Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
العضدِ والفخذِ، أو طرفُ الكتفِ، أو عظمٌ فِي مفصلِ الركبةِ، أو مَا التفَّ من لحم
الفخذِ، قاله في ((القاموس))(١). فثبتَ أَنَّ هذين الفعلينِ لم يستعملا إلا لما لَمْ يسمّ
فاعلهُ، بمعنى جعلَ مِنْهُ(٢) الحرقُ والفسلُ استغناءً عَن/١٥٩ب/ معدَّاهما الَّذِي هُوَ
حَرَقَهُ وفَسَلهُ منْ غيرِ همزةٍ، ولا تضعيفٍ بأفعلتُ أو فعَّلتُ بهمزةِ النقلِ، أو
التضعيفِ ، واللَّهُ أعلم .
قولُه : (والعلةُ: عبارةٌ .. )(٣) إِلَى آخرِه .
قُلتُ : فإذا أردتَ تعريفَ المعلولِ منْ هَذَا التعريفِ، قلتَ: هُوَّ الخبرُ الَّذِي فِيهِ
أسبابٌ خفيةٌ طرأتْ عليهِ، فأثّرتْ فِيهِ. قَالَ شيخُنا: ((وأحسنُ من هَذَا أنْ يُقالَ: هُوَ
خبرٌ ظاهرُه السلامةُ اطلعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ عَلَى قادح)). فَقُلت لَّهُ: فحينئذٍ يكفي أنْ
يقالَ: مَا اطلعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ عَلَى قادحِ(٤). ويفهمُ منَ التقييدِ بالتفتيش أنَّ ظاهرَهُ
السلامةُ، فقالَ: لا يلزمُ ذلكَ، بل قَدْ يطلعُ فِي الخبرِ الَّذِي ضعفُهُ ظاهرٌ عَلَى علةٍ
خفيةٍ أيضًا، وهذهٍ لا يمكنُ أنْ تكونَ قادحةً، فإنها صادفتْهُ ضعيفًا مقدوحًا فيهِ)).
فَقُلْت: فحينئذٍ يخرجُ هَذَا(٥) مِنْ هَذَا الحدِّ بالتقييدِ بقادح، فلا يكونُ معلولًا إلّا إذا
قدحتْ فِيهِ العلةُ الخفيةُ .
ويقال أيضًا في حدّه: هُوَ خبرٌ ظاهرُهُ السلامةُ اطلعَ فيهِ عَلَى قادح. ولا حاجة
إِلَى ذكرِ التفتيشِ، فإنهُ يفهمُ منَ العبارةِ، والتقييدِ بظهورِ السلامةِ يخرجُ ما علّتُه
(١) القاموس المحيط مادة (وبل).
(٢) في (ف): (فيه )) .
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٤.
(٤) من قوله: ((فقلت له : ... )) إلى هنا لم يرد في (ب).
(٥) أي: الحديث الذي ضعفه ظاهر.

٥٠٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ظاهرةٌ، وجَعلُ الشَّيْخ ما ذكرهُ تفسيرًا للعلةِ، يُفهمُ أنها لا تسمَّ علةٌ إلا إذا كانتْ
موصوفةً بما ذَكَّرَ. قَالَ شيخنا: ((وفيه نظرٌ، وإنما هذا تفسيرٌ للمعلولِ، وهذا
الوصفُ غيرُ لازمٍ للعلةٍ؛ فالعلةُ أعمُّ منْ أن تكونَ بهَذَا الوصف أم لا)).
وعبارةُ ابْن الصلاح: ((فالحديث المعلول(١): هُوَ الَّذِي اطلعَ فيهِ عَلَى علةٍ
تقدحُ في صحتهٍ، معَ أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ مِنْهَا . ويتطرقُ ذَلِكَ إِلَى الإسنادِ الَّذِي رجاله
ثقاتٌ، الجامع شروطَ الصحةِ منْ حيثُ الظاهرُ(٢). ويستعانُ / ١٦٠أ/ عَلَى إدراكها
بتفرّدِ الرَّاوي ... ))(٣) إِلَى آخر مَا فِي الشرحِ. وقالَ الحَاكِمُ: ((إنما يعلِّ الحديثُ منْ
أوجهٍ ليسَ للجرحِ فيها مدخلٌ، فإنَّ حديثَ المجروح ساقطٌ - أي: ظاهرُ السقوطِ
والمعلولُ يوجدُ فِي حديثِ الثقاتِ، لأنهم يحدثونَ بالحديثِ فيخفَى عليهم،
والحجةُ فيهِ العلمُ والفهمُ))(٤). قَالَ شيخُنا: ((فعلى هَذَا لا يُسمَّى المنقطعُ، ولا
المعضلُ، ولا الضعيفُ معلولًا، وإنما يُسمَّى بذلكَ إذا آلَ أمرُهُ إِلَى شيءٍ منْ ذلكَ مَعَ
كونٍ ظاهرٍه السلامةَ))(٥) .
وهذا الفنّ أغمضُ الأنواع وأدقُّها مسلكًا، ولا ينهض بهِ إلا أئمةُ هَذَا الشأنِ
وحذاقُهم، ولهذا لم يتكلمْ فيهِ إلَّا أفرادٌ منهم (٦)، وقد تقصرُ عبارةُ الواحدِ منهم، فلا
(١) الذي في معرفة أنواع علم الحديث: ((المعلل)).
(٢) جاء في حاشية نسخة (أ): ((بلغ قراءة الشيخ شهاب الدين الشافعي نفع الله به قراءة بحث وسمع
الجماعة، قاله مؤلفه إبراهيم البقاعي)).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث : ١٨٧.
(٤) معرفة علوم الحديث ١١٢ - ١١٣.
(٥) ذكر الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه نحو هذا الكلام في نكته ٢ / ٧١٠ وبتحقيقي: ٤٨٤، ثم قال :
((وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود)).
(٦) مثل: علي بن المديني، وأحمد، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة،
والدارقطني. انظر: فتح المغيث ١ / ٢٥٥.

