Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ولا يصدقُ ذَلِكَ إِلا بانتفائهما معًا، واللهُ أعلمُ(١).
قولُه : (فلم يشترط)(٢) واعتراض على الخطابيٌ بأنَّه لم يذكرِ الضبطَ في
الحدِّ، وهو (٣) غيرُ واردٍ؛ لأنَّ الحيثيةَ مرعيةٌ، فالمرادُ بعدلِ الروايةِ عدلٌ يضبطُ
مرويهُ، كما أنَّ عدلَ الشهادةِ يشترطُ فيه معَ العدالةِ أَنْ يكونَ ضابطًا لما يشهدُ به؛
فالمغَفِّلُ متوقَّفٌ فيه روايةً وشهادةً ، وإن كان عدلًا في الدينِ؛ فمن يكونُ كثيرَ الخطأ
فاحشَ الغلطِ ، لا يكونُ عدلًا في شهادةٍ، ولا رواية، فالاقتصار على العدالةِ حينئذٍ
كافٍ عن التقييد بالضبطِ ؛ ولذا لم يعترضهُ ابنُ دقيق العيدِ(٤).
قولُهُ/١١أ/: (وفحشَ)(٥) في قوله : (من كَثُرَ الخطأ في حديثِهِ وفحشَ)
تأكيدًا للكثرة، وقد يقالُ: إنّه تأسيسٌ، ويكونُ المرادُ بالكثرةِ أمرًا نسبيًّا فمن حفظَ
ثلاثةَ آلافٍ مثلًا، فأخطأ في خمسينَ منها، فقد أخطأ في كثيرٍ، لكنْ لم يَفحُشْ
غلطهُ بالنسبةِ إلى ما حفظَ .
قولُه : (استحقَ التركَ، وإنْ كانَ عدلاً )(٦)، أي: في دينه ، وهذا مسلّم، لكنْ
من كان فاحشَ الغلطِ لا يصفهُ المحدثونَ بأنّهُ عدلٌ ، هذا هوَ الموجودُ في استعمالهم
كما مضى (٧) تحقيقهُ، قالَ شيخنا: ((زادَ أهلُ الحديثِ قيدي عدم الشذوذٍ والعلةِ؛
لأَنَّ أحدًا لا يقولُ: إِنَّ الحديثَ يعملُ به وإنْ وجدتْ فيهِ علةٌ قادحةٌ، غايتهُ: أنَّ
(١) من قوله: ((قلت: لأن الشرط .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٣/١.
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) من قوله: ((فمن يكون كثير الخطأ .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٣/١.
(٦) انظر السابق .
(٧) عبارة: (( كما مضى)) لم ترد في (ك).

٨٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
بعضَ العللِ التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاءُ، فهم إنما يخالفونهم في تسميةٍ بعضٍ
العللِ علةٌ، لا في أَنَّ العلةَ توجدُ ولا تقدمح، فأهلُ الحديثِ يشترطون في الحديثِ
الذي اجتمعتْ فيه الأوصافُ مزيدَ تفتيشٍ حتى يغلب على الظنِّ أنَّهُ سالمٌ من الشذوذِ
والعلةٍ، والفقهاءُ لا يشترطونَ ذَلِكَ بل متى اجتمعتِ الأوصافُ الثلاثةُ (١) سموهُ
صحيحًا، ثمَّ متى ظهَر شاذًّا ردوهُ، قال: فلا خلافَ بينهما في المآلِ، وإنما
الخلافُ في تسميته في الحالِ بعدَ وجودِ الأوصافِ الثلاثةِ، والفريقانِ مُجمِعونَ(٢)
على أَنَّ العلةَ القادحةَ متى وُجدتْ ضرَّتْ، وتعليلُ ابنٍ دقيق العيدِ في قوله: ((فإنَّ
كثيرًا مِن العللِ))(٣) إلى آخرِهِ يرشدُ إلى ذَلِكَ فإنّه إنما يقدحُ في استثناءِ ما فيه علةٌ
غير مقيدةٍ بأنها قادحةٌ، ومَن قالَ: ((غيرَ معللٍ)) لم يرد عليهِ شيءٌ؛ لأنَّ المعللَ ما
/١١ب/ فيه علة قادحةٌ كما مضى، ولم يتعقب ابنُ دقيق العيدِ استثناءَ الشاذِّ، وهوَ
أولى بالتعقبٍ مِن المعللِ؛ لأنَّ حقيقته ما خالفَ فيه الثقةُ مَن هوَ أولى منه بحيثُ لا
يتهيأَ الجمعُ بينَ الروايتينِ ، فقبولها(٤) مع كونٍ إحداهما تنافي الأخرى لا يصح،
فلابدَّ مِن راجحٍ هو السالمُ منَ الشذوذٍ، ومِن مرجوحِ هوَ الشاذِّ(٥)، والمرجوحيةُ لا
تُنافي الصحةً .
فغايتُه: أنْ يكونَ مِنْ باب صحيحٍ وأصحَ ، فيعملُ بالأصحِ الذي هو الراجحُ
دونَ المرجوحِ الذي هوَ صحيحٌ للمعارضةِ، لا لكونه غير صحيحٍ، وهذا كما في
الناسخِ والمنسوخِ سواء، طريقُ كلّ منهما صحيحٌ، لكنْ قامَ مانعٌ منَ العملِ
بالمنسوخِ، ولا يلزم منه أن يكون غیر صحیحٍ)). انتهى.
(١) جاء في حاشية (أ): ((وهي الوجودية)).
(٢) في (ك): ((مجموعون)).
(٣) الاقتراح: ١٥٤.
(٤) جاء في حاشية (أ): ((يعني قبول الروايتين)).
(٥) عبارة: ((ومن مرجوح هذا الشاذ)) لم ترد في (ف).

