Indexed OCR Text
Pages 81-100
المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس * حبه للمدينة النبوية: كان الإمام مالك يجب المدينة النبوية ما لا يتصور فوق ذلك، وما خرج منها إلا للحج والعمرة. ذكر ابن خلكان(١): كان مالك لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول اللّه وَ ل مدفونة. ولما قدم المهدي المدينة؛ بعث إلى مالك بألفي دينار أو بثلاثة مع الربيع، فلما خرج من عنده؛ قال: يا جارية! لا تمسّي هذا المال؛ فإني تفرست حين نظرت وجه الربيع، ورأيت فيه أمراً منكراً، ولهذا المال سبب، فلما حج المهدي، وقدم المدينة؛ أتاه الربيع بعد ذلك، فقال له: أمير المؤمنين يقرؤك السلام، ويحب أن تعادله إلى مدينة السلام، فقال مالك: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وقل له: قال رسول اللّه وَالت: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))، والمال عندي على حاله، أخرجيه يا جارية! أخرجيه، فأبى الربيع أن يقبله، فلم يزل به مالك حتى أخذه، فأتى الربيع المهدي، فغَمَّه ردُّ المال، فلما كان وقت رحلته؛ شيعه الناس فوصلهم، ووجه إلى مالك، فودعه، ولم يأمر له بشيء، فلما أتى منزله وجَّه له ستة آلاف دينار، فالتفت إلى من كان حاضراً، وقال: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً مما ترك (٢). (١) ((وفيات الأعيان)) (٤/ ١٣٥). (٢) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ١٠٠). - ٨١ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة * صلة الإمام مالك مع الولاة: كان الإمام مالك زاهداً عن الدنيا والحكام، ومع ذلك كان يرى ألا يقطع صلته بالخلفاء والأمراء؛ لأنه يرى من الواجب عليه إرشادهم وإصلاحهم، وقد وجد أنَّ وَعْظَ هؤلاء يذهب ببعض ما يقعون فيه، ويقلل من شرهم، وربما حملهم على الصلاح المطلق وصار منهم؛ مثل: عمر بن العزيز؛ لذلك كان يدخل على الأمراء والخلفاء، ويعظهم ويرشدهم ويدعوهم إلى الخير، وكلما كُبُرَ في نظر الناس؛ زادت رغبته في الموعظة، وكان يدعو العلماء إلى الدخول على ذوي السلطان لدعوتهم إلى الخير، وكان يقول: ((حق على كل مسلم -أو رجل- جعل الله في صدره شيئاً من العلم والفقه، أن يدخل إلى ذي السلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر، حتى يتبين دخول العالم عن غيره، فإذا كان؛ فهو الفضل الذي لا بعده فضل))(١). ولقد قال له بعض تلاميذه: الناس يستكثرون أنك تأتي الأمراء، فقال: ((إن ذلك بالحمل من نفسي، وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغي)). فهو يحمِّل نفسه عناء الذهاب، ويغلظ عليها ليأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وكان يرى الواجب عليه النصح لهم، وكان يقول: لولا أني آتيهم؛ ما رأيت للنبي ◌ّ في هذه المدينة سنة معمولاً بها. وكان الأمراء يعرفون مكان الإمام في العلم؛ حتى كان أبو جعفر يطلب منه رأيه في ولاته على الحجاز، وقال له في ذلك: (١) ((ترتيب المدارك)) (٢ / ٩٥). - ٨٢ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس ((إن رابك ريب من عامل المدينة، أو عامل، مكة أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سوء أو شر بالرعية؛ فاكتب إليَّ بذلك، أنزل بهم ما يستحقون، وقد كتبت إلى عمالي بهذا أن يسمعوا منك، ويطيعوا في كل ما تعهد إليهم، فانههم عن المنكر ومرهم بالمعروف؛ تؤجر على ذلك، وأنت حقيق أن تطاع، ويسمع منك)). وكذلك كان الإمام مالك يحترم نفسه إذا لقيهم؛ ليكون لموعظته أثرها ووقعها، فإن مقام القول من مقام قائله. * وعظه للخلفاء والحكام: كان مالك إذا دخل على الوالي وعظه وحثه على مصالح المسلمين، قال الحنيني: سمعت مالكاً يحلف بالله: ما دخلت على أحد منهم - يعني: السلاطين-؛ إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق، ومن ذلك قوله لهارون