Indexed OCR Text
Pages 1-20
المنْلِ العَ المُرُون
شرخُ سُنِ الإِلم إلى دَاوُدَ
للإمام الجليل المحقق ، والعارف الرتانى المدقق
محي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد المرحوم الشيخ
المتوفى فى الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسك عالى الجنان
الجزء العاشر
عنى بتنقيحه وتصحيحه نجل الشيخ الإمام السيد
أمين محمود خطاب
من العلماءالمدسي الذييز
الطبعة الثانية
١٣٩٤ ٠٠
د
كباب فى صلة الرحم
أى الإحسان إلى الأقارب. يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة «بحذف الواو وتعويض الها.
عنها)، أحسن إلى أقاربه، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقه القرابة
والرحم ويفتح فكسر ككتف، ويخفف بسكون المهملة مع فتح الراء وكسرها، فى الأصل
موضع تكوين الولد . سميت به القرابة لأنهم خرجوا من رحم واحدة ، وقيل هو مشتق من
الرحمة لأن الأقارب شأنهم التراحم وعطف بعضهم على بعض، وهو يؤنث، ويذكر والأكثر
تذكيره إذا استعمل فى القرابة
﴿ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادُ عَنْ ثَابَت عَنْ أَنَسَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ((لَنْ
تَلُوا الْبِرَّْى تَتْقُوا عَمَّا تُحِبُونَ، قَالَ أَبُو ◌َلْحَةَ: يَرَسُولَ اللهِ أَرَى رَبًّا يَسْأَنا مِنْ أَمْوَانَا
فَإِى أَشْهَدُكَ أَبِى قَدْ جَعَلْتُ أَرْضى ((بَارِيِحَاءَ» لَهُ، فَقَلَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَمَ: اجْعَهَا فِى قَرَابَكَ، فَقْسَمَهَ بَيْنَ حَسَّنَ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبَ بْ كَعْبٍ
﴿ش﴾ (حماد) بن سلمة كما فى بعض النسخ. و﴿ثابت) البنانى (قوله لن تنالوا البر
حتى تنفقوا ما تحبون) أى لن تصيبوا الإحسان والثواب الكامل من اللّه تعالى حتى تنفقوا
أحب أموالكم إليكم فى سبيله ومرضاته . وقيل البر التقوى. وقيل الجنة . وأصل البر التوسع فى
الخير. يقال برّ العبد ربه إذا توسع فى طاعته، فالبر من الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وقد
يستعمل فى الصدق وحسن الخلق لأنهما من الخير المتوسع فيه (قوله يسألنا من أموالنا) أى
يرغبنا فى التصدق ببعض أموالنا (قوله قد جعلت أرضى باريحاء له) أى تصدقت بها الله تعالى،
وباريها. بفتح الموحدة بعدها ألف وراء مكسورة ثم ياء ساكنة وحاءمهملة وألف مدودة، وهو بدل
أو عطف بيان بماقبله. وهو هكذافى جميع النسخ، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة، فإن
أريحا. بأرض الشام. ويحتمل إن كان محفوظ أن يكون بستان أبي طلحة سمى باسمها. وفى مسلم والبخارى
٣
أقوال العلماء فى المراد بالأقارب
بيرحاء وهو المشهور، وقد اختلف فى ضبطه فقيل بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمدفيها
وقيل بفتحهما والقصر وهو الأفصح، وقيل إنه من كب إضافى بحركات الإعراب على الراء والإضافة
إلى حاء. قال القاضى عياض رواية المغاربة إعراب الراء والقصر فى حاء، وخطأ هذا الصورىّ،
وعلى هذا فهى مركبة من كلمتين بيركلمة وحاءكلة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف فى حاء هل هى اسم
رجل أوامرأة أو مكان أضيفت إليه البئر، وفى رواية لمسلم بريحاء بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها
ياء ساكنة ثم حاء مهملة، قال الباجى: أفصح هذه اللغات بيرحا بفتح الباء وسكون الياء وفتح
الراء مقصورا. وجزم به الصاغانى. وقال إنه فيعلا من البراح، وهى الأرض الظاهرة المنكشفة.
آبار المدينة فقد صحف اهـ وبيرحا بستان بالمدينة
ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر ...
أمام المسجد، ففى رواية للشيخين عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من
تخل وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم يدخلها و يشرب من ماء فيها طيب ، وفى رواية البخارى عن أنس وأن أحب
أموالى إلىّ بيرحاء، قال ((أى أنس)، وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها ، وقيلموضع بقرب المسجد يعرف بقصر بنى جديلة
بفتح الجيم وكسر الدال المهملة ﴿ قوله اجعلها فى قرابتك﴾ أى اجعل الأرض فى أقاربك والقرابة
فى الأصل مصدر يطلق على الواحد وغيره يقال هو قرابتى وهم قرابى، وقد اختلف فى المراد
بالأقارب ، فقال أبو حنيفة القرابة كل ذى رحم محرم من قبل الأب أو الأم ماعدا الوالدين
(الأب والجد والأم والجدة، والولد وولد الولد، فلا يسمون قرابة لأن الله تعالى عطف الأقربين
على الوالدين فى قوله ((الوصية للوالدين والأقربين ، والمعطوف غير المعطوف عليه. وقال
أبو يوسف ومحمد القرابة كل من ينتسب إليه بواسطة أبيه أو أمه إلى أقصى أب له أدرك الإسلام
ماعدا الوالدين والولد وولد الولد ، وقالت الشافعية قرابة الرجل من اجتمع معه فى النسب
قرب أم بعد مسلماً أو كافراً ذكرا أو أنثى غنياً أو فقيراً وارثاً أو غير وارث محرما أو غير
محرم ، ولهم فى دخول الأصول والفروع فى القرابة قولان، وقال أحمد فى القرابة كالشافعية
إلا أنه أخرج الكافر. وروى عنه أن قرابة الرجل كل من جمعه به الأب الرابع فمن
دونه، وقال مالك القريب العاصب ولو غير وارث ﴿قوله فقسمها بين حسان الخ﴾ أى قسم
أبو طلحة أرضه بينهما بأمر النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ، ففي رواية النسائى اجعلها
فى قرابتك فى حسان بن ثابت وأبىّ بن كعب. وقد تمسك به من قال إن أقل من يعطى من
الأقارب إذا لم يكونوا محصورين اثنان، وفيه نظر ، فقد وقع فى رواية البخارى التصريح بأنه
جعلها فيهما وفى غيرهما ، فقد روى من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة عن إسحاق
٤
المذاهب فيما تملك به الصدقة : جواز أخذ الغنى من صدقة التطوع
ابن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس (الحديث) وفيه فتصدق به أبو طلحة على ذوى رحمه، وكان
منهم أبىّ وحسان، وقدبين فى مرسل أبى بكر بن حزم من أعطوا منها مع حسان وأبىّ، قال: إن
أبا طلحة تصدق بماله وكان موضعه قصر بنى جديلة فدفعه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم فردّه على أقاربه أبيّ بن كعب وحسان بن ثابت وثيط بن جابر وشداد بن أوساهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب فى الإنفاق من أحب الأموال. وعلى جواز
إضافة المال إلى الشخص الفاضل العالم وأن يضيفه هو إلى نفسه ولا نقص يلحقه فى ذلك.