٨٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
فقدَ تحررَ: أَنَّ مرادهم بالصحيح الذي يجبُ العملُ به، أو أنَّهم حكموا على
الشاذِّ بالوهم فصار ضعيفًا حكمًا لتحقيقِ مظنةِ الضعفِ فيهِ، وحينئذٍ لا يردُ شيءٌ،
واللهُ أعلمُ(١).
قالَ شيخُنا(٢): ((وبعضُ أهلِ الحديثِ يشترطُ العددَ فى الروايةِ، حتى
ادّعى ابنُ العربي، في أوائلِ ((شرح البخاريِّ))(٣) أَنَّ ذَلِكَ شرطُ البخاريِّ،
وتعقبهُ ابنُ رشيد(٤) في كتابٍ ((ترجمانِ التراجم))، وحکاهُ أبو محمدٍ الجويني
عن بعضٍ أصحابِ الحديثِ، وحكى الحازميُّ(٥) عنِ الحاكمِ (٦)، وهوَ مِنْ
أجلٌ علماءِ الحديثِ أَنَّ شرطَ(٧) الشيخينِ العددُ، وقال الحافظُ أبو حفصٍ
(١) من قوله: ((وتعليل ابن دقيق العيد .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) عبارة: ((في أوائل شرح البخاري)) لم ترد في (ك).
(٤) هو أبو عبد اللَّه محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس الفهري مجد الدين السبتي،
ولد سنة (٦٥٧هـ)، وتوفي سنة (٧٢١هـ) من تصانيفه ((إفادة النصيح في رواية الصحيح))،
و((إيضاح المذاهب فيمن يطلق عليه اسم الصاحب))، و((ترجمان التراجم على أبواب البخاري))،
وغيرها. انظر: الوافي بالوفيات ٢٨٤/٤، وهدية العارفين ١٤٤/٦.
(٥) شروط الأئمة الخمسة: ٢٤.
والحازمي: هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمداني، تفقه في
مذهب الشافعي، وله مؤلفات نافعة، منها: ((عجالة المبتدئ))، و((المؤتلف والمختلف))،
و((الناسخ والمنسوخ))، مات سنة (٥٨٤هـ). انظر: تهذيب الأسماء واللغات ١٩٢/٢، والبداية
والنهاية ٣٣٢/١٢، وتذكرة الحفاظ ١٣٦٣/٤.
(٦) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم: ٦٢.
(٧) جاء في حاشية (أ): ((هذا الشرط وهو العدد في الرواية والذي يعلو وهو كون الراوي معروفًا بطلب
العلم، قالَ شيخنا المؤلف: إنَّهُ لا يعمل بهذين الشرطين؛ لأنَّ أول حديث في البخاريّ وآخر
حديث فيه لم يرو إلّا واحد عن آخر عن واحد إلى آخره، وكذلك الذي في آخره فليعلم)).

٨٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الميانشيُّ(١): ((إنَّ شرطهما في الصحيحينِ أنْ لا يدخلا فيهِ إلا ما صحَّ، وهو ما
رواهُ عن رسولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ اثنانِ فصاعدًا، وما نقله عن كلِّ واحدٍ منَ/٢١٢/
الصحابةِ أربعةٌ مِن التابعينَ فأكثرُ، وأنْ يكونَ عنْ كلِّ واحدٍ منَ التابعينَ أكثرُ منْ
أربعةٍ ))(٢) )).
وقد علم بهذا أَنَّ اشتراطَ العددِ ليسَ خاصًّا ببعضِ المعتزلةِ كما قالَ
الشيخُ(٣)(٤)، ومؤاخذةُ ابنٍ دقيق العيدِ لابن الصلاحِ وقعتْ على قوله: بين أهلٍ
الحديثِ، فهوَ يقولُ: لأي معنًى يخصّه بأهلِ الحديثِ؟ فإنَّ هذهِ أصعبُ الشروطِ
فمنْ لا يشترطُ السلامةَ منَ العلةِ والشذوذِ يصححُ هذا مِنْ بابِ الأولى، فكانَ ينبغي
أنْ يقولَ: هذا هوَ الحديثُ الصحيحُ إجماعًا(٥)، ولا يخفى(٦) أَنَّ هذا لا يتوجهُ عليه
قال ماهر: وهذا دليل على أنَّ النسخة کانت بید أحد تلاميذ البقاعي المهتمين بالعلم، وهو دليل
على جودة النسخة وإتقانها، والحمد لله على توفيقه .
(١) هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي، له كراس في علم الحديث أسماه ((ما لا يسع
المحدّث جهله))، توفي بمكة سنة (٥٨١هـ). العبر ٨٣/٣، والأعلام ٥٣/٥.
والميانشي: نسبة إلى ميانش قرية من قرى المهدية بإفريقية. انظر: معجم البلدان ٣٥٢/٨، وتاج
العروس مادة (موش).
وجاء في بعض مصادر ترجمته: ((الميانجي)) وهي نسبة إلى ((ميانج)) موضع بالشام. انظر:
الأنساب ٣٨١/٤، ومعجم البلدان ٨/ ٣٥١.
وكذا نسبه الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٢٤٠، وبتحقيقي: ٦٨.
(٢) ما لا يسع المحدّث جهله: ٢٧.
(٣) من قوله: ((وتعقبه ابن رشيد .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) انظر: التقييد والإيضاح: ٢١.
(٥) انظر: الاقتراح فى بيان الاصطلاح: ١٨٧.
(٦) زاد بعدها في (ك): ((عليك)).

٨٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
مع مخالفةٍ من اشترطَ العددَ منَ المعتزلةِ وغيرهم(١)، بل المتوجهُ أَنْ يخصَّ نفيّ
الخلافِ بالجمهورِ (٢) وكان مالكٌ - رحمهُ اللَّهُ - يشترطُ للقبولِ أمرًا آخرَ، وهوَ
كونُ الراوي معروفًا بطلبِ الحديثِ موصوفًا بينَ أهلهِ؛ وعلى هذا لا يسلمُ قولُ ابنِ
الصلاحِ: ((بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ))(٣) .
قولُه: (أنْ يكونَ جامعًا مانعًا)(٤) يعني: ومتى لم يقيد بالإجماعِ(٥) خرجَ عنهُ
المرسلُ(٦) عندَ مَن يصححهُ ونحوهُ على رأي الفقهاءِ، فلمْ يجمع وإنْ كان مانعًا(٧).
قلتُ : وقد تبينَ أَنَّه دخَل فيه الحسنُ لذاتهِ كما مضى(٨)، وحديثُ من لم يكنْ
مشهورًا بالرواية .
ومالكٌ يخالفُ فيه فلم يمنع، وإنْ أجيبَ عنه بأنَّهُ حدٍّ على رأيٍ أهلِ الحديثِ
لم يفدْ إلا أن يراد جمهورهم.
والحاصلُ : أَنَّ ابن دقيقِ العيدِ اعترضَ على عبارة ابنِ الصلاحِ بشيئينٍ :
أحدهما : إنَّ تقييدهُ بأهلِ الحديثِ لا يفيدُ، بل ينقصُ مِنَ المعنى شيئًا ينبغي
تحصيلةُ، وهوَ أَنَّ الحديثَ الجامعَ لهذهِ الأوصافِ صحيحٌ عند مَن لا يشترطُ/
١٢ ب/ بعضَ هذهِ الشروطِ مِنَ الفقهاءِ من بابِ الأولى.
(١) انظر: نكت الحافظ ابن حجر ٢٤١/١ - ٢٤٢ وبتحقيقي: ٦٩ - ٧٠.
(٢) من قوله: ((من المعتزلة وغيرهم ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٤/١.
(٥) عبارة: ((لم يقيد بالإجماع)) لم ترد في (ك).
(٦) في (أ): ((المراسيل)).
(٧) عبارة: ((وإن كان مانعًا)) لم ترد في (ك).
(٨) عبارة: ((الحسن لذاته كما مضى، و)) لم ترد في (ك).

