Indexed OCR Text

Pages 81-100

كما كتب عن ((المؤتلف والمختلف)» معظم من صنّف في مصطلح
الحديث قديماً وحديثاً .. وتقدم القول إنَّ علم ((التَّصحيف والتَّحريف)) وعلم
((المؤتلف والمختلف)) هما علمان متلازمان الأمر الذي يجعل المصنفات في
((التصحيف)) هي في نفس الوقت مصنفات في ((المؤتلف والمختلف)) غير أن
((المصنفات في ((التصحيف والتحريف)) تشمل ما يتحصف ويتحرف في
القرآن الكريم والحديث واللغة والأدب والأسماء والأنساب أحياناً. أما كتب
(المؤتلف والمختلف)) فتكاد تقتصر على الأسماء والكنى والأنساب وهذا هو
الغالب على مادتها ..
إِنَّ كثرة المصنفات في هذا الفن تدل على أهميته وخطورته لذا قال في
التدريب: ((هو فن جليل يقبح جهله بأهل العلم، لا سيما أهل الحديث،
ومن لم يعرفه يكثر خطؤه، ويفضح بين أهله))(١). وقال ابن الصلاح: ((هذا
فن جليل من لم يعرفه من المحدثين كثر عثاره ولم يعدم مُخجلاً .. )) (٢).
أول مَنْ صَّف في ((المؤتلف والمختلف)):
بعد سرد أسماء المصنفات في ((المؤتلف والمختلف)» يتبيَّن لنا أنَّ أول
من صنّف في ((المؤتلف والمختلف)) هو أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي
في كتابه ((المؤتلف والمختلف في أسماء القبائل)) المتوفى سنة (٢٤٥ هـ)
غير أن السَّخاوي قال: وهو يتحدث عن ((المؤتلف والمختلف)): ((ثم أفرده
بالتأليف عبد الغني بن سعيد، ولذا كان أول من صنّف فيه، وله فيه كتابان
أحدهما في مشتبه الأسماء، والآخر في مشتبه الأنساب، ثم شيخه الدارقطني
وهو حافل .. ))(٣) ولعل المقصود من قوله: ((أول من صنف فيه)) المراد به هو
أنه أول من صنف في ((المؤتلف والمختلف)) فيما يتعلق بأسماء المحدِّثين ..
ولو قرأنا قصة تأليف عبد الغني بن سعيد (ت ٤٠٩ هـ) ((للمؤتلف
(١) تدريب الراوي: ٢٩٧/٢.
(٢) مقدمة ابن الصلاح: ٣١٠.
(٣) فتح المغيث: (٢١٣/٣ - ٢١٤). وانظر تدريب الراوي: ٢٩٧/٢.
٨١

والمختلف)) يظهر لنا أنَّ الفَضل فيه يعود للدارقطني وأنَّ معظم مادته إنّما هي
مقتبسة من الدارقطني وهذا ما صرح به عبد الغني بن سعيد الأزدي بنفسه.
· (قال الصوري: قال لنا عبد الغني: ابتدأت بعمل كتاب ((المؤتلف
والمختلف)) فقدم علينا الدارقطني فأخذت عنه أشياء كثيرة منه فلما فرغت عنه
سألني أن أقرأه ليسمعه مني. فقلت: عنك أخذت أكثره، فقال: لا تقل هذا
فإنك أخذته عني مُفَرَّقاً وقد أوردته مجموعاً وفيه أشياء عن شيوخك، فقرأته
عليه))(١) .. وهكذا يظهر لنا أثر الدارقطني الكبير والهام في خدمة هذا الفن
الدقيق والخطير من علوم الحديث الشريف.
(١) تذكرة الحفاظ : ١٠٤٩/٣.
٨٢

دِراسَة كِتَابُ "المؤتَلِفِ وَالمختَلِفِ"
للإمَامِ الحَافِظِ أبي الحَسَن الدار قطني البغدادي
المتوفى سنة ٣٨٥ هـ
٨٣

١ - مادة الكتاب:
مادة الكتاب هو ((المؤتلف والمختلف)) في الأسماء والكنى والأنساب
ومعظم مادة الكتاب في أسماء الأشخاص الذين يقع الاشتباه في أسمائهم أو
كناهم أو ألقابهم .. ولم يكتف الدَّارقطني رحمه الله تعالى بسرد الأسماء أو
الكنى أو الألقاب بل كثيراً ما يستطرد فيذكر ما يأتلف ويختلف في أسماء
القبائل، وَيتَطَرَّق إلى أنساب القبائل، ومَن ينتسب إليها مِنَ المُحَدِّثين
والرُّواة، والمشاهير مِنْ الشِّعَراءِ، والفرسان، والقواد، نقلاً عن أئمة النَّسابين
من كتبهم المشهورة، كابن الكلبي، وابن حبيب، وغيرهم مِمَّا سأذكره في
موارد الدَّارقطني في الكتاب .. ويستطرد أحياناً فيذكر أسماء ((المواضع)) مثل
باب ((الحَضْر)) و((حَضَن)) و((الحَطيم)) و((جَرَبَّة)) و((الرَّزيق)) و((رَشِيْد)) و((عَقِيْق)»
و (الغِمَاد) و((مُشَقَّر)) ... وغير ذلك مما سيلاحظه القارىء وهو يطالع هذا
السِّفر الضخم ..
ويستطرد الدَّارقطني فيذكر أحياناً كلمات لغوية مثل باب ((الخُضَر)) وهي
البقول والفواكه، و(حُضْر)) وهو العَدو، و((الحَصْر)) وهو الحبس. و((حُصُر))
جمع حَصير، ((وخَيْبَة)) و((خِدَام)) و((خَضِيْر)) و((جَفِيْرِ)) و((حَقِيْر)) و((خُفَّيْن))
و((حُصَاص)) و((داجِن)) و((جِدَاد)) و(جُذَاذ)) و((خِرْقَة)) و((الحُزُقَّةِ)) و((رِتاج)) و((رَفيق))
و((رَقِيْق)) و((فَرَاش)) و((فُرُوج)) ... وغير ذلك مِمَّا سيلاحظه القارىء من الأبواب
التي هي عبارة عن كلمات لغوية تدخل في فن ((التَّصحيف والتَّحريف))، أو
٨٥

