Indexed OCR Text

Pages 21-40

-
:

((بسم الله الرحمن الرحيم
وبالله التوفيق)»
أما بعد: حمداً لله على ما هدى إليه من معرفة السنن. ووفق
في اقتفاء معالمها لسلوك أقصد السنن. والصلاة والسلام على سيدنا
محمد المبعوث بالمعجز الخارق فصاحة اللسن. المنعوت بالعقل
القويم والخلق الحسن، وعلى آله وصحبه الذين لهم على كل من
بعدهم جزيل النعم.
فقد وقع السؤال عن عدة أحاديث مما عده الإِمام أبو محمد
البغوي - رحمه الله - في كتابه الموسوم بالمصابيح من الحسان أوردها
عليه بعض المتأخرين اعتماداً على ذكر الإِمام أبو الفرج بن الجوزي
لها في كتابه الذي جمع فيه على زعمه الأحاديث الموضوعة، وحكم
بأنها كذلك، فنظرت فيها، فإذا غالبها ليس كما ذكر (١).
فعلقت هذه الأوراق مبيناً ما هو الصواب في الحكم على تلك
(١) عبر المؤلف بهذه العبارة، لأن العلماء أخذوا على ابن الجوزي إدخاله بعض الأحاديث
الصحيحة والحسنة في موضوعاته، وقد ألف الحفاظ كتباً للرد على ابن الجوزي منهم
الحافظ العلائي في كتابه هذا، والحافظ ابن حجر في كتابه القول المسدد في الذب عن
المسند، وللسيوطي كتاب التعقبات على الموضوعات، الذي طبع في الهند طبعة حجرية
قديمة .
٢١
..

الأحاديث مستعيناً بالله تعالى، ومتوكلا عليه في جميع الأمور، وبالله
التوفيق .
وقبل الكلام على هذه الأحاديث - نقدم - مقدمات تمهيداً لما
يأتي من البيان بحالها.
الأولى : أن الحديث المحتج به ينقسم إلى صحيح وحسن، وذلك
بحسب تفاوت رجال إسناده في الحفظ والإِتقان، وآداء ما
تحملوه، كما أن الحديث الذي لا يحتج به ينقسم إلى
ضعيف ومنكر وموضوع، بحسب تفاوت رواته في
(الوهم)(١) والغلط والتساهل وتعمد الكذب.
فمن كان في أعلى درجات الإِتقان والحفظ كان ما
تفرد به صحيحاً مركوناً إليه، ومن نزل عن هذه الدرجة
تكون أفراده حسنة، وما تابعه غيره فيه صحيحاً، ومن
نزل عن ذلك يكون ما رواه منكراً أو شاذاً، ومن نقص
عن ذلك يكون حديثه ضعيفاً، والمرجع في ذلك كله إلى
ما حرره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبينوا من
صفاتهم، أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه
مع النقد الصحيح والتصرف الجاري على قواعدهم.
: إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم
الثانية
ـيـ
في كتابيهما الصحيحين فهو صحيح لا ينظر فيه (٢). وإنه
لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن والمسانيد، بل
(١) في الأصل: ما صورته الوهمة.
(٢) قال النووي: هما أصح الكتب بعد القرآن .. تدريب الراوي ٩١/١.
٢٢