٨٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
والثاني: إنَّ تعريفهُ غيرُ جامعٍ؛ لخروجِ المرسلِ، وابنُ الصلاحِ قد صرّحَ بأَنَّ
بعضَّ أهلِ الحديثِ يصححهُ كمالكِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في قبولها
الاعتراضين؛ فإنَّه قال بعدَ التعريفِ بما ذكّر: ((فهذا هو الحديثُ الذي يحكمُ لهُ
بالصحةِ بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ، وقد يختلفونَ في صحَّةِ بعضِ الأحاديثِ ؛
لاختلافِهم في وجودٍ هذهِ الأوصافِ فيه، أو لاختلافهم في اشتراطِ بعضٍ هذه
الأوصافِ كما في المرسلِ))(١) .
وقال الشيخُ في ((النكت))(٢): ((اعترض عليه - أي: في تعريفه للصحيحٍ -
بأنَّ من يقبلُ المرسلَ لا يشترطُ أنْ يكونَ مسندًا، وأيضًا اشتراطُ سلامتِه مِن الشذوذِ
والعلةِ إنما زادها(٣) أهلُ الحديثِ، كما قاله ابنُّ دقيقِ العيدِ في ((الاقتراحِ)) قال: وفي
هذين الشرطينِ نظرّ(٤)). إلى آخر كلامِه.
والجوابُ : أَنَّ مَنْ يصنفُ في علم الحديثِ إنما يذكرُ الحدَّ مِن عندٍ أهلهِ، لا
منْ عند غيرهم مِنْ أهلِ علمٍ آخرَ، وفي ((مقدمةٍ مسلمٍ)): ((أَنَّ المرسلَ في أصلِ
قولنا، وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ ليسَ بحجةٍ))(٥)، وكونُ الفقهاءِ. والأصوليينَ لا
يشترطونَ في الصحيحِ هذينِ الشرطينِ، لا يُفسدُ الحدَّ عندَ مَنْ يشترطهما، على أَنَّ
المصنفَ قدِ احترزَ عن خلافِهِمْ، وقالَ بعدَ أنْ فرعَ منَ الحدِّ، وما يحترزُ به عنهُ:
((فهذا هوَ الحديثُ)) إلى آخرِ ما نقلتُه أنا عنهُ آنفًا، قالَ: فقدٍ احترزَ المصنفُ عما
اعترضَ بهِ عليهِ فلمْ يبقَ للاعتراضِ وجهٌ، واللَّهُ أعلمُ .
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.
(٢) التقييد والإيضاح: ٢٠.
(٣) في جميع النسخ الخطية: ((زاده))، والمثبت من ((التقييد والإيضاح)).
(٤) الاقتراح: ١٥٣.
(٥) مقدمة صحيح مسلم ٣٠/١.

٨٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وقولُه: (بلا خلاف)(١) إنما قيد نفيَ الخلافِ بأهلِ/١٣أ/ الحديثِ؛
لأَنَّ غيرَ أهلِ الحديثِ قد يشترطونَ شروطًا زائدةً على هذهِ كاشتراطِ العددِ في
الرواية كما في الشهادةِ، ثمّ قالَ: على أنَّهُ قد حكيَ أيضًا عن بعضِ أصحابٍ
الحديثِ .
قالَ البيهقي في ((رسالتهِ إلى أبي محمدٍ الجويني)): ((رأيتُ في ((الفصولِ))
التي أملاها الشيخُ حكايةً عن بعضٍ أصحابِ الحديثِ أنَّه يشترطُ في قبولِ الأخبارِ ،
أنْ يروي عدلانٍ عن عدلينٍ حتى يتصلٍ مثنى مثنى برسولِ اللَّهِ وَّهِ وَلَم يذكرْ قائلهُ))
إلى آخر كلامِه، وكان البيهقيُّ رآهُ في كلامٍ أبي محمد الجويني، فنبههُ على أَنَّهُ لا
يعرفُ عن أهلِ الحديثِ.
وقولُه: (وقد يختلفونَ)(٢) إلى آخره، يريدُ بقوله: ((هذهِ الأوصافُ أوصافُ
القبول التي ذكرها في حدِّ الصحيح، وإنما نبهتُ على ذلكَ، وإنْ كانَ واضحًا؛
لأني رأيتُ بعضهمْ قد اعترضَ عليهِ، فقالَ: إِنَّهُ يعني الأوصافَ المتقدمةَ مِن إرسالٍ،
وانقطاع، وعضلٍ، وشذوذٍ، وشبهها، قالَ: وفيهِ نظرٌ مِنْ حيثُ إنَّ أحدًا لم يذكر أنَّ
المعضلَ، والشاذَّ، والمنقطعَ صحيحٌ، وهذا الاعتراضُ ليسَ بصحيح؛ فإنَّه إنما أرادَ
أوصافَ القبول كما قدمتهُ، وعلى تقديرٍ أنْ يكونَ أرادَ ما زعمَ فمن يحتجّ بالمرسلِ لا
يتقيدُ بكونهِ أرسلهُ التابعيُّ، بل لو أرسلهُ أتباُ التابعينَ احتجّ به، وهوّ عندهُ صحيحٌ،
وإنْ كانَ معضلًا، وكذلكَ منْ يحتجُ بالمرسلِ يحتجُ بالمنقطعِ، بلِ المنقطع
والمرسلُ عندَ المتقدمينَ واحدٌ ، وقالَ أبو يعلى الخليليُّ القزوينيُّ في ((الإرشادِ))(٣):
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٤/١.
(٢) التقييد والإيضاح: ٢١.
(٣) انظر: الإرشاد ١٧٤/١ وما بعدها.