الرشيد: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور، ويخرج الدخان من لحيته، وقد رضي الناس منكم بدون هذا !! وقال لبعض الولاة: تفقد أمور الرعية؛ فإنك مسؤول عنهم، فإنَّ عمر بن الخطاب قال: والذي نفسي بيده، لو هلك جمل بشاطئ الفرات ضياعاً؛ لظننتُ أنَّ اللَّه يسألني عنه يوم القيامة(١). والخلفاء الذين جاءوا من بعد منصور كلهم من تلاميذ الإمام، ولذلك كان لنصائحه في نفوسهم موضع وأثر. (١) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ٩٦). - ٨٣ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة ولقد دخل مالك على المهدي، فقال: أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول اللّه وَ له وجيرانه. على إثر هذه الوصية أخرج المهدي عطاء كثيراً، وطاف بنفسه على دور المدينة، ولما أراد الرجوع؛ دخل عليه مالك، قال له: إني محتفظ بوصيتك التي حدثتني بها، ولئن سَلِمْتُ ما غِيْتُ عنهم. ناظر أبو جعفر المنصور مالكاً في مسجد النبي ◌ّ، فرفع أبو جعفر صوته، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا ترفع صوتك في هذا المسجد؛ إن الله - تعالى- أدَّب قوماً فقال: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية [الحجرات: ٢]، ومدح قوماً، فقال: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم﴾ الآية [الحجرات: ٣]، وذم قوماً فقال: ﴿إن الذين ينادونك﴾ الآية [الحجرات: ٤]، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر. وشاور المهدي مالكاً في ثلاثة أشياء: في الكعبة أن ينقضها ويردها على ما كانت عليه، فأشار عليه ألا يفعل، وفي المنبر أن ينقضه ويرده على ما كان عليه، وذلك حين أراد أن يرد المنابر كلها صغاراً على منبر النبي ◌َّة، فقال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان - يعني: التي زادها معاوية- وأخشى إن نقضته أن يخرب وينكسر، ولولا ذلك؛ لرأيت أن ترده إلى حالته الأولى. وشاوره في نافع بن أبي نعيم القارئ أن يقدمه للصلاة فأشار عليه ألا يفعل(١). (١) ((ترتيب المدارك)) (٢ / ١٠٦). - ٨٤ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس * الإمام مالكـ في محنة: كانت التيارات السياسية في عهد الإمام كثيرة، هي التي اضطرت الإمام أن يتحفظ؛ ولهذا وُصف مالك بأنه كان أعظم الخلق مروءة، وأكثرهم صمتاً، متحفظاً بلسانه، من أشد الناس مداراة للناس، مع هذا نزلت به محنة في العصر العباسي في عهد أبي جعفر المنصور، وقد اتفق المؤرخون على نزول هذه المحنة، وأكثر الرواة على أنها نزلت سنة (١٤٦ هـ)، وقيل: سنة (١٤٧ هـ). وقد اختلفوا في سبب المحنة على أقوال كثيرة: منهم من قال: إن مالكاً كان يجاهر بمخالفة ابن عباس في نكاح المتعة ويقول: إنه حرام، وابن عباس هو رأس أسرة خلفاء بني عباس(١). وقيل: إن مالكاً - رضي الله عنه- كان يقدم عثمان على علي -رضي الله عنهما-، فأغرى الطالبيون به والي المدينة. وأصح الروايات وأشهرها في سبب المحنة أنه كان يحدث بحديث: (ليس على مستكره طلاق). وكان الوالي على المدينة حينئذ هو ((جعفر)) ابن عم الخليفة المنصور، فسعى إليه الوشاة يقولون له: إنَّ مالكاً يفتي بأنه لا يمين على مستكره، وهذا ما معناه: أن ما أبرمتموه من بيعة الناس بالاستكراه ينقضه مالك بفتواه. (١) ((شذرات الذهب)) (١/ ٢٩٠). - ٨٥ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة وأراد جعفر أن يبادر بالبطش بمالك، وليس بيده بينة إلا السعاة فنهاه بعض ناصحيه عن التسرع، وقال له عن مالك: إنه أكرم الناس على الخليفة، فدس إليه جعفر من يسألونه عن رأيه في الموضوع، فأبدى رأيه بصراحة؛ فضربه. قال ابن خلّكان: وسعى به إلى جعفر بن سليمان في البيعة، فغضب جعفر ودعا به وجرّده وضربه بالسياط، ومدت يداه حتى انخلعت کتفه، وارتكب منه أمرًا عظيمًا، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما تلك السياط