وعلى استحباب مشاورة أهل الفضل والعلم فيما يريد الإنسان عمله من الخير . وعلى أن الصدقة
على الأقارب أفضل منها على غيرهم. وعلى مشروعية الصدقة المطلقة وهى التى لم يعين مصر فها
أولا وإنما يعين بعد. وعلى جواز إعطاء الواحد من الصدقة فوق النصاب لأن هذا الحائط
خص كل واحد من المتصدق عليهم منه أنصباء، فقد باع حسان حصته لمعاوية بمائة ألف درهم
وهذا يدل على أن أبا طلحة ملكهم أرض باريحاء، إذ لو وقفها ماساغ لحسان بيعها . وعلى جواز
الأخذ بالعام والتمسك به، لأن أبا طلحة فهم من قوله تعالى ((لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما
تحبون)، تناوله جميع أفراده فبادر إلى إنفاق ما يحبه وأفره النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على
ذلك . وفيه دليل لما ذهب إليه المالكية من أن الصدقة تخرج من ملك المتصدق بمجرد القول
وإن لم يقبضها المتصدق عليه، فإن كانت لمعين طلب قبضها، وإن كانت لجهة خرجت من ملك
المتصدق، وللإمام صرفها فى سبيل الصدقة، وذهب غيرهم من الأئمة إلى أن الصدقة لاتملك إلا
بالقبض لأنها من التبرعات ، وعلى أن الصدقة على جهة عامة كسبيل الله لا تحتاج إلى قبول معين
بل للإمام قبولها من المتصدق ووضعها فيما يراه ولو فى قرابة المتصدق . ودل الحديث على جواز
أخذ الغنى من صدقة التطوع إذا جاءت له بلاسؤال ، فقد كان أبيّ بن كعب من مياسير الأنصار
ودلّ على فضل أبى طلحة ورغبته فى الخير ، حيث بادر إلى إنفاق أحب ماله إليه وأقره عليه النبى
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأثنى عليه بقوله: بخ بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح.
رواه الشيخان . وعلى أنه لا يعتبر فى القرابة أب معين كرابع أوغيره، لأن أبيا إنما يجتمع مع
أبي طلحة فى الأب السادس وعلى أنه لا يجب تقديم الأقرب على القريب فى الصدقة لأن حسانا
أقرب إلى أبى طلحة من أبىّ
﴿والحديث) أخرجه أيضا أحمد ومسلم، وكذا النسائى والدار قطنى فى الأحباس. وأخرجه البخارى
ومسلم والنسائى من حديث مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طاحة عن أنس قال : كان أبو طلحة
أكثر الأنصار بالمدينة مالامن نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء كانتمستقبلة المسجد، وكان
النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس فلما نزلت ((لن
بیان قرابة حسان بن ثابت وأبى بن كعب من ابن أبىطلحة
تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)) قام أبو طلحة فقال: يارسول الله إن الله يقول ((لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون)، وإن أحب أموالى إلى بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عندالله
فضعها حيث أراك الله، فقال بخ ذلك مال رابح ذلك مالرابح وقد سمعت ماقلت، وإنى أرى أن
تجعلها فى الأقربين، فقال أبو طلحة أفعل ذلك يارسول اللّه، فقسمها أبو طلحة فى أقار به وبنى
عمه. وأخرجه البخاوى أيضا فى الوصايامن طريق عبد العزيز بن أبى سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن
أبى طلحة عن أنس. قال: لما نزلت ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)) جاء أبو طلحة إلى
رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يارسول الله يقول الله فى كتابه «لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون)) وإن أحب أموالى إلىّ بيرخاء ((وكانت حديقة كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها، فهى إلى الله وإلى رسوله أرجو بره
وذخره، فضعها (أى رسول الله)، حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى اللّه تعالى عليه وسلم بخ ياأبا
طلحة ذلك مال رابح قبلناه منك ورددناه إليك فاجعله فى الأقربين ، فتصدق به أبو طلحة على ذوى
رحمه، وكان منهم أبى وحسان وباع حسان حصته منه من معاوية ، فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة؟
فقال ألاأبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم؟ وكانت تلك الحديقة موضع قصر بنى جديلة الذى
بناه معاوية، وأخرجه الدار قطنى أيضا والطحاوى وأبو نعيم والبيهقى من طريق حميد عن أنس
قال: لما نزلت ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)) أو ((من ذا الذى يقرض الله قرضا
حسنا، قال أبو طلحة: يارسول الله حائطى فى مكان كذا وكذا صدقة لله تعالى، ولو استطعت
أن أسره لم أعلنه، قال اجعله فى فقراء أهل بيتك
﴿ص﴾ قَالَ أَبُو دَأُوَدَ: بَغَى ◌َزِ الْأَنْصَارِىِّ مُحَمَّد بْن عَبْدِالله قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ
سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِبْ حَامِبِنْ عَمْرِو بْ زَيْدِ مَ ينْ عَدَى بَنْ عَرِ بِنْ مَالِكِ بنِ النَّجَارِ
وَحَسَُّ بْنُ قَابِتِ بْ اْذِرِ بِنْ حَرَامٍ يَخْتَمِعَانِ إلَى حَرَامٍ وَهُوَ الْأَبُ الثَّالِثُ، وَأَبِّ بْنُ
كُمْبِ بِنْ غَيْسِ بْن ◌َتِكِ بْ زَيْدٍ بِنْ مَعَاوِيَةَ بْنِ عَمْوِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَارِ، فَعْرُوْ يَحْمَعُ