٨٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
((إن الشاذّ ينقسمُ إلى صحيح، ومردودٍ))/١٣ب/ فقولُ هذا المعترض أَنَّ أحدًا لا
يقولُ في الشاذُّ أنَّه صحيحٌ مردودٌ بقولِ الخليليّ المذكورِ، واللهُ أعلمُ))(١). انتهى
كلامُ ((النكتِ))(٢).
قولُه :
١٤- وبَالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا فِي ظَاهِرٍ لَّا الْقَطْعَ، وَالْمُعْتَمَدُ
بِأنّهُ أَصَحُّ مُطْلَقًا، وَقَدْ
١٥- إمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلى سَنَدْ
عَنْ نَافِعِ بِمَا رَوَاهُ النَّاسُِ
١٦- خَاضَ(٣) بِهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ مَالِلُ
الشَّافِعِي قُلْتُ: وعَنْهُ أَحْمَدُ
١٧- مَوْلَاهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ
الجارُ في ((بالصحيحِ))، يتعلقُ بـ((قصدوا)) وفي ((ظاهرٍ)) يتعلقُ بمحذوفٍ،
و ((القطعُ)) معطوفٌ على ذَلِكَ المحذوفِ معَ متعلقهِ، تقديرهُ: وقصدَ النقاد
بالصحيحِ والضعيفِ في قولهم: هذا حديثٌ صحيحٌ، هذا حديثٌ ضعيفٌ ، الصحةَ
والضعفَ في ظاهرِ الحكمِ، ولم يقصدوا القطعَ بصحتهِ، وضعفهِ .
قلتُ: أو هوَ معطوفٌ على محلٌّ في ظاهرٍ، أي: قصدوا الصحةً ظاهرًا لا
قطعًا ، واللهُ أعلمُ .
قال ابنُ الصلاحِ: (( ومتى قالوا: هذا حديثٌ صحيحٌ، فمعناهُ: أنَّهُ اتصلَ سندهُ
مع سائرِ الأوصافِ المذكورةِ ، وليسَ مِنْ شرطهِ أنْ يكونَ مقطوعًا بهِ في نفسِ الأمرِ ؛
إذ منهُ ما ينفردُ بروايتهِ عدلٌ واحدٌ ، وليسَ منَ الأخبارِ التي أجمعتِ الأُمةُ على تلقيها
بالقبول ))(٤) . انتهى .
(١) التقييد والإيضاح: ٢١.
(٢) من قوله: (( والحاصل: أن ابن دقيق العيد .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) في النفائس: ((خُصّ)) والوزن بها مستقيم.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.

٨٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وهو موافقٌ لقولِ الشافعيّ في ((الرسالةِ)) (١) في بابٍ تثبيتٍ خبرِ الواحدِ: ((إِنَّهُ
لو شكَّ فيهِ شاٌّ، قلنا: ليس لكَ عالمًا أنْ تشكَّ، كما ليسَ لكَ إلا أنْ تقضيَ
بشهادةِ العددِ ، وإنْ أمكنَ فيهمُ الغلطُ ، ولكنْ تقضي بذلكَ على الظاهرِ منْ صدقهمْ،
واللهُ وليُّ ما غابَ عنكَ منهمْ))(٢).
قولُه: (خلافًا لمنْ قالَ: إنَّ خبرَ الواحدِ يوجبُ العلمَ الظاهر)(٣)
قالَ شيخنا: ((إنما يكونُ ذَلِكَ مخالفًا، لو قيلَ: يفيدُ العلمَ، وأطلقَ، فأما الظاهرُ
وهو غلبةُ الظنِّ على صحتهِ، فلا خلافَ في أَنَّهُ يفيدهُ/١٤أ/، لكن حكوا في
الأصولِ عنْ أحمدَ وقومٍ مِنْ أهلِ الحديثِ القولَ بأنَّهُ يفيدُ العلمَ اليقينِيَّ،
فاللهُ أعلمُ بمرادِ الكرابيسيّ(٤)؛ فإنَّ العبارة المذكورةَ هنا عنه لا تصرح
بالمقصودِ، وقد نُقِلَ عن أبي بكرِ القفالِ(٥) مثلها، وأَوَّلَ ذَلِكَ بغالبٍ
الظنِّ؛ لأنَّ العلمَ لا يتفاوتُ، وبهذا التأويلِ صرَّح ابنُ فوركَ(٦)،
(١) الرسالة (١٢٦١) وفي النقل تصرف.
(٢) من قوله: ((قلت: أو هو معطوف .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٥/١.
(٤) هو الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي الشافعي، فقيه أصولي محدّث، توفي سنة
(٢٤٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ٧٩/١٢.
(٥) هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله، المروزي الخراساني، أبو بكر القفال، توفي سنة (٤١٧ هـ) وقد
سمي بالقفال؛ لأنّه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره وبرع في صناعتها حتى صنع قفلًا بآلاته
ومفتاحه وزن أربع حبات، فلما صار ابن ثلاثين سنة، أنس من نفسه ذكاءً مفرطًا وأحب الفقه،
فأقبل على قراءته حتى برع فيه، وصار يضرب به المثل، وهو صاحب طريقة الخراسانيين في الفقه .
انظر: سير أعلام النبلاء ٥٠٤/١٧ - ٦٠٤، وشذرات الذهب ٢٠٧/٣ - ٢٠٨.
٠
(٦) هو محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني المتكلم صاحب التصانيف في الأصول والعلم، توفي
سنة (٦٠٤هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢١٤، وشذرات الذهب ١٨١/٣.

٩٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
والصيرفيُّ(١)، وممنْ نقلَ إفادتهُ العلمَ عنِ الكرابيسيِّ: ابنُ عبدِ البرِّ، وابنُ حزمٍ عنْ
داود، والحارث بن أسدٍ، وحكاهُ ابنُ خويز مندادُ، عن مالكِ، وفي نقلهِ عن
الحارث نظرٌ، فقد صرَّح في کتابه « فهم السننِ» بخلافهِ، وما حکاهُ ابنُ خويز مندادُ
عن مالكٍ نازعةُ فيهِ المازريُّ، وقالَ: لم نعثر لمالكِ فيهِ على نصِّ، وممنْ نقلهُ عن
أحمدَ الباجيُّ، وحكى أبو الحسنِ السهيليُّ(٢) مِن الشافعيةِ في كتابه ((أدبِ
الجدلِ )): أَنَّ خبرَ الواحدِ يوجبُ العلمَ بشرطِ أنْ يكونَ في إسنادهِ إمامٌ مثلُ مالكٍ
وأحمدَ، وسفيانَ، وإلا فلا يوجبهُ، وهذا غريبٌ .
ونقَل الشيخُ أبو إسحاقَ في ((التبصرة)) عن بعضٍ أهلِ الحديثِ أَنَّ منها - أي :
أخبارِ الآحادِ - ما يوجبُ العلمَ كحديثٍ مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، وما
أشبههُ .
قالَ بعضُ المتأخرينَ: ويحتملُ أنْ يكونَ هذا هوَ القولَ الذي حكاهُ السهيليُّ .
قولُه: (هذا الباب)(٣) ، أي: بابُ تحريرِ معاني العلم، والظنِّ والشكُّ، وما
شاكلها(٤) .
قولُه : (نعم، إنْ أخرجهُ الشيخانِ، أو أحدُهما، فاختارَ ابنُ الصلاحِ القطعَ
بصحتِه)(٥) ، أي: اختار أنَّه يفيدُ العلمَ النظريَّ، أي: علمنا بسببٍ احتفافهِ بالقرائن،
(١) الصَّيرَفي: بفتح الصاد وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء وفي آخرها فاء هذه نسبة معروفة لمن
يبيع الذهب وهم الصيارفة، ونسب إلى هذه النسبة أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الفقيه الشافعي
المعروف، بغدادي له تصانيف في أصول الفقه، وكان فهمًا عالمًا .
انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٥٨/٢، ووفيات الأعيان ٣٢٨/٢.
(٢) جاء في حاشية (أ): ((وما هو شارح السير، فإن هذا شافعي وشارح السير مالكي)).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٥/١.
(٤) من قوله: ((فإن العبارة المذكورة هنا .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٥/١ - ١٠٦.