حليًّا حلّي به. قال الذهبي: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين(١). واختلف في مقدار الضرب من ثلاثين إلى مئة، ومدت يداه حتى انخلعت كتفاه، وبقي بعد ذلك مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، ولا يسوي رداءه. ويظهر أنّ أهل المدينة عندما رأوا فقيهها وإمامها ينزل به ذلك النكال سخطوا على بني العباس وولاتهم، وجعل الحكام يحسون بمرارة ما فعلوا، وخصوصًا أبا جعفر المنصور، وإنه لم يكن في ظاهر الأمر ضاربًا ولا آمرًا بضرب، ولا راضيًا عنه؛ لذلك عندما جاء إلى الحجاز أرسل إلى الإمام مالك يعتذر إليه. ولنسق الخبر كما جاء على لسان مالك -رضي الله عنه-؛ لنعرف (١) ((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٨١). - ٨٦ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس مقدار إجلال أبي جعفر له، وعظم مالك في سماحته كما كان عظيما في مهابته: ((لما دخلت على أبي جعفر - وقد عهد إليّ أن آتيه في الموسم-؛ قال لي: والله الذي لا إله إلاّ هو، ما أمرت بالذي كان، ولا علمته، إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أمانًا لهم من العذاب، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن، وقد أمرت بعد - والله- أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب، ويضيق محبسه والاستبلاغ في امتهانه، ولا بدّ أن أنزل به من العقوبة ما نالك منه، فقلت: عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه لقرابته من رسول اللّه وَ ل وقرابته منك، قال: فعفا اللَّه عنك ووصلك)». قال الباجي(١): لما حجّ المنصور؛ أقاد مالكًا من جعفر بن سليمان، فأرسله إليه ليقتص منه، فقال: أعوذ بالله، والله ما ارتفع سوط من جسمي إلّ وأنا أجعله في حلّ من ذلك الوقت؛ لقرابته من رسول اللَّه ◌َل .. وقال الدراوردي: سمعته يقول حين ضرب: اللّهمَّ! اغفر لهم فإنهم لا يعملون، قيل: لما ضرب حمل مغشيًّا عليه، فدخل الناس فأفاق، وقال: أشهدكم أني قد جعلت ضاربي في حل. + رسائله إلے الخلفاء: لم يقتصر الإمام مالك في نصائحه للخلفاء على المخاطبة، بل أرسل (١) ((ترتيب المدارك)) (٢ / ١٣١). - ٨٧ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة إليهم رسائل -أيضًا- نصحهم فيها، ومن ذلك رسالة أرسلها إلى بعض الخلفاء يعظه فيها: ((إني أكتب إليك كتابًا لم آل فيه رشدًا، ولم أدّخر فيه نصحًا، فيه تحميد لله وأدب لرسوله وَّ، فتدبّر ذلك بعقلك، وردّد فيه بصرك، وأودعه سمعك، واعقله بعقلك، وأحضره فهمك، ولا تغيّن عنه ذهنك؛ فإنّ فيه الفضل في الدنيا، وحسن ثواب الله -تعالى- في الآخرة، ذكّر نفسك غمرات الموت وما هو نازل بك منه، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله -تعالى-، ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وأعد له ما تسهل به عليك أهوال تلك المشاهدة وكربها، فإنك لو رأيت أهل سخط الله، وما صاروا إليه من أنواع العذاب، وشدة نقمة اللَّه، وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم وطول غمتهم، وتقلّبهم في أدراكها على وجوههم، لا يسمعون ولا يبصرون، يدعون بالثبور، وأعظم من ذلك حسرة إعراض الله -تعالى- بوجهه، وانقطاع رجائهم من روحه، إجابته إياهم بعد طول الغم، أن ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، لم يتعاظمك شيء من الدنيا أردت به النجاة من ذلك، ولا أمنك من هوله، ولو قدمت في طلب النجاة جميع ما لأهل الدنيا كان ذلك صغيراً. ولو رأيت أهل طاعة الله، وما صاروا إليه من كرامة اللّه، ومنزلتهم مع قربهم من الله -تعالى-، ونضرة وجوههم، ونور ألوانهم، وسرورهم بالنظر إليه، والمكان منه، والجاه عنده، مع قربه منهم؛ لتقلل في عينك عظیم ما طلبت به الدنيا، فاحذر على نفسك حذرًا غير تغرير، - ٨٨ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس وبادر