Indexed OCR Text

Pages 1-20

المُؤْثَّلِفْ وَ الْجَثَلِفُ

المُؤْثَلِفِ وَ المَخْتَلِفُ
للإمام الحافظ أبي الحسن عَلى بْن عَمْر الدّار قطني البغدادي
المتوفى سنة ٣٨٥ هـ
دِرَاسَة وَتَحَقِيق
الدكتور مَوَفق بن عَبد الله بن عبد القادر
الجَلّد الأوّل
١ - ٥٤٢
دَار الغرب الإسلامي

جسَمْع الحقوق محفوظَة
الطبْعَة الأولى
١٤٠٦ هـ - ٨٦ ١٩ مـ
دَار الغَربِ الإِسْلامِيْ
من. ب: ١١٣/٥٧٨٧
بيروت - لبنان

بسْم الله الرحمن الرَّحِيم
هذا الكتاب رسالة دكتوراه قُدِّمت إلى
كُلِيَّة أصول الدِّين - بجامعة الإمام محمد بن
سعود الإِسلاميّة بالرِّياض ونوقشت بتاريخ:
١٤٠٦/٨/١٥ هـ، الموافق ١٩٨٦/٤/٢٤ م،
ومنحت درجة الدَّكتوراه مع مَرْتبة الشَّرف
الأولى في السُّنَّةِ وعلومها.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدنا محمدٍ خَاتم
الأنبياءِ والمرسلين، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد شاء اللهُ تباركَ وتعالى أن تكونَ لي مع حافظِ الزمانِ الإِمام
الدَّارِقُطنيِّ البغدادي رحمه الله تعالى رحلة طويلة وممتعة .. ذلك أنّي تعرفت
على هذا الإِمام عندما أعددت رسالتي للماجستير وكانت تحقيقاً ودراسةٌ
لكتابي ((الضعفاء والمتروكين)) للإِمام الدارقطني، و((سؤالات حمزة بن
يوسف السَّهمي للدارقطني وغيره من المشايخ في الجرح والتعديل))، وقد
جَرَّني ذلك إلى الاطلاع على حياة هذا الإِمام الجِهْبِذ الذي لم تُخَرِّج بغداد
مثله، والتعرف على مصنفاته القيِّمة .. فوقع اختياري في رسالة الدكتوراه على
كتاب يُعَدُّ من أهم مصنفات هذا الإِمام، بل من أهم المصنَّفات في فَنَّه وهو
كتاب ((المُؤْتَلِف والمختلف)) وبعد تأمّله والنَّظر فيه .. تَقَدَّمت به إلى كلية أصول
الدِّين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .. فتمت الموافقة
عليه. وهكذا استمرت رحلتي العلمية مع الإِمام الدارقطني رحمه الله
تعالى ...
ولا يسعني في هذا المقام إلاّ أنْ أتقدم بجزيل الشكر لجامعة الإِمام
محمد بن سعود الإسلامية متمثلة بكلية أصول الدِّين التي أتاحت لي مواصلة
دراستي العليا في مرحلة الماجستير والدكتوراه، وقدمت لي كل ما احتاجه
٧

هذا البحث من المصادر والمراجع وغير ذلك كثير .. فجزى الله القائمين
عليها كل خير . .
كما أتقدم بوافر الشكر للدكتور الفاضل الشيخ أحمد محمد نور سيف
الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة الذي تفضل بالإشراف على تحقيق
ودراسة هذا الكتاب وأعانني كثيراً بمقابلة النص وملاحظاته السديدة فجزاه الله
تعالى كل خير . .
كما أتقدم بخالص شكري وامتناني للدكتورين الفاضلين : الدكتور/
محمد أديب الصالح، والدكتور عِزَّت عطيّة، اللذين تَجَشّما قراءة هذا الكتاب
ومناقشتي رغم أشغالهما الكثيرة وخالص شكري لجامعة أمّ القرى بمكة
المكرمة مُتَمثِّلَة بمعهد اللغة العربية لغير الناطقين بها، وبخاصة الأخوين
الكريمين الدكتور عبد الله الجربوع، والدكتور عبد الله العَبَّادي .. والله أسألُ
أن يوفق كل من أعانني على تحقيق ودراسة هذا الكتاب القيم وإخراجه إلى
حيز الوجود و أن يغفر لي فيما أخطأت، والمثوبة فيما أصبت ..
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنا إِنْ نَسِيْنا أَو أَخْطَأنا، ربَّنا ولا تَحْمِل علينا إِصراً كما
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رُبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لَ طاقَةً لَنَا بِهِ، وأَعَفُ عَنَّا.
وأغْفِر لَنَا وأرحمنا أنتَ مولانا فانصرنا على القَومِ الكافِرِين﴾ .
٨