٩١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أنَّ النبي /١٤ ب/ وَّرِ قالهُ علمًا يقينيًا نظريًّا كما سيأتي في قوله: (واقطع بصحةٍ لما
قد أسندا)(١).
قولُه: (لجوازٍ صدقِ الكاذبٍ)(٢)، أي: فيما ضعفَ ؛ بسببٍ كذبٍ راويهِ،
وإصابة منْ هوَ كثيرُ الخطأ فيما ردًّ بسببٍ كثرةٍ خطأ ناقلهِ، ونحو ذَلِكَ مِنْ أسبابٍ
الضعف .
قولُه: (في كلِّ فردٍ فردٍ)(٣)، أي: في كلِّ واحدٍ واحدٍ مِن رجالٍ الإسناد
الكائنينَ مِنْ ترجمةٍ واحدةٍ .
قولُه: (بالنسبةٍ)(٤)، أي: يعزُّ وجودُ أعلى الصفاتِ مِنَ الضبطِ، والعدالةِ،
والاتصال، وعدمِ العلةِ، والشذوذٍ في راوٍ بسببٍ نسبتهِ إلى جميعِ الرواةِ الموجودينَ
في عصرهٍ ، أي: لا يتحققُ، أو يظنُّ أَنَّ هذا الراوي حازَ أعلى الصفاتِ حتى يوازيَ
بينهُ وبينَ كلٌّ فردٍ فردٍ مِنْ جميعِ أهلِ عصرهٍ، ويعلمَ أنَّهُ أعلى من كل منهمْ في كلِّ
صفةٍ مِنْ تلكَ الصفاتِ، وهذا يستحيل عادةً.
قولُه: (فاضطربتْ أقوالهمْ)(٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((الصحيحُ يتنوعُ إلى متفقٍ
عليهِ، ومختلفٍ فيهِ(٦) كما سبقَ ذكرهُ))(٧)، أي: في قولِه بلا خلافٍ بينَ أهلٍ
(١) التبصرة والتذكرة (٤٠).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٦/١.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٦/١ و((فرد)) الثانية مجرورة بالمجاورة.
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٦.
1
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٦/١.
(٦) انظر تفصيل ذَلِكَ في: المدخل إلى كتاب الإكليل: ٢٩ - ٤٣، ونكت الزركشي ١٢٥/١-
١٢٨.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠.

٩٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الحديثِ(١): ((ويتنوعُ إلى مشهورٍ، وغريبٍ، وبينَ ذَلِكَ، ثم إِنَّ درجاتِ الصحيح
تتفاوتُ في القوةِ بحسبٍ تمكنِ الحديثِ مِنَ الصفاتِ المذكورةِ التى تنبني الصحةُ
عليها، وتنقسمُ باعتبارِ ذلكَ إلى أقسامٍ، يُستعصى إحصاؤها على العادِّ الحاصرِ،
ولهذا نرى الإمساكَ عنِ الحكمِ لإسنادٍ، أو حديثٍ بأنَّهُ الأصحُ على الإطلاق(٢)،
على أَنَّ جماعةً مِنْ أئمةِ الحديثِ خاضوا غمرة(٣) ذَلِكَ، فاضطربتْ أقوالُهم(٤)))(٥)،
أي: ولو كانَ استقراء من استقرأ منهم تامًّا لما اضطربتْ الأقوالُ، غايتهم: أَنَّ كلَّ
واحدٍ منهم غلبَ على ظنّه في إسنادٍ ما أنَّهُ أصحُ(٦) باعتبار كثرةٍ ممارستهِ لحديثٍ
رجالٍ ذلكَ الإسناد، فحكمَ بأصحيتهِ لذلكَ، أو/ ١٥أ/ لأمرٍ أخرَ ككونِ السندِ
(١) رجع النص إلى ابن الصلاح.
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ١٠٦/١: ((القول المعتمد عليه المختار: أنه لا يطلق على
إسناد معين بأنه أصح الأسانيد مطلقًا؛ لأن تفاوت مراتب الصحة مترتب على تمكن الإسناد مِنْ
شروط الصحة ؛ ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل فرد فرد مِنْ ترجمة واحدة بالنسبة لجميع
الرواة » .
وانظر: نكت الزركشي ١٣١/١ - ١٥٧، والتقييد والإيضاح: ٢٢، ونكت ابن حجر ٢٤٧/١-
٢٦٢، وبتحقيقي : ٧٣ فما بعدها .
(٣) خاضوا، أي: اقتحموا. تاج العروس مادة (خوض).
والغمر من الماء: خلاف الضحل، وهو الذي يعلو منْ يدخله ويغطيه. وغمر البحر: معظمه،
والغمرة الشدة، والماء الكثير، انظر: لسان العرب مادة (غمر)، والمعجم الوسيط مادة (غمر).
وبين السيوطي في شرح ألفية العراقي معنى هذا فقال: ((أي: مشوا فيه، مِنْ تشبيه المعقول
بالمحسوس ، للإشارة إلى أنَّ المتكلم في ذَلِكَ كالخائض في الماء، الماشي في غير مظنة المشي،
وهو يؤذن بعدم التمكن، ولهذا اختلفوا فيه على أقوال كثيرة)).
(٤) من قوله: ((عبارة ابن الصلاح .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ٨٠ - ٨١.
(٦) عبارة: ((أنه أصح)) لم ترد في (ك).