هذه الكتب مشتملة على الصحيح والحسن والضعيف،
وفي يسير منها أحاديث واهية جداً، وذلك قليل أو نادر
في سنن النسائي(١)، وما كان فيه ضعف في جامع
الترمذي فبينه وتخرج من عهدته(٢).
وأما سنن أبي داود وابن ماجه، فلا يبينان شيئاً من
ذلك إلا في بعض منها بينها أبو داود، وذكر أن ما سكت
عنه فهو صالح للاحتجاج به (٣). ومقتضى ذلك أنه
يكون حسناً عنده، ولكن لا يلزم منه أن يكون حسناً في
نفس الأمر، لا سيما إذا قوي حال رواته في الضعف.
ومن هذا الوجه تطرق الاعتراض على الإِمام أبي محمد
البغوي - رحمه الله - في كتابه ((المصابيح)) حيث وصف
الأحاديث التي انفرد بها أصحاب السنن بالحسان، وليس
جميعها كذلك، بل فيها ما هو صحيح، وإن لم يكن
مخرجاً في الصحيحين إذ ليس الحديث الصحيح مقصوراً
على ما في الكتابين، بل وراء ذلك أحاديث كثيرة
صحيحة (٤). وفيها - أعني كتب السنن - ما ليس بصحيح
۔
١
(١) انظر مناقشة هذا الموضوع في توضيح الأفكار في بيان شرط النسائي ٢١٩/١.
(٢) توضيح الأفكار ٢٢٤/١ .
(٣) قال أبو داود في رسالته ص ٢٧: وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح.
وقد اختلف الأئمة في حمل عبارة أبي داود، هل يعني به صالح للاحتجاج أو
الاعتبار. ولعل الرأي القوي أنه صالح للاحتجاج، لا سيما وأن أبا داود يحتج
بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره ...
(٤) قال البخاري: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح مخافة
الطول.
٢٣

ولا حسن، بل يكون ضعيفاً أو منكراً أو واهياً، كما
صرح به الترمذي على قطعة من حديثه، وبيَّنه الأئمة
النقاد في کثیر من أحاديث أبي داود وابن ماجه.
وقد بسطت الكلام على هذا الموضع بسطاً شافياً
في مقدمة كتاب نهاية الأحكام (١).
الثالثة
: لا يلزم من كون سند الحديث ضعيفاً أن يكون كذلك في
نفس الأمر، بل قد يكون له سند آخر رجاله ممن يحتج
بهم، وقد ينجبر بسند آخر ضعيف تنتهي بمجموعها إلى
درجة الحسن. وذلك أن ضعف الرواة تارة يكون
لاتهامهم بالكذب، وتارة يكون لنقص إتقانهم
وحفظهم (٢).
فالقسم الأول لا ينجبر بسند آخر فيه مثل رجال
الأول، لأنه انضم كذاب إلى مثله، فلا يفيد شيئاً، بل
ربما يكون بعضهم سرق ذلك الحديث من بعض وادعى
سماعه (٣).
وقال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هنا، إنما وضعت ما أجمعوا
=
عليه. مقدمة ابن الصلاح ص ١٠، تدريب الراوي ٩٨/١.
(١) لم أقف عليه.
(٢) وبالمقابل لا يلزم من كون السند صحيحاً أن يكون المتن صحيحاً، لأنه قد يصح
السند أو يحسن لثقة رجاله دون المتن الشذوذ أو علة.
تدريب الراوي ١/ ١٦١ .
(٣) قال السيوطي: وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا
كان الآخر مثله لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر. نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه =
٢٤

أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط
والوهم، فإنه إذا جاء ذلك الحديث من وجه آخر عن
رجال مقاربين لها، ولا علم أن الوهم بعيد منه انجبر
أحد السندين بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة
الحسن. وسيأتي في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا.
وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن
درجة رجال الصحيح في الحفظ والإِتقان. إذا روى ذلك
بسند آخر مثله في الحسن، ارتقى بمجموعها إلى درجة
الصحة لاعتضاد كل منهما بالآخر.
الرابعة : الحكم على الحديث بكونه موضوعاً من المتأخرين عسر
جداً، لأن ذلك لا يتأتى إلا بعد جمع الطرق وكثرة
التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق
الواحد، ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب إلى ما
ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة، يقتضي للحافظ المتبحر
الجزم بأن هذا الحديث كذب. ولهذا انتقد العلماء على
الإِمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه الموضوعات،
وتوسعه بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه
المثابة، بل فيها ما فيه ضعف يحتمل ويمكن التمسك به
في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن، أو
= منكراً أو لا أصل له. صرح به شيخ الإِسلام، قال: بل ربما كثرت الطرق حتى
أوصلته إلى درجة المستور السيء الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف
قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن. تدريب الراوي ١٧٧/١ .
٢٥