حَسَّانَ وَأَبَطْحَةً وَأُبيًّ. قَالَ الْأَنْصَارِىُّ بَيْنَ أَبِىِ وَأَبِ طَلْحَ سِنَةُ آبَاءِ
(ش) غرض المصنف بذلك بيان قرابة أبىّ وحسان من أبى طلحة ( محمد بن عبد الله)
ابن المثنى بن عبد الله بن أنس. و (زيد بن سهل) صحابي جليل شهد العقبة والمشاهد كلها أحد
المنهل العذب المرود: شرح سنن الإمام أبى داود
نقياء الأنصار . روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه عبد الله وأنس
ابن مالك وابن عباس وزيد بن خالد وغيرهم. عاش بعد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
أربعين سنة وكان لا يفطر إلا يوم أضحى أو فطر، و﴿ عمرو بن زيد مناة بن عدى ) هكذا
هنا وفى البخارى وأسد الغابة والإستيعاب وطبقات ابن سعدوتهذيب التهذيب. والذى فى الإصابة
ابن زيدمناة بن عمرو بن مالك بن عدىّ بن عمرو بن مالك ابن النجار اه فزاد عمربن مالك بعدزيد
مناة، والنجار لقب تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وإنما لقب بالنجار قيل لأنه اختتن
بالقدوم وقيل ضرب وجه رجل بقدوم فنجره فقيل له النجار ( قوله يجتمعان إلى حرام) أى يجتمع
أبو طلحة وحسان فى الأب الثالث لهما وهو حرام. و﴿عتيك) بفتح العين وكسر المثناة الفوقية ،
هكذافى أكثر نسخ المصنف وفى نسخة بن عبيد بن عتيك بن معاوية وهى خطأ أيضا ، والصواب
ابن عبيد بالتصغير ابن زيد كما فى الإصابة والبخارى وغيرهما (قوله فعمر ويجمع حسان الخ) أى
أن نسب الثلاثة يجتمع فى عمرو بن مالك (قوله بين أبيّ وأبى طلحة ستة آباء) الذى فى البخارى
((فهو يجامع حسان وأبا طلحة وأبيا إلى ستة آباء)، ولفظ ((هو)) يرجع فى كلامه إلى عمرو بن مالك
يعنى أنه مجمع نسبهم كما تقدم. ويمكن حمل عبارة المصنف على هذا يعنى أن بین أبى وأبى طلحة وبين
عمرو بن مالك الذى هو مجمع نسبهما ستة آباء، وهذا ظاهر بالنسبة لأبى طاحة أما أبىّ فليس بينه
وبين عمرو إلا خمسة آباء فى العبارة شىء من التسامح
﴿ص) خَدَّثَنَ هَنَّاهُ بْنُ الَّرِىِّ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ مُحَدِ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ بُكَيْرِ بِنْ عَبْدِ اللهِ
آبْ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَْنَ بْنِ يَسَارِ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِالَّيِّ صَلّى اللهُعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَ قَالَتْ: كَتْ لِى جَارِيَةٌفَهَا قََ عَلَى النِّ صَلّى اللهُتَعَلَى عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ
فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: أَجَرَكَ الله أَمَا أَنْكَ لَوْ كُنْتِ أَعْطِهَا أَخْوَ الَكِ كَنَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ
(ش) مناسبة الحديث للترجمة فى قوله أما أنك لو كنت أعطيتها أخوالك الخ (عبدة)
ابن سليمان ( قوله كانت لى جارية الخ) وفى رواية البخارى من طريق كريب مولى ابن عباس
أن ميمونة بنت الحارث رضى الله عنها أخبرته أنها أعتقت وليدة (أمة) ولم تستأذن النبي صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله فأعتقتها) بالهمزة فى أكثر النسخ وهو الصواب . وفى
بعضها فعتقتها بدون همز وهو تحريف لأن عتق الثلاثى لازم لا يتعدى بنفسه وإنما يتعدى
بالهمزة، فيقال أعتقته ولا يقال عتقته كما فى المصباح (قوله فدخل علىّ النبيّ فأخبرته)أی بأنى
أعتقتها رغبة فى الثواب . وفى رواية البخارى فلما كان يومها الذى يدور عليها فيه قالت : أشعرت
٧
هل الهبة لذى الرحم أفضل من العتق ؟ جواز تبرع المرأة من مالها بلا إذن زوجها
يارسول الله إنى أعتقت وليدنى؟ قال أو فعلت؟ قالت ذمم {قوله أجركُ اللّه) أى أثابك الله
على هذا العمل. وأجر بالقصر من بابى قتل وضرب ويقال آجر بالمد ﴿قوله أما أنك) بفتح الهمزة
وتخفيف الميم وهو هنا بمعنى حقاً. وكلمة أن مفتوحة الهمزة بخلاف أما الاستفتاحية فهمزة إن
تكسر بعدها كما تكسر بعد ألا الاستفتاحية ﴿قوله لو كنت أغطيتها أخوالك﴾ وفى بعض
النسخ زيادة ياء مثناة بعد التاء فى أعطيتها، ولعلها للإشباع. وأخوالها كانوا من بنى هلال. وفى
رواية الأصيلى أخواتك بالتاء. قال عياض ولعله أصح من رواية أخو الك بدليل رواية مالك فى
الموطإ فلو أعطيتها أختيك، وقال النووى الجميع صحيح ولا تعارض ويكون النبى صلى اللّه تعالى
عليه وآله وسلم قال ذلك كله ﴿قوله كان أعظم لأ جرك) أى لأن فى إعطائها إياهم صدقة وصلة. وفيه
دليل على أن الهبة لذى الرحم أفضل من العتق. ويؤيده مارواه الترمذى والنسائى وأحمد من حديث
سلمان بن عامر الضبي مرفوعا «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذى الرحم صدقة وصلة )، ورواه
أيضاً ابن خزيمة وابن حبان وصححاه . ومحل كون الهية إلى ذى الرحم أفضل من العتق إذا كان
ذو الرحم فقيراً لامطلقاً لما فى رواية النسائى فقال: أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم؟
فبين صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم الوجه فى الأولوية وهو احتياج قرابتها إلى من يخدمهم.