النَّعريف بالإِمَامِ الحَافِظِ أبي الحَسَن
عَلَيّ بنِعُم الدَّار قطني البَغْدَادِي
اسمه ونسبه وكنيته ولقبه (١):
هو الإِمام الحافظ المجوِّد، شيخ الإِسلام، عَلَم الجهَابِذة، أبو الحسن
عليّ بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النّعمان بن دينار بن عبد الله
البغدادي، المقرىءِ المحدِّث، من أهلِ دار القُطْن ببغداد(٢).
(١) - مصادر ترجمته في: تاريخ بغداد: ٣٤/١٢، أطراف الغراب لابن طاهر
المقدسي: المجلد الأول: (١ أ - ١٢ أ)، الأنساب: ٤٢٥/٥، المنتظم: ١٨٣/٧،
معجم البلدان: ٤٢٢/٢، اللباب: ٤١٣/١، طبقات الشافعية لابن الصلاح:
(٦٧ ب - ٦٨ أ)، وفيات الأعيان: ٢٩٧/٣، المختصر في أخبار البشر: ١٣٠/٢،
سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٤٩، تاريخ الإسلام: ٤ /٥٦ ب، تذكرة الحفاظ: ٩٩١/٣، العبر:
٣٨/٣، معرفة القراء الكبار: ٢٩٧/١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: ٤٦٢/٣،
طبقات الاسنوي: ٥٠٨/١، البداية والنهاية: ٣١٧/١١، وفيات ابن قنفذ: ٢٢٠،
غاية النهاية في طبقات القراء: ٥٥٨/١، النجوم الزاهرة: ٧٢/٤، طبقات الحفاظ:
٣٩٣، طبقات ابن هداية الله: ١٠٢، شذرات الذهب: ١١٦/٣، هدية العارفين:
٦٨٣/١، الراسلة المستطرفة: ٢٣ ... وغير ذلك من المراجع. وكتبت حول
الدارقطني الكثير من الرسائل الجامعية، والبحوث أذكر منها:
أ - الإِمام الدارقطني وكتابه السنن: رسالة دكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود
الإِسلامية كلية أصول الدين. أعدها الأستاذ عبد الله بن ضيف الرحيلي .
ب - وقد كتبت في مقدمة كتاب ((الضعفاء والمتروكين)) للدارقطني ترجمة للإِمام
الدارقطني. وقام محققاً كتاب ((ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم مِمَّن صَحَّت
روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم)) للإمام الدارقطني باقتباس الترجمة التي
· كتبتها عن الدارقطني بالنص الحرفي دون أن ينبهوا إلى ذلك فتأمّل.
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٦ / ٤٤٩.