في فن ((غَريب الحديث)) .. وهذه الاستطرادات تَدُلُّ عَلى عمق ثقافة.
الدَّار قطني وسِعَة معارِفِهِ وغزارة عِلْمه ... وكثيراً ما يستطرد في الحديث عَنْ.
ترجمة ما، فيأخذ بسرد حادثة ((تاريخيّة)) ويُطيل النَّفَس في هذه الحادِثَة
التاريخية كما هو الحال في باب ((حَضْر)) حيث نقل قِصَّة طويلة عن خالد بن
صفوان بن الأهتم وقصته مع ((هشام بن عبد الملك)» ووعظه لهشام بن
عبد الملك .. وكذا الأمر في باب ((حُرْقَة)) حيث نقل قصة طويلةٌ عَن ((حُرْقَة
بنت النُّعْمَان)) بالحيرة .. وذكر قصتها .. ولا شك أنَّ هذا الاسترسال في.
الترجمة يعطينا فِكْرَة عَنِ شخصية الدَّارقطني وميوله النّفسيَّة ورغباته الأدبية.
بقدر ما يُعطينا فكرةً عَن علومه المتنوعة ... أو يذكر اسم شاعِر فيستطرد بذكر
أبياتٍ له مِنَ الشِّعْرِ .. أو كلمةٍ لُغَويةٍ في بيتٍ مِنَ الشِّعْرِ فيذكر ذلكَ البيت . .
كما في باب ((الحَطيم)) قال: ((فهو أحد أركان البيت الحرام، وقد أکثر فيه:
الشعراء، ومِمَّا قيل فيه ما قاله عَلَيّ بن العَبَّاس الرومي يمدح عُبَيْد الله بن
طاهر في القصيدة الطويلة التي أوَّلها ... )).
وظاهرة الاستشهاد بالشِّعْر أمر بَيِّن وواضح في الكتاب نظراً لتكراره في
أكثر من موضع .
إذن فالكتاب قد تَطَرَّق إلى فنون أخرى غير فن ((المؤتلف والمختلف))
وهذه الفنون إنَّما دخلت استطراداً، وبقيت مادة الكتاب الأصلية هي
((المؤتلف والمختلف)) في أسماء الرِّجال أو ألقابهم أو كناهم ..
٢ - ترتيب الكتاب :
مِن المحتمل أنَّ الدارقطني رحمه الله تعالى قد بيَّنَ منهجه في الكتاب،
والأسباب التي دفعته للتصنيف في هذا الفن في مقدمة كتابه .. غير أنَّ
هذه المقدمة لم تصل إلينا بسبب فقدانها إذ لم نحصل إلَّ عَلى نسختين
نسخة من دار الكتب المصرية المكتبة ((التيمورية)) وهي ناقصة مِن الأوَّل،
ونسخة من «مدينة سراي)) في تركيا وتبدأ من المجلد الثاني. غير أنَّ المُتتَبِّع
للكتاب يظهر له أنَّ الدَّارقطني رحمه الله تعالى قد رَتَّبَ الكتاب ترتيباً أبجدياً
٨٦

عَلى حروف المعجم فابتدأ بالهمزة، وانتهى بالياء .. وإذا كان الاشتباه يقع
في الحرف الأوَّل فلا بد أن يذكر معه مادتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك مع أنّ
إحداهما من حرف والأخرى مِن حرفٍ آخر مثاله باب «بُوَيْب وتُوَيْت،
وثُوَيْب، وتُوَيْبَة، وَيَوْبَب)). وباب: ((بُجَيْر، وبَحِيْرِ، ويُحَيْرِ، ونُجَيْر بالنون،
والجيم)) وباب. ((عَذَر، وعُذَر، وغُذَر)) وباب: «عَزْرَة، وعَزَزَة))، وفي حرف الياء
ذكر ((باب يُحْمَد، ومُحمَّد، وتَخْمُر)»، وهكذا في معظم أبواب الكتاب،
فترتيب الكتاب على حروف المعجم إنَّما هو بالنَّظر إلى أوَّل مادة تذكر في
الكتاب .
أضف إلى ذلك، أنَّ الدَّارقطني رحمه الله تعالى لم يلتزم ترتيباً مُعَيِّناً
المادة هذه الأبواب .. فقد رتَّب الكتاب على حروف المعجم وكل باب مِن
هذه الأبواب يشتمل على مادتين أو أكثر، وأحياناً يذكر مادَّة واحدةً .. فنراه
تارةً يذكر في الباب رَجُلاً أو رَجُلَيْن أو أكثر .. ونراه تارَة يذكُّر اسم موضعٍ أو
لفظةٍ في حديثٍ نبوي، وهذا الأمر قليل جداً .. كما أنَّه لم يلتزم في ذكر
الأسماء ترتيباً هجائياً أو قدماً في الإِسلام أو غير ذلك .. فنراه أحياناً يبدأ بذكر
الأشخاص الذين يقع الاشتباه في أسمائهم أو ألقابهم، فإذا فرغ منهم يذكر
الكنى والآباء فيذكر مَن يقع الاشتباه في كنيته أو في اسم بعض آبائه أو
كنيته .. وأحياناً يبدأ بذكر الكنى أو الألقاب .. قبل ذكر الأشخاص الذين يقع
الاشتباه في أسمائهم .. وأحياناً يبدأ في الباب بذكر النساء، وأحياناً
يُؤَخِرُهُنَّ ..
مثال ذلك باب ((بِجَاد، ونِجَاد)» قال:
((أمَيْمَة بنت بِجَاد بن عُمَّيْر ... )) ثم ذكر بعدها «بِجَاد بن عُثمان مِن بَني
ضُبَيْعَة)) وذكر بعده ((بجَاد بن موسى بن سعد بن أبي وَقَّاص .. )) وفي باب
(نِجَاد بالنون) بدأ بقوله: ((يونس بن يَزِيد الأَيْلي، هو ابن أبي النِّجَاد .. )) ثُمَّ
ذَكر بعده ((ذو النِّجاد الشاعِر .. )).
٨٧