إلى نفسك قبل أن تسبق إليها، وما تخاف الحسرة فيه عند نزول الموت، وخاصم نفسك لله - تعالى- على مهل، وأنت تقدر بإذن الله -تعالى- على جر المنفعة إليها، وصرف الحجة عنها قبل أن يوليك اللَّه حسابها، ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها، ولا جرّ المنفعة إليها، اجعل لله من نفسك نصيبها بالليل والنهار؛ فإنَّ عمرك ينقص مع ساعات الليل، وأنت قائم على الأرض وهو يسير بك، فكلما مضت ساعة من أجلك، والحفظة لا يغفلون عن الدّق والجلّ من عملك، حتى تملأ صحيفتك التي کتب الله عليك. فعليك بخلاص نفسك إن كنت لها محبًّا، فاحذر ما قد حذّرك اللَّه -تعالى-؛ فإنه يقول: ﴿ويحذّركم اللَّه نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨ و٣٠]، ولا تحقّر الذنب الصغير مع ما قد علمت من قول الله - تعالى -: ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧ و٨]، وقال: ﴿مّا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨]، وحافظ على فرائض الله، واجتنب سخط الله، واحذر دعوة المظلوم، ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]، والسلام)). وكتب إلى بعض الخلفاء كتابًا فيه: ((اعلم أنّ الله - تعالى- قد خصّك من موعظتي إياك بما نصحتك به قديمًا، وبيّنت لك فيه ما أرجو أن يكون الله - تعالى- جعله لك سعادة، وأمرًا جعل به سبيلك إلى الجنة؛ فلتكن - رحمنا الله وإياك- فيما كتبت إليك مع القيام بأمر الله وما استرعاك الله من رعيته، فإنك المسؤول عنهم صغيرهم وكبيرهم. - ٨٩ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة وقد قال النبي رَّر: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)). وروي في بعض الحديث: ((أنه يؤتى بالوالي ويده مغلولة إلى عنقه، فلا يفك عنه إلاّ بالعدل))، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: ((والله، إن هلكت سخلة بشط الفرات ضياعًا؛ لكنت أرى أن اللَّه -تعالى- سائل عنها عمر))، وحجّ عمر - رضي الله عنه- عشر سنين، وبلغني أنه كان ما ينفق في حجته إلاّ اثني عشر دينارًا، وكان ينزل في ظل الشجر، ويحمل على عنقه الدرَّة، ويدور في الأسواق يسأل عن أحوال من حضره وغاب عنه. وبلغني أنه وقت أصيب؛ حضر أصحاب النبي ◌َّ فأثنوا عليه، فقال: المغرور من غرّرتموه، لو أنّ ما على الأرض ذهب؛ لافتديت به من أهوال المطلع. فعمر - رضي الله عنه- كان موفّقًا مع ما قد شهد له النبي وَّل بالجنة، ثم مع هذا خائف لما تقلّد من أمور المسلمين، فكيف بمن قد علمت؟ فعليك بما يقربك إلى الله أسوة بما قد مضى من سلفك، وعليك بتقوى الله، فقدمه حيث هممت، وتطلع فيما كتبت به إليك في أوقاتك كلها، وخذ نفسك بتعاهدها والأخذ به والتأديب عليه، واسأل الله - تعالى- التوفيق والرشاد - إن شاء الله تعالى -. * مهابته: من الصفات التي وهبها اللَّه الإمام مالكًا: المهابة، فقد تواترت الأخبار واستفاضت في مهابته. - ٩٠ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس قال زياد بن يونس: ما رأيت قط عالمًا ولا عابدًا، ولا شاطرًا، ولا واليًا أهيب من مالك -رحمه الله تعالى -. قال سعيد بن أبي مريم: ما رأيت أشد هيبة من مالك، لقد كانت هيبته أشد من هيبة السلطان. قال الشافعي: ما هبت أحدًا قط هيبتي مالك بن أنس حين نظرت إليه. وقيل: كان الثوري في مجلسه، فلما رأى إجلال الناس له وإجلاله للعلم؛ أنشد: يأبى الجواب فلا يراجع هيبة فالسائلون نواكس الأذقان أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان قال ابن الحارث: كان مالك يجل العلم الذي عنده إجلالاً عظيمًا، ويصون نفسه عن جميع الوجوه التي تنقص، وإن قلّت، وكان مهيبًا شديدًا(١). * صدق فراسته: وقد وهبه الله فراسة؛ وهي: قوة يعرف بها بواطن الأمور، وقد كان الشافعي صاحب فراسة؛ فقيل له فيها؟ فقال: أخذتها من مالك. (١) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ٣٥). - ٩١ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس قال أسد بن الفرات: لزمت أنا وصاحب لي مالكًا، فلما أردنا الخروج إلى العراق؛ أتيناه مودّعين له، فقلنا له: أوصنا، فالتفت إلى صاحبي وقال: أوصيك بالقرآن خيرًا، والتفت إليّ وقال: أوصيك بهذه الأمة خيرًا، قال أسد: فما مات صاحبي حتى أقبل على العبادة والقرآن، وولي أسد القضاء. قال الشافعي: لما سرت إلى المدينة ولقيت مالكًا وسمع كلامي؛ نظر إليّ ساعة - وكانت له فراسة-، ثم قال لي: ما اسمك؟ قلت: محمد، قال: يا محمد! اتّق اللَّه، واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشأن. قال غيره: كانت لمالك فراسة لا تخطئ نظر يومًا إلى ثلاثة من أصحابه من أهل إفريقية: ابن فروخ، وابن غانم، والبهلول بن راشد، فقال في ابن غانم: هذا قاضي بلده، وفي البهلول: هذا عابد بلده، وفي ابن فروخ: هذا فقيه بلده. * اتّباعه السنن وكراهيته المحدثات: كان مالك كثيرا ما يتمثّل: وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع قال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء. وقال مالك: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد. وقال: إنه يقسي القلب ويورث الضغن. قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكًا، فقال: ﴿الرحمن على - ٩٢ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس العرش استوى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى يا أبا عبدالله؟! فسكت مالك مليًّا حتى علاه الرّحضاء، وما رأينا مالكًا وجد من شيء وجد من مقالته، وجعل الناس ينتظرون ما يأمر به، ثم سرى عنه، فقال: الاستواء معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه عنّي، فناداه الرجل: يا أبا عبدالله! والله الذي لا إله إلّ هو، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدا وفق لما وفّقت له. * عبادة مالكـ: قال الزبير بن حبيب: كنت أرى مالكًا إذا دخل الشهر أحيا أول ليلة منه، وكنت أظن إنما يفعل هذا؛ ليفتتح به الشهر. وقالت فاطمة بنت مالك: كان مالك يصلّي كل ليلة حزبه، فإذا كانت ليلة الجمعة؛ أحياها كلها. قال المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة، فمررت بمالك ابن أنس؛ فإذا به قائم يصلي، فلما فرغ من الحمد للّه ابتدأ بـ ﴿ألهكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١]، حتى بلغ: ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨]، فبكى بكاء طويلاً، وجعل يرددها، ويبكي حتى طلع الفجر، فلما تبين له ركع فصرت إلى منزلي، فتوضأت ثم أتيت المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، فلما أصبح؛ نظرت، فإذا أنا بوجهه قد علاه نور حسن. قال محمد بن خالد بن عثمة: كنت إذا رأيت وجه مالك؛ رأيت - ٩٣ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة أعلام الآخرة في وجهه، فإذا تكلم علمت أن الحق يخرج من فيه. قال أبو مصعب: كان مالك يطيل الركوع والسجود في ورده، وإذا وقف في الصلاة كأنه خشبة يابسة لا يتحرك منه شيء، فلما ضرب؛ قيل له: لو خففت في هذا قليلاً؟ فقال: ما ينبغي لأحد أن يعمل عملاً إلا حسنه، والله - تعالى- يقول: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢] الآية. قال ابن المبارك: رأيت مالكًا، فرأيته من الخاشعين، وإنما رفعه اللَّه بسريرة بينه وبينه. * ورعه: لا يبلغ الإنسان ذروة الكمال بدون الورع والتقوى، وكان الإمام على جانب كبير منهما. قال بعضهم: رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً-؛ إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك؟ فقال: ((وهل يكب الناس في جهنم إلا هذا))، وأشار إلى لسانه. ولقد بلغني أن رجلاً دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، فإذا قال هو؛ فكيف بنا إلا أن يتغمدنا الله برحمته. قال الشافعي: رأيت بباب مالك كراعًا من أفراس خراسان - ويقال: مصر-، فقلت: ما أحسنها! فقال: هي هبة مني إليك، فقلت: دع لنفسك دابة تركبها، قال: أنا أستحي من الله أن أطأ تربة نبي الله - ٩٤ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس بحافر دابة. : إجابة دعائه. قال مطرف: لقد رأيته يومًا وهو جالس في المجلس بعد الصبح يدعو ووجهه يصفر ويخضر حتى أطال الدعاء، فأتاه سائل عن مسألة، فقطع عليه فالتفت مغضبًا، فقال: يأتي أحدكم الرجل وهو في دعائه، وقد فتح الله عليه منه ما شاء أن يفتحه مما يستيقن به الإجابة، فيقطع ذلك عليه؛ فلا يعود أبدًا. * حكمه ودرر كلامه: قال مالك: إنما التواضع في الدين والتقى. وقال: التواضع ترك الرياء والسمعة. وقال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذى قد رواه الناس. قال: الزهد في الدين طيب المكسب، وقصر الأمل. وقال: الدنيا صحة البدن وطيب النفس من النعيم. وقال: التواضع في التقى والدين، وليس في اللباس. وقال: ليس العلم بكثرة الرواية، وانما العلم نور يضعة الله في القلوب. وقال: العلم نور لا يأنس إلا بقلب تقى خاشع. وقال: من إذلال العلم أن تجيب كل من سألك. وقال: الحكمة نور يقذفة الله في قلب العبد. - ٩٥ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس وقال: تعلموا العلم قبل العمل. وقال لبعض بني أخيه: اذا تعلمت علمًا من طاعة الله؛ فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك العلم الذى تعلمته السكينة والحلم والوقار. وقال: حقًّا على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لآثار من مضى، وينبغى لأهل العلم أن يجلوا أنفسهم من المزاح، وبخاصة إذا ذكروا الله. وقال: أدب اللَّه القرآن، وأدب رسوله السنة، وأدب الصالحين الفقة. قال سفيان: دخلت على مالك، فقلت له: إن العلم كثير، فقال: العلم شجرة أصلها بمكة، وأغصانها بالمدينة، وأوراقها بالعراق، وثمراتها بخراسان. وقال: من أدب العالم أن لا يضحك إلاَّ تبسما. وقال: کثرة الكلام تمج العلم وتذله وتنقصه. وقال: الناس في العلم أربعة: رجل علم فعمل به؛ فمثله في كتاب اللَّه قوله: ﴿إنما يخشى اللَّهَ من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، ورجل علم به ولم يعلمه، فمثله في كتاب الله: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ [البقرة: ١٥٩]، ورجل علم علمًا وعلمه ولم يعمل به؛ فمثله في كتاب الله: ﴿إن هم إلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: ٤٤]. قال مطرف: وكان مالك إذا ودَّعه أحد من طلبة العلم عنده يقول - ٩٦ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس لهم: اتقوا الله في هذا العلم، ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثوه ولا تكتموه، ولن ينال هذا الأمر حتى يذاق طعم الفقر. وقال ابن المبارك: سمعته يقول: لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، فإذا كان كذلك؛ أوشك أن يفتح اللَّهُ في قلبه. قال ابن وهب: سمعته يقول: ما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة. قال: ما أسرَّ عبد سريرة خير إلا ألبسه اللَّهُ رداءها، ولا أسرَّ سريرة سوء إلاَّ ألبسه اللَّهُ رداءها. قال: من أراد الله به خيرًا جمع عليه شمله، ومن نعم الله -تعالى- على العبد: أن يجمع علية أمره، ومن بلواه عليه: أن يشتت عليه أمره. قال: من سعادة المرء أن يوفق للخير، ومن شقاوة المرء أن لا يزال يخطىء. قال: إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه. * عقيدته: البيعة على العقيدة: عقد الإمام مالك -رحمه اللَّه- كتاباً في ((موطئه)) سماه: (كتاب البيعة)، وأدخل تحته أحاديث يدلل بها على العنوان. روى مالك عن عبدالله بن دينار: أن عبدالله بن عمر، قال: كنا إذا بايعنا رسول اللّه ◌َليل على السمع والطاعة يقول لنا