مولده :
ولد سنة ست وثلاثمائة (١)، وقيل: سنة خمس وثلاثمائة(٢)، .. ونقل
الخطيب القولين، ولكنه صدر كلامه بالقول الأول (٣)، ويرجِّح القول الأول:
تصريح الدَّارَقُطْني نفسه به حيث قال: «مات أبو العباس أحمد بن (عمر) بن.
سُرَيج القاضي الفقيه سنة ست وثلاثمائة .. وولدت في هذه السنة)) (٤).
طلبه للعلم :
كان والد الدراقطني رجل عِلْم، ومن المُحدِّثين الثَّقات (٥)، فلا بد أن.
يحرص على تعليم ولده وهو صغير، كما أنّه بدأ الكتابة وهو صبي، فقد قال
عن نفسه: ((كتبت في أوّل سنة خمس عشرة وثلاثمائة))(٦). وكان يحضر
مجلس البغوي منذ نعومة أظافره، قال يوسف القواس: ((كنا نمر إلى البغوي
والدَّارقطني صبي يمشي خلفنا بيده رغيف عليه كامخ))(٧).
(ودار القطن: بفتح الدال المهملة، بعدها الألف ثم الراء، والقاف
=
المضمومة، والطاء المهملة الساكنة، وفي آخرِها النون، محلة كانت ببغداد من نهر
طابق بالجانب الغربي بين الكرخ، ونهر عيسى بن عليّ. خربت الساعة، انظر
(الأنساب: ٢٤٥/٥، معجم البلدان: ٤٢٢/٢)، ونهر طابق، وعيسى بن علي، قد
خربا الآن .
(١) مقدمة أطراف الغرائب والأفراد: ١١/١ أ، تاريخ بغداد: (٣٩/١٢-٤٠)، المنتظم:
۔
١٩٣/٧، سير أعلام النبلاء: ٤٤٩/١٦، تذكرة الحفاظ: ٩٩١/٣، طبقات الشافعية
الكبرى، ٤٦٢/٣، وغير ذلك من المراجع.
(٢) تاريخ بغداد: ٤٠/١٢، المنتظم: ١٨٣/٧، وفيات الأعيان: ٢٩٨/٣.
(٣) تاريخ بغداد: (١٢ / ٣٩-٤٠).
(٤) سؤالات السلمي للدار قطني، الترجمة: (٤٦)، وترجمة (أحمد بن عمر بن سُرّيج) في:
باب (سُرَيْج) من ((المؤتلف والمختلف» للدارقطني.
(٥) انظر ترجمة والد الدارقطني في تاريخ بغداد: ٣٩/١١.
(٦) سؤالات البرقاني للدارقطني نسخة دار الكتب ق ٢ أ.
(٧) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٢، تذكرة الحفاظ: ٩٩٤/٣، والكامخ: ((ما يؤتدم به،"
ويؤكل به الخبز»، انظر مختار الصحاح: ٥٧٨، لسان العرب مادة (كمخ).
١٠

ونقل ابن عساكر في تاريخ دمشق عن القواس قوله: ((كُنَّا نمر الى ابن
منيع والدارقطني صبي خلفنا بيده رغيف عليه كامخ، فدخلنا الى ابن منيع،
ومنعناه فقعد على الباب يبكي)»(١).
قال الذهبي : ((وسمع وهو صبي من أبي القاسم البَغَويّ، ويحيى بن
صاعد، وأبي بكر بن داود .. ))(٢). والذي يظهر لنا ونحن نقرأ حياة الدارقطني
أنَّه حفظ القرآن وهو صغير، فقد قال عن نفسه: ((كنت أنا والكُتَّاني نسمع
الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكَتاني محدِّث البَلَد، ويخرج الدَّار قطني
مقرىء البلد، فخرجت أنا مُحدِّثاً، والكُتَّاني مقرئً))(٣). وهذا يدل على أنّ
الدَّراقطني كان ذا صوت جميل، أضف إلى ذلك أنَّ من عادةِ المسلمين أنهم
كانوا يُحِفُِّون القرآن الكريم لأبنائهم وهم في مرحلة الطفولة (٤).
رحلاته العلمية :
بعد أن سَمِع الدارقطني شيوخ بلده، ارتحل إلى البصرة، والكوفة،
وإلى غير ذلك من مدن العراق والتي كانت مركزاً من مراكز العلم والعلماء(٥).
فقد ارتحل إلى واسط للقاء شيوخها والرواية عنهم فقد قال في باب (فَرْخ)
في ترجمة (عبد الله بن محمد بن فَرْخ الواسطي): كتبت عنه بواسط. ورحل
إلى البصرة في حدود العشرين وثلاثمائة (٦)، كما أنه رحل الى الكوفة للسماع
من الحافظ أبي عبد الله محمد بن القاسم بن زكريا الكوفي السُّوداني، قال
الدارقطني: ((كتبت ببغداد من أحاديث السُّوداني .. ثم مضيت إلى الكوفة
(١) تاريخ دمشق: ٢٢ /٢٤١ أ.
(٢) سير أعلام النبلاء : ١٦ /٤٤٩.
(٣) المنتظم: ١٨٤/٧، والكتاني هو (أبو حفص عمر بن إبراهيم ت ٣٩٠ هـ). انظر
المنتظم: ٧ /٢١١.
(٤) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: (١٨-١٩).
(٥) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ١٩.
(٦) الميزان : ٥٧٢/٣.
١١