٥٠٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
يفصحُ بما قامَ فِي نفسهِ من الترجيحِ، ومن ثمةً يحيلُ الشافعيُّ مَعَ إمامتِه عَلَى
أئمةِ الحديثِ فِي كتبِهِ. فعلى هَذا فما جَزَمَ الواحدُ منهم بكونهِ معلولًا، ولم
يخالفْ، فالأصل أن يُتَبعَ، فإن خُولِفَ نظرَ في الترجيح بَيْنَهُمَا، ووجوهُ الترجيح
کثیرہٌ لا ضابطً لها بالنسبةِ إِلَی جمیع الأحاديث، بلْ كلُّ حَدِیثٍ يقومُ بهِ ترجيحٌ
خاصّ.
قولُه: (وأنشد الأخفش)(١) الشاهدُ فِي قوله: ((وأومتْ))، أصلهُ: وأومأتْ .
قولُه: (وإنْ لَمْ يغلبْ عَلَى ظنِهِ صحةُ التعليل .. )(٢) إِلَى آخره، قَالَ ابنُ
الصلاح: (( وكلَّ ذلكَ مانعٌ منَ الحكم بصحة ما وجدَ ذلكَ فيهِ))(٣). أي: لا يقالُ
كَيْفَ يتوقفُ الجهبذ عنِ الحكم بصحتِه، والحالُ أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ، ولم يظهرْ لَهُ
فيهِ قادخ، بل يتوقفُ عنِ الحكمِ بالصحةِ، ولو لَمْ يغلبْ عَلَى ظنِهِ صحةُ كونِه
معلولًا، ويكفي في الإعلالِ والإيقافِ عَن الجزمِ بالصحةِ وجودُ الشكِّ، بأنْ تظهرَ
قرينةٌ واهيةٌ مانعةٌ من الحكم بالصحةِ، وإنْ لَمْ يقدرْ عَلَى التعبير /١٦٠ ب/ عَنْهَا .
وقولُه : (التعليل) عُرفَ مِمَّا مضى أنَّ صوابَهُ: الإعلامُ، ومن أمثلةِ المعلولِ
أحاديثُ رواها أهلُ الكوفةِ عنْ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ يزيدَ، وذلكَ أنَّهُ كَانَ فِي الشامِ
رجلانٍ كلٌّ منهما يُسمَّى عَبْدَ الرَّحْمَانِ بِنَ يزيدَ، وأحدُهما اسمُ جدّهِ جابرٌ وَهُوَ أزديٌّ
دارانيٌّ(٥)، ثقةٌ مشهورٌ، رَوَى عَنْهُ الستة(٦)، والآخرُ اسم جدهِ تميمٌ وَهُوَ سلميٌّ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٤.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٥.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٨.
(٤) عبارة: ((أزدي داراني)) لم ترد في (ب) و(ف).
(٥) عبارة: ((روى عنه الستة)) لم ترد فى (ب) و(ف).

٥٠٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
دمشقيٌّ(١) ضعيفٌ، لَيْسَ لَّهُ شهرةٌ رَوَى عَنْهُ النسائي، وابنُ ماجه، وليسَ لَّهُ في
النسائي سوى حديثٍ واحدٍ(٢) فاتفقَ أَنَّهُ قَدِمَ الكوفةَ فحدّثَ بِهَا، فسألوهُ: مَن أنتَ ؟
فَقَالَ: عَبْد الرَّحْمَان بن يزيدَ، فظنوهُ ابنَ جابرٍ الثقةَ المشهورَ، فكانَ بعضُهم(٣) إذا
رَوَى عنهُ زادَ فِي نسبهِ، فقالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُّ يزيدَ بْنِ جابرٍ الدمشقيُّ،
ويسوقُ الأحاديثَ الَّتِيْ سمعها من ابن تميمٍ، وهي ضعيفةٌ، فيجيء الحقَّاظُ فيروونَ
تلكَ الأحاديثَ، فيضعفونَ بسببها الراوي لها عن (٤) عَبْدِ الرَّحْمَانِ؛ لأنَّهُ ثقةٌ مشهورٌ .
وأمَّا الناقدُ منهم فيعرفُ أنَّ ابنَ جابرٍ لَمْ يرحلْ منْ دمشقَ، فيتحققُ أنَّ المرويَّ عَنْهُ ابنُ
تميم ، فينشُبُ الضعفَ إليه، ويعلمُ أنَّ الراوي عَنْهُ(٥) غلطَ فِي نسبِه إِلَى ابنٍ جابٍ ، وعنَ
خطِّ شيخِنا ، أَنَّهُ قَالَ: (( ومن الأمثلةِ اللطيفةِ ما ذکرهُ ابنُ أبي حاتم في حَدِيثِ حمادِ بنِ
سَلَمَةَ، عَن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن ابنٍ عُمَرَ رفعه: ((من باعَ عبدًا .. )) (٦) الحديث،
فَقَالَ : كنتُ أستحسنُه حَتّى رأيتُهُ فِي حَدِيثِ بعض الثقاتِ : عن عكرمةَ بنِ خالدٍ ، عَن
الزهريِّ، فعادَ الحديثُ إِلَى الزهريِّ، والزهريُّ إنما رواهُ عنْ سالم، عن أبيه، وَهُوَ
معلولٌ؛ لأنَّ نافعًا رواهُ عَن ابْنِ عُمَرَ منْ قولِه، وهذا غايةٌ فِي الدقةِ ؛ فإنَّ هذهِ الروايةَ فِي
الظاهرِ كانتْ متابعةً قويةً لحديث سالمٍ، لكنّها بالتفتيشِ رجعتْ إليهِ))(٧).
(١) عبارة: ((سلمي دمشقي)) لم ترد في (ب) و(ف).
(٢) من قوله: ((روى عنه النسائي ... )) إلى هنا لم يرد في (ب) و(ف).
(٣) وهؤلاء البعض هم: أبو أسامة ((حماد بن أسامة))، وحسين الجعفي. انظر: تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦١.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) لم ترد في (ب).
(٦) كلام ابن أبي حاتم الآتي ورد عقب حديث: ((من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط
المبتاع)). العلل ١ / ٣٧٧ (١١٢٢).
(٧) انظر: النكت لابن حجر ٢ / ٧١٢ - ٧١٣ وبتحقيقي: ٤٨٧.

٥٠٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (ويعتبر بمكانهم)(١)، أي: ويعتبر/ ١٦١أ/ الخطأُ والصوابُ بمكانِهم
منَ الحفظِ .
قولُه: (فكثرَ فيهِ لغطُه ... )(٢) الحَدِيث. تمامُّهُ: ((فقالَ: سبحانكَ اللهمَّ
وبحمدكَ ، أستغفرُكَ، وأتوبُ إليكَ، قبلَ أنْ يقومَ منْ مقامِه، غُفِرَ لَهُ مَا وقعَ فِي ذلكَ
المجلسِ))(٣).
قولُه: (حدَّثنا بهِ موسى بن إسماعيلَ)(٤) هُوَ أبو سلمةَ المنقريُّ. (حَدَّثَنَا
وهيبّ) هُوَ ابنُ خالدِ الباهليُّ أبو بكرٍ البصريُّ، وشيخُه سهيل بن أَيِي صالحٍ،
و(عونُ بنُ عَبْد الله) هُوَ ابنُ عتبةَ بن مسعودٍ. قَالَ البخاريُّ: ((سمعَ أبا هريرةً، وابنَ
عمرَ، ويقالُ: إنَّ روايتَهُ عَن الصحابة مرسلةٌ)). ذكرهُ البخاريُّ فيمنْ ماتَ مَا بينَ
عشرةٍ إِلَى عشرينَ ومائةٍ(٥) .
قولُه : (وغالبُ ظني أنَّ هذهِ الحكايةَ ليست بصحيحةٍ)(٦) قَالَ شيخُنا: ((بل
هِيَ صحيحةٌ، وأحمدُ بن حمدون القصارُ ثقةٌ حافظٌ كبيرٌ، تُكلِّمَ فيهَ بكلامٍ غيرِ
قادحٍ، وَهُوَ المعروفُ بأبي حامدِ الأعمشيِّ، نسبة إِلَى الأعمشِ؛ لاعتنائهِ بحديثه))(٧).
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٦.
(٣) أخرجه: أحمد ٢ / ٣٦٩ و٤٩٤، والترمذي (٣٤٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٢٣٠)،
وفي ((عمل اليوم والليلة)) له (٣٩٧)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٤ / ٢٨٩، وابن حبان
(٥٩٣)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٧) و(٦٥٨٠)، وابن السني في (عمل اليوم والليلة))
(٤٤٧)، والبغوي (١٣٤٠).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٦.
(٥) انظر: التاريخ الصغير ١ / ٣٠٨.
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٦٧.
(٧) انظر: النكت لابن حجر ٢ / ٧١٥ وبتحقيقي: ٤٩٠.