رسول اللَّهِ وَّرْ - ٩٧ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة ((فيما استطعتم))(١). وروى مالك عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة؛ أنها قالت: أتيت رسول اللَّه وَسليل في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلن: يا رسول اللَّه! نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول اللّه وَ له: ((فيما استطعتن وأطقتكن))، قالت: فقلت: اللَّه ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول اللَّه! فقال الرسول وَلية: ((إني لا أصافح النساء؛ إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة)) أو: ((مثل قولي لامرأة واحدة))(٢). موقفه من البدع والمبتدعة: نسوق في هذا الموقف نصوصًا جاءت عن الإمام مالك في ذم البدع والمبتدعة كيفما كان نوعها. جاء في ((الاعتصام)) (٢ / ١٥٥- ١٥٦) للشاطبي: ((وقال مالك: قُبضَ رسول اللّهِ وَّله، وقد تم هذا الأمر واستكمل؛ فينبغي أن تتبع آثار رسول اللَّه ◌َ له وأصحابه، ولا يتبع الرأي؛ فإنه من اتبع الرأي جاءه رجل أقوى في الرأي منه؛ فاتبعه، فكلما غلبه رجل اتبعه، أرى أن هذا بعد لم يتم. (١) انظر تخريجه برقم (١٩٨٣). (٢) انظر تخريجه برقم (١٩٨٤). - ٩٨ - المقدمة ترجمة الإمام مالك بن أنس واعملوا من الآثار بما روي عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي حلال﴾ قال: ((قد تركت فيكم ما إذا اعتصمت به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض))(١). وجاء في ((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٩٨) عن مالك: ((سن رسول اللَّه وَّل﴾ وولاة الأمور بعده سنتاً، الأخذ بها؛ اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها؛ من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها؛ فهو منصور، ومن تركها؛ اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصیرًا. وفيه (٨/ ٩٩) عن الشافعي قال: كان مالك إذا جاء بعض أهل الأهواء قال: ((أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه)). موقفه من الزنادقة والمشرڪين: جاء في ((المدونة)) (٢/ ١٧٦): ((قلت أرأيت المرتد، هل يعقد النكاح على بناته الأبكار في قول مالك؟ قال: لا يعقد في رأي، ألا ترى أن ذبيحته لا تؤكل وأنه على غير الإسلام؟ ولو كان أبوها ذمياً وهي مسلمة؛ لم يجز أن يعقد نكاحها، فالمرتد - أيضًا-، وألا يجوز أحرى، ألا ترى أن المرتد لا يرثه ورثته من المسلمين ولا غيرهم عند مالك؟ فهذا (١) انظر تخريجه برقم (١٧٧٣). - ٩٩ - ترجمة الإمام مالك بن أنس المقدمة يدلك على أن ولايته قد انقطعت حين قال: لا يرثه ورثته من المسلمين، ولا یرثهم)». وجاء في ((المدونة)) (٢/ ٣١٨): ((قلت: أرأيت من ارتد عن الإسلام، يسقط عنه ما كان قد وجب عليه من النذور، وما ضيع من الفرائض الواجبة التي وجب عليه قضاؤها، أو مرض في رمضان فوجب عليه قضاؤه، أو الحدود التي لله أو للناس، إذا رجع إلى الإسلام أيسقط عنه شيء من هذه الأشياء؟ قال: نعم يسقط عنه كل ما وجب للَّه عليه، إلا الحدود والفرية والسرقة وحقوق الناس، وما لو كان عمله كافراً في حال کفره، ثم أسلم لم یوضع، ومما یبین لك ذلك أنه يوضع عنه ما وضع من الفرائض التي هي لله، أنه لو حج حجة الإسلام قبل ارتداده ثم ارتد، ثم رجع إلى الإسلام: أن عليه أن يحج بعد رجوعه إلى الإسلام حجة أخرى حجة الإسلام. قال مالك: لأن الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥]، فحجه من عمله، وعليه حجة أخرى، فهذا يخبرك أن كل ما فعل من الفرائض قبل ارتداده لم ينفعه، فكذلك ما ضيع قبل ارتداده، ولا يكون عليه شيء، وهو ساقط عنه. قلت: ويأتي القتل على القصاص الذي هو للناس؟ قال: نعم، قلت: وتحفظ هذا عن مالك، قال: نعم. قال: أرأيت الرجل يوصي بوصايا، ثم يرتد، فيقتل على ردته، أيكون لأهل الوصايا شيء أم لا؟ - ١٠٠ -