وإن لم يكن محتاجا كان العتق أفضل لما رواه ابن ماجه والترمذى عن أبى هريرة مرفوعا (من
أعتق رقبة مسلمة أعتق الله له بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه )، وقيل إن
حديث الباب واقعة عين فلا يحتج به على أن صلة الرحم أفضل من العتق. والحق أنها ليست
واقعة عين لأن الأصل عدم الخصوصية ، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما علمت
﴿فقه الحديث) دل الحديث على جواز تبرّع المرأة من مالها من غير إذن زوجها ((وأما)،
ما أخرجه النسائى وسيأتى للمصنف فى «باب عطية المرأة بغير إذن زوجها، من كتاب الهبة من
طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال
لا يجوز لامرأة هبة فى مالها إذا ملك زوجها عصمتها ((فهو ضعيف) بعمرو بن شعيب فلا يقاوم
حديث الباب، وعلى فرض صحته فهو محمول على الأدب وحسن العشرة. وقد نقل عن الشافعى
أنه قال: الحديث ليس بثابت وكيف نقول به والقرآن يدلّ على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم
المعقول اهـ وقال البيهقى إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح. فمن أثبتعمرو بن شعيب
لزمه إثبات هذا إلا أن الأحاديث المعارضة له أصح إسناداً، وفيها وفى الآيات دلالة على نفوذ
تصرّفها فى مالها بدون إذن الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولا على الأدب
والاختيار اهـودلّ الحديث على فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب. وعلى أنه أفضل
من العتق ، وقد علمت مافيه . وعلى الاعتناء بأقارب الأم إ كراما لحقها وزيادة فى برها
٨
الترغيب فى الصدقة بعد كفاية النفس ومن تلزم المتصدق نفقته
﴿ والحديث) أخرجه أيضاً النسائى فى كتاب العتق من السنن الكبرى والحاكم وقال حديث
صحيح على شرط مسلم. وكذا أخرجه مسلم فى كتاب الزكاة من طريق كريب مولى ابن عباس
عن ميمونة بحولفظ المصنف. وأخرجه البخارى فى «باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها)، من
طريق بكير عن كريب بلفظ تقدم
﴿ص) حَدَّثَنَا مُّدُ بْنُ كَثِ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُهْدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ الْقَبْرِىُّ عَنْ
أَبِ هُرَيْرَةَقَالَ: أَمَرَالنِّ صَلَّى اللهُ تَعَلَى عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَمَبِالصَّدَقَ، فَقَالَرَ جُلٌ يَارَ سُولَ
الله: عَنْدِى دينَارٌ، قَالَ تَصَدِّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ عِنْدِى آخَرُ، قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَلَ
عنْدى آخَرُ قَالَ تَصَدْقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتكَ أَوْزَوْجِكَ، قَالَ عنْدى آخَرُ، قَلَ تَصَدَّقْ بِه عَلَى
خادمكَ، قَالَ عَنْدى آخَرُ، قَالَ أَنْتَ أَبْصَرُ
﴿ش﴾ (سفيان) الثورى. و﴿المقبرى) سعيد بن أبى سعيد (قوله أمر النبي بالصدقة)
أى بقوله تصدّقواكما فى رواية النسائى (قوله قال تصدّق به على نفسك الخ) وفى نسخة فقال الخ
أى أنفقه فى قضاء حواتجك وإنما قدّم النفس لأنها أعز محبوب للإنسان ولأن حقوقها مقدمة
على غيرها. وثى بالولد لشدة احتياجه إلى النفقة ولزيادة قربه من الأب بالنسبة لسائر الأقارب لكونه
كبعضه وقرة عينه وفلذة كبده فإذا ضيعه ملك ولم يجد من ينوب عنه فى الإنفاق عليه . وأخر
الزوجة عن الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها أمكنه مفارقتها فينفق عليها قريب أو زوج آخر.