قد صححه بعض الأئمة، كما سيأتي في حديث صلاة
التسبيح(١). وفيها ما له طريقين أخرى يقوى بها الحديث
لم يطلع عليها، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في بعض
الأحاديث. فدخلت الآفة عليه من هذه الوجوه وغيرها،
ويجيء بعده من لا يد له في علم الحديث فيقلده فيما
حكم به من الوضع، وهذا بخلاف الأئمة المتقدمين
الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في
حفظه، كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد
الرحمن بن مهدي، ونحوهم. ثم أصحابهم مثل أحمد بن
حنبل، وعلي بن المديني(٢)، ويحيى بن معين،
وإسحاق بن راهوية، وطائفة منهم. ثم أصحابهم مثل
البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي.
وكذلك إلى زمن الدارقطني، والبيهقي، ممن لم يجيء
بعدهم مساو لهم بل ولا مقارب - رحمة الله عليهم.
فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث
بشيء كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ العظيم، والإطلاع
الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح، وهذا التعذر
إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث جداً
يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك ممن كثرت
ممارسته لهذا الفن. وهو حال كتاب الموضوعات لابن الجوزي. والله
أعلم.
(١) الحديث رقم ٣.
(٢) في الأصل: المقدسي. وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
٢٦

ومن هنا نشرع في بيان الأحاديث التي انتقدت على صاحب
المصابيح، وما ينبغي الحكم عليها به. ومن الله العون (١).
فمنها حدیث:
١ - ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإِسلام نصيب: المرجئة،
والقدرية)).
وهذا الحديث ذكره أبو الفرج في الموضوعات بسند فيه
مأمون - أحد الكذابين، وذكره في كتابه الذي سماه العلل
المتناهية في الأحاديث الواهية، من طريق سلام بن أبي عمرة عن
عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق علي بن نزار بن حبان عن
أبيه عن عكرمة .
وضعف الأول بأن سلام بن أبي عمرة قال فيه يحيى بن
معين: ليس بشيء، وبأن علي بن نزار راوي االثانية واه(٢).
ثم قال: ورواه النضر بن سلمة، وهو متروك عن
محمد بن بكر. وذكر سنداً إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس -
رضي الله عنهما(٣).
وحديث علي بن نزار رواه الترمذي في جامعه، ولم ينفرد
(١) من دراستي لمقدمة الحافظ ابن حجر لأجوبته التي أجاب بها السائل عن الأحاديث
المنتقدة في المصابيح، وجدت الفرق بين هاتين المقدمتين طفيفاً.
(٢) لم يذكر العلائي نص ما قاله ابن الجوزي في علله، حيث قال: هذا حديث لا يصح
عن رسول الله - ◌َّ ـ ونزار وعلي بن نزار والقاسم ابن حبيب وسلام، كلهم ليس
بشيء.
العلل المتناهية ١٥٢/١ .
(٣) المصدر السابق ١٥٣/١.
٢٧