لأسمع منه))(١). ورحل إلى الشام، ومصر والحجاز، قال الحاكم: ((دخل
الدارقطني الشام ومصر على كبر السن، وحج واستفاد وأفاد، ومصنّفاته يطول
ذكرها)»(٢). ورحل الدارقطني إلى طبرية في الشام وصرح ذلك بنفسه إذ قال
في باب (خَزَر) («وأَمَّا خَزَر فهو محمد بن خَزّر الطّبراني، له تاريخ كبير، كتبته
بطبرية)). ورحل إلى خوزستان للسماع من شيوخها(٣).
رحلته إلى مصر (٤) :-
ومن أبرز رحلات الدارقطني رحلته إلى مصر، إذ دارت حولها شبهات
وكان لها أثر علمي في أهل مصر، وبيان ذلك أنَّ الوزير ابن حِنْزَابَة ((أراد أن:
يُصنِّف مُسْنَداً، فخرج أبو الحسن إليه، وأقام عنده مدَّةً يُصنَّف له المُسْنَد،
وحصل له من جهته مال كثير))(٥). وقد حَدَّد لنا الدارقطني وقت دخول مصر
فقال: (( .. دخلت مصر في سنة سبع وخمسين .. )) (٦)، يعني وثلاثمائة، وقد
لام اليافعي الدارقطني لارتحاله إلى مصر وأخذه المال من الوزير ابن خِنْزَابَة،
فقال: «فإنّه وإن كان ظاهره كما قالوا المساعدة له في تخريج المُسْنَد
المذكور، قلت: لا أرى مثل هذا لائقاً بأهلِ العِلْمِ ، ولا بأهل الدِّين، نعم
لو كانت مثل هذه المساعدة من بعض أهل العِلْم والدِّين، ولا يشوبها شيء
من أمور الدُّنيا كان حسناً منه وفضلاً، وحرصاً على نشر العلم والمساعدة في
الخير)» (٧).
وقد دافع الذهبي - رحمه الله تعالى - عن رحلة الدارقطني الى مصر،
(١) تاريخ بغداد : ٣٫٧/١٢.
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٧.
(٣) ذكر هذه الرحلة ابن نقطة في الاستدراك: الورقة ٤ أ.
(٤) معظم هذا الفصل مقتبس من كتاب ((الضعفاء والمتروكون)) للدارقطني: ١٩-٢١
(٥) تاريخ بغداد: (٢٣٤/٧ - ٢٣٥).
(٦) سؤالات السهمي الترجمة: (٢٩٤)، تهذيب التهذيب: ٤ /٢٧٥.
(٧) مرآة الجنان: ٤٢٧/٢.
١٢

فبعد أنْ أورد حكاية تدل على أنَّ الدارقطني لم يكن في حالةٍ ميسرة من
العيش، ولم يكن له نصيب وافر من المال: ((قال أبو الحسن العتيقي : حضرت
أبا الحسن، وجاءه أبو الحسين البيضاوي بغريب ليقرأ له شيئاً، فامتنع واعتلّ
ببعض العِلَل، فقال: هذا غريب، وسأله أنْ يُملي عليه أحاديث، فأملى عليه
أبو الحسن من حفظه مجلساً تزيد أحاديثه على العشرين، متن جميعها: ((نعم
الشيء الهَدِيَّة أمام الحاجة))(١)، قال: فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد، وقد
أهدى له شيئاً، فقرّبه وأملى عليه مِن حِفظهِ سبعة عشر حديثاً، متون
جميعها: ((إذا أتاكُم كَريم قوم فأكرموه))(٢).
قال الذهبي: ((قلت: هذه حكاية صحيحة، رواها الخطيب عن العتيقي،
وهي دالّة على سعة حِفظ هذا الإِمام، وعلى أنَّه لَوَّح بطلب شيء، وهذا
مذهبٌ لبعض العلماءِ، ولَعَلَّ الدارقطني كان إذ ذاك محتاجاً، وكان يقبل
جوائز دَعْلَجِ السِّجْزِي، وطائفة، وكذا وصله الوزير ابنْ حِنْزَابَة بجملةٍ منَ
الذَّهب لَمَّا خَرَّج له المُسْنَد))(٣).
ويجب أن لا ينسى القارىء أنَّ ابن حِنْزَابِة (٤) لم يكن وزيراً وصاحب
(١) أخرجه الطبراني: ٢٩٤/١، عن الحسين بن علي، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان»:
٧٥/٢، والخطيب في ((تاريخ بغداد)»: ١٦٦/٨ من حديث عائشة وهو خبر باطل لا
يصح. انظر هامش سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٦.
(٢) رواه ابن ماجه: ١٢٢٣/٢، المستدرك: ٢٩٢/٤، الخلاصة في أصول الحديث
للطيبي تحقيق صبحي السامرائي دار مطبعة الارشاد: ٨٣، الميزان: (٥٨/٢،
٣٢٤/٤)، المقاصد الحسنة: ٣٢، كشف الخفاء: ٣٢، فيض القدير للمناوي:
(٢٤١/١، ٢٤٢)، صحيح الجامع الصغير: حديث رقم (٢٦٦) وقال: ((أنه حسن))،
والحكاية في تاريخ بغداد: ٣٩/١٢، وسير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٦.
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٦ / ٤٥٦.
(٤) هو (أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر المعروف بابن حِنْزَابة الببغدادي. نزيل
مصر، وزر لصاحب مصر كافور الخادم توفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة)، ترجمته =
١٣