وكذا الخادم فإنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون على من يملكه (قوله أوزوجك) وفى
نسخة أوقال زوجك ﴿قوله أنت أبصر) أى أعلم بطريق صرفه بعد أن بينت لك أصول المصارف
.وأن الأقارب أحق بالصدقة من الأباعد بحسب تفاوت المراتب بينهم
﴿فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب فى الصدقة من فضل المال بعد كفاية النفس
ومن تلزم المتصدق نفقته . وعلى أن نفقة الولد مقدمة على نفقة الزوجة وهى على الخادم لأن
نفقة الولد إنما تجب لحق النسبية البعضية وهى لا تنقطع . أما نفقة الزوجة فواجبة بالإمساك
والتمتع وهذا قد ينقطع بالفراق
﴿والحديث) أخرجه أيضاً النسائى والحاكم وقال حديث صحيح على شرط مسلم لكن فى
سنده محمد بن عجلان و فيه مقال كما تقدم
٩
الحث على القيام بمصلحة الرعية وعلى صلة الرحم
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بِنْ كَثِير نَاسُفْيَنُ نَا أَبُو إِشْحَاقَ عَنْ وَهْب بِنْ جَابرِ الْخَيْوَانىَ عَن
عبد الله بْنْ عَمْرِ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ كَ بِالْرِ إِنَّمَا
أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ
(ش) (رجال الحديث) (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى. و﴿وهب بن جابر)
الهمدانى الكوفى. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وعنه أبو إسحاق السبيعى فقط. وثقه
ابن معين والعجلى وذكره ابن حبان فى الثقات وقال النسائى وعلى بن المدينى مجهول وقال فى التقريب
مقبول من الرابعة. و﴿الخيوانى) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية آخر الحروف نسبة إلى
خيوان مدينة باليمن . روى له أبو داود والنسائى
﴿المعنى﴾ (قوله كفى بالمرء إنما الخ﴾ أى كفى المر إنما تضييع من يقوته بترك النفقة
عليه، فالمرء مفعول والباء زائدة وأن يضيع فى تأويل مصدر فاعل كفى. ويقوت مضارع قات من
باب قال والاسم القوت بالضم وهو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام ومعنى من يتقوت
من تلزمه نفقته من الأهل والعيال والعبيد، فكأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال
لمن يريد التصدق بما لا يزيد عن نفقة من تلزمه نفقته طالباً الأجر لا تتصدق بهذا فينقلب إنما
إذا ضيعت من تقوت، ويحتمل أن المراد كفى بالمرء إنما أن يحبس النفقة عمن تلزمه نفقته
فيضيعون، ويؤيد هذا مارواه مسلم من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال: كنا جلوسامع عبدالله
ابن عمرو إذ جاءَه قهرمان له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال لا قال فانطلق فأعطهم قال
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ((كفى بالمرء إنما أن يحبس عمن يملك قوته))
والقهرمان بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء الخازن القائم بحوائج الإنسان وهو بمعنى الوكيل
﴿فقه الحديث ) دل الحديث على التنفير من تصدق الشخص بما لا يزيد عن نفقة من تلزمه
نفقته . وعلى عظيم إثم من يفعل ذلك
﴿والحديث) أخرجه أيضاً أحمد فى مسنده والحاكم والبيهقى فى السنن والنسائى
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا أَحَدُ بْنُ صَالِحٍ وَ يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبِ وَهَذَا حَدِيثُهُ قَالَ نَا أَبْنُ وَهْبِ قَالَ
أَخْرَ فِى يُؤنُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىاللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَمَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلْهِ فِى رِزْقَه وَيَفْسَهُ فِ أَثْرِهِ فَصِلْ رَحَِهُ
(م ٢ - المنهل العذب المورود - ج - ١٠)
بيان المراد بالرحم التى توصل . معنى التأخير فى الأجل
﴿ش) (ابن وهب) عبد الله. و(يونس) بن عبيد. و﴿الزهرى) محمد بن مسلم
﴿قوله من سره أن يبسط عليه فى رزقه) هكذا فى أكثر النسخ وفى بعضها من سره أن يبسط
الله عليه. وفى بعضها من سره أن يبسط له أى من أحب أن يوسع له فى رزقه . وفى رواية
للشيخين من أحب أن يبسط له فى رزقة ﴿قوله ويفسأله فى أثره) بضم فسكون أى يؤخر له فى
أجله يقال نسا الله فى عمرك وأنسأ عمرك أخره. والأثرههنا آخر العمر قال كعب بن زهير
والمرء ماعاش ممدود له أمل . لا ينتهى العين حتى ينتهى الأثر
وسمى الأجل أثرا لأن أثر الشىء ما يدل عليه ويتبعه وهو يتبع العمر (قوله فليصل رحمه)
يعنى فليحسن إلى قرابته ويتعطف عليهم ويرفق بهم ويراعى أحوالهم ويدفع عنهم الشر. وقد
اختلف العلماء فى حدّ الرحم التى تجب صلتها فقيل هو القريب الذى يحرم نكاحه بحيث لو كان أحدهما
أنثى لحرم نكاحه، وعليه فلا يدخل فيه أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات ، واستدل
لهذا بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فى النكاح لماقد يؤدى إليه الجمع بينهما من التقاطع.
قالوا فلو كانت صلة من لا يحرم نكاحه من الأقارب كبنت العموبنت الخال واجبة لحرم الجمع بينهما.