وفي باب (بُلَيْل وبُلْبُل).
قال: ((فأمَّا بُلَيْل بالياء، أبو لَيْلى الأنصاري .. اسمه داود بن بُلَيْل بن
بلال .... )) وذكر بعده (عَمْرو بن بُلَيْل .. )).
وهكذا في معظم الكتاب .. لم يلتزم فيه بالترتيب لا في الأبواب ولا
في مادة الأبواب .. نعم رَتَّب الأبواب عَلى الحروف غير أنَّه لم يلتزم بأن
يذكر مثلاً باب (بُرْكَة) قبل باب (بُلَيْل) بل نراه قَدَّم باب (بُلَيْل) على باب
(بُرْكَة) فالكتاب مُرَتب عَلى حروف المعجم مِن حيث المبدأ غير أنَّ مادَّة كُلَّ
حَرْفٍ لم ترتّب ترتيباً مُعْيَّناً بل ذكر كُلَّ ما استحضره في المادة التي يذكر بابها
دون ترتيب معين. ويلاحظ على ترتيب الكتاب تكرر الأبواب.
فقد تكرر باب (غُفَيْلَة وعَقِيْلَة)، ولم يزد شيئاً عندما كرره بل أنقص،
فأوَّل مَرَّة ذكر باب (ُفَيْلَة) بصورة أوسع مِنَ المَرَّة الثانية، غير أنَّهُ في المَرَّةِ
الثانية زاد ترجمتين هما ((أبو غُفَيْلَة الكوفي، وأخوه الحكم ... )). وفي باب
(عَقِيْلَة) في المرةَّ الثانية ذكره مختصراً ولم يزد في التراجُم شيئاً. وفي المرّة
الأولى قدم باب (عَقِيْلَة) عَلى باب (غُفَيْلَة)، وفي المرَّة الثانية قَدَّم باب
(غُفَيْلَةِ) عَلى باب (عَقِيلَة).
٣ - اقتباسات الأئمّة من الكتاب وأثره فيما بعده:
كتاب ((المؤتلف والمختلف)) للإِمام الدَّارقطني مِن الكتب المهمة جداً
فهو لحافظ وناقد مِن أشهر الحفاظ والناقدين .. كما أنّه يعتبر من أوَّل ما
صُنّف في هذا الفن كما تقدم .. وكُلّ مَن جاءَ بعده مِمَّن ألّف في هذا الفن،
أو مَن كَتَب في عِلْمِ الرِّجال وكان ما كتبه قد تَطَرَّق إليه الدارقطني اقتبس كلام
الدارقطني بل إنَّ ابن ماكولا أتى على معظم ما فيه في كتابه ((الإِكمال)) كما
سيأتي في فقرة («تسمية الكتاب وصحة نسبته إلى المصنَّف))، ومِنَ المصنَّفين
الذين ذكروا سندهم إلى الدارقطني الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وقد
بلغت هذه النصوص ((٦٥)) نَصّاً أشرت إليها في أثناء تحقيقي للكتاب، وسنده.
٨٨

في الكتاب (أخبرنا عُبَيْد الله بن أبي الفتح، أخبرنا أبو الحسن الدارقطني،
قال : .. ))(١).
أو (أخبرنا الأزهري(٢)، أخبرنا الدارقطني، قال .. )(٣) وهو نفس السَّند
السابق. وهذا الإِسناد هو نفس سند نسخة ((سراي مدينة)) والتي رمزت لها
بنسخة (أ).
ونقل الخطيب نَصّاً عن الدارقطني في كتاب ((المؤتلف والمختلف))
بإسنادٍ يختلف عن الإِسناد السابق: وهو
:(أخبرنا عبد الكريم بن مُحمَّد بن أحمد الضَّبيُّ، حَدَّثَنَا عَليّ بن عمر
الحافظ قال : .. )(٣). وهذا السَّند هو نفس سند القاضي عياضٍ اليحصبي
في روايته لكتاب ((المؤتلف والمختلف)) (٤)، وهو نفس نسخة (أ) أيضاً.
كما نقل نصّاً عن الدارقطني من كتاب ((المؤتلف)) بسند يختلف عن
سند الأزهري، وسند الضّبي وهو:
(١) تاريخ بغداد: ٢٩٠/٤، وانظر تاريخ بغداد: [٢٥٠/٧، ٢٧٨/٩، ٤٩٦/٨،
٤ /٢٩٠، ٣٥٣/١، ٢٨٨/٣، ٢٧٩/١، ٣٨٨/١، ٢٨٨/٣].
(٢) واسمه هو [عُيَيْد الله بن أبي الفتح - واسمه أحمد - بن عثمان بن الفرج بن الأزهر بن
إبراهيم، يكنى أبا القاسم الصَّيْرفي، وهو الأزهري .. ] تاريخ بغداد: ٣٨٥/١٠.
انظر تاريخ بغداد: [٤١٨/٤، ٢٩٢/٦، ٤٢٤/١٠، ٢٢٦/٢، ٣١٢/٢، ٢٥٧/٨،
٢٨٩/٨، ١٩٢/١٢، ١٣٧/٤، ٢٨٩/٨، ٣٠٤/١١، ٣٦/١٠، ٢٣٥/١٢،
٢٧٩/٨، ٩٠/٤، ١٠٨/٥، ٣٣٩/٨، ٦٧/١١، ٢٩٤/١٤، ٣٢٤/٩،
١٧٤/٦، ١٧٨/٦، ٢٨٨/٨، ١٨٢/٥، ٢٩٠/٨، ٥٤/٨، ١٦٠/٢، ٢٩٦/١،
٦٥/٤، ٢٩٠/١٠، ٢٢٦/٢، ٣٨١/٩، ٢٤٥/٩، ٣٨١/١١، ٢٦٠/١١،
٥٨/١٢، ٢٩٤/٨، ٤٣٢/١١، ٢٠٥/٣، ٣٦٧/٨، ١٣١/١١، ٣٨٥/٩،
٤٠/٥، ٢٢٣/٨، ٣٥٣/٣، ٥٢/١٢، ٣٢٠/٣، ٢٨٧/١٣، ٣٥٥/١١].
(٣) تاريخ بغداد: ٣٢٧/٨ والنص هو في ((المؤتلف)) للدارقطني باب [ثَعْلَب] ترجمة
((خَلَف بن هشام بن ثَعْلَب البَزَّاز المقرىء)).
(٤) الغنية: ١٣٥ وسيأتي الحديث عنه بعد قليل إن شاء الله تعالى.
٨٩