سلطان وجاه فقط، إنّما هو عالم كبير، ورجل عادل بذل نفسه للعِلْم والعلماء.
وصفه الذهبي فقال: ((الإِمام الحافظ الثُّقة، الوزير الأكمل)) (٤) .. وقال.
السِّلَفِيُّ: ((كان ابن حِنْزَابَة من الحفّاظ الثِّقات المتبجِّحينَ بصُحبة أصحاب
الحديث، جلالة ورياسة، يروي ويُمْلي بمصر في حال وزارته، ولا يختار.
على العِلْمِ وصحبة أهله شيئاً))(٢) ... فرحلة الدارقطني له لمساعدته إنَّما
هي رحلة لِعَالِم من العلماء مشهود له بالتقوى والصلاح، وهذا أمر لا يُلام
عليه الدارقطني، خاصة وأنه لم يقصر نفسه وعِلْمه على ابن حِنْزَابِة بل نشر
علمه بين طلابه واستفاد منه الكثير وتأثّروا به، وعرفوا منزلته وفضله، وكان :
من أبرز تلاميذه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي. قال
منصور بن عَليّ الطَّرطوسي: لمَّا أراد الدارقطني الخروج من عندنا من مصر،
خرجنا نودعه، وبكينا. فقال لنا: تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد، وفيه.
الخَلَف(٣). وهكذا غادر الدارقطني مصر تاركاً بعده تلميذه عبد الغني بن
سعيد ليُتم رسالته في أهل مصر(٤).
شيوخه وتلاميذه :
كان توسع الدارقطني في الطَّلب والرِّحلة، مع ازدهار عصره بالعِلم
والعلماء، سبباً في كثرة شيوخه الذين تلقى عنهم، واستفاد منهم وتأثر
بهم(٥). لذا سأكتفي في هذا المقام بذكر طائفةٍ من شيوخه وتلاميذه دون.
الإِطالة بتراجمهم (٦).
= في تاريخ بغداد: ٢٣٤/٧، المنتظم: ٢١/٧، العبر: ٤٨/٣، سير أعلام النبلاء:
١٦/ ٤٨٤.
(١) سير أعلام النبلاء : ٤٨٤/١٦.
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٨٥.
(٣) تذكرة الحفاظ: ١٠٤٨/٣.
(٤) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ٢١.
(٥) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ٢٦.
(٦) في كتاب الضعفاء والمتروكين للدارقطني ترجمت الأربعين شيخاً من شيوخه. ولعشرة =
١٤