وقيل المراد بالرحم القريب الوارث لحديث أبى هريرة أن رجلا قال يارسول اللّه من أحق الناس بحق
الصحبة ؟ قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك. أخرجه مسلم. وقيل المراد به القريب
ولو غيروارث لحديث عبدالله بن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: أبرّ البرأن يصل
الرجل ودّ أبيه . أخرجه مسلم. وهذا هو الظاهر قال القرطبى الرحم التى توصل عامة وخاصة
فالعامة قرابة الدين تجب صلتها بالتوادد والتناصح والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة
والرحم الخاصة قرابة النسب وهى تزيد بالإحسان إلى القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته
( وعلى الجملة) فالمعنى الجامع للصلة إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب
الطاقة . وهى درجات بعضها أرفع من بعض. أدناها ترك الخصام ويتحقق بالكلام ولو بالسلام
وأعلاها القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة . وهذا فى حق المؤمنين الصادقين وأما الكفار
والفساق فتجب مقاطعتهم إذا لم تنفع فيهم النصيحة (والحديث) لا يعارض قوله تعالى ((فإذا جاء
أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، لأن النسا فى الأجل كناية عن البركة فى العمر بسبب
التوفيق إلى الطاعة والبعد عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل . ومنه علم ينتفع به بعده وصدقة
جارية وولد صالح فكأنه لم يمت. وهذا هو المناسب لظاهر الحديث ورجحه الطيبى فإن الأثر
ما يتبع الشىء فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعدالموت. ويؤيده ما أخرجه الطبرانى
فى الصغير بسند ضعيف عن أبى الدرداء قال: ذكر عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
من وصل رحمه أنسى له فى أجله فقال (« إنه ليس زيادة فى عمره قال الله تعالى، فإذا جاء أجلهم
١١
الترغيب فى صلة الرحم والتنفير من قطعها
الآية ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده، وأخرج فى الكبير من حديث
أبى مشجعة الجهنى مرفوعا (إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر ذرية صالحة))
الحديث. وجزم به ابن فورك فقال إن المراد بزيادة العمر فى الآفات عن صاحب البر فى فهمه
وعقله ورزقه وغير ذلك، قال فى السبل ولابن القيم فى كتاب الداء والدواء كلام يقتضى أن مدة
حياة العبد وعمره هى مهما كان قلبه مقبلا على الله ذاكراً له مطيعا غير عاص فهذه هى عمره، ومتى
أعرض القلب عن الله تعالى واشتغل بالمعاصى ضاعت عليه أيام حياة عمره فعلى هذا معنى أنه
ينسأ له فى أجله أى يعمر الله قلبه بذكره وأوقاته بطاعته اه ويحتمل أن التأخير فى الأجل على
حقيقته وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، والذى فى الآية منظور فيه إلى ما فى علم الله
كأن يقال للملك إن عمر فلان ثمانون مثلاإن وصل رحمه وإن قطعها خمسون، وقد سبق فى علمه
تعالى أنه يصل أو يقطع، فالذى فى علم اللّه تعالى لا يتقدم ولا يتأخر والذى فى علم الملك هو الذى
يمكن فيه الزيادة والنقص ، وإليه الإشارة بقوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب،
فالمحو والإثبات بالنسبة لما فى علم الملك. وما فى أم الكتاب هو الذى فى علم الله تعالى فلا محو
فيه ألبتة ويقال له القضاء المبرم ويقال الأول القضاء المعلق. وقيل إن كل إنسان له أجلان أجل
ينقضى بموته وأجل ينقضى بيعثه فابتداء أجل الموت من حين ولادته وابتداء أجل البعث من
حين موته ومجموع الأجلين محدود لا يزيد ولا ينقص ، فالطائع البار الواصل للرحم يزاد له فى
أجل الدنيا وينقص من أجل البرزخ الذى هو القبر، والعاصى القاطع للرحم يزاد له أجل البرزخ
وينقص له من أجل الدنيا قيل وبه فسر قوله تعالى ((وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره
إلا فى كتاب »
﴿فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب فى صلة الرحم: وعلى أنها سبب لسعة الرزق
والبركة فى العمر
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد والشيخان والنسائى وأخرجه البخارى عن أبى هريرة
﴿ص﴾ حَدَّثَ مُسَدِّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِشَيْمَةَ قَالَنَا سُفْيَانُ عَنِالزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِ سَلَةَ
عَنْ عَبْدِ الْنِ بْنِ عَوْفٍ قَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَمَ يَقُولُ
قَالَ اللهُ تَعَالَى أَنَ الرَّحْنُ وَهِىَ الرَّحِمُ شَقَفْتُ لَا أَنْحَ مِنَ أَنْحِى مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْهُ
وَمَنْ قَطَهَا بَتُهُ
١٢
المخل العذب المورود: شرح سنن الإمام أبى داود
﴿ش﴾ (أبو بكر ابن أبى شيبة) عبد الله بن محمد بن أبى شيبة. و (سفيان) بن عيينة
و﴿أبو سلمة) قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه كنيته وقيل إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف
﴿قوله أنا الرحمن) مشتق من الرحمة وهى فى الأصل رقة فى القلب تقتضى التفضل والإ حسان
والمراد هنا لازمها لاستحالة المعنى الأصلى عليه تعالى أى أنا المتصف بهذه الصفة (قوله وهى
الرحم) بكسر ففتح والمراد بها القرابة كما تقدم. وفى رواية الترمذى أنا اللّه وأنا الرحمن خلقت
الرحم ، وهى واضحة بخلاف رواية المصنف فإن الضمير فيها لم يذكر مرجعه (قوله شققت
لها الخ﴾ أى جعلت لها اسما مأخوذا من اسمى الرحمن والمراد أنها أثر من آثار رحمة الرحمن
﴿قوله من وصلها وصلته الخ﴾ أى من أحسن إلى قرابته وتعطف عليهم وراعى حقوقهم رحمته
وأحسنت إليه وأكرمته فى الدارين ومن ترك الإحسان إلى اقاربه قطعته عن رحمتی وأبعدته
عن إحسانى الخاص. والقطيعة تتحق بترك الإحسان وإن لم ينضم إليها إساءة لأن الأحاديث
آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة والصلة نوع من الإحسان والقطيفة ضدها ولا واسطة بينهما
﴿فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب فى صلة الرحم لما يترتب عليها من رحمة الله تعالى
للواصل وإكرامه له بأنواع الإحسان. وعلى التنفير من ترك الإحسان إلى القريب وهجره
لما يترتب على ذلك من غضب الله تعالى على القاطع وتعذيبه عذابا شديدا. وعلى صحة القول
بالاشتقاق فى الأسماء العربية والرد على من أنكر ذلك وادعى أن الأسماء كلها موضوعة . وعلى
أن اسمه تعالى الرحمن عربى مأخوذ من الرحمة خلافا لمن زعم أنه عبرى
﴿والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخارى فى الأدب والحاكم والترمذى بلفظ أتم عن
أبى سلمة قال: اشتكى أبو الرداد الليى فعاده عبد الرحمن بن عوف فقال خير هم وأوصلهم ما علمت
أبا محمد فقال عبد الرحمن سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول قال الله
تعالى أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى الحديث. وقال حديث صحيح.