به علي بن نزار بل تابعه فيه القاسم بن حبيب التمار،
وعبد الله بن محمد الليثي، كلاهما عن نزار بن حيان. رواه ابن
ماجه من طريقهما(١).
والقاسم بن حبيب هذا وثقه أبو حاتم بن حبان وغيره
تكلم فيه(٢).
وعبد الله الليثي لم أر أحداً تكلم فيه(٣).
والترمذي قال في هذا الحديث بعد سياقه: هذا حديث
حسن غريب (٤). وفي الباب عن عمرو بن عمرو، ورافع بن
خدیج - رضي الله عنهم.
فهذه المتابعات وتحسين الترمذي له يخرج الحديث عن أن
يكون موضوعاً أو واهياً. والله أعلم.
(١) رواه ابن ماجه في باب في الإِيمان. السنن ٩/١.
(٢) قال فيه الحافظ: لين، من السادسة . - ت - تقريب التهذيب ص ٢٧٨ .
(٣) قال الحافظ: مجهول، من السابعة . - ق - تقريب التهذيب ص ١٨٨.
(٤) انظر باب ما جاء في القدرية. تحفة الأحوذي ٣٦٢/٦.
قلت: هذا الحديث مداره على نزار بن حبان. قال فيه ابن حبان: منكر الحديث
جداً، يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها،
لا يجوز الاحتجاج به بحال.
أما المتابعات التي ذكرها العلائي، فهي واهية إذ أننا لم نر من تابع نزاراً، بل توبع
ابنه، وهذه المتابعات ليست بشيء لا سيما وإن في إحدى طرقها مجهول. ولنقف على
قول ابن حبان في نزار.
انظر المجروحون ٥٦/٣.
٢٨

ومنها حدیث:
٢ - ((القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا
فلا تشهدوهم))(١) .
هذا الحديث ليس بموضوع. بل له طرق كثيرة ينجبر
بعضها ببعض، وأجودها ما رواه أبو داود في سننه عن
موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن
ابن عمر - رضي الله عنهما (٢).
وهذا الإِسناد رجاله على شرط الشيخين، لكن أبا حازم
لم يسمع من ابن عمر، وهو منقطع(٣).
وقد رواه جعفر الفريابي في كتاب ((القدر)) من طريق
زكريا بن منظور عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر به (٤).
وزكريا هذا قال فيه ابن معين: ليس به بأس. وغيره
تكلم فيه(٥). فقد تبين الساقط من سنده في رواية أبي داود.
ورواه بعد ذلك من حديث حذيفة - رضي الله عنه - وفي
(١) أورده ابن الجوزي في علله أيضاً ١٤٤/١، وقال: هذا حديث لا يصح.
(٢) رواه أبو داود في باب في القدر. عون المعبود ١٢/ ٤٥٢.
(٣) قال الحافظ ابن حجر: قال أبو الحسن بن القطان: قد أدركه وكان معه بالمدينة، فهو
متصل على رأي مسلم.
مشكاة المصابيح ٣٠٥/٣.
(٤) لم أقف عليه في نسختي من كتاب ((القدر)).
(٥) قلت: ثبت للحافظ ابن حجر أنه ضعيف بعد دراسة أقوال النقاد فيه. التاريخ
١٧٤/٢، تقريب التهذيب ص ١٠٧ .
٢٩

إسناده بقية بن الوليد عن الأوزاعي(١). وبقية هذا مشهور بأنه
يدلس عن الضعفاء، ولكن تصلح روايته للشواهد.
ورواه جعفر الفريابي بسند آخر جيد عن مكحول عن أبي
هريرة - رضي الله عنه. لكن مكحول لم يسمع من أبي هريرة،
فهو مرسل(٢).
فتتبين بهذه الطريق أن الحديث له أصل، وليس بمنكر،
فضلاً عن أن يكون موضوعاً(٣). والله أعلم.
ومنها حديث:
٣ - ((صلاة التسبيح)) (٤).
وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه
بسند جيد إلى ابن عباس - رضي الله عنهما، وعنه عكرمة. وقد
احتج به البخاري، وعنه الحكم بن أبان، وقد وثقه يحيى بن
معين و(العجلي)(٥) وغيرهما، وعنه موسى بن عبد العزيز، وقد
(١) لم أقف عليه في نسختي من كتاب ((القدر)).
(٢) كتاب القدر ص ٤٦.
(٣) قلت: ثبت للحافظ ابن حجر أنه حسن، ويرى أن مستند من أطلق عليه الوضع
تسميتهم - أي القدرية - المجوس، وهم مسلمون، أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا
في جميع معتقد المجوس.
المصابيح ٣٠٥/٣، المصنوع في معرفة الموضوع ص ١٠٨.
(٤) عون المعبود ١٧٦/٤، سنن ابن ماجه ٤٤٢/١، الموضوعات ١٤٣/٢.
(٥) كلمة غير واضحة ، وأميل إلى أنها: العجلي.
انظر: تهذيب التهذيب ٤٢٣/٢.
٣٠