(أخبرنا مُحمَّد بن عليّ بن الفتح، قال: قال لنا أبو الحسن
الدار قطني .. )(١).
ومِنَ المصَّنَّفين الذين اقتبسوا مِن الدَّارقطني وأكثروا الاقتباس هو الإِمام
أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السَّمعاني في كتابه ((الأنساب)) حَتّى لقد أتى
هو الآخر عَلى معظم أبواب الكتاب، وفي الكثير من الأحيان يذكر الدار قطني:
بقوله: ((قال الدارقطني)) أو ((قاله الدارقطني)) وأحياناً يقتبس مِن الدارقطني
بالنَّص الحرفي دون أن يُشير إلى ذلك(٢).
وسند الإِمام السمعاني إلى الدارقطني في كتاب ((المؤتلف والمختلف))
هو:
(أخبرنا الإِمام والدي رحمه الله إجازَة، قال: سمعتُ أبا المعالي
ثابت بن بُنْدَار بن إبراهيم البَقَّال ببغداد، سمعتُ أبا القاسم عبد الله (٣) بن
أحمد بن عُثمان الصَّيْرَفي ، سمعتُ أبا الحَسَن عَلَيّ بن عمر بن أحمد
الدارقطني يقول : .. ) (٤).
وهذا السَّند هو نفسه سَنَّد الخطيب البغدادي، وسَنّد نسخة (أ)
(١) تاريخ بغداد: ٤٤٠/١٣ ونقل النص مختصراً. والنص هو في باب [جَمَّال] ترجمة.
((الشَّرَقِي القُطَامِيِ الْعَلَّمَةِ)) ..
(٢) من ذلك [باب عَيْلان]، وانظر الأنساب: ١١٠/٩، وباب [الفَصِيْل]، وانظر:
الأنساب: ٣١٢/٩، وباب [فَزَّع] وانظر الأنساب: ٣٠٠/٩، وباب [فَرْع] وانظر :
الأنساب: ٢٩٩/٩، وباب [فَرِع] وانظر الأنساب: ٢٧٤/٩ [حتّى في سقوط بعض
الألفاظ عند الدارقطني نقلها كما هي وصَرَّح تصريحاً بسيطاً] .. وباب [فَرْحَ] وانظر
الأنساب: ٣٢/٩، وباب [فُرَيْس] وانظر الأنساب: ٢٩٥/٨، وباب [فَرَانِ] وانظر.
الأنساب: (٢٥٣/٩ - ٢٥٥)، وباب [قِرَار] وانظر الأنساب: ٨٣/١٠، وباب [قَرْن]
وانظر الأنساب: ١١٥/١٠ وغير ذلك من الأبواب.
(٣) كذا في الأنساب وصوابه (عُبَيْد الله) كما تقدم عند التّكلّم عن سَند الخطيب
البغدادي. وانظر ترجمته في تاريخ بغداد: ٣٨٥/١٠.
(٤) الأنساب: ٥٠/١، المؤتلف للدارقطني باب [عِمَارة] أوَّل الباب.
٩٠

وكذا اقتبس الخطيب من الدَّارقطني في كتابه ((المؤتلف في إكمال
المؤتلف والمختلف)) وقد أشرت إلى هذه الاقتباسات في أثناء تحقيقي
للكتاب .. واقتبس مِن كتاب ((المؤتلف والمختلف)) للإمام الدَّارقطني أبو بكر
ابن نقطة في كتابه ((الاستدراك))، والذهبي في ((المشتبه))، وابن ناصر الدِّين
في ((التوضيح))، وابن حجر في ((التبصير)) .. وغيرهم مِنَ الحفاظ وقد أشرت
إلى ذلك في أثناء تحقيقي للكتاب.
وذكر ابن خير الإِشبيلي في ((الفهرست)) روايته لكتاب ((المؤتلف
والمختلف)) وسنده إليه هو: (كتاب المؤتلف والمختلف، لأبي الحسن
الدارقطني رحمه الله، عشر أجزاء، حَدَّثني به الشيخ أبو الحسن علي بن
عبد الله بن موهب إجازة، عَن القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي،
عَن أبي ذَرٍّ عَبْد بن أحمد الهروي، عن أبي الحسن الدارقطني مؤلَّفه ،
رحمه الله.)(١).
كما ذكر لنا القاضي عياض روايته ((المؤتلف والمختلف)) فقال:
(كتاب المؤتلف والمختلف لأبي الحسن الدارقطني، عارضته بأصله،
وحَدَّثني به عَن أبي منصور المالكي عن أبي الفتح عبد الكريم المحاملي (٢)،.
عن الدَّارقطني، غير جزء واحد من «باب حَمْزَة إلى باب حيوان)»، فإنَّ أبا
الفتح رواه عن أبي بكر بن بشران عن مؤلّفه)(٣)، وعبد الكريم الضّبيّ
المحاملي هو نفسه الذي روى عنه الخطيب البغدادي ((المؤتلف والمختلف))
في تاريخ بغداد وهو نفس سند نسخة (أ)(٤).
(١) فهرست ابن خير: ٢١٦ .
(٢) هو «عبد الكريم بن مُحمّد بن أحمد بن القاسم، أبو الفتح بن المحاملي) ترجمته في
تاريخ بغداد: ٨١/١١.
(٣) الغنية: ١٣٥ .
(٤) انظر فقرة اختلاف نسخ الكتاب ورواياته حيث ذكرت أنَّ مِن رواة الكتاب:
((عبد الغني بن سعيد الأزدي)) و((أبو مَسْعود الدِّمشقي)».
٩١