وفى تصحيحه نظر فقد قال ابن المدينى وأحمد وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وأبوداود
حديث أبى سلمة عن أبيه ( يعنى عبد الرحمن بن عوف) مرسل قال أحمد مات أبوه وهو صغير.
وقال أبو حاتم لا يصح عندى وصرح الباقون بكونه لم يسمع منه وقال ابن عبد البرلم يسمع من
أبيه أفاده فى تهذيب التهذيب، فالحديث منقطع لكن يقويه أنه روى من عدة طرق موصولا كما يأتى
﴿صَ﴾ حَدَّثَ عَمَّدُ بْنُ الْتَوَكَّلِ الْعَمْقَلاَِّ نَا عْدُ الرَّزْقِ أَنَا سَعْمَرٌ عَنِ الْرِىُّ
حَدْثَى أَبُو سَ أَنَّ الَّدْاَ الَِّ أَخْرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّْنِ بْنِ عَوْفٍ أَّهُسَمَعَ رَسُولَ اللهِ
١٣
المراد من وعيد قاطع الرحم بعدم دخول الجنة
صَلَى الله تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بَمِعْنَأُهُ
(ش) (رجال الحديث) (عبد الرزاق) بن همام. و(معمر) بن راشد. و﴿الرداد)
الحجازى والمشهور أبو الرداد، روى عن عبد الرحمن بن عوف، وعنه أبو سلمة بن
عبدالرحمن. ذكره ابن حبان فى الثقات وقال فى التقريب مقبول من الثانية . روى له البخارى
فى الأدب وأبو داود(قوله بمعناه) أى بمعنى حديث سفيان بن عيينة المتقدم. ولفظه كما نقله
الحافظ فى تهذيب التهذيب عن المصنف أن عبد الرحمن بن عوف سمع النبي صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم يقول قال الله أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم الحديث، ولعل الحافظ اطلع على
نسخة للمؤلف فيها لفظ الحديث ، وهذه الرواية أشار إليها الترمذى بقوله وروى معمر هذا الحديث
عن الزهرى عن أبى سلمة عن ردّاد الليثى عن عبد الرحمن بن عوف ومعمر كذا يقول قال محمد
( يعنى البخارى) وحديث معمر خطأ اهو كذا قال أبو حاتم الرازى إن المعروف أبو سلمة
عن عبدالرحمن وأما أبو الردّاد الليثى فإن له فى القصة ذكرا اهـ يعنى لا على أنه راوعن عبدالرحمن
كما تقدم فى رواية الترمذى ، وقال ابن حبان رداد الليثى يروى عن ابن عوف وذكر الحديث من
طريق معمر عن الزهرى عن أبى سلمة عن رداد عن عبد الرحمن قال وما أحسب معمرا حفظه
روى هذا الخبر أصحاب الزهرى عن أبى سلمة عن ابن عوف اهـ أقول لكن يقوى رواية معمر
مارواه البخارى فى الأدب المفرد من حديث محمد بن أبى عتيق عن الزهرى عن أبى سلمة عن
أبى الردّاد الليثى الخ ذكره الحافظ فى تهذيب التهذيب وقال تابعه شعيب بن أبى حمزة عن الزهرى
كذلك وهو الصواب اه ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من أن أبا سلمة لم يسمع من أبيه فعلم من
رواية معمر أن الواسطة ردّاد
﴿ص﴾ حَدَّ مُسَدَّدْ نَاسُفْيَانُ عَنِ الْأَهْرِىِّ عَنْ مَمِدِ ينِ جُِرِ بِنْ مُطْمٍ عَنْ أَبِيِهِ
يَبْغُ بِهِ الَِّّ صَلَّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ قَالَ لَا يَدْخُلُ الَّةَ فَاطِعَ
﴿ش) (قوله يبلغ به النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم) أى يرفع الحديث إليه
﴿قوله لا يدخل الجنة قاطع﴾ أى قاطع رحم كما صرح به فى رواية البخارى فى الأدب المفرد وفى
رواية لمسلم من طريق مالك عن الزهرى ، وأخرجه مسلم والترمذى من طريق سفيان بن عيينة
عن الزهرى وقال سفيان يعنى قاطع رحم فأدرج فيه التفسير ، وهو محمول على من يستحل قطع
الرحم بلاسبب ولا شبهة مع علمه بتحريم ذلك فإنه يكون كافرا حينئذ يخلد فى النار والعياذ
بالله تعالى وإلا فمر تكب الإثم لا يحرم من دخول الجنة، أو يحمل على أنه لا يدخلها مع السابقين
١٤
معنی حدیث (( ليس الواصل بالمكافىء))
فيعاقب بتأخيره القدر الذى يستحقه
﴿فقه الحديث) دل الحديث على التحذير والترهيب من قطيعة الرحم. وعلى عظم عقوبة
مر تکب ذلك
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخارى ومسلم والترمذى
﴿ص﴾ حَدَّتَ ابْنُ كَثِيرِ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ وَالْحَنِ بْن عَمْرِ وَفِطْرِ عَنْ مُجاهد
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوَ قَالَ سُفْيَتُه ◌َلَمْ يَقَهُ سُلْمَنُ إلَى الَّيِّ صَلّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَلَمْ وَرَفَهُ فِظْرٌ وَالْحَسَنُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ: لَيْسَ
الْوَاصُلُ بِالْمُكَافِىءَ وَلَكِنَّ الْوَاصَلَ الَّذى إذَا قَطَعَتْ رَحُهُ وَصَلَهَا
﴿ش﴾ (رجال الحديث) (ابن كثير) محمد. و﴿سفيان) الثورى. و﴿الحسن بن
عمرو) التميمى الكوفى. روى عن مجاهد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وجماعة
وعنه سفيان الثورى وابن المبارك وحفص بن غياث وعبد الواحد بن زيادوغيرهم . وثقه أحمد
والنسائى وابن معين والعجلى وابن المدينى وقال فى التقريب ثقة ثبت من السادسة . مات سنة اثنتين
وأربعين ومائة، روى له البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه. و ﴿فطر) بن خليفة .