قال فيه يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به (١). وباقي رواته
متفق عليهم.
وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه(٢).
وقال أبو حامد بن الكرجي: سمعت مسلم بن الحجاج،
وكتب معي هذا الحديث مع عبد الرحمن بن بشربن الحكم عن
موسى بن عبد العزيز، يقول: لا يروى في هذا الحديث إسناد
أحسن من هذا(٣).
وقال الإِمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني: سمعت أبي
يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا. يعني
حديث عكرمة عن ابن عباس (٤).
وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين مصححاً
له، ثم رواه أيضاً من طريق حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي
حبيب عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - وَال
- علم هذه الصلاة جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه
- فذكرها. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه(٥).
(١) تهذيب التهذيب ي ٣٥٦/١٠.
(٢) رواه في باب صلاة التسبيح، وقال: إن صح الخبر فإن في القلب من هذا الإِسناد
شيء ... صحيح ابن خزيمة ٢٢٣/٢.
(٣) وقال الدارقطني: أصح شيء في فضل الصلاة: صلاة التسبيح.
اللآلى المصنوعة ٤٤/٢ .
(٤) مشكاة المصابيح ٣٠٧/٣.
(٥) وزاد: ومما يستدل به على صحة هذا الحديث: استعمال الأئمة من اتباع التابعين إلى
عصرنا هذا إياه، ومواظبتهم عليه، وتعليمهن الناس، منهم عبد الله بن المبارك.
المستدرك ٣١٩/١.
٣١

(وهذان التصحيحان كلاهما) (١) يعارض ذكر ابن الجوزي
له في كتابه ((الموضوعات))، وتبين أنه أخطأ في ذلك ، ولا بد
هو ساقه من ثلاث طرق. منها اثنان في إسناد كل منهما رجل
ضعيف، والثالث: طريق ابن عباس المتقدمة.
واعترض عليها بأن موسى بن عبد العزيز مجهول. وليس
هو كذلك. فقد روى عنه جماعة من الثقات، وتقدم أن ابن
معين والنسائي قالا فيه: لا بأس به. فليس بمجهول قطعاً، ثم
لا يلزم من كونه مجهولاً والآخرين ضعيفين أن يكون الحديث
موضوعاً لا سيما مع تصحيح من تقدم.
وللحديث طرق أخرى كثيرة غير ما ذكرنا.
فأما ما ذكره السائل من أن الإِمام أحمد بن حنبل طعن
فيه. فقد ذكر الخلال في كتاب ((العلل)) أن علي بن سعيد
النسائي قال: سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح فقال:
لم يصح عندي منها شيء. فقلت له حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص. فقال: كل يرويه عن عمروبن مالك
النكري. فقلت: قد رواه أيضاً مستمر بن الريان. فقال: من
حدثك؟ قلت: مسلم بن إبراهيم. فقال: مسلم شيخ ثقة،
وكأنه أعجبه. فهذا تقوية منه للحديث بسند آخر غير ما تقدم.
وقد حكى الترمذي عن الإِمام عبد الله بن المبارك ما
يقتضي تقوية هذا الحديث(٢). وذكر استحباب فعلها من
(١) في الأصل: وهذا التصحيحين كلها.
(٢) قلت: نقل الترمذي عن ابن المبارك ما أورده العلائي، إلا أن الترمذي كان له = ٠
٣٢

٥٠٠
أصحابنا الروياني في البحر، والبغوي في شرح السنة، وذكرها
من أئمة الحنابلة جماعة، منهم: أبو الوفاء بن عقيل، والشيخ
موفق الدين المقدسي، وغيرهما. والله أعلم.
ومنها حديث :
٤ - ((من عزى مصاباً فله مثل أجره))(١).
وهذا ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من حديث ابن
مسعود، وجابر - رضي الله عنهما. وفي سند الأول حماد بن
الوليد، وهو متكلم فيه (٢)، وفي طريق الثاني محمد بن عبيد الله
العرزمي، وهو متهم ليس بثقة(٣).
والحديث الأول رواه الترمذي (٤)، وابن ماجه(٥) من غير
طريق حماد بن الوليد في إسناده عندهما علي بن عاصم عن
محمد بن سوقه، وقد تكلم جماعة من الأئمة في علي بن عاصم
= موقف من هذا الحديث، حيث قال: روى عن النبي - صلر - غير حديث في صلاة
التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء ... تحفة الأحوذي ٥٩٧/٢.
(١) الموضوعات ٢٢٣/٣.
(٢) قال فيه الحافظ الذهبي: ساقط، متهم. دیوان ص ٧٣.
(٣) قال الحافظ: متروك، ليس بثقة. تقريب التهذيب ص ٣٠٩.
(٤) رواه الترمذي، وقال عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث
علي بن عاصم. وروى بعضهم عن محمد بن سوقه بهذا الإسناد مثله موقوفاً ولم
يرفعه. ويقال: أكثر ما ابتلى به علي بن عاصم بهذا الحديث. نقموا عليه ...
تحفة الأحوذي ٤ /١٨٥.
(٥) سنن ابن ماجه ٥١١/١.
:
٣٣

هذا، وذكروا هذا الحديث من جملة ما انتقد عليه، لكن ذكر
الحافظ أبو بكر الخطيب أن هذا الحديث رواه إبراهيم بن مسلم
الخوارزمي عن وكيع بن الجراح عن قيس بن الربيع عن
محمد بن سوقه(١).
وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان في الثقات(٢).
ولم يتكلم فيه أحد.
وقيس بن الربيع صدوق تكلموا فيه(٣). وحديثه يصلح
متابعاً لرواية علي بن عاصم.
والذي يظهر أن هذا الحديث يقارب درجة الحسن، ولا
ينتهي إليه، بل فيه ضعف محتمل. فأما أن يكون موضوعاً
فلا(٤).
ومنها حديث :
٥ - ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)).
وهو في سنن أبي داود والنسائي من حديث عائشة - رضي
(١) تاريخ بغداد ١١ /٤٥١ .
(٢) وقال: يغرب. لسان الميزان ١١١/١ .
(٣) قال الحافظ: صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به.
تقريب التهذيب ص ٢٨٣ .
(٤) أورد السيوطي هذا الحديث في كتابه اللآلىء ٤٢٢/٢، وتكلم عليه كلاماً جيداً،
حيث نقل أقوال الأئمة فيه.
وقد ثبت للحافظ ابن حجر ضعفه. مشكاة المصابيح ٣٠٩/٣.
٣٤

