرَّجزِ؛ لقُربهِ منَ السريعِ؛ فإنَّ وزنَهُ: مُسْتَفِعِلُنْ مُسْتَفِعِلُنْ مَفْعولات ، فلا مُخالفةَ بينهما إلا بالوتدِ المفروق لا غير. قولُه: (للضعف ما هو) (٤) مثلُ قوله: ((إلى الصدق ما هو)) فإنَّ اللامَ هنا بمعنى إلى(٥)، ويحتملُ أنْ تكونَ على بابِها ، فيكونُ التقديرُ: فلانٌ كائنٌ للضعف ، وأما ((ما هو)) فكما مَضَى. قولُه: (وكلُّ مَنْ ذُكِرْ)(٦) مبتدأٌ مضافٌ إلى ((من))، و((بعد)) مجرورٌ بـ((مِنْ))، ومضافٌ إلى ((شيئًا))، ولفظُهُ محكيٍّ، والجرّ في محلِّهِ، و((اعتبرَ)) خبرُ المبتدأ، و(( بحديثهِ)) متعلقٌّ بالخبرِ. (١) التبصرة والتذكرة (٣٤٦). (٢) الوقد المجموع: حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن. الكافي في العروض والقوافي: (١٨). (٣) فتح الباقي (٣٥١/١). (٤) التبصرة والتذكرة (٣٤٨). (٥) توضيح الأفكار (٢٧٠/٢). (٦) التبصرة والتذكرة (٣٤٩) : ٣٣ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه في ((الشرح)): (مراتبُ ألفاظِ التجريح)(١) عجيبٌ؛ لأَنَّ المراتبَ ليس لها مراتبُ بل الألفاظُ هي المرتَبةُ، فلو أسقطَ لفظةً ((مراتبَ))(٢) لكان حسنًا. قولُه : (على خمسٍ مراتبَ)(٣) بل كانَ يتعيّنُ على نحوٍ ما مضى في التعديلِ أنْ تكونَ سًّا؛ فإنَّ تكريرَ الألفاظِ مثلَ قولِ الخطيبِ: ((كذابٌ ساقطٌ)) أعلى منْ إفرادها، فكانَ ينبغي أنْ تكونَ هي الأولى، وعلى ما مَضى عنْ شيخنا صيغةً / ٢٤٠أ/ (( أفعلَ)) هي الأولى فتكونُ سبعًا. قولُه : (وجعلها ابنُ أبي حاتمِ (٤)، وتبعَهُ ابنُ الصلاحِ(٥)، أربعَ مراتبَ)(٦). ينبغي أنْ يُعلمَ أنَّهما ابتدأا بآخرِ المراتبِ التي ذَكرَها الشيخُ؛ لأنَّهما رَّبا ذلك على سَبيلِ التدلِّي في الصفاتِ المحمودةِ؛ لأنَّهما بدءا بأعلى مَراتبِ التوثيقِ عندَهما، واستمرا يتنزلانٍ فيما قاربَ ذلك، والشيخُ تبعهما في التعديلِ، وبدءَ في التجريحِ بالأخسّ الأنزلِ، وخَتمَهُ بالأقربِ إلى أدنى التوثيقِ، فَبَدءَ في التوثيقِ بالأعلى، وفي التجريح بالأدنى . وأسندَ ابنُّ الصلاح(٧) بعد ما نقلهُ عن ابنٍ أبي حاتمٍ، منْ طريقِ البَيْهَقيّ، إلى أحمدَ بنِ صالح، قالَ: ((لا يُرِكُ حديثُ رَجُلٍ حتى يجتمعَ الجميعُ على تَركِ حديثِهِ، قد يُقالُ: فلانٌ ضعيفٌ، فأمّا أنْ يُقالَ: فلانٌ متروكٌ، فلا، إلا أنْ يُجْمِعَ الجميعُ على تركٍ حديثهِ))(٨) . (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٦/١). (٢) بعد هذا في (أ): ((الأولى)). (٣) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٦/١). (٤) الجرح والتعديل (٣٧/٢). (٥) معرفة أنواع علم الحديث : (٢٤٤-٢٤٥). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٦/١). (٧) معرفة أنواع علم الحديث : (٢٤٦). (٨) هو في الكفاية (١٨١ت، ١١٠هـ). ٣٤ النكت الوفية بما في شرح الألفية واعلَمْ : أنَّ سبيلَ التجريح سبيلُ التوثيقِ في أنَّ أُدْوَنَ مراتِبهِ - أعني : أعظمَها قدحًا وأَقْبحَها جَرْحًا - صيغةُ ((أفعلَ))، كـ ((أكذبُ الناسِ))، كما قالَّهُ شيخُنا، فتصيرُ المراتبُ سِتًّا، بل سَبعًا على ما مَضى(١). قولُه: (وقد فَرَّقْتُ بينَ بعض(٢) هذه الألفاظِ)(٣) قال ابنُ الأثيرِ في ((النهاية)): (( والتفرقُ والافتراقُ سواءٌ، ومنهم مَنْ يجعلُ التفرّقَ بالأبدانِ، والافتراقَ في الكلامِ، يُقالُ: فَرَّقتُ بينَ الكلامينِ فافترقا، وفَّقتُ بين الرجلينِ فتَفَرّقا))(٤). وعلى هذا يمكنُ قراءة / ٢٤٠ب/ هذه اللفظةِ - مُخففةً - بمعنى: أنَّه فَرَق بينَ معاني هذه الألفاظِ ، ومشدَّدةً؛ لأنَّها إذا تباينتْ معانيها صارتْ كلُّ واحدةٍ منْ رُتبةٍ غيرِ رُتبةِ الأخرى، فتباعدَ ما بين الألفاظِ، وذلكَ هو تفرّقُ الأبدانِ . قولُه: (فيمنْ تركوا حديثَهُ)(٥) قالَ بعضُ أصحابِنا: عبارةُ ابنٍ كثيرٍ: ((فإنَّه يكونُ في أدنى المنازلِ عندَهُ وأردءِها))(٦). قولُه : (المراتب الثلاثةُ)(٧) أصلحهُ المصنفُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البرهانِ الحلبيِّ عليهِ ((الثلاث)) فأسقطَ تاء التأنيثِ كما هو دأبُ العددِ المؤنثِ. قولُه: (حديثُهُ منكرٌ)(٨) قال شيخُنا: كانَ ينبغي أنْ يُنْبِّهَ على أنَّ البخاريَّ قال: ((مَنْ قُلتُ: حديثُهُ منكرٌ. فلا يحلُّ الاحتجاج به)) كما بيَّنَ اصطلاحَهُ في (١) عبارة: ((بل سبعًا على ما مضى)) لم ترد في (ب) و(ف). (٢) لم ترد في (ف). (٣) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٧/١). (٤) النهاية (٤٣٩/٣). (٥) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٧/١). (٦) اختصار علوم الحديث (٣٢٠/١) وبتحقيقي: (١٧٤). (٧) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٧/١). (٨) المصدر السابق . ٣٥ النكت الوفية بما في شرح الألفية وصف النسخ المعتمدة في التحقيق قوله: ((فيه نظرٌ)) و((سكتوا عنه)) لكنَّ العُذرَ عن الشيخ أنَّهُ أوردها في مرتبةٍ منْ يُعتَبَرُ بحديثهِ؛ لأنَّ البخاريَّ إنَّما نَفَى أَنْ يُحتَّ به، وذلكَ لا ينفي أنْ يُستَشْهَدَ به ويُعتبرَ بحديثِهِ، قالَ بعضُ أصحابنا: لكن حَكَى المصنّفُ كلامَ البخاريِّ في (( التخريجِ الكبيرِ للإحياءِ))، أنَّه قال: ((كلُّ مَنْ قلتُ فيه: منكر الحديثِ. فلا تحلُّ الروايةُ عنه))(١) . انتهى . قلتُ: فيُحملُ كلامُهُ على عَدمِ حِلُّ الروايةِ للاحتجاج ؛ جمعًا بينَ كلامیه . قالَ صاحبنا: ثم قالَ المؤلفُ بعد نقلِهِ كلامَ البخاريِّ، قلتُ: كثيرًا ما يُطلقون على راوٍ أَنَّه منكر الحديثِ / ٢٤١أ/ ويريدون بذلك حديثًا رواهُ مُنكرًا. انتھی . وكأنَّهُ يريد بذلك أنَّ الموصوفَ بأنَّه مُنكرُ الحديثِ لا يكونُ مِنْ أهلٍ هذه الرتبةِ ، إلا إنْ كانتِ النَّكَارَةُ مِنْ قِبَلِهِ . ويؤيدُه ما رأيتُهُ بخطٍّ بعضِ الآخذينَ عنْ شيخِنا أنَّ في ((سؤالاتِ الحاكم)) لأبي الحسنِ الدارقطنيّ: قلتُ: فسليمانُ بنُ بنتٍ شُرحبيلٍ، قال : ثقةٌ، قلتُ : أليسَ عندهُ مناكيرُ؟ قال: يحدّثُ بها عنْ قومٍ ضُعفاء، فأمّا هو فهو ثقةٌ(٢). قولُه: (وليسَ بالقويّ)(٣) في ((سؤالاتٍ الحاكم للدارقطنيّ))، قلت: فأبو سفيان سعيدُ بنُ يحيى الحِمْيَريّ؟ قال: هذا متوسطُ الحالِ ، ليسَ بالقويِّ(٤). انتهى ما بخط صاحبنا . (١) ميزان الاعتدال (٦/١). (٢) سؤالات الحاكم للدارقطني: (٢١٧-٢١٨). (٣) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٨/١). (٤) سؤالات الحاكم للدار قطني: (٢١٦). ٣٦ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه: (متى يصحُّ تحملُ الحديثِ أو يستحبُ)(١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((معرفةُ كيفيةِ سَمَاعِ الحديثِ وتحمُّلهِ وصفةٍ ضبطهِ . اعلَمْ: أنَّ طُرقَ نقلِ الحديثِ وتحمُّلِهِ على أنواعٍ مُتَعدِّدةٍ، ولنُقَدِّمْ على بَيانِها، بيانَ أمورٍ : أحدُها : يصحُ التحمُّلُ قبلَ وجودِ الأهليةِ، فتقبلُ رواية مَنْ تَحمَّلَ قبلَ الإسلام، ورَوَى بعدَهُ(٢)، وكذا(٣) مَنْ سمعَ قبلَ البلوغِ ورَوَى بعدَهُ(٤)))(٥). قولُه: ((وكذلكَ))(٦)، أي: ومثلُ ما قَبِلَ أهلُ العلمِ رواياتٍ هؤلاءِ الصحابةِ منْ غيرِ فَرقٍ (كانَ أهلُ العلم يُحْضِرونَ الصبيانَ)(٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: (( ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضرونَ الصبيانَ /٢٤١ب/ مجالسَ التحديثِ والسماع، ويعتدُّون بروايتهم (٨) لذلكَ، واللَّهُ أعلم))(٩)، وهي أصرح من عبارةِ الشيخ في سَوقِها مَساقَ الدليلِ على جوازِ تحمُّلٍ مَنْ بعدَ عَصرِ الصَّحابةِ منَ الصبيانِ . قولُه: (بالضبطِ)(١٠) في محلِ نصبٍ على أنَّهُ حالٌ، أي: كتبةُ مضبوطًا ، أي: ضبط (١١) بالكتابةِ، فلو قالَ: فكتبهُ والضبطُ والسماحُ. لكانَ أولى وأتبعَ العبارةِ (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٧٩/١). (٢) للتمثيل على ذلك انظر: نكت الزركشي (٤٥٩/٣). (٣) في طبعتنا لابن الصلاح: ((وكذلك رواية)). (٤) انظر: نكت الزركشي (٤٦١/٣-٤٦٢). (٥) معرفة أنواع علم الحديث : (٢٤٧). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٠/١). (٧) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٠/١). (٨) في (ب): ((برواتهم)). (٩) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٤٧). (١٠) التبصرة والتذكرة (٣٥٦). (١١) في (ف): ((ضبطه)). ٣٧ النكت الوفية بما في شرح الألفية وصف النسخ المعتمدة في التحقيق ابنِ الصلاحِ كما يأتي، وسيأتي هناكَ تجويزُ تقديرٍ آخرَ، وهو أنْ يكونَ ((بالضبطِ)) خبرَ ((كتبهُ)) لكنْ يصيرُ حينئذٍ عطفٌ ((والسماحُ)) عليهِ منْ عطفِ الجُمَلِ، فيقدحُ فيه ظاهرُ قولِ الشيخ: أنَّهُ معطوفٌ على ((فَكتبهُ)). قولُه: ((حيثُ يصح))(١) هو خبر (( كَتْبُهُ)) أي: يكونُ في هذه الحالةِ حينَ : ولو قالَ: حينَ يصحُ . لكانَ أيضًا أحسنَ وأتبعَ. قولُه: (سنةٌ متبعة)(٢)، أي: ليسَ في حَديثِ محمودٍ(٣) ما يدلّ على شيءٍ بعينهٍ لا يختلفُ فيجبُ اتباعُهُ، بل الصوابُ في ضبطٍ وقتِ الطلبِ الذي لا يختلفُ هو كونُ الطالبِ بالحيثية التي ذَكرَها . قولُه: (والفرائض)(٤) قال شيخُنا: (( والمرادُ ما يجبُ على الشخصٍ وجوبَ عينٍ، لا علمُ المواريثِ)). قولُه: (وقالَ موسى)(٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: (( وقيلَ لموسى بن إسحاقَ : كيف لم تكتبْ عن أبي نُعيمٍ؟ فقالَ: كانَ أهلُ الكوفةِ ... ))(٦) إلى آخرِهِ. (١) التبصرة والتذكرة (٣٥٦). (٢) التبصرة والتذكرة (٣٥٨). (٣) حديثه هو: قال محمود بن الربيع رضي اللَّه عنه: ((عَقَلتُ من النبي وَّهِ مَّةٌ مَجّها في وجهي وأنا ابنُ خَمسٍ سنينَ من ◌َلْوٍ)» . أخرجه: البخاري (٢٩/١) (٧٧)، (٧٤/٢) (١١٨٥)، (٩٥/٨) (٦٣٥٤)، (١١١/٨) (٦٤٢٢)، ومسلم (١٢٧/٢) (٦٥٧) (٢٦٥)، وابن ماجه (٦٦٠)، (٧٥٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٦٥)، (١٠٩٤٧) وفي ((عمل اليوم والليلة))، له (١١٠٨)، وابن خزيمة (١٧٠٩). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨١/١). (٥) المصدر السابق . (٦) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٤٨). ٣٨ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه : (أي: طلبٍ)(١) مجرورٌ؛ لأنَّهُ /٢٤٢أ/ تفسيرُ الضميرِ المجرورِ في ((تَقييدِه))، أي: تَقِيدِ طَلبِ الحديثِ، وتقييدٍ كتابتهِ ((بالضبطِ))، أي: مضبوطًا بالكتابةِ كما مضى تقديرُه، وتقييدِ ((سماعِهِ))، أي: وَقَتِ سَماعِهِ ((من حيثُ يصحُ))، أي: يُقيدُ ذلك بالحيثيةِ التي يصحُّ فيها، وذلكَ وقتُ الفهم، ويجوزُ أنْ يكونَ المعنى: وتقييدُ كتابتِه يكونُ ((بالضبطِ ))، أي: بالوقتِ الذي يكونُ فيه ضابطًا للحديثِ لفظًا ومعنّى، ويكون ((سماعُهُ)) مبتدأً خبرهُ ((منْ حيثُ))، أي: وسماعُهُ يكونُ ((من حيثُ يصحُ))(٢)، أي: مِن الوقتِ الذي يصحُّ فيه، وذلك بأحدٍ الأوقاتِ(٣) الأربعةِ التي يأتي ذكرُها عنِ العلماءِ. قولُه : (بكتِهِ الحديثَ)(٤) يجوزُ فيه وجهانِ : أحدها : أنْ تكونَ الهاءُ ضَميرًا يعودُ على المحدّثِ، فيكونَ ((الحديث)) منصوبًا بالمصدرِ . والثاني: أنْ تكونَ هاءَ تأنيثٍ، فتكونَ الكافُ مكسورةً، و((الحديثُ)) مجرورًا، فإِنَّ الكِتْبَةَ - بالكسرِ - اكتِتَابَةً ينسخُهُ، قالهُ في ((القاموسِ))(٥). قولُه : (فمن حيثُ يتأهَّلُ)(٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((حينَ))(٧). (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨١/١). (٢) من قوله: ((أي: بالوقت الذي يكون فيه ... )) إلى هنا لم يرد في (ف). (٣) جاء في حاشية (أ): ((أي: الأقوال)). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٢/١). (٥) القاموس المحيط مادة ( كتب). (٦) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٢/١). (٧) معرفة أنواع علم الحديث: (٢٤٨). ٣٩ النكت الوفية بما في شرح الألفية قولُه: (وابن ماجه)(١)، قالَ شيخُنا: إنْ كانَ مقصودُهُ من خَرَّجَ أصلَ الحديثِ فمُسلِمٌ(٢) خرّجهُ فكانَ ينبغي ذكرُهُ، وإنْ كانَ مقصودُهُ مَنْ نَصَّ في روايتِهِ على السنِّ فابنُ ماجه لم يذكرها(٣)، فكانَ ينبغي طرحُهُ . قولُه : (وهو ابنُ أربع)(٤)، قالَ: يجمعُ بين الاختلافِ في أنَّها أربع أو خمسٌ /٢٤٢ ب/ بأنَّها كانتْ أربعًا وكسرًّا، وذلكَ ينفي أنْ يُقالَ: إنَّها كانتْ خمسًا وكسرًا، فأسقطَ الكسرَ وأطلق عليها أنَّها خمسٌ مجازًا . قولُه: (وستُّهُ أقلُّ منْ ذلك)(٥) ، أي: كعبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، فإنَّهُ عَقَلَ تَرددً والدِهِ إلى بني قريظةَ يومَ الأحزابِ كما في ((صحيح البخاريٍ)) في مناقبٍ الزبيرِ(٦)، وكانتِ الأحزابُ سنةً أربع، وقيلَ: سنةً خمسٍ؛ فيكونُ لهُ منَ العمرِ سنتانٍ ، أو ثلاثٌ وأشهرٌ(٧) ؛ لأنَّهُ وُلِدَ في الثانيةِ منَ الهجرةِ، عَزَى ذلكَ إلى الزركشيّ، ونقلَ عن شيخِنا أنَّهُ قالَ: ((الذي يظهرُ أنَّهُ ولِدَ في الأولى))، وأمّا الأحزابُ فذكرَ أيضًا أنَّها کانتْ سنةً ستٍّ . قولُه : (فرجلُ)(٨) في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ تقديرُهُ، وقيلَ لأحمدَ بن حنبلٍ : متى يجوزُ سماحُ الصبيّ للحديثِ(٩)؟ قالَ: إذا عقلَهُ وضبطَ، قيل له: فرجلٌ (١) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٢/١). (٢) صحيح مسلم (١٢٧/٢) (٦٥٧) (٢٦٥). (٣) لفظ الحديث عند ابن ماجه: ((عن محمود بن الربيع وكان قد عَقَلَ مَجَّةً مَجَّها رسول اللَّهِ وَلِ فِي دَلْوٍ من بئرٍ لهم)). (٤) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٣/١). (٥) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٣/١). (٦) صحيح البخاري (٢٧/٥) (٣٧٢٠)، وأخرجه أيضًا: مسلم (١٢٨/٧) (٢٤١٦). (٧) انظر: فتح الباري عقب الحديث (٣٧٢٠). (٨) التبصرة والتذكرة (٣٦٠). (٩) ارجع إلى تفصيل ذلك في نكت الزركشي (٤٦٨/٣-٤٧٠). ٤٠ النكت الوفية بما في شرح الألفية قال ... إلى آخرِه . قال شيخُنا: (( وهذا الرجلُ يحيى بنُ معينٍ، ذَكرهُ الخطيبُ))(١) هكذا حفظتُهُ من شيخِنا، ورأيتُ بخطّ بعضٍ أصحابِنا عن شيخِنا أنَّهُ يحيى بنُ سعيدٍ، فالله أعلم . قولُه: (بين البقرةِ والحمارِ)(٢) قالَ شيخُنا: ((الذي يظهرُ أنَّهُ على سبيلٍ المثالِ))(٣) وبقِيَ في المسألةِ قولٌ خامسٌ، وهو التفرقةُ بينَ العربيّ والعجميّ حكاهُ السّلَفيُّ في كتابِهِ في ((الإجازةِ)) ولفظُهُ على ما نُقلَ عنهُ: (( وأكثرُهم على أنَّ العربيَّ يصحُ سماعُهُ إذا بلغَ أربعَ سنينَ، واحتجوا بحديثٍ محمودٍ بنِ /٢٤٣أ/ الربيعِ، وأنَّ العجميَّ إذا بلغَ ستّ سنينَ))(٤) وكتابه هذا مرويٍّ منْ طريقِ الدمياطي، أخبرنا(٥) ابنُ رَوَاجِ (٦) سماعًا، أخبرنا السلفيُّ سماعًا بالثغر. وفيها قولٌ سادسٌ نقلَ عن الإمامِ سراجٍ الدينِ عمرَ بنِ الملقنِ في كتابٍ الصلاةِ منْ(٧) شرحِهِ ((للتنبيهِ)) قال: ((ومحكيَ عن اليحصبيِّ أَنَّه إذا صار الصبيّ يعدُّ منْ واحدٍ إلى عشرينَ كان مُميزًا)) وفي ((شرحه للمنهاج)) قالَ القاضي أبو الطيبِ: ومنْ أصحابِنا مَنْ قال: لا يتقدر ذلكَ بمدَّةٍ - يعني : أمرَ الصبيّ بالصلاةِ - بل متى حصلَ التمييزُ، وهو كما قالَ بعضُهم: أنْ يعدَّ (١) الكفاية (١١٣ ت، ٦١هـ). (٢) شرح التبصرة والتذكرة (٣٨٤/١). (٣) توضيح الأفكار (٢٩٤/٢). (٤) نكت الزركشي (٤٦٤/٣)، ولكن الذي فيه أنَّ العجمي يصح سماعه إذا بلغ سبع سنين، أما في (( تدريب الراوي)) (٧/٢) فقد نقل عن السلفي أنَّ العجمي يصح سماعه إذا بلغ ست سنين. (٥) القائل: ((أخبرنا)) هو الدمياطي، رحمه الله . (٦) مُسند الإسكندرية، رشيد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن رواج، ولد سنة (٥٥٤هـ)، كان فقيهًا فطنًا، متواضعًا، صحيح السماع، انقطع بموته شيء كثير، توفي سنة (٦٤٨هـ) بالثغر. انظر: سير أعلام النبلاء: (٢٣٧/٢٣-٢٣٨). (٧) في (ف): ((في).