٥٠٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قَالَ الحَاكِمُ: ((كَانَ من الحفّاظِ، وكانَ مزَّاحًا، وكانَ أبو عَلِيّ النيسابوريُّ،
يقولُ: حدثنا أحمدُ بنُ حمدونٍ إِنْ حلَّتِ الروايةُ عنهُ)) قَالَ الحَاكِمُ: ((فقلتُ لَهُ:
أهَذَا(١) الَّذِي تذكرُهُ فيهِ من جهةِ المُجُونِ، أو لشيءٍ أنكرتهُ؟ فقالَ: لشيءٍ أنكرتُهُ .
فقلتُ لَهُ : مثلُ ماذا؟ فذكرَ أحاديثَ ، فقلتُ لَهُ: أبو حامدٍ مظلومٌ فيما ذكرتَ كلَّهُ،
وحكيتُ للحفاظِ أَبِي الحسينِ الحجّاجي ذَلِكَ، فصوّبَ قولي، وَقَالَ: أحاديثُهُ كلُّها
مستقيمةٌ))، وذكر أنَّ ابنَ خزيمةَ كَانَ يرجعُ إليهِ فِي حديثِ الأعمشِ، ثُمَّ ساقَ
الحاكمُ عدةَ أحاديثَ مِمَّا كانَ يمزحُ بهِ، ثَم قَالَ: وإنما سقتُ هَذَا لتعرفَ أنَّ الذِي
أَنكِرُ عليهِ إنما سببُه المزعُ الَّذِي كانَ فيهِ، فأمّا الانحرافُ عن اسم أهلِ/١٦١ ب/
الصدقِ فلا(٢). قَالَ شيخنا: ((والحاملُ لشيخنا عَلَى تهمةٍ أَبِي حامدٍ استبعادُه أنْ
يكونَ البخاريُّ قَالَ: ((لا أعرفُ فِي البابِ إِلّ هَذَا الحديثَ)) معَ أنَّ فِي البابِ جملةً
أحاديثَ عنْ جماعةٍ من الصحابةِ غيرِ(٣) أَبِي هريرةَ)).
قُلتُ: قَالَ فِي ((النكت))(٤): ((وهم: أبو برزة الأسلميُّ(٥)، ورافعُ بنُ
خديج (٦)، وجبيرُ بن مطعم(٧)، والزبير بن العوام(٨)، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ (٩)،
(١) في (ف): ((هذا)).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٤ / ٥٥٣ - ٥٥٤.
(٣) في (أ) و(ب): ((عن)).
(٤) التقييد والإيضاح: ١١٨.
(٥) أخرجه: أبو داود (٤٨٥٩)، وأبو يعلى (٧٤٢٦)، والحاكم ١ / ٥٣٧.
(٦) أخرجه: الطبراني في (الكبير)) ٤ / ٢٨٧ (٤٤٤٥)، وفي ((الصغير)) له ٢٢٢/١، والحاكم
٥٣٧/١، وجود إسناده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٤١٢/٢
(٧) عزاه العراقي في ((تخريج الإحياء)) ١١٤١/٣ إلى ابن النجار، وهو عند الطبراني في «الكبير))
١٣٨/٢ - ١٣٩ (١٥٨٦) و(١٥٨٧)، والحاكم في ((المستدرك)) ٥٣٧/١.
(٨) عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ١٠ / ١٤١ للطبراني في الصغير والأوسط .
(٩) عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ١٠ / ١٤١ للطبراني في والأوسط.

٥٠٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، وأنسُ بنُ مالكٍ، والسائبُ بن يزيدَ، وعائشةُ، وقد بينتُ هذهِ
الطرقَ كلَّها فِي ((تخريج أحاديثِ الإحياءِ)) (١) للغزالي)). انتهى. رجع إِلَى كلامٍ
شيخِنا، قَالَ: ((والحقُّ أنَّ هذهِ اللفظةَ - وهي قولُه: ((فِي البابِ)) - وردتْ عَلَى
سبيلِ الخطأ، والآفةُ فيها من الحَاكِمِ حال كتابتهِ فِي ((علوم الحَدِيثِ))(٢)، وقد
رواها خارجَ الكتابِ المذكورِ عَلَى الصوابِ، أوردَها عَنْهُ البيهقيُّ في ((المدخلِ))(٣)
والخطيبُ(٤) وغيرُهما بلفظِ: ((لا أعرفُ فِي الدنيا لهذا الإسنادٍ إِلا هَذَا الحديثَ))،
وكذا رواها الخليليُّ في ((الإرشاد)»(٥)، من غيرٍ طريقِ الحاكم بهذا اللفظِ، موضعَ
قوله: ((فِي هَذَا الباب))، وهذا هُوَ الصوابُ، وهي عبارةٌ صحيحةٌ غيرُ مدخولةٍ ،
فلعلَّ الحاكمَ اعتمدَ فيما نقلهُ فِي ((علومِ الحَدِيثِ)) عَلَى حفظهٍ فَوَهَمَ )).
قولُه :
١٩٩- وَهْيَ تَجِيءُ غَالِيًّا فِي السََّدِ تَقْدَحُ في المْنِ بِقَطْعِ مُسْتَدٍ
(كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا
٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوعٍ ، وَقَدْ لَا يَقْدَحُ
(عَمْرًا) بـ(عَبْدِ اللَّهِ) حِينَ نَقَلا
٢٠١ - بِوَهْم (يَعْلَى بِنِ عُبَيدٍ) : أبْدَلا
٢٠٢ - وَعِلَّةِ المِثْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ إِذْ ظَنَّ رَارٍ نَفْبَها فَتَقَلَهْ
٢٠٣- وَصَحَّ أنَّ أَنسًا يَقُولُ: (لا أحْفَظُ شَيْئًا فِيهِ) حِينَ سُئِلَا
(١) تخريج الإحياء ٨١٨/٢ و٨١٩ و١١٤٠/٣.
(٢) معرفة علوم الحديث: ١١٣ فقد قال: ((هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله
علة فاحشة)). هكذا قال مع أنه أخرج الحديث في ((المستدرك)) ١ / ٥٣٦ - ٥٣٧ وقال: ((هذا
الإسناد صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة ... )).
(٣) في الجزء المفقود من هذا الكتاب، وهو الخاص بالمصطلح .
(٤) تاريخ بغداد ٢ / ٢٩ و ١٣ / ١٠٢ - ١٠٣.
(٥) الإرشاد ٣ / ٩٦٠ - ٩٦١ (٢٤٩).