٩٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
حجازيًّا، وكان جماعةٌ لا يقدمونَ على حديثِ الحجازِ شيئًا، حتى قال مالكٌ:
((إذا خرَج الحديثُ عنِ الحجازِ انقطعَ نخاعهُ))(١)، أو كما قالَ. هكذا حفظتهُ
عن شيخنا، ثمَّ رأيتُ في كتابٍ(٢) ((ذمّ الكلامِ)) لشيخ الإسلامِ الأنصاريِّ هذا
الكلامَ عنِ الشافعيِّ، ولفظهُ: ((إذا لم يوجدْ للحديثِ في الحجازِ أصلٌ ذهَب
نخاعهُ))(٣).
وعنه (٤) أَنَّهُ قالَ: ((كلُّ حديثٍ جاءَ منَ العراقِ وليسَ لهُ أصلّ في الحجازِ فلا
تقبلهُ، وإنْ كانَ صحيحًا، ما أريدُ إلا نصيحتكَ))(٥)، فاللهُ أعلمُ .
وقد اعترضَ على ابنِ الصلاحِ بأنَّ الحاكمَ وغيرهُ، ذكروا أَنَّ هذا بالنسبةِ إلى
الأمصارِ، أو إلى الأشخاصِ، وإذا كان كذلكَ، فلا يبقى خلافٌ بينَ هذهِ الأقوالِ .
قال الشيخُ في ((النكتِ))(٦): ((وليسَ(٧) بجيدٍ؛ لأَنَّ الحاكمَ لم يقلْ: إنَّ الخلافَ
مقيدٌ بِذَلِكَ، بل قال: لا ينبغي أنْ يطلقَ ذَلِكَ وينبغي أَنَّ يقيدَ بذلكَ(٨) فهذا لا ينفي
الخلافَ المتقدمَ، وأيضًا ولو قيدناه بالأشخاصِ، فالخلافُ موجودٌ، فيقالُ: أصحُ
أسانيدِ عليٍّ رضي الله عنه كذا، وقيل: كذا، وأصحُ أسانيدِ ابنِ عمر - رضي اللَّه
عنهما - كذا، وقيلَ كذا، فالخلافُ موجودٌ، واللهُ أعلمُ)). انتهى.
(١) انظر: تدريب الراوي ٨٥/١.
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) تدريب الراوي ٨٥/١.
(٤) جاء في حاشية (أ): ((أي: عن الشافعي)).
(٥) تدريب الراوي ٨٥/١.
(٦) التقييد والإيضاح: ٢٢.
(٧) كتب ناسخ (أ) في الحاشية: ((أي: الاعتراض)).
(٨) جاء في حاشية (أ): ((أي: بالنسبة إلى الأمصار أو إلى الأشخاص)).

٩٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (وهذا قولُ البخاريِّ)(١) بخطٌّ بعضٍ أصحابنا، رواهُ عنه الحاكمُ في
((علوم الحديثِ)) (٢)، والخطيبُ في ((الكفايةِ))(٣) بإسنادينٍ صحيحينٍ، وروى
الخطيبُ في ((الكفاية))(٤) عن يحيى بن بكيرٍ أَنَّه قال لأبي زرعةَ الرازيِّ: (( يا أبا زرعةً
ليس ذا زعزعة عنْ زوبعةٍ إنما ترفعُ السترَ فتنظر إلى النبي ◌َّه والصحابةِ، حدثنا
مالكٌ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ رضي اللَّه عنهما))(٥).
قولُه: (الأستاذ أبو منصورِ التميمي)(٦) أنهُ أجلُ الأسانيدِ هذا مُسَلَّمٌ، لكن لا
ينهضُ دليلاً على الأصحيةِ؛ لأنها أخصُّ، والأجليةُ تكونُ مِن/١٥ب/ جهاتٍ
عديدةٍ، والشافعيُّ - رحمهُ اللَّهُ - وإن كان قد حازَ الكمالَ في شروطِ الصحةِ ، وزادَ
على ذَلِكَ بما آتاهُ اللَّهُ تعالى منَ العلم الذي لا يجارى فيه، والفطنة التي كأنها
الكشفُ، لكن غيرهُ يشاركهُ في الضبطِ الذي هوَ محطّ الصحةِ، ويزيدُ بكثرةٍ
ممارسةِ حديثٍ مالكِ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ: ((أثبتُ الناسِ في مالكِ القعنبيُّ))(٧)،
أي: باعتبارٍ قدرٍ زائدٍ على كمالِ الضبطِ وهو طولُ الملازمة له، وكثرةُ الممارسةِ
لحديثه، فالشافعيُّ - رحمهُ اللَّهُ - أخَذ عن مالكٍ في أوائلِ عمرهٍ، وكانتْ قراءتهُ
عليهِ مِن أوائلٍ قراءتهِ للحديثِ، ولم يلازمةُ ملازمةَ القعنبيّ وابنٍ وهبٍ، ولا قريبًا
منها .
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٧.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٣.
(٣) الكفاية (٥٦٣ت، ٣٩٨هـ).
(٤) الكفاية (٥٦٥ت، ٣٩٩هـ).
(٥) من قوله: ((وقد اعترض على ابن الصلاح ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة ١٠٧/١.
(٧) تقريب التهذيب (٣٦٢٠).

٩٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قلتُ(١): فقولُ البلقينيّ في كتابهِ ((محاسنِ الاصطلاح))(٢): ((لا يقالُ:
فالقعنبيُّ وابنُ وهبٍ لهما القعددُ(٣) في الروايةِ عن مالكٍ؛ لأنا نقولُ: وأينَ تقعُ
رتبتهما مِنْ رتبة الإمام(٤) الشافعيّ))(٥)، فيهِ نظرّ؛ لما علمتَ من (٦) أَنَّ الترجيح
فيهما إنما هوَ باعتبارٍ طولِ الملازمةِ، وكثرةِ الممارسةِ، وهذا لا ينقصُ مِنْ مقدارٍ
الشافعيّ .
وأما زيادةُ إتقانِ الشافعيّ فلا يشكُّ فيها مَن له علمٌ بأخبارِ الناسِ، فقد كانَ
أكابرُ المحدِّثينَ يأتونهُ، فيذاكرونه بأحاديثَ أشكلتْ عليهم، فيبينُ لهم ما أشكلَ،
ويوقفهم على عللٍ غامضةٍ، فيقومونَ وهم يتعجبونَ منه، كما هوَ مشهورٌ في
ترجمتهِ ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: ((سمعتُ ((الموطأَ)) منَ الشّافعيِّ))، وذَلِكَ بعدَ سماعهِ
لهُ مِنْ عبدِ الرحمانِ بنِ مهدي، ووجود الرواةِ لهُ عنْ مالكِ بكثرةٍ، وقالَ: ((سمعتهُ
منهُ لأَنِّي رأيتهُ فيهِ ثبتًا، فعللَ إعادتهُ لسماعهِ وتخصيصها بالشافعي بأمرٍ يرجعُ إلى
الثبتِ))(٧) فتعليله بذلكَ أقلّ ما يفهمُ منهُ: أنَّ الشّافعيَّ مساوٍ لابنِ مهديٍّ في الثبتِ
في حديثٍ مالكِ إنْ لم نقلْ: إِنَّهُ يقتضي زيادتهُ عليهِ في الثبتِ ، إذ لو كان مساويًا
/١٦ أ/ لكانتِ الإعادةُ تحصيلاً للحاصلِ، وقولُ أحمدَ: ((رأيتهُ فيهِ ثبتًا)) وَرَدَ على
سؤالٍ ، فلا يكونُ لتقييدهِ بقيد مفهومًا .
(١) لم ترد في (ك).
(٢) عبارة: ((في كتابه محاسن الاصطلاح)) لم ترد في (ك).
(٣) أي: الأصالة والرسوخ.
(٤) لم ترد في (ك) و(ف).
(٥) محاسن الاصطلاح: ٨٦.
(٦) لم ترد في (أ) و(ك).
(٧) انظر: تدريب الراوي ٨٠/١.