سمع أبا القاسم البَغَوي، وأبا بكر بن أبي داود، ويحيى بن صاعد،
وبدر بن الهيثم القاضي، وأحمد بن إسحاق البُهْلُول، وعبد الوهاب بن أبي
حَيَّة، والفضل بن أحمد الزبيدي، وأبا عمر محمد بن يوسف القاضي،
وأحمد بن القاسم أخا أبي اللَّيث الفَرائضي، وأبا سعيد العَدَوي، ويوسف بن
يعقوب النَّيْسَابوري، وأبا حامد بن هارون الحَضْرمي، وسعيد بن محمد أخا
زُبَيْر الحافظ، ومحمد بن نوح الجُنْدَيْسَابوري ، وأحمد بن عيسى بن السُّكَين
الْبَلّدي، وإسماعيل بن العَبَّاس الورَّاق، وإبراهيم بن حَمَّاد القاضي،
وعبد الله بن محمد بن سعيد الجمال، وأبا طالب أحمد بن نصر الحافظ،
وخلقاً كثيراً من هذه الطبقة، ومن بعدهم (١).
((حَدَّث عنه: الحافظ أبو عبد الله الحاكم، والحافظ عبد الغني، وتمَّام بن
محمد الرَّازي، والفقيه أبو حامد الإِسْفَراييني، وأبو نصر بن الجندي،
وأحمد بن الحسن الطَّيَّان، وأبو عبد الرّحمن السُّلمي، وأبو مسعود الدِّمشقي،
وأبو نُعَيْم الأصبهاني، وأبوبكر البَرْقاني، وأبو الحسن العتيقي، وأحمد بن
محمد بن الحارث، الأصبهاني النحوي، والقاضي أبو الطَّيِّب الطَّبَري،
وعبد العزيز بن علي الأزَجِّي، وأبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران، وأبو
· الحسن بن السِّمسار الدِّمشقي، وأبو حازم بن الفَرَّاء أخو القاضي أبي يعلى،
وأبو النُّعمان تراب بن عمر المصري، وأبو الغنائم عبد الصمد بن المأمون،
وأبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن حَسْنُون النَّرسي، وحمزةُ بنُ
يوسُف السَّهمي، وخَلْق سواهم من البَغَاددة، والدماشِقَة، والمصريين،
والرحَّالين))(٢).
= من تلاميذه. ولديّ قائمة بأسماء شيوخه الذين روى عنهم في ((السنن)) و((المؤتلف
والمختلف)) و((العلل))، أو ذكرهم الخطيب في ((تاريخ بغداد)) مرتبة على حروف
المعجم، وفي النية إخراجها في («مشيخة الدارقطني)). إن شاء الله تعالى.
(١) تاريخ بغدادٍ: ٣٤/١٢، وانظر سير أعلام النبلاء: (٤٤٩/١٦-٤٥٠).
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥١.
١٥

عقيدة الدارقطني :
عقيدة الدارقطني، رحمه الله تعالى، عقيدة سلفية نظيفة بعيدة كل
البعد عن علم الجَدل والتأويل، وغير ذلك من الأمور التي تُبعد المسلمين
عن الصواب في عقيدتهم.
وقد وجهت إليه تهمة التّشَيّع وهي تهمة باطلة ومردودة، قال الخطيب
البغدادي: ((وسمعتُ حمزة بن محمد بن طاهر الدَّقاق، يقول: كان أبو
الحسن الدارقطني يحفظ ديوان السَّيِّد الحميري في جملة ما يحفظ من
الشِّعر، نُسب الى التَّشَيّع لذلك))(١).
ولا شك أنَّ هذا دليل هزيل وميت لا يصلح لأن يُتُّهم من أجله حافظ
كبير كالدَّارقطني بالتَّشَيْعُ. نعم السَّيِّد الحِمْيري: كان رافضياً خَبيثاً(٢). لكنه
كان شاعراً مطبوعاً حلو الشِّعر، بليغه، وكان أبر عُبَيدَة يقول: أشعر المُحْدثِينَ
السَّيِّد الحِميري، وبَشَّار. كما أنَّ شعره كان منتشراً بين أهل بغداد(٣). فحفظ
الدَّارقُطْني لديوانه من باب توسعه في المعرفة، فإلى جانب اشتغاله بالحديث
وعلله كان رحمه الله تعالى عالماً بالقراءات واللّغة، والأدب، ولو أنَّ كل من
يحفظ ديوان شاعر ما يُتّهم بعقيدة ذلك الشاعر لكان كل من حقظ ديوان أبي
نؤاس اتهم بالفسق والفجور، وكل من يحفظ ديوان الشعراء الجاهليين يتهم
بما يعتقدونه، ولَمَا حفظ أحد هذه الدواوين(٤). نقل السُّلَمي عن شيخه
الدارقطني: ((قال الشيخ: اختلف قوم من بغداد من أهل العلم، فقال قوم:
عثمان أفضل. وقال قوم: عَليّ أفضل. فتحاكموا إلي فيه، فسألوني عنه
فأمسكت وقلت: الإمساك عنه خير، ثم لم أرد السكوت، وقلت: دعهم
(١) تاريخ بغداد: ٢٠/١٢.
(٢) اللسان: ٤٢٦/١، والسَّيِّد الحِمْيري هو (إسماعيل بن محمد بن يزيد، ت ١٧٣ هـ)
سيذكره الدارقطني في آخر باب (السَّيِّد) من كتاب ((المؤتلف والمختلف)).
(٣) الأغاني: (٢/٧-٢٣).
(٤) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ٢١ .
١٦