٥٠٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الضميرُ فِي ((وهي)) يعودُ عَلَى العلة القادحةِ الخفيةِ .
قولُه : (قَدْ تقدحُ فِي صحةِ المَثْن ... )(١) إِلَى آخرِهِ، كلامٌ لا يضبطُ المرادَ ،
والكلامُ الضابطُ لهُ أنْ يقالَ: الحديثُ لا يخلو إما أنْ يكونَ فردًا، أو لهُ أكثرُ منْ
إسنادٍ ، فالأولُ: يلزمُ منَ القدحِ في سندِه، القدح في متنه، وبالعكسٍ. /١١٦٢/
والثاني: لا يلزمُ منَ القدحِ فِي أحدهما القدحُ فِي الآخرِ(٢).
قولُه: (فكالتعليلِ بالإرسالِ والوقفِ)(٣) أي: بشرطِ أنْ يَقوَى ذَلِكَ عَلَى
الاتصال والرفع، أو يستويا، وأمّا إذا كَانَ الاتصالُ مثلًا أقوى فلا عبرةَ بمخالفِه.
هَذَا مرادُ الشيخِ، وإنْ لَمْ يؤدّهِ كلامُهُ.
قولُه : ( وأمّا علةُ الإسنادِ الّتِي لا تقدحُ فِي صحةِ المتنِ فكحديثٍ .. )(٤) إِلَى
آخره، وإنما لم تقدح فِيهِ، لأنهُ رُوِيَ من غيرِ هَذِهِ الطريقِ، من روايةٍ من هو أحفظُ
من يعلى بن عُبيدٍ بما يخالفُ روايتَهُ، فرجّحَ قولَهم عَلَى قوله، فكانتْ روايتُهُ شاذةً ،
وعلمَ بالتأمّلِ أَنَّ سببَ وَهْمِ يعلى أنَّهُ سلكَ الجادّةَ فِي عَمْرِو بنِ دينارٍ، فَوَهَمَ. قَالَ
شيخُنا: ((وعبدُ اللَّهِ ليسَ أخا عَمْرٍو)).
قولُه: (هكذا رواه الأئمة من أصحابٍ سفيانَ)(٥) أفردَ لهُ نعيمٍ جزءًا منْ
طريقِ عبدِ اللهِ بن دينارٍ، فبلغَ نحوَ الخمسينَ نفسًا. قَالَ ابنُ الصلاح: (( وكلاهما -
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٩.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢ / ٧٤٦ - ٧٤٨ وبتحقيقى: ٥١٥ - ٥١٦.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٧٩.
(٤) المصدر السابق .
(٥) المصدر السابق .

٥٠٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أي: عَمْرٌو وعبد اللَّهِ - ثقةٌ))(١) أي: فلهذا لَمْ يقدخ الخلفُ فيها في المتنِ.
قُلتُ: قوله (أبدل عَمرًا ... )(٢) إِلَى آخرِهِ، لَيْسَ الأمر فِي هَذَا كما ذَكر،
وإنما تدخلُ الباءُ هنا عَلَى المأخوذِ، وكأنك قُلتَ: ((غيّرِ عَمرًا، وأخذ عَبْدَ اللَّهِ
بدلَهُ))، وهذهِ المادةُ يفترقُ الحالُ فيها بَيْن الإبدالِ والتبديلِ، والاستبدالِ والتبدُّلِ،
وغيرِ ذَلِكَ، وهي كثيرةُ الدورِ مشتبهةُ الأمرِ، وقد حقّقها شيخُنا محققُ زمانِهِ قاضي
الشافعيةِ بالديارِ المصريةِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيّ القاياتيُّ - رحمه اللَّه - فقالَ - فيما علّقتُه
عنهُ، وذَكَرَ أكثرَهُ فِي شرحهِ لخطبةِ ((منهاجٍ)) النوويِّ -: اعلمْ أنَّ هَذِهِ المادةَ -
أعني: الباءَ والدالَ واللامَ مَعَ /١٦٢ب/ هَذَا الترتيب -: قدْ يذكرُ معها المتقابلانِ(٣)
فقطْ، وقد يذكرُ معهما غيرُهما، وقدْ لا يكونُ كذلكَ. فإن اقتصرَ عَلَيْهِمَا: فقدْ
يذكرانِ مَعَ التبدل والاستبدالِ ، مصحوبًا أحدهما بالباءِ، كما في قوله تعالى:
﴿أَنْتَبِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِلَّذِى هُوَ خَرْ﴾(٤)، وفي قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ
يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية(٥). فتكون الباءُ داخلةٌ عَلَى المتروكِ، ويتعدَّى الفعلُ
بنفسِه للمقابلِ المتخذِ. وقد يذكرانِ مَعَ التبديلِ والإبدالِ، وأحدُهما مقرونٌ بالباءِ،
فالباءُ داخلةٌ عَلَى الحاصلِ، ويتعدَّى الفعلُ بنفسِه إِلَى المتروكِ. نقلَ الأزهريُّ، عَن
ثعلبٍ: بدّلتُ الخاتمَ بالحلقةِ: إذا أذبتَهُ وسويتَهُ حلقةً، وبدّلتُ الحلقةَ بالخاتمِ : إذا
أذبتَها وجعلتَها خاتمًا، وأبدلتُ الخاتمَ بالحلقةِ: إذا نكَّيتَ هَذَا، وجعلتَ هَذِهِ
مكانهُ .
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ١٨٩.
(٢) التبصرة والتذكرة (٢٠١).
(٣) جاء في حاشية (أ): ((مثل: عَنرو وعبد الله)).
(٤) البقرة : ٦١.
(٥) البقرة: ١٠٨.

٥١٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وحَكَى الهرويُّ فِي («الغربيين))(١): عَن ابنٍ عرفةً - يعني: نفطويِهِ - أَنَّهُ قَالَ :
((التبديلُ: تغييرُ الشيء عنْ حالِه، والإبدالُ: جعلُ الشيءٍ مكانَ آخرٌ )).
وتحقيقُه: أنَّ معنى التبديلِ: التغييرُ وإنْ لَمْ يؤتَ ببدلٍ، كما ذكر فِي
(الصحاحِ))(٢)، وكما هُوَ مقتضَى كلام ابن عرفةً. فحيثُ ذكر المتقابلانِ، وقيل:
بدَّلتُ هَذَا بذاك رجع حاصل ذَلِكَ: أنك أخذت ذاك وأعطيت هَذَا، فإذا قيلَ : بدّلَ
الشيءَ بغيرهِ، فَمعناه: غيّر الشيء بغيرِهِ، أي: تركَ الأول وأخذ الثاني، فكانت الباءُ
داخلةٌ عَلَى المأخوذ لا المنحَّى، ومعنى إبدال الشيء بغيرِهِ يرجعُ إِلَى تنحية الشيء
/١٦٣ أ/ وجعل غيره مكانةُ، فكانت الباءُ داخلةً عَلَى المتخذ مكان المنعَّى.
وللتبديلِ - ولو مَعَ الاقتصارِ عَلَى المتقابلينِ - استعمالٌ آخرُ يتعدَّى إِلَى
المفعولينِ بنفسِه، كقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾(٣)،
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ﴾(٤) الآية، بمعنى: يجعلُ الحسناتِ بدلَ
السيئاتٍ، ويعطيهما بدلَ مَا كَانَ لهما خيرًا، وقد لا يَذْكرُ المذهوبَ، كما في قوله
تعالى: ﴿بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾(٥)، ومعنى التبدّلِ(٦) والاستبدالِ: أخذُ الشيءٍ مكانَ
غيرِهِ، فإذا قُلتَ: استبدلتُ هَذَا بذاكَ، أو تبدّلتُ هَذَا بذاكَ، رجعَ حاصلُ ذَلِكَ:
أنك أخذتَ هَذَا، وتركتَ ذاكَ .
(١) أي: غريب القرآن والحديث.
(٢) الصحاح مادة (بدل).
(٣) الفرقان : ٧٠.
(٤) الكهف : ٨١.
(٥) النساء : ٥٦.
(٦) في (ب): التبديل)).