كما ذكر القاضي عياض في ترجمة شيخه ((القاضي أبو بكر مُحَمَّد بن
عبد الله بن مُحمَّد بن أحمد المعافري المعروف بابن العربي ت ٥٤٣ هـ)
قال: (واجتاز ببلدنا فكتبت عنه فوائد حديثه، وناولني كتاب المؤتلف
والمختلف للدارقطني)(١)، ولقد اقتبس القاضي عياض في كتابه: ((مشارق
الأنوار)) مِن الدَّارقطني في عِدَّة مواضِع ..
وكذا اقتبس من ((المؤتلف والمختلف)) الإِمام الحسين بن مُحَمَّد
الغَسَّاني الجَيَّاني (ت ٤٩٨ هـ) في كتابه ((تقييد المهمل وتمييز المشكل))(٢).
وقد أشرت إلى بعض هذه الاقتباسات في اثناء تحقيقي للكتاب، وسنده في
ذلك هو (هكذا رويناه عن أبي ذر، عن الدارقطني في كتاب المؤتلف
والمختلف .. )(٣).
كما اقتبس الحافظ أبي عُمر يوسف بن عبد الله بن محمد المعروف
بابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب))
نصوصاً كثيرة من كتاب ((المؤتلف والمختلف)) أشرت إلى بعضها في
التحقيق . . .
وكذا اقتبس من الكتاب عز الدين أبي الحسن علي بن محمد الجزري
المعروف بابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) في كتابه ((أسد الغابة في معرفة الصحابة))
و ((اللباب في تهذيب الأنساب)) نصوصاً كثيرةً أشرت إليها في تحقيق
الكتاب، وكذا اقتبس الحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت ٨٥٢ هـ) من الكتاب
في كتبه ((الإصابة في تمييز الصحابة)) و((تهذيب التهذيب)) و((فتح الباري))
نصوصاً كثيرة أشرت إليها في التحقيق.
وذكر ابن الأبار كتاب ((المؤتلف والمختلف)» للدارقطني وقال:
(وعندي أصل أبي علي من كتاب المؤتلف والمختلف للدارقطني وفيه
(١) الغنية: ٦٨.
(٢) باب ((المؤتلف والمختلف)) مِن كتاب ((تقييد المهمل)).
(٣) تقييد المهمل: ٥٣/١ ب، وراجع أول باب [خَلَاس] مِنَ المؤتلف للدارقطني .
٩٢

خط عياض بالمعارضة خاصة)(١).
كما اقتبس الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر
(ت ٥٧١ هـ) في كتابه ((تاريخ مدينة دمشق)) مواضع عِدَّة من كتاب الدارقطني
وسنده في ذلك هو (٢): (أخبرنا أبو غالب، وأبو عبد الله البناء أنا أبو
الحسين بن الآبنوسي، عن الدارقطني. ح وقرأت على أبي غالب بن البنا،
عَن أبي الفتح بن المحاملي، أنا الدارقطني، قال.)(٣).
٤ - الجرح والتَّعْديل :
موضوع الكتاب هو ((المؤتلف والمختلف))، غير أنَّ الدَّارقطني كان
كثيراً ما يستطرد فيذكر الحكم على المترجم لهم جرحاً أو تَعْديلاً وبلغ عدد
الذين وثَّقهم أو نقل توثيقهم ((٩٠)) ترجمة وعدد الذين جرحهم أو نقل
تجريحهم (١٤٢) ترجمة (٤). ولا شك أنَّ هذا الجرح والتعديل يزيد من قيمة
الكتاب نظراً للمكانة المرموقة للدارقطني في الجرح والتعديل فهو الذي
((انتهى إليه عِلم الأثر، والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال
الرِّجال .. ))(٥).
٥ - انتقادات الدَّارقطني لأئمَّة الحديث، وبيان أوهامهم.
الإِمام الدَّارقطني حافظ كبير، وجِهْبِذْ مِنَ الجهابذة، وناقد من كبار
النّقاد .. فمن البديهي أن يَتَعَرَّض لما كتبه الأئمة الحفاظ ويبيِّن الأخطاء
والأوهام التي وقعت منهم أو ما يظنه أنَّهُ خطأ أو وهم .. وانتقادات الحافظ
(١) المعجم لابن الأبار: ٣٠٦.
(٢) انظر أول باب [بُثَنية] ترجمة ((بُثَيْنَة بنت حَبا))
(٣) تاريخ دمشق (تراجم النساء) - تحقيق سكينة الشهابي: ٦٣ . وانظر ترجمة (عبد الله بن بُسْر):
٤٥٦ من التاريخ.
(٤) انظر الفهرست حيث سأقوم بعمل فهرست على حروف المعجم لأسماء الذين وثقهم
٠٠
وجَرَّحهم .
(٥) تاريخ بغداد: ٣٤/١٢.
٩٣