٩٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قالَ البلقينيُّ: ((وأبو حنيفةً وإنْ روى عن مالكٍ - كما ذكرهُ الدارقطني - فلمْ
تشتهر روايتهُ عنه، كاشتهارٍ روايةِ الشافعيّ))(١) انتهى(٢).
وأبو منصورٍ التميميُّ البغداديُّ القائلُ هذا كان منَ الجامعينَ لفنونِ العلمِ منَ
الفقهِ، والأصولٍ، والأدبِ، والنحو، والحساب، وغيرها، ماتَ سنة سبعٍ وعشرينَ
وأربعٍ مائةٍ(٣) .
قولُه : (قلتُ: وعنهُ أحمدُ)(٤) ينازُ فيهِ أيضًا: بمثل ما تقدمَ في حقِّ الشافعيّ
سواء، فيسلَّم أَنَّ أحمدَ أجلَّ الرواةِ عنِ الشافعيّ، وأثبتُ في حدٍّ ذاتِهِ، لكنَّ غيرَهُ
أثبتُ منهُ في حديثِ الشافعيّ، باعتبارِ زيادتهِ عليهِ في طولِ الممارسةِ كالربيع مثلاً،
واللهُ أعلمُ .
قالَ شيخُنا: ((وابن الصلاح يرى أَنَّ خوضهمْ في ذَلِكَ لا فائدةَ فيه(٥)، وهوَ
حسنٌ بالنسبةِ إلى ابتغاء الإمساكِ عن مثلِ ذلكَ(٦)، ولكنْ وإنْ كنا نمنعُ الإقدامَ على
الجزم بأنَّ سندًا أصحُ الأسانيدِ ، فلهُ عندي فائدةٌ جليلةٌ تدخلُ في الترجيح، وهي أَنَّا
استفدنا مِنْ مجموع أقوالهمْ أَنَّ غيرَ ما حكموا بأصحيتهِ مرجوح بالنسبةِ إليهِ، ولم
(١) محاسن الاصطلاح: ٨٦.
-
(٢) زاد الحافظ ابن حجر في نكته: ٨٢ بتحقيقي: ((لأن أبا حنيفة لم تثبت روايته عن مالك، وإنما
أورده الدارقطني والخطيب في الرواة عنه؛ لروايتين وقعت لهما عنه بإسنادين فيهما مقال. وهما لم
يلتزما في كتابيهما الصحة ، وعلى تقدير الثبوت فلا يحسن - أيضًا - الإيراد؛ لأن من يروي عن
رجل حديثًا أو حديثين على سبيل المذاكرة، لا يفاضل في الرواية عنه بينه وبين من روى عنه
ألوفًا)) .
(٣) من قوله: ((وأبو منصور التميمي البغدادي .... ) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) التبصرة والتذكرة (١٧).
(٥) في (ك): ((له)).
(٦) عبارة: ((وهو حسن بالنسبة إلى ابتغاء الإمساك عن مثل ذلك)) لم ترد في (ك).

٩٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
يخالفهم غيرهم، فصارتْ مرجوحيةٌ ما سكتوا عنهُ إجماعًا، فإذا وجدنا حديثًا قالَ
أحدُ منْ تكلمَ في ذَلِكَ: إِنَّه أصحُ الأسانيدِ يخالفه حديثٌ لم يقلْ أحدٌ: إِنَّهُ أصحُ
رجَّحنا الأولَ؛ لأنَّ الكلَّ اتفقوا على كونٍ(١) الثاني مرجوحًا بالنسبة إلى مجموعٍ
أقوالهم، ويرجحُ ما قالَ اثنانِ منهمْ: إِنَّهُ أُصح، على ما قال فيهِ ذَلِكَ واحدٌ رتبتُه لا
تساوي رتبتهما في النقدِ والإتقانِ))(٢).
قولُه: (ووقعَ لنا بهذهِ الترجمة حديثٌ واحدٌ)(٣) هو أربعة أحاديثَ أخرجها
البخاريُّ (٤) في أربعةِ مواضعَ، وأخرجها مسلمٌ(٥) مِن حديثِ مالكٍ إلا النهيّ عن
حبلٍ/١٦ ب/ الحبلةِ، فأخرجهُ مِنْ وجهٍ آخرَ(٦)(٧).
(١) في (ك): ((أن)).
(٢) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢٤٧/١ - ٢٤٨، وبتحقيقي: ٧٤.
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٧.
(٤) صحيح البخاري ٩٠/٣ (٢١٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، ولفظه: ((لا يبع
بعضكم على بيع أخيه)».
وأخرجه في: ٩١/٣ (٢١٤٢) من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، ولفظه: ((نهى
عن النجش)).
وأخرجه في: ٩٥/٣ (٢١٦٥) من طريق عبد اللَّه بن يوسف التنيسي، عن مالك، ولفظه: ((لا بيع
بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق ».
وأخرجه في: ٩٦/٣ (٢١٧١) من طريق إسماعيل، ولفظه: ((نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع
الثمر بالتمر کيلًا، وبيع الزبيب بالكرم كيلاً)).
(٥) صحيح مسلم ١٣٨/٤ (١٤١٢) و٥/٥ (١٥١٦) و١٥ (١٥٤٢).
(٦) مسلم ٣/٥ (١٥١٤)، قال: حدثنا یحیی بن یحیی ومحمد بن رمح، قالا : أخبرنا الليث ح،
وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن نافع، عن عبد الله، به .
(٧) من قوله: ((قوله: ووقع لنا .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).