الله عنها(١). وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، وقد
ضعفه علي بن الجنيد، وقال فيه النسائي: ليس به بأس، ووثقه
أبو حاتم بن حبان(٢).
والحديث حسن لا سيما مع تخريج النسائي له(٣). ولا
يجوز نسبته إلى الوضع والاختلاق.
ومنها حديث:
٦ - (يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا
يريحون رائحة الجنة)) (٤).
(١) رواه أبو داود في كتاب الحدود، والنسائي في الكبرى في باب الرجم.
عون المعبود ٣٨/١٢، تحفة الأشراف ٤١٣/١٢.
(٢) الجرح والتعديل ٣٥٠/٢/٢، تهذيب التهذيب ٣٩٣/٦.
(٣) قال ابن القيم - رحمه الله: قال الحافظ صلاح الدين العلائي: عبد الملك بن زيد هذا
قال فيه النسائي لا بأس به، ووثقه ابن حبان. فالحديث حسن إن شاء الله تعالى، لا
سيما مع إخراج النسائي له. فإنه لم يخرج في كتابه منكراً ولا واهياً ولا عن رجل
متروك.
قلت: إن كان ابن القيم نقل هذا من كتاب النقد الصحيح للعلائي. فالكلام
الذي نقله غير موجود في الأصل، وإنما الموجود ما هو مثبت، وهو يقارب هذا
الكلام. وإن كان قد نقله من كتاب آخر للعلائي فلم يبين أي كتاب.
قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي من وجه آخر من رواية عطاف بن خالد
عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمره.
وأخرجه أيضاً من طريق آخر عن عمره، ورجالها لا بأس بهم، إلا أنه اختلف في
وصله وإرساله، فلا يتأتى لحديث يروى بهذا الطرق أن يسمى موضوعاً.
انظر: تحفة الأشراف ١٢ / ٤١٣ - ٤٣١، عون المعبود ٣٩/١٢، مشكاة المصابيح
٣٠٩/٣، المقاصد الحسنة ص ٧٣.
(٤) الموضوعات ٥٥/٣ .
٣٥
؟

وهو أيضاً في سنن أبي داود، والنسائي من طريق عبيد
الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - رفعه(١).
وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وأخطأ في ذلك خطأ
فاحشاً، لأنه بنى ذلك على أن عبد الكريم هو ابن أبي أمية أبو
المخارق البصري، وأنه ضعيف، وليس الأمر كما ظن. بل هذا
عبد الكريم بن مالك الجزري، صرح بنسبه البيهقي في هذا
الحديث بعينه في كتاب ((الآداب)) له(٢).
وعبد الكريم الجزري ثقة متفق عليه. فإسناد الحديث
على شرط الصحيحين.
ثم لو سلم أنه أبو المخارق. فقد روى عنه الإِمام مالك،
ولا يروي إلا عن ثقة عنده.
وأخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات، فلا
(١) رواه أبو داود في باب ما جاء في خضاب السواد. والنسائي في باب النهي عن الخضاب
بالسواد .
وقد صرح أبو داود باسم الراوي عن سعيد بأنه عبد الكريم الجزري، وكذلك فعل
المزي .
ومن جزم بأنه الجزري أبو الفضل بن طاهر، وابن عساكر، والضياء المقدسي،
وغيرهم. وهو مقتضى صنيع من صححه كابن حبان والحاكم.
انظر: عون المعبود ٢٦٦/١١، سنن النسائي ١٣٨/٨، تحفة الأشراف ٤٢٤/٤،
مشكاة المصابيح ٣٠٩/٣.
(٢) كتاب الآداب ٣١٩/أ.
٣٦

يجوز أن نحكم على ما انفرد به بالوضع (١).
ومنها حدیث:
٧ - (إن النبي - وَلّ - رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع
شيطانه)).
والحكم على هذا الحديث بالوضع جهل وخطأ أيضاً.
فقد رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (٢) من طرق
إلى حماد بن سلمة الإِمام المشهور، أحد من احتج به مسلم عن
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
(١) انظر أقوال النقاد في ابن أبي المخارق.
تهذيب التهذيب ٣٧٧/٦.
(٢) أخرجه أبو داود في باب اللعب بالحمام. وكذا أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وقال: خالفه
شريك فيما روى عنه، فقال عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة، وحديث حماد
أُصح.
عون المعبود ٢٨٤/١٣، سنن ابن ماجه ١٢٣٨/٢، السنن الكبرى ١٩/١٠.
قال الحافظ ابن حجر: محمد صدوق في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن، وإذا
توبع بمعتبر قبل، وقد يتوقف في الاحتجاج به إذا انفرد بما لم يتابع عليه، ويخالف فيه،
فيكون حديثه شاذاً، لكنه لا ينحط إلى الضعف، فضلاً عن الوضع.
وقد زاد بعضهم في هذا السند رجلاً. فأخرجه ابن ماجه من طريق شريك عن محمد بن
عمرو عن أبي سلمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة، ومن طريق حماد بن
سلمة بن محمد بن عمرو كالأول، وليس هذا بقادح، لأن حماداً أضبط من شريك، ويحتمل
أن يكون أبو سلمة حدث به على الوجهين.
سنن ابن ماجه ١٢٣٩/٢، مشكاة المصابيح ٣١٠/٣.
٣٧