الدارقطني في هذا الكتاب معظمها انتقادات تتعلق بأسماء رجال الحديث أو
كُناهم، وما إلى ذلك مِنَ النواحي الدَّقيقة التي تتعَلَّق بموضوع المؤتلف
والمختلف ..
وطريقة الدَّارقطني في بيان تلك الأوهام أنَّهُ يذكر الكلام الذي يُريد أن
ينقده، ثُمَّ يتبعه بكلام مِن عنده، ثم يذكر وجه الوهم فيه .. ويستدلُ عَلى ما
قالَ بأقوال رجال الحديث وبالروايات التي تَتَعَلَّق بموضوع الانتقاد .. ويُرَجِّح
بين الأقوال والرِّوايات. وأحياناً يكتفي بالقول: والصواب كذا أو صوابه
كذا .. ومِن الأئمّة الحفاظ الذين انتقدهم أبو الحسن الدارقطني البخاري في
((التاريخ الكبير)» ومُسْلم في ((الكنى)) .. كما بَيَّن أوهام الشّعبي، ووكيع،
ويحيى بن معين، وأحمد بن حَنْبل وغير ذلك مِن الحفاظ.
وانتقادات الحافظ الدَّارقطني هذه رسمت للخطيب البغداي المنهج في
كتابه ((الموضح)) فقال معقباً على استدراكات الدارقطني على البخاري في
((التاريخ الكبير)) في كتابه القيِّم ((موضح أوهام الجمع والتّفريق))، فقال: ((في
كتاب التاريخ، الذي صَنَّفه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري نظائر
كثيرة لما ذكره أبو الحسن الدارقطني عنه، مِن جعله الاثنين واحداً، والواحد
اثنين أو أكثر، ونحن ذاكرون بمشيئة الله تعالى ما وضح قاصده، وقرب مِنَّا
عَلى تصديق دعوانا في ذلك شاهِدُه، ومُتَّبعوه مِمَّا يشاكِلُه مِن أوهام الأئمّةِ
سوى البخاري في هذا النوع)»(١).
۔
نماذج مِن انتقادات الحافظ أبي الحَسَن للأئمَّة والحفاظ :
١ - قال الدارقطني (٢): (وذكر البخاري في باب حَرِيْز فيما أخبرنا
عَلَيّ بن إبراهيم، عن ابن فارس عنه قال: حَرِيْز بن عُبَيْدَة العَدَوي البصري،
سمع أباه وعَمْرو بن القاسم(٣).
(١) الموضح: ٥/١.
(٢) باب (حَرِيْزِ): ٣٥٨.
(٣) التاريخ الكبير: ١٠٤/١/٢.
٩٤

ذكر عبد الرَّحمن بن أبي حَاتِمِ: أَنَّهُ سأل أباه وأبا زُرعَة عنه؟ فقالا:
إِنَّما هو جَرِيْر بن عَبِيْدَةٍ(١). وهو عندي كما قالا، والله أعلم.).
٢ - (أبو المُنَازِل مُثَنَّى بن مازن العَبْدي، أحد بني غَنْم، عَن الأشْجِّ،
روىْ عَنْه حَجَّاجِ بن حَسَّان. ذكره البخاري(٢). والصواب: مُثَنَّى بن
مَاوِي)(٣).
٣ - (النَّصْر بن شُفَيّ، يُعَدُّ في الشَّاميين .. ذكره البخاري في باب
نَصْرِ(٤). وذلك وَهْمٌ منه)(٥).
٤ - (وأبو نُصَيْر ميمون الكُرْدي، سَمِعَ أبا عُثمان النَّهدي ... قال ذلك
مُسْلم بن الحَجَّاجِ في ((الكنى))(٦) وصَحَّف، وإنَّما هو أبو بَصير ميمون
الكُرْدِي، كنَّهِ حَرْمي بن عُمَارَة، عَنِ الفَضْلِ بن عَمِيْرَة، عنه)(٧).
٥ - (جُعْثُل بِنْ هَاعَان بن عُمَيْر بن اليُثُوب ...
حَدَّثنا ابن مَخْلَد، حَدَّثنا العَبَّاس بن مَخْلَد، قال: سمعتُ يحيى يقول:
أبو سعيد الرُّعَيْنِي جُعْثُل بن عَاهان(٨).
قال: وكذا حَدَّثناه أبو بكر الشَّافِعي، حَدَّثنا جعفر بن الأزْهر، حَدَّثنا
الغَلَّابي عن يحيى بن معين .
والصواب: ابن هاعَان)(٩).
(١) الجرح: ٥٠٧/١/١، وبيان خطأ البخاري لابن أبي حاتم الترجمة (١١٢).
(٢) التاريخ الكبير: ٤٢٠/١/٤.
(٣) ((المؤتلف)) للدارقطني باب [منازل]: ٢٣٠١.
(٤) التاريخ الكبير: ١٠٥/٢/٤.
(٥) المؤتلف للدارقطني باب (نَضْ)، وانظر باب (بقية) ترجمة (بقيّة بن أبي صفية) حيث
ذكر وهماً للبخاري رحمه الله تعالى.
(٦) كنى مسلم: ١١٢.
(٧) المؤتلف للدارقطني باب [نُصَيْر]: ٢٢٤١.
(٨) تاريخ يحيى بن معين: ٤ /٤٦٥.
(٩) ((المؤتلف)) للدارقطني باب [جُعْثُل]: ٤٥٧.
٩٥

٦ - (زُهرة بن حَويَّة، كان عَلى مَقَدِّمة سَعْد في قتال الفُرس .. ((قاله.
سيف، وقال ابن إسحاق)): زُهرة بن جُوَيَّة بالجيم، وقول سيف أصَحّ والله
أعلم)(١).
٧ - (حُبَاب بن قَيْظِي، مِن الأنصار ... وقال ابن إسحاق فيما أخبرنا به.
حَبيب، عَن المروزي، عن ابن أيوب، عن إبراهيم بن سعد عنه: جَنّاب بن
قيظي. والمحفوظ بالحاء)(٢).
٨ - (أبو جُرَي، جابر بن سُلَيْم ... حَدَّثنا حمزة بن القاسم، حَدَّثنا
حَنْبَل بن إسحاق، قال: قال أبو عبد الله: قال وكيع في حَديث أبي جُرَيّ !
الهُجَيْمي، أبو جُزَيّ، وأخطأ وكيع فيه)(٣).
وغير ذلك كثير مِمَّا سيلاحظه القارىء وهو يطالع الكتاب .. وأحياناً.
يذكر الدَّار قطني الاختلافات بين الحفاظ دون أن يُرَجِّحَ أو يُبْدي رأيه في هذهٍ .
الأقوال . . ومثال ذلك:
٩ - (خُنَيس بالخاء، فهو خُنَيْس بن خُذَافَة السَّهمي ... وهو مذكور في :
حديث الزُّهري عن سالم، عن أبيه، عن عُمَر: تَأَيَّمَت حَفْصَة مِن خُنَيْس بن:
حذافة .
حَدَّثنا مُحمَّد بن مَخْلَد، حَدَّثنا صالح بن أحمد، حَدَّثنا عَلَيّ بن
المديني، قال: سمعتُ هِشام بن يوسف الصَّنْعَاني، قال: قَالَ مَعْمَر في
حديث: تَأَيَّمَتْ حَقْصَةٍ مِنْ خُنَيْس بن حُذَافَة، فقال له ابن قَمَاذين: إنَّما هو
خُنَيْسَ بِنْ حُذَافَةٍ، فقال مَعْمَر: لا هو حُبَيْش بن حُذَافَةٍ)(٤).
فيمنا أخبرنا أبو :
١٠ - (الحُلَيْس بن زَبَّان، سَيِّد الأحابيش.
(١) باب [حَويّة]:
٤٦٢
(٢) المؤتلف للدارقطني باب [حُبَاب]: ٤٨٣.
(٣) المؤتلف للدارقطني باب [جُرِيَ]: ٤٨٩.
(٤) المؤتلف للدارقطني باب (خَنَيْس]: ٦٩٠.
٩٦