يقولون فيما أحبوا فدعوت الذي جاءني مُسْتَفتياً، وقلت: ارجع اليهم، وقل:
أبو الحسن يقول: عثمان - رضي الله عنه - أفضل باتفاق جماعة أصحاب
رسول الله ، هذا قول أهل السنة، وهو أول عقد يحل في الرفض))(١).
ولعل من المناسب أن نسمع قول الدارقطني في السَّيِّد الحميري، فقد
قال عنه في باب ((السَّيِّد)) من هذا الكتاب: ((السَّيِّد الحِمْيري، الشّاعر، اسمه
إسماعيل بن محمد بن يزيد، كان غالياً يَسبُّ السَّلَف في شعره ويمدح أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام)).
كما أنَّ الدارقطني رحمه الله تعالى قد جَرَّح الكثير من الرواة بسبب
تَشيّعهم الممقوت كقوله في الحارث بن حصيرة: ((يَغلو في التَّشيّع))(٢). وقوله
في عِمَارة بن جُوَيْن (يَتَلَوَّن، خارجي وشيعي))(٣). وغير ذلك كثير مما يلاحظه
القارىء في كتاب ((الضعفاء للدارقطني))، و((سؤالات الحاكم للدارقطني))،
و((سؤالات البَرْقَاني للدارقطني))، وكتاب ((المؤتلف والمختلف)) للدارقطني،
وغير ذلك من كتبه في الجرح والتعديل.
قال الذهبي : قلت: هو برىء من التَّشيّع (٤).
(١) سؤالات السلمي: ٨ أ، سير أعلام النبلاء: (٤٥٧/١٦-٤٥٨) وقال: (قلت: ليس
تفضيل عليّ برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين،
فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد وهما متقاربان في العلم والجلالة،
ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء رضي الله عنهما،
ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإِمام علي وإليه نذهب. والخطب في
ذلك يسير، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد،
ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سَبّهما واعتقد
أنهما ليسا بإمامي هدي فهو من غلاة الرافضة. والله أعلم).
(٢) الضعفاء للدارقطني الترجمة (١٥٨).
(٣) الضعفاء للدارقطني الترجمة (٣٨١).
(٤) معرفة القراء الكبار طبع دار الرسالة: ٣٥١/١.
١٧

وقال السِّيوطي بعد أن ذكر نسبته إلى التَّشَيّع: وما أبعده منه(١).
فعقيدة الدارقطني عقيدة صحيحة نظيفه.
قال السُّلَمي: ((وسمعت الشيخ أبا الحسن يقول: ما في الدنيا شيء
أبغض إليَّ مِن الكَلام))(٢).
قال الذهبي: ((قلت: لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام ولا الجدال،
ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً)) (٣)، وقال الخطيب البغدادي: ((وكان
فريد عصره ... انتهى إليه علم الأثَر والمعرفةِ بعلل الحديث ... مع
الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة
المذهب))(٤) ... وقال الذهبي: (( .. وكان إليه المنتهى في السُّنَّةِ ومَذْهَب
السَّلَفِ))(٥).
مذهبه الفقهي :
كان أبو الحسن الدارقطني على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى،
وقال الخطيب: ((وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد
الإِصْطَخْري(٦)، وقيل بل درس الفقه على صاحب لأبي سعيد، وكتب
الحديث عن أبي سعيد نفسه)»(٧).
(١) طبقات الحفاظ: ٣٩٤.
(٢) سؤالات السلمي: ١٤ ب، سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٧.
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٠.٤٥٧
(٤) تاريخ بغداد: ٣٤/١٢.
(٥) مختصر العلو للعلي الغفار: ٣٥٣.
(٦) هو (أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الإِصْطَّخْري، قال الخطيب: كان أحد الأئمة
المذكورين، ومن شيوخ الفقهاء الشافعيين. توفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة)
ترجمته في تاريخ بغداد: ٢٦٨/٧، طبقات الشافعية الكبرى: ٢٣٠/٣.
(٧) تاريخ بغداد : ٣٥/١٢.
۔
١٨