و﴿ مجاهد ) بن جبر (قوله ولم يرفعه سليمان الخ) أى لم يرفع الحديث سليمان بن مهران الأعمش
الذى هو أحد مشايخ سفيان ورفعه فطروالحسن شيخاه الآخران . قال فى الفتح وهذا هو المحفوظ
عن الثورى ، وأخرجه الاسماعيلى من رواية محمد بن يوسفالفریابى عن سفيان الثورى عن
الحسن بن عمرو وحده مرفوعا، ومن رواية مؤمل بن إسماعيل عن الثورى وعن الحسن بن عمرو
موقوفا وعن الأعمش مرفوعا، وتابعه أبو قرة موسى بن طارق عن الثورى على رفع رواية
الأعمش، وخالفه عبد الرزاق عن الثورى فرفع رواية الحسن بن عمرو وهو المعتمد ولم يختلفوا
فى أن رواية فطر بن خليفة مرفوعة
﴿المعنى﴾ (قوله ليس الواصل بالمكافئ الخ﴾ أى ليس الواصل للرحم الذى يعطى لقريبه
نظير ما أخذه منه لكن الواصل لرحمه هو الذى إذا قطعته قرابته من إحسانها وصلها . وهذا على
أن قطعت مبنى للفاعل كما هو أكثر الروايات . أما على أنه مبنى للمفعول كما فى بعض الروايات
فالمعنى عليه أن الواصل هو الذى يحسن إلى قريبه عند احتياجه وعجزه عن المكافأة. وقال عمر
ليس الوصل أن تصل من وصلك ذلك القصاص لكن الوصل أن تصل من قطعك أخرجه
١٥
بعض ماورد فى الترغيب فى صلة الرحم والتنفير من قطعها
عبد الرزاق موقوفا على عمر. والحديث محمول على الكمال فى الوصل فلا ينافى أن المكافىء قد
أتى بأصل الوصل، والقاطع من ترك الوصل فالناس فى هذا ثلاث درجات واصل ومكافئ
وقاطع، فالواصل من يتفضل على قرابته ولا يتفضلون عليه، والمكافئ الذى لا يزيد فى الإعطاء
على ما يأخذ، والقاطع الذى يتفضل عليه ولا يتفضل على غيره، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين
تقع بالمقاطعة من الجانبين ، فمن بدأ فهو القاطع ومن جازاه سمى مكافئا
﴿فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب فى الإحسان إلى من أساء. وعلى أن المكافىء
فى الإحسان لم يبلغ درجة الكمال فى صلة الرحم ﴿والحديث) أخرجه أيضا البخارى والترمذى
( وقد ورد) فى صلة الرحم أحاديث أخر غير أحاديث الباب ( منها) مارواه البخارى ومسلم
عن أبى هريرة أن رسول الله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه. الحديث (ومنها) مارواه
البزار والحاكم بإسناد جيد عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال: من سره أن يمدّ له فى عمره ويوسع له فى رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه
( ومنها) مارواه أبو يعلى بإسناد جيد عن رجل من خثعم قال أتيت النبي صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم وهو فى نفر من أصحابه فقلت أنت الذى تزعم أنك رسول الله ؟ قال نعم قال قلت
يارسول الله أى الأعمال أحب إلى الله؟ قال الإيمان بالله، قال قلت يارسول الله ثم مه؟ قال ثم
صلة الرحم، قال قلت يارسول الله ثم مه؟ قال ثم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، قال قلت
يارسول الله أى الأعمال أبغض إلى الله؟ قال الإشراك بالله، قال قلت يارسول الله ثم مه؟ قال ثم
قطيعة الرحم ، قال قلت يارسول الله ثم مه؟ قال ثم الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف (ومنها)
مارواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال : الرحم متعلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله ومن قطعنى قطعه الله ( ومنها) مارواه
الطبرانى فى الأوسط عن الحارث الأعور عن على رضى الله عنه قال قال النبى صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم: ألا أدلك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك وتعطى
من حرمك وأن تعفو عمن ظلمك (ومنها) مارواه ابن ماجه والترمذى وقال حديث صحيح
والحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبى بكرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: مامن ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يدخر له فى
الآخرة من البغى وقطيعة الرحم ( ومنها ) مارواه البيهقى والبزار واللفظ له عن ابن عمر رضى
الله عنهما رفعه قال: الطابع معلق بقائمة العرش فإذا اشتكت الرحم وعمل بالمعاصى واجترئ على
الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئا (ومنها) مارواه أحمد ورواته ثقات
١٩
تعريف الشح والتحذير منه : الرذائل المترتبة عليه
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن
أعمال بنى آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم ( ومنها) مارواه ابن حبان
عن أبى موسى رضى الله عنه أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ثلاثة لا يدخلون
الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر (ومنها) مارواه الطبرانى عن عبد الله بن أبي أوفى
أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم
باب فى الشح
أى فى ذم الشح. وفى تفسيره أقوال فقيل إنه أشدمن البخل وأبلغ فى المنع منه، وقيل هو البخل
مع الحرصه، وقيل البخل