الحُسَيْنِ بن أبي رُؤْبَةٍ، عَن العُطاردي، عن يونس عنه، وقال الزُّبَيْر:
الحُلَيْس بن عَلْقَمَة الحارثي، سَيِّد الأحابيش)(١).
١١ - (مَزْيَد بن هِلال ... ويقال: هلال بن مَزْيد.
حَدَّثنا أبو بكر مُحمَّد بن الحَسَنِ النَّقَّاش المقرىء، حَدَّثنا الحُسَيْن بن
إدريس، حَدَّثْنا مُحمَّد بن عبد الله بن عَمَّار، حَدَّثنا عبد الرّحمن بن مهدي ،
عن هَمَّام بن يحيى، عَن مَزْيَد بن هِلَال قَال: صَلَّيْتُ ... قال ابن عَمَّار:
وَحَدَّثناه وكيع، عَن هَمَّام، عَنِ هِلَال بن مَزْيَد ... قال ابن عَمَّار: والحديث
حديث ابن مهدي. إنَّما هو مَزْيَد بن هِلَال، ووكيف يُخطيء فيه)(٢). وغير
ذلك كثير . . .
إنَّ انتقادات أبي الحَسَن الدَّارقطني للأئمّة الحفاظ لَمْ يُسَلَّم له فيها
كُلَّها .. بل تَعَرضت هذه الانتقادات إلى الدَّراسة والتَّحليل مِن قبل الحفاظ
الذين جاءوا مِن بعده، كالخطيب البغدادي ، وابن ماكولا، وابن
ناصر الدِّين، وغيرهم مِن الحفاظ كما سيلاحظ القارىء وهو يطالع تحقيق
الكتاب .. أضف إلى ذلك أنَّ الدَّارقطني رحمه الله تعالى وَهِمَ في بعض
المواضِع مِن الكتاب فَتَعَرَّض للانتقاد مِن قبل الحفاظ الّذين جاؤًا مِنَ
بَعْدِه ..
فقد ذكر الخطيب البغدادي في آخر كتابه ((المؤتنف)) ما يراه أوهاماً أو
تقصيراً للدَّارقطني في كتابه ((المؤتلف والمختلف)) ولعبد الغني الأزدي في
كتابيه ((المؤتلف والمختلف)) و((مشتبه النسبة)) فقال: (ذكر الفصل الرابع مِن
الكتاب ويشتمل على أشياء غامضة قَصَّر الشيخان في بيانها فشرحناها
وأوضحناها وأشياء كانا بَيَّناها وعَرفنا فيها زيادَةً يَسْتَفيِدُها طلبة العِلْم
فذكرناها)(٣). وقد بَيَّنت هذه الأمور في أثناء التحقيق .. كما أنَّ الخطيب
(١) المؤتلف للدارقطني باب (حُلَيْس): ٧٦١ .
(٢) المؤتلف للدار قطني باب (مَزْيَد) ترجمة «مَزْيَد بن هِلَال)): ٢٠٣٤.
(٣) المؤتنف: ٢٠٧ أ.
٩٧

البغدادي نفسه وهِمَ في أثناء رَدِّه على الحافظين الدَّارقطني وعبد الغني
الأزدي فأَلَّف ابن ماكولا كتاب «تهذيب مستمر الأوهام على ذوي المعرفة.
وأولي الأفهام»
وقالَ في مقدمته: «وجمعتُ في هذا الكتاب أغلاط أبي الحسن
عَلَيّ بن عُمر، وعبد الغني بن سعيد، مما ذكره الخطيب، ومما لم يذكره،
لتكون أغلاطهما في مكان واحد، وما غلطهما فيه وهو الغالط وأغلاظ
الخطيب في ((المؤتنف)). ورتبته على حروف المعجم ليسهل طلبه عَلى
ملتمسيه، ويقرب وجوده مِن طالبيه، وبَيَّنت الحُجَّة عَلى ما ذكرته والدَّليل
على ما أوردته، واعتمدت الإِيجاز والاختصار، ولم أسق الطرق، وأكثر منكر
الأسانيد، وتركت أغلاطاً للخطيب رحمه الله، في تراجم أبواب حكاها عَنِ
الشَّيخين، وَهِمَ عليهما، أو عَلى أحدهما فيها .. ))(١).
والجدير بالذُّكر أنَّ ابن ماكولا نفسه قد وَهِمَ في بعض المواطن مِنْ
الكتاب .. وقد بيَّنت هذا الأمر ونقلت أقوال الحفاظ، ووضَّحت الصواب مِنَ
الخطأ كما سيلاحظه القارىء وهو يطالع الكتاب . .
٦ - موارد الدَّارقطني في الكتاب(٢):
يُعتبر موضوع موارد الدَّارقطني في كتاب ((المؤتلف والمختلف)» مِنَ
الفقرات الهامة جداً لأنها تَدُلُّ عَلى سِعَة علوم الدارقطني واطلاعه على
المؤلفات التي سبقته .. وموارد الدَّارقطني في هذا الكتاب متنوعة ومتعددة
فبعضها في ((الحديث النبوي))، وبعضها في ((السيرة))، وبعضها في ((التاريخ))
وبعضها في ((اللغة والأدب))، وبعضها في ((الأنساب))، وبعضها في ((العلل)).
وبعضها في ((الكنى)) و((الألقاب)) و ((الجرح والتعديل)) وغير ذلك، فهي مصادر
متنوعة ومتعددة، ولا عجب في ذلك فهو إمام إذا ذُكِرَ أيِّ فَنَّ كان عنده علم
منه .
٠ ٠
(١) تهذيب مستمر الأوهام (ق: ٢ - ٣).
(٢) انظر فهرست الكتاب: فهرست الموارد التي ذكرها الدارقطني في كتابه.
٩٨