٥١١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وإنْ لَمْ يقتصرْ عَلَيْهِمَا، بل ذكرَ معهما غيرَهما، وأحدُهما مصحوبٌ بالجارٌّ،
وذَكرَ التبديلَ، كما فِي قولِه تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَهُمْ بِجَنََّهِمْ جَنَّتَيْنٍ﴾(١) تعدَّى الفعلُ
بنفسِه إِلَى المفعولينِ، يعني: إلى المفعولِ ذَلِكَ لأجلِه، وإلى المأخوذِ بنفسِه، وإلى
المذهوبِ المبدلِ منهُ بالباء، كما في: ((بدّلهُ بخوفِه أمنًا)) معناهُ(٢): أزالَ(٣) خوفَهُ
إلى الأمنِ .
وقد يتعدَّى إِلَى المذهوبِ - والحالةُ هذهِ - بمِنْ، كما فِي (( بدّلهُ منْ خوفِهِ
أمنًا)) وللتبديلِ استعمالٌ آخرُ يتعدَّى إِلَى مفعولٍ واحدٍ، مثل: بدلتُ الشيءَ، أي:
غيّرتُهُ، قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾(٤) عَلَى أَنَّ هاهنا مَا يجبُ التنُهُ له،
وَهُوَ أَنَّ الشيء يكون مأخوذًا بالقياسِ والإضافةِ إِلَى شيءٍ، متروكًا بالقياسِ والإضافةِ
إِلَى آخرَ، كما إذا أعطى شخصٌ شخصًا شيئًا، وأخذَ بدلَهُ مِنْهُ، فالشيءُ الأولُ مأخوذٌ
للشخصٍ / ١٦٣أ/ الثاني، ومتروكٌ للأولِ، والمقابلُ بالعكسِ، فيصحُ أنْ يعبّر بالتبدّلِ
والتبديلِ، ويعتبرَ فِي كلٌّ منهما مَا يناسُه، ولإشكالِ المقامِ قَصَدنا إِلَى بعضٍ
الإطناب. انتهى .
فلو قَالَ: ((بعَمْروَ عَبد اللَّهِ)) غير مصروفي لاستقامَ وزنًا ومعنى.
قولُه(٥): (قَالَ ابْن عَبْد البر: وَهُوَ عندهم خطأ)(٦) يعني: زيادةَ ذكرِ (( رسولِ
اللّهِ وَّهِ)) وإنما الصوابُ المحفوظ: ((وراءَ أَيِّي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ)).
(١) سبأ: ١٦.
(٢) في (ف): ((ومعناه)).
(٣) في (ب): ((زال)).
(٤) البقرة: ١٨١.
(٥) لم ترد (ب).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨١.

٥١٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه : (وحديثُ أنسٍ قَدْ أعلةُ الشّافعيُّ)(١) يعني: هَذَا الَّذِي فيهِ التصریحُ
بنفي البسملةِ .
قولُه : (فإِنْ قَالَ قائلٌ)(٢) هَذِه كيفيةُ التعبير بالسؤالِ الَّذِي أوردهُ الشافعيُّ، ثُمّ
أجابَ عَنْهُ بقوله: ((قيل لَهُ)).
وقولُه: (فذكرهُ)(٣) أي: الحديثَ الَّذِي رواهُ الوليدُ، عن مالكٍ، ذَكرَهُ
الشافعيُّ، واختصرَهُ الشيخُ هنا لذكرِهِ لَهُ قَبْلُ. والغزاريُّ: هُوَ مروانُ بنُ معاويةً ،
والثقفيُّ: هُوَ عبدُ الوهابِ بن عَبْدِ المجيدِ .
قولُه : (مؤتفقين)(٤) يعني: في روايتهم لهُ عنْ حُميدٍ، وهذهِ لغةُ الشافعيّ(٥) -
رحمهُ اللَّه - فِي مثلِ هَذِهِ اللفظةِ من كلٌّ معتلِّ الفاء أتى بصيغةِ ((مُفتعِلٍ)) أنْ يفكَّ
الإدغامَ، ويعوضَ من فاءِ الكلمةِ الَّتِي هِيَ التاءُ الأولى همزةٌ، ردًّا إِلَى الأصلِ، فإنَّ
المصدرَ: ((الوفاقُ))، وكذا متصل، يَقُول فِيهِ: مؤتصل، إذ مصدرُه ((الوصلُ))
والواو قَدْ يبدلونها همزةً، مثل: ((وُقّتَتْ))، هُوَ من الوقتِ، وقُرِئَ: ((أُقْتَتْ))(٦).
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨١.
(٢) المصدر السابق .
(٣) المصدر السابق .
(٤) المصدر السابق .
(٥) انظر: الرسالة مع تعليقات أحمد شاكر فقرة ٣١ و٢١١ و٢٣٨ و٤٦٤، ونكت الحافظ ابن حجر
١ /٥١٠ وبتحقيقي: ٢٩١.
(٦) الآية من سورة المرسلات: ١١، وهي في المصحف: ((أقتت))، وقرأ أبو عمرو وحده:
((وقتت))، قال الثعالبي: ((الواو هي الأصل؛ لأنها من الوقت)). تفسير الثعالبي ٥ / ٥٣٧، وأحال
المحقق فقال: ((ينظر: ((السبعة)) (٦٦٦)، و((الحجة)) ٦ / ٣٦٤، و((إعراب القراءات)) ٢ /
٤٢٨، و((معاني القراءات)) ٣ / ١١٢، و((شرح الطيبة)) ٦ / ٩٢، و((العنوان)) (٢٠٢)، و(حجة
القراءات)) (٧٤٢)، و((شرح شعلة)) (٦١٧)، و((إتحاف)) ٢ / ٥٨٠.

٥١٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قُلتُ: قوله: (هَذَا هُوَ المحفوظُ)(١) أي: مَا أَوَّلَهُ بهِ الشافعيُّ هُوَ الروايةُ
المحفوظةُ، كما سيأتي عندَ الدارقطنيّ .
قولُه : ( وكذلكَ/١٦٤أ/ رواهُ أكثرُ أصحابٍ قتادةَ)(٢) يعني: مقتصرينَ عَلَى
قوله: ((يفتتحونَ القراءةَ بالحمد للهِ ربِ العالمينَ))، ولم يذكروا ما بعدَهُ، فغَلبَ عَلَى
الظنِّ أنَّ منْ زادَ تلكَ الزياداتِ(٣)، إنما زادها لفهمِه أنَّ المرادَ الافتتاحُ بهَذَا اللفظِ
دونَ البسملةِ، كما سيأتي .
قولُه: (وهكذا رواه إسحاق بن عَبد اللَّه بن أَبِي طلحة)(٤) أي: فظهرَ أنَّ
قَوْلَ مسلمٍ منْ طريقه : ((أَنَّهُ سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يذكرُ ذَلِكَ))(٥)، إنما المرادُ مِنْهُ
أصلُ الحديثِ، لا اللفظُ السابقُ. قَالَ الشيخُ فِي ((النكت عَلَى ابن الصلاح))(٦):
(( وعلى هَذَا فما فعلهُ مسلمٌ هنا ليسَ بجيدٍ؛ لأنهُ أحالَ بحديثٍ عَلَى آخرَ، وَهُوَ
مخالفٌ لَهُ بلفظ: ((يذكرُ ذلكَ))، لَمْ يقلْ: ((نحو ذَلِكَ)) ولا غيرهُ))، انتهى .
وسيأتي في آخر شرح هَذِهِ المقولةِ سياقُ ابْنِ عَبْد البرّ لها .
قولُه : (قال ابن عبد البر: فهؤلاء)(٧) قَالَ فِي ((النكت)): ((إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي
كِتَاب ((الإنصاف))(٨) فِي البسملةِ، واللَّهُ أعلم))(٩).
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٢.
(٢) المصدر السابق .
(٣) في (ف): ((الزيادة)).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٢.
(٥) انظر: صحيح مسلم ٢ / ١٢ (٣٩٩) (٥٢).
(٦) التقييد والإيضاح: ١٢١.
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٣.
(٨) الإنصاف : ١٧٤.
(٩) التقييد والإيضاح: ١٢١.