وكذلك ذكره السُّبْكي في طبقات الشافعية الكبرى(١). وأبو بكر بن
هداية الله الحُسَني في طبقات الشافعية (٢) . والدارقطني كان فقيهاً عالماً
بالفقه واختلاف الفقهاء قال الخطيب وهو يصف علوم الدارقطني: (( ..
والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث .. ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، فإنّ
كتاب ((السنن)) الذي صَنَّفه يدل على أنه كان ممن اعتنى بالفقه، لأنه لا يقدر
على جَمْعٍ ما تضمَّن ذلك الكتاب إلَّ مَن تقدمت معرفته بالاختلاف في
الأحكام . .))(٣).
وحين سُئِل الإِمام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الأئمة من أهل الحديث
ومذاهبهم واجتهادهم أجاب: (( .. وأما البيهقي، فكان على مذهب الشافعي
منتصراً له في عامة أقواله، والدَّارقطني هو أيضاً يميل إلى مذهب الشافعي،
وأئمة السُّنَّة والحديث، لكن ليس هو في تقليد الشافعي كالبيهقي، مع أنّ
البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل، واجتهاد الدارقطني أقوى منه، فإنه
كان أعلم وأفقه منه)) (٤).
ثقافة الدارقطني :
لم يكن الدارقطني رحمه الله تعالى مقتصراً في عِلْمه وثقافته على عِلْم
الحديث، فقط، بل اتسعت معرفته وتنوعت ثقافته في كافة العلوم ومنها:
١ - القراءات :
قال الخطيب: (( .. انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث،
وأسماء الرجال وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول
الشهادة ، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب، والاضطلاع بعلوم سوى علم
(١) طبقات الشافعية الكبرى: ٤٦٢/٣.
(٢) طبقات الشافعية : ١٠٢ .
(٣) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢.
(٤) مجموع الفتاوى الكبرى: ٤١/٢٠.
١٩

الحديث منها القراءات، فإنَّ له فيها كتاباً مختصراً موجزاً جمع الأصول في
أبواب عقدها أول الكتاب. وسمعت بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول: لم
يُسْبَق أبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الأبواب المقدمة في أول
القراءات، وصار القُرّاء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم، ويحذون
حذوه))(١) .
وقال الذهبي: ((وقرأ القرآن على أبي بكر النَّقاش، وأبي الحَسن بن
بويان، وأحمد بن محمد الدِّيباجي، وعليّ بن سعيد بن ذؤابة، وسمع كتاب
(السبعة)) من ابن مجاهد، وتَصَدَّر في أواخرِ أيامه، وصَنَّف فيها كتاباً حافلاً
وهو أوّل من عمل الأبواب قبل فَرْشِ الحروف))(٢).
وقال شمس الدين الجَزَريُّ: ((ولم يعرف مقدار هذا الكتاب إلَّ مَنْ
وقف عليه، ولم يكمل حسن كتاب ((جامع البيان)) إلَّ لكونه نُسجَ على
منواله، وروى عنه الحروف من كتابه هذا محمد بن إبراهيم بن أحمد))(٣).
وسبق أَنْ تقدَّم أنه كان يقرأ القرآن وهو صبي صغير وقال عن نفسه :.
(كنت أنا والكُتَّاني نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يَخرج الكَتَّاني محدَّث
البَلَد، ويَخرج الدَّارقطني مقرىء البلد، فخرجت أنا محدِّثاً والكَتَّاني
مقرءاً) (٤).
وسيروي لنا الدارقطني بعض القراءات في كتابه ((المؤتَّلِف
والمُخْتَلِف».
٢ - الفقه :
لم يكن الدارقطني رحمه الله تعالى محدثاً راوياً لحديث رسول
(١) تاريخ بغداد: (١٢ / ٣٤-٣٥).
(٢) معرفة القراء الكبار للذهبي: (٣٥٠/١-٣٥١).
(٣) غاية النهاية: ٥٥٩/١.
(٤) المنتظم: ١٨٤/٧.
٢٠