٠ .~
ومحمد بن عمرو هذا من شيوخ مالك في الموطأ، ووثقه
يحيى بن معين، وغيره. والترمذي وصحح حديثه، وكذلك
الحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
وللحديث طريقان آخران رواهما ابن ماجه(١)، وينتهي
بمجموع ذلك إلى درجة الصحة القوية .
ومنها حديث:
٨ - ((إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه فإنه أنجح لحاجته)).
وله طريقان :
أحدهما: رواه الترمذي به، من حديث حمزة النصيبي عن
أبي الزبير عن جابر وحمزة هذا ضعيف متروك باتفاقهم(٢).
(١) الطريق الأول عن عثمان بن عفان، إلا أنه منقطع لأن في سنده الحسن بن أبي الحسن لم
يسمع من عثمان، كما نقل عن أبي زرعة الرازي.
والطريق الثاني: عن أنس بن مالك، وفي السند إليه رواد بن الجراح قال فيه الحافظ ابن
حجر: صدوق اختلط بآخره فترك.
تقريب التهذيب ص ١٦٠، وانظر سنن ابن ماجه ١٢٣٨/٢ - ١٢٣٩.
(٢) رواه الترمذي في باب ما جاء في تتريب الكتاب، وقال عقبه: هذا حديث منكر لا نعرفه
عن أبي الزبير إلا من هذا الوجه، وحمزة هو ابن عمرو النصيبي، وهو ضعيف الحديث.
قال الحافظ: له في الترمذي حديث واحد في تتريب الكتاب، وهو غير منسوب عنده،
وقال بأثره حمزة هو ابن عمرو النصيبي.
قال المزي: لا نعلم أحداً قال فيه حمزة بن عمرو إلا الترمذي، وكأنه اشتبه عليه
بحماد بن عمرو النصيبي .
انظر: تحفة الأحوذي ٤٩٤/٧، تهذيب التهذيب ٢٩/٣.
٣٨

والثانية: رواه ابن ماجة، وفي إسناده بقية، قال: ثنا أبو
أحمد عن أبي الزبير عن جابر وأبو أحمد هذا مجهول، وقيل إنه
عمر بن موسى الوجيهي، وهو كذاب منكر الحديث(١).
فالحديث ضعيف جداً، ولا تبعد لنسبته إلى الوضع،
والاعتراض فيه على صاحب المصابيح في عده إياه من
الحسان(٢). والله أعلم.
ومنها حدیث:
٩ - ((لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك)).
وهذا ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) بسند فيه عمر
ابن إسماعيل بن مجالد عن حفص بن غياث عن برد عن
مكحول عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - وعمر بن
إسماعيل. هذا اتفقوا على ضعفه، لكن لم ينفرد بالحديث كما
قال أبو الفرج(٣). بل رواه الترمذي عن سلمة بن شبيب عن
القاسم بن أمية عن حفص بن غياث، وقال فيه حديث حسن
غريب (٤).
(١) رواه في باب تتريب الكتاب. السنن ١٢٤٠/٢.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في رواية الترمذي: ومع ضعفه لم ينفرد به بل تابعه أبو أحمد بن علي
الكلاعي عن أبي الزبير، وقد أيد حكم العلائي لهذا الحديث بالضعف. مشكاة المصابيح
٣١٠/٣.
(٣) الموضوعات ٢٢٤/٣.
(٤) تحفة الأحوذي ٢٠٦/٧ .
٣٩