إنَّ فقرة ((الموارد)) من أهم الفقرات التي تُعَرِّف بالكتاب .. أضف إلى
ذلك فهي مِن الفقرات الشائكة التي تحتاج إلى الدراسة المركزة والعناية الفائقة
فضلاً عن الزَّمن .. كما أنَّ هذه الفقرة ليست من مطالب الرِّسالة، لذا فإِنِّي
سأتطرق إلى بعض هذه (( الموارد)) وأهمّها تاركاً الأمر للمستقبل كي أَتَفَرَّغ
لدراسة ((الأسانيد)) الكثيرة التي روى الدارقطني موارده في هذا الكتاب عَن
طريقها .. وبالله التوفيق ..
- ((أخبار القادسية)) لمحمد بن إسحاق (ت ١٥٣ هـ) وهو صاحب
السيرة النبوية، وسنده إلى ابن إسحاق هو [ .. فيما حَدَّثنا سعد، عن ابن
إسحاق](١) في ((أخبار القادسية)). وذكر لابن إسحاق كتاب ((النكاح)) وسنده
إليه هو [حَدَّثنا ابن صاعد، حَدَّثنا عُبَيْد الله بن سعد، حَدَّثنا عَمِّي، حَدَّثنا
أبي، عن ابن إسحاق].
- ((الاشتقاق))(٢) لأبي بكر محمد بن الحسن بن دُرَيد (ت ٣٢٠ هـ) كما
اقتبس نصوصاً عديدة عن ابن دُرَيْد، ولا أعلم أهي كتباً مستقلةً أم انها من
کتاب واحد ولم يذكر سنده إليها بل اكتفى بالقول ((ذكره ابن دريد))، ومن هذه
الكتب :
- ((الشعراء)) (٣).
- و((ذكر الأنبياء مِنَ العرب))(٤)، كما نقل نصوصاً كثيرة عن ابن دُريد
واكتفى بالقول: ((قاله ابن دُريد)) أو ((ذكره ابن دريد)).
- ((كتاب الأشربة)) لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
(ت ٢٥٦ هـ) وهو مصنف خارج الصحيح، ولم يذكر الدارقطني سنده إلى
(١) كذا ولا شك أنَّ هنالك سقطاً وانظر إسناد الدارقطني الآتي في كتاب ((النكاح)).
(٢) ذكره في باب ((شُتَّيْم)) في أول الباب.
(٣) في ابب [الحُمَّام] في ترجمة (عُمَير بن الحُمَام أبو مُعَيَّة، كنَّه ابن دُريد في الشعراء).
(٤) في باب [رِثَاب] قال: (وقال ابنُ دُرَيْد في ذِكر الأنبياء مِنَ العرب : رِئاب بن زيد بن
شَنّ .. ).
٩٩

الكتاب واكتفى بالقول: [ذكره البخاري في كتاب الأشربة](١).
- ((أصول ((الفُتْيا))(٢) لأبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ
(ت ٢٥٥ هـ) اقتبس منه الدارقطني ولم يذكر سنده إلى المصنّف.
- ((أعيان الموالي مِن جُنْد مصر مِنَ الفقهاء والمحدِّثين والزُّهاد،
وغيرهم)) لأبي عمر مُحَمَّد بن يوسف بن يعقوب الكِنْدي (ت ٣٦٠ هـ) وسنده
إليه قوله: [حَدَّثني أبو أحمد المادرائي الحسن بن أحمد بن علي، قال: قرأ
عَلَيّ أبو عمر مُحمَّد بن يوسف بن يعقوب كتابه هذا في أعيان الموالي مِن
جُند مصر مِنَّ الفقهاء والمحدِّثين والزُّهاد وغيرهم](٣). وذكر له أيضاً كتاب
((الموالي)) وبنفس السند.
و («تابعي أهل مصر)» بنفس السند أيضاً.
إنَّ اقتباسات الدَّارقطني عن مصَنَّفات أبي عُمر الكندي ليست بالقليلة،
بل هي نصوص كثيرة . .
- ((الألقاب)) لأبي المنذر هشام بن محمد بن السَّائب الكلبي
(ت ٢٠٤ هـ) اقتبس منه الدارقطني مواضع كثيرة ولم يذكر سنده إلى
المصنّف بل اكتفى بالقول: [ذكره ابن الكلبي في الألقاب] و[قال ابن الكلبي
في الألقاب] أو[قال ذلك الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن عِمْرَان
الأزدي، عن هشام بن الكلبي] (٤).
- ((أمثال العرب)) - لأبي العَبَّاس المفضل بن محمد بن يعلى الضّبي
(ت ١٦٨ هـ؟) اقتبس منه الدارقطني مَرَّة واحدةً، ولم يذكر سنده إلى الكتاب
(١) باب (كَيْسة] ترجمة (كيْسة بنت أبي كثير): (١٩٧٣، ١٩٧٤).
(٢) باب [مُوَيْس] ترجمة: ((مُوَيْس بن عِمْران أحد المتكلمين)). وذكره ابن النديم في
الفهرست: ٢١١ .
(٣) باب [ذي النون] في ترجمة (ذو النون المصري). وباب [ذاخِر] في ترجمة
(الحارث بن ذاخر) في أول الباب .
(٤) باب [الخطيم] ترجمة ((عباد بن عبد العُزَّىْ)): ٩٢١.
...
١٠٠