٥١٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (وهذا اضطرابٌ لا تقومُ مَعَهُ حجةٌ)(١) لَيْسَ كذلكَ؛ فإنَّ الاضطرابَ
الَّذِي لا تَقومُ مَعَهُ حجة شرطُهُ عدمُ إمكانِ الجمعِ، وتساوي الطرقِ قوةً وضعفًا(٢)،
وهذا ليس كذلك، فإنَّ أصحّ مَا فيهِ روايةُ: ((يفتتحونَ القراءةَ بالحمد لله رب
العالمين))، ويليهِ: (( كانوا لا يجهرونَ ببسم الله الرحمن الرحيم))، ويليه: (( كانوا لا
يذكرونَ بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءةٍ، ولا آخرها)) مَعَ أنَّ الجمعَ ممكنٌ،
بحمل نفي قراءة البسملةِ عَلَى نفي الجهرِ بها، وكذا القراءةُ بالحمد لله رب
العالمين، أي: /١٦٤ب/ الفاتحة، وإنْ أريدَ اللفظُ حملَ عَلَى الجهرِ. وأمّا: ((فكانوا
يجهرونَ ببسم الله الرحمن الرحيم)) فضعيفٌ. وأمّا: ((كانوا يسرّونَ ببسم اللَّه
الرحمن الرحيم)) فقدْ رواها ابْنُ خزيمةً(٣)، وفِي سندِهِ راوٍ ضَعِيفٌ(٤)، فلا يسمَّى
الصحيحُ الَّذِي هُوَ فِي أعلى الدرجاتِ مضطربًا بما لا يقاويه(٥).
قولُه: (إذا ظنَّ راوٍ ... )(٦) إِلَى آخرِهِ، أي: الَّذِي قالَ: يستفتحونَ بالحمد
للَّهِ ربِ العالمين))، ظنَّ أنَّ المرادَ منْ هَذَا انتفاء البسملةِ، يعني: أنهم يفتتحونَ بهَذَا
اللفظِ فزادَ فِيهِ(٧): ((لا يذكرونَ ((بسم اللَّه الرحمن الرحيم» في أولِ قراءةٍ، ولا
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٤.
(٢) انظر: النكت لابن حجر ٢ / ٧٥٢ وبتحقيقي: ٥٢٠.
(٣) مختصر المختصر (٤٩٨).
(٤) هو سويد بن عبد العزيز. انظر: التقريب (٢٦٩٢). زيادة على أن فيه الحسن البصري وقد عنعن.
(٥) هكذا في (أ) و(ب) و(ف)، وقال صاحب القاموس المحيط مادة (قوي): ((وقاويته فقويته:
غلبته )) .
(٦) التبصرة والتذكرة (٢٠٢).
(٧) في (ب): « فيها)).

٥١٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
آخرِها)»، قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((فعلل(١) قومٌ (٢) رِوَايَةَ اللفظِ المذكورِ - يعني: فيما
انفرد بِهِ مسلمٌ بنفي البسملةِ(٣) - لما رأوا الأكثرينَ إنما قالوا فِيهِ: ((فكانوا يستفتحونَ
القراءةَ بالحمد لله رب العالمين)) منْ غيرِ تعرُّضٍ لذكرِ البسملةِ، وَهُوَ الَّذِي اتفقَ
البخاريُّ(٤) ومُسلمٌ(٥) عَلَى إخراجِه في الصحيحِ، ورأوا أنَّ مَنْ رواهُ باللفظِ المذكورِ
رواهُ بالمعنَى الَّذِي وقعَ لهُ(٦)، ففَهِمَ منْ قولِه: ((كانوا يستفتحونَ بالحمد ... )) أنهم
كانوا لا يبسملونَ، فرواهُ عَلَى مَا فَهِم وأخطأً؛ لأنَّ معناهُ: أنَّ السورةَ التي كانوا
يفتتحونَ بِهَا من السورِ هِيَ الفاتحةُ، وليسَ فِيهِ تعرّض لذكرِ التسميةِ، وانضمَّ إِلَى
ذَلِكَ أمورٌ، مِنْهَا: أَنَّهُ ثبتَ عنْ أنس أنَّهُ سُئِلَ عن الافتاح بالتسميةِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لا
يحفظُ فيه شيئًا عن رسولِ اللَّهِ وَلِ(٧).
قولُ/ ١٦٥أ/ أنسٍ: ((إنكَ لتسألني عن شيءٍ مَا أحفظُهُ، وما سألَني عنهُ أحدٌ
قبلَكَ)) يحتملُ أنْ يكونَ المعنى مَا سألني عنْ مجموع هذهِ المسألةِ ، ويحتملُ أن
يكونَ سُئِلَ ونَسِيَ، ويحتملُ أنْ يكونَ ناسيًا، ثُمّ تذكّرَ.
(١) في (ب): ((فعل))، خطأ .
(٢) أراد به الدارقطني. انظر: سننه ١ / ٣١٦، ونكت ابن حجر ٢ / ٧٦٦ وبتحقيقي: ٥٣٢.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ١٢ (٣٩٩) (٥٠) و(٥٢).
(٤) صحيح البخاري ١ / ١٨٩ (٧٤٣).
(٥) صحيح مسلم ٢ / ١٢ (٣٩٩) كلاهما: (البخاري ومسلم) من طريق شعبة، عن قتادة ، عن أنس،
به .
(٦) في (ب): ((لهم)).
(٧) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٣ / ١٦٦، وابن خزيمة (١٠١٠) إلا أنه اختصره، وحذف منه
موطن الشاهد، بدلالة رواية الدارقطني في ((السنن)) ١ / ٣١٦، قال الدارقطني: ((هَذَا إسناد
صحيح))، وقال الهيثمي ٢ / ١٠٨: ((رجاله ثقات)).

٥١٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُ البيهقيّ: ((فِي هَذَا دَلالةٌ عَلَى أنَّ مقصودَ أنسٍ مَا ذَكَرهُ الشافعيّ))(١)،
يعني : أَنَّ هَذَا السؤالَ لهُ شقّانٍ :
أحدهما : السؤالُ عن الافتتاحِ بالبسملةِ .
والثاني: الافتتاحُ بأمّ القرآنِ، وَهُوَ المرادُ بقولِه: ((الحمد لله رب العالمين))
فنفيُّه إنما يتسلطُ عَلَى الشقِّ الأولِ، لأنَّ الافتاعَ بأُمّ القرآنِ قَدْ أثبتَهُ فِي غير هذهِ
الروايةِ. هكذا فهمتُ منْ تقديرٍ شيخِنا. والذي يظهر لى أنَّ هَذَا لا يدلُّ عَلَى مَا قالَ
الشافعيُّ ؛ لأنهُ لا يخلو إمّا أنْ تكونَ البسملةُ من الفاتحةِ، فيكونَ الابتداءُ بِهَا ، أو لا
تكونَ مِنْهَا، فيكون الابتداء بقوله: ((الحمد للَّه رب العالمينَ)). فلا يصحُ نفيُّ
السؤالِ عنِ البسملةِ، وإثباتُه لأمّ القرآنِ؛ لأنَّ ذلكَ يؤدي إِلَى أَنْ يكونَ جزءُ الشيء
قسيمًا لهُ.
قولُ أَبِي شامةً: ((قَالَ: نحنُ سألناهُ عنهُ))(٢) تلبيسٌ، فإِنَّهُ يُفهِمُ أنَّ سؤالَ قتادةَ
عن الاستفتاح بأيّ سورةٍ، وإنما سؤالُه عنِ الجهر؛ فإنَّ مسلمًا(٣) قالَ: حَدَّثَنَا ابنُ
المثنى وابنُ بشارٍ، كلاهما عنْ غندرٍ(٤)، حَدَّثَنَا شعبةُ، سمعتُ قتادةَ يحدّثُ، عنْ
أنسٍ قَالَ: ((صلّيتُ مَعَ رسولِ اللَّه وَ له وأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ رضي اللَّه عنهم
فَلَمْ أسمع أحدًا منهم يقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم)) حَدَّثَنَا/١٦٥ب/ محمدُ بنُ
المثنى، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو داود، قَالَ: حَدَّثَنَا شعبةُ فِي هَذَا الإسنادِ ، وزادَ: قَالَ شعبةٌ
فقلتُ لقتادةَ: أسمعتَهُ منْ أنس؟ قَالَ: ((نحنُ سألناهُ عَنْهُ)). قَالَ شيخُنا: ((فهذا
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٤.
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٥.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ١٢ (٣٩٩) (٥٠) و(٥١).
(٤) في صحيح مسلم بعد ذلك: ((قال ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ... )).

٥١٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
صريحٌ فِي أَنَّ السؤالَ كَانَ عنْ عدمِ سماع القراءةِ، لا عَن الاستفتاح بأيِّ سورةٍ)).
قلتُ: قولُهُ: (غير سؤالٍ أَيِي مسلمةَ)(١) أفادَ بعضُ أصحابنا: أنَّ شيخَنا نقلَ
عن جزءٍ للخطيبِ فِي الجهرِ بالبسملةِ : أنَّ قتادةَ سألهُ، كما سألهُ أبو مسلمةً،
فأجابهُ: ((بالحمد للَّه رب العالمين)).
قولُه: (ففيه نظرٌ)(٢) قَالَ المصنفُ فِي ((النكت))(٣) مَا حاصلُه: ((إِنَّهُ إِنْ كَانَ
مرادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ صحيحًا فليسَ كذلكَ، وإنْ كانَ مرادُهُ أنَّهُ لیسَ فِي واحدٍ من صحيحي
البخاريِّ ومسلمٍ فلا يلزمُ من(٤) ذَلِكَ كونُه غيرَ صحيح، وإِنْ كَانَ مرادُهُ أَنَّهُ وإِنْ كَانَ
صحيحًا لا يكونُ فِيهِ قوةُ المعارضةِ لما فِي أحدِهما؛ لأَنَّهُ يرجّحُ عِنْدَ التعارضِ
بالأصحيةِ. فالجوابُ من وجهينٍ : أحدهما: إنَّ هَذَا إذا لَمْ يمكنِ الجمعُ، وقدْ تقدّمَ
الجمعُ بأنَّ المرادَ بحديثٍ ((الصحيحينِ)) الابتداءُ بالفاتحةِ لا نفي البسملةِ.
والثاني: أنهُ إنما يرجّحُ مَا فِي أحدِهما حيثُ كَانَ مِمَّا لَمْ يضعفْهُ الأئمةُ ، فأمّا
ما ضعَّفوهُ - كهذا الحديثِ - فلا)).
قولُه: (والبيهقيُّ لا يقولون بصحةِ حديثٍ أنسٍ)(٥) زادَ المصنفُ فِي
((تخريجهٍ لأحاديثِ الإحياء))، فَقَالَ: ((وابن عَبْد البرّ))، ولعلهُ أخذهُ مِمَّا تقدّمَ فِي
قوله: ((وقد اعترضَ ابْن عَبْد البر))، وكذا قولُهُ: ((وهذا اضطرابٌ .. )) إِلَى آخرِه.
واللَّهُ أعلمُ .
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٥.
(٢) المصدر السابق .
(٣) التقييد والإيضاح: ١٢٤.
(٤) لم ترد في (ب).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٥.

٥١٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُهُ : (وفيه دلالةٌ عَلَى الجهرِ مطلقًا .. )(١) إِلَى آخرِهِ، ليسَ كذلكَ، فإنهُ
يحتملُ أنْ يكونَ فهمَ منهُ قرينةٌ تدلُّ عَلَى أنَّ سؤالَهُ عنْ بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ، ولا
يدلُّ عَلَى إثباتٍ: ((بسم/٦٦(أ/ اللَّه الرحمن الرحيم)) فإنهُ إنما سألهُ عَن الكيفيةِ،
فذكرَ لهُ كلامًا، لَوْ قَرأَهُ النبيُّ وَلِ لقرأَهُ كذلك. ولم يسألُهُ عَن المقروءِ مَا هُوَ.
وقولُ أَبِي شامةَ: (( ولنا أنْ نقولَ: الظاهرُ أنَّ السؤالَ لَمْ يمكنْ إلا عنْ قراءتهِ فِي
الصلاةِ، حَتَّى قَالَ: نحنُ سألناهُ عَنْهُ)). ليس كذلكَ؛ فإنَّ قتادةَ إنما قَالَ: نحن
سألناهُ عنهُ، فِي الروايةِ الَّتِي فيها نفيُ الجهرِ، كما تقدّمَ .
قولُه : (والخلافُ فِي الكتابةِ معروفٌ كما سيأتي)(٢) وسيأتي أنَّ الصحيح
العملُ بِهَا، غيرَ أنها لا تكونُ كالتحديثِ، فيقدّمُ عَلَيْهَا عندَ التعارضِ، لكنَّ هَذَا إذا
كانَ الكاتبُ هُوَ الرَّوي، وأمّا هنا فالأمرُ عَلَى غيرِ ذلكَ، فإن قتادةً ۇُلِدَ أکمة، فمن
الأمر المحققِ أَنَّهُ لَم يكتبِ الكتابَ ، إنما كتبهُ غيرُهُ، ولم يعرفْ ذلكَ الغيرَ مَنْ هُوَ.
قَالَ شيخُنا: ((ولا ينبغي أنْ يعرجَ فِي إعلالِ هَذَا الحَدِيث، عَلَى سوى هذهِ
العلةِ ، فإنَّ أمرَها راجعٌ(٣) إِلَى أنَّ فِي السندِ مجهولًا، وكأنَّ الأوزاعيَّ، قَالَ: كتبَ
إليَّ كاتبٌ عَن قتادةَ .. )) إِلَى آخرِهِ. وأمّا أمرُ البسملةِ فِي إثباتها فِي الصلاةِ أُولَ
الفاتحة ونفيها، فالذي تعيّنَ(٤) - كما حرّرهُ شيخُنا -: أن يقالَ بهِ ولا يلتفتَ إِلَى
سواهُ: أَنْ ينظرَ إليها نَظرَ(٥) الفقهاءِ والقراءِ، وَهُوَ أنَّ الشافعيَّ إنما أثبتَها؛ لأنهُ صرّحَ
أنَّ قراءتَهُ قراءةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كثيرٍ، وهي ثابتةٌ فِي روايتهِ قرآنًا متواترًا، مَنْ جَحَدَها من
-
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٦.
(٢) المصدر السابق .
(٣) في (ف): ((رجع)).
(٤) في (ف): ((يتعين)).
(٥) لم ترد في (ف).