٩٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه :
عَنْ سَالِم أَيْ: عَنْ أبيهِ البَرِّ
١٨- وَجَزَمَ ابْنُ حنبل بالزُّهْرِي
عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
١٩- وَقِيلَ: زَيْنُ العَابِدِينَ عَنْ أَبِهْ
عَنْهُ أوِ الأعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّانِ
٢٠- أَوْ فَابْنُ سِيرِينَ عَنِ السَّلْمَاني
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
٢١- التَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسِ عَلْقَمَهْ
( وجزمَ ابنُ حنبل بالزهريِّ(١))(٢) ربما أشعر لفظَ ((جزمَ)) بأنَّ غيرَ أحمدَ ترددً
فيه، فلو(٣) قالَ: وذهبَ ابنُ حنبل للزهريِّ(٤) كانَ أولى، وقالَ صاحبنا العلامةُ أبو
القاسمِ النويريُّ: ((بل يقولُ: إسحاقُ، معَ أحمدَ قالا: الزهري، فينبةُ على قولٍ
إسحاقَ مِنْ غيرِ زيادةٍ في الأبياتِ)) .
قولُه: (عنْ زين العابدينَ)(٥) إلى آخرِه لو(٦) قالَ: وهو عليٍّ، عنْ أبيهِ
الحسينِ، إلى آخرِه، وأسقطَ لفظَ الحسينِ بعدَ عليٍّ كانَ أولى من حيثُ أَنَّ المبتدئَّ
ومنْ في حكمهِ ربما ظنَّ أَنَّ الضميرَ في أبيهِ يعودُ على أقربٍ مذكورٍ - وهو
الحسينُ - فيزيد على ظنّه النسبَ واحدًا، ويصيرُ هكذا: عليّ بنُ الحسينِ بنِ
الحسين مرتین.
(١) عبارة: ((وجزم ابن حنبل بالزهري)) لم ترد في (ك).
(٢) التبصرة والتذكرة (١٨).
(٣) ((فلو)) لم ترد في (أ).
(٤) لم ترد في (ك).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١١٠/١.
(٦) ((لو)) لم ترد في (أ).

٩٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (وروي أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبةَ)(١) جزَم في عبد الرزاقٍ ؛ لأَنَّ
الإسناد إليهِ صحيحٌ، ومرّض في هذا؛ لأنَّ الإسناد إليهِ فيهِ(٢) رجلٌ مبهم(٣).
قولُه : (بالحديثِ)(٤) أهلُ الحديثِ يطلقونَ على السندِ وحدَه حديثًا .
قولُه: (إِنَّ ضميرَ ((عنهُ)) يعودُ على عليٍّ بنِ أبي طالبٍ)(٥) رضي اللَّه عنه
واضحّ عندَ من لهُ خبرةٌ بالفنِّ مِن حيثُ إنَّ عبيدةَ بنَ عمرٍو، ويقالُ: ابن قيسٍ بنِ
عمروٍ السلمانيّ المراديّ الكوفيّ مشهورٌ بالرواية عنه، ولم يجتمع بالنبيِّ وَ لّه، وأما
غيرُ الخبيرِ فربما ظنَّ أَنَّ الضميرَ للنبي وَلَ(٦) مِن جهةٍ أَنَّ ابنَ سيرينَ تابعيٍّ، وأَنَّ
عبيدةَ - راوي عليٍّ - مخضرمٌ، أدركَ الجاهليةَ، وأسلمَ قبلَ وفاةِ النبيِّ بَّه بسنتينِ،
فربما ظنَّ أَنَّهُ صحابِيٌّ لكبرِ سنِّه، وقِدَمٍ أخبارهِ(٧).
قولُه: (إلا أَنَّ ابنَ المدينيِّ قالَ: أجودها)(٨) إِنْ قيلَ: يكونُ الإسناد جيدًا
باعتبارٍ/١٧ أ/ اشتهارِ رواتهِ بالعلمِ، أوِ الصلاحِ، أو نحوِ ذَلِكَ، ومع ذَلِكَ فقد يكونُ
غيرهمْ أضبطَ منهم، وأحفظَ ، قيلَ: ليسَ الأمرُ كذلكَ، وإنما هذا تفننٌ في العبارةِ،
لا مغايرةَ بينهما عندَ منْ تتبع مواقعَ استعمالهم، فهم(٩) إذا قالوا : هذا حديثٌ جيدٌ ،
أرادوا أنَّهُ قويٌّ، فلا يريدون الجودةَ إلا بمعنى أمرٍ يرجعُ إلى الضبطِ، وإنْ كان
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠.
(٢) (( فيه)) لم ترد في (ف).
(٣) من قوله: ((قوله: وروي أيضًا .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١١٠/١، وعبارته: ((للحديث)).
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠، وساقه بالمعنى.
(٦) من قوله: ((من حيث أن عبيدة .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) من قوله: ((مخضرم أدرك الجاهلية .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠. وانظر: معرفة علوم الحديث: ٥٤.
(٩) ((فهم)) لم ترد في (ف).

١٠٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الجهبذُ منهم لا يعدل عن صحيحٍ إلى جيدٍ إلا لنكتةٍ، كأنْ يرتقيَّ الحديثُ عندهُ
عن الحسن لذاتهِ، ويترددَ في بلوغهِ الصحيح بلا مرية، كما في ((جامع
الترمذيِّ))(١) في الطبِّ: ((حديثٌ جيدٌ حسنٌ))(٢)، فالوصف بجيد، وإن كانَ أنزلَ
رتبةً مِنَ الوصفِ بصحيح، فإنَّ أفعلَ(٣) التفضيل منه، مساويةٌ لأقوى، وأثبتَ ،
ونحوِ ذَلِكَ، وهو بمعنى أصحَّ سواء، كذا قالَ شيخُنا، وفيه نظرّ لا يخفى (٤)، واللهُ
أعلمُ .
تنبيه: وكذلكَ لفظُ ابنٍ معينٍ، قالَ: ((أجودها الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن
علقمةً، عن عبدِ اللهِ))، وكذا نقلَ الحاكمُ(٥) عن أحمدَ بصيغةٍ أجودَ.
(١) ذكر الترمذي ذَلِكَ عقب حديث رقم (٢٠٣٧)، وقال: ((هذا حديث جيد غريب)). إلَّا أنَّ ما
موجود في النسخة المطبوعة من الجامع الكبير بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف قول الترمذي :
((هذا حديث حسن غريب))، وأشار الدكتور بشار في الهامش إلى اتفاق ثلاث نسخ من النسخ التي
اعتمدها في التحقيق على اللفظ الأول؛ ولكنه أثبت اللفظ الثاني استنادًا إلى وجود هذه اللفظة في
نسخة رابعة ، وكذلك موافقة الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء لهذا النقل.
وما ذهب إليه الدكتور من إثبات اللفظ الثاني مجانب للصواب؛ ذَلِكَ لأننا وجدنا في النسخة
الخطية الخاصة بنا من الجامع الكبير أنَّ فيها إثبات اللفظ الأول، وهذه النسخة هي نسخة الكروخي
(ت ٥٤٨هـ)، والتي مكننا من تصويرها أخونا الشيخ الفاضل عبد الرحمان الفقيه - جزاه الله خيرًا
- وهي من أنفس نسخ الكتاب وأجودها، ولو كانَ في الوقت فسحة لحققنا الكتاب على هذه
النسخة النفيسة ، وغيرها من النسخ العتيقة المتقنة.
(٢) من قوله: (( كما في جامع الترمذي ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٣) جاء في حاشية (أ): ((أي: مِنْ أجود)).
(٤) عبارة: (( كذا قال شيخنا، وفيه نظر لا يخفى)) لم ترد في (ك) و(ف).
(٥) معرفة علوم الحديث : ٥٤.