٥١٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
روايتهِ بعد علمهِ بتواترِها كَفَرَ، كما لَوْ جحدَ مثلًاً كلمة ((مِنْ)) في قوله تعالى:
﴿وَتَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرْ﴾ في سورةِ براءةً(١)، ونحو ذلكَ، وإنما نفاها مالكٌ -
مثلاً - لأنّ قراءتَهُ قراءةُ المدنيينَ، ولم تثبتْ فِي روايتهم. فالذي يتحرّر أنَّ
الشخصَ - شافعيًّا كانَ، أو غيرَهُ - إذا قرأْ فِي صلاةٍ أو غيرها بروايةٍ مَنْ يَرى البسملةَ
/١٦٦ ب/ آيةً وأسقطَها، فَقَدْ أساءَ لمخالفتهِ للروايةِ، وإنْ قرأْ لغيرِه وأسقطَها، فهوَ
محسنٌ. وهذا واضحٌ لا غبارَ عَلِيهِ، وَهُوَ موافقٌ لما قالَ شيخُنا، إمام أهلِ القراءاتِ
في عصرهِ شمسُ الدينِ أبو الخيرِ مُحَمَّدُ بنُ الجزرِيِّ في كتابهِ ((النشرِ)) الَّذِي تلقّتْهُ
الأمةُ بالقبولِ وأقرّ لهُ الفحولُ أَنَّهُ لَمْ تسمع(٢) الأعصارُ بمثلهِ، بعدَ أنْ حَكَى الأقوالَ
في أنها آيةٌ من الفاتحةِ أو غيرها، أو ليست بآيةٍ فإنهُ قَالَ(٣): ((وهذه الأقوالُ ترجعُ إِلَى
النفي والإثبات، والذي نعتقدُهُ أَنَّ كليهما صحيحٌ، وأنَّ ذَلِكَ حقٌّ؛ فيكونُ
الاختلافُ فيهما كاختلافِ القراءاتِ )). قَالَ السخاويُّ (٤): (( واتفقَ القرّاءُ عَلَيْهَا فِي
أول الفاتحةٍ، فابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، والكسائيُّ، يعتقدونها آيةً منها ومنْ كلِّ سورةٍ ،
ووافقهم حَمْزَةُ عَلَى الفاتحة خاصةً، وأبو عَمْرٍو، وقالونُ، ومَنْ تابعَهُ من قرّاءِ المدينةِ
لا يعتقدونَها آية من الفاتحةِ ». انتهى .
ويحتاج إِلَى تعقّبٍ، فلو قَالَ: ((يعتقدونها من القرآنِ أول سورةٍ » ليعمَّ كونها
(١) وهي جزء من الآيتين ٧٢، و٨٩ من سورة التوبة.
(٢) في (ف): (تسمح).
(٣) لم ترد في (ف).
(٤) هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري السخاوي الشافعي، نزيل دمشق،
وشيخ القراء والأدباء، له مؤلفات منها: جمال القراء، ومنى الدياجي في الآداب، توفي سنة
(٦٤٣هـ) .
انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣ / ١٢٢، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨ / ٢٩٧ - ٢٩٨.

٥٢٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
آيَةً مِنْهَا أو فيها، أو بعضَ آيةٍ ، لكانَ أسدَّ؛ لأنّا لا نعلمُ أحدًا منهم عدَّها آيةً منْ سورةٍ
سوى الفاتحة نصًا .
وقولُه: ((إنَّ قالونَ ومَنْ تابعه منْ قرّاءِ المدينةِ لا يعتقدُونَها آيةً من الفاتحةِ » . فِيهِ
نظرٌ، إِذْ قَدْ صحَّ نصًّا، أنَّ إسحاقَ(١) بنَ مُحَمَّدٍ المسيبيَّ أوثقَ أصْحَابِ نافعٍ
وأجلَّهم، قَالَ: سألتُ نافعًا عنْ قراءةِ (( بسم الله الرحمن الرحيم)) فأمرني بِهَا، وَقَالَ:
((أشهدُ أنها من السبع المثاني، وأنَّ اللَّه أنزلها)) رَوَى ذَلِكَ الحافظُ أبو عَمْرٍو الدانيُّ
بإسنادٍ صحيحٍ، وكذلك/١٦٧أ/ أبو بَكْر بنُ مجاهدٍ، عنْ شيخِه موسى بنِ إِسْحَاقَ
القاضي، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ إِسْحَاقَ المسيبيِّ، عن أبيهِ، ورويا أيضًا عَن ابن المسيبيُّ ،
قَالَ: (( كنا نقرأُ بسم اللَّه الرحمن الرحيم أول فاتحة الكتابِ، وفي أولِ سورة البقرةِ،
وبينَ السورتينِ فِي العرضِ والصلاةِ))(٢)، هَذَا كانَ مذهبَ القرّاءِ بالمدينةِ. قَالَ(٣):
((وفقهاءُ المدينةِ لا يفعلونَ ذَلِكَ)).
قُلتُ: حَكَى أبو الْقَاسِم الهذليُّ، عنْ مَالِكِ: أنَّهُ سألَ نافعًا عَنِ البسملةِ ،
فقالَ: ((السّنّةُ الجهرُ بِهَا)) فسلمَ إليه، وَقَالَ: ((كلَّ عِلم يُسألُ عنهُ أهلُهُ)) (٤) انتهى .
فإِنْ كَانَ ما ذَكرَهُ شيخُنا عنْ قالونَ صحيحًا؛ فَقَد اضطربَ النقلُ عنْ نافعٍ .
والظاهرُ أنَّ أولَ من حرّرَ هذهِ المسألةَ، أبو محمدِ بنُ حزمٍ في كتابه
((المحلى))(٥) فَقَالَ فِي كِتَاب الصلاةِ: ((مَن كانَ يقرأَ بروايةٍ مَنْ عَدَّ من القرّاءِ
البسملةَ آيةً مِنْ أمّ القرآنِ، لم تجزئْهُ الصلاةُ إلا بالبسملةِ، وهم: عاصمٌ، وحمزةٌ،
(١) في (ب): ((إبراهيم)).
(٢) في (ف): ((وللصلاة)).
(٣) أي: ابن المسيبي .
(٤) انظر: النشر في القراءات العشر ١ / ٢٦٩.
(٥) المحلى ٣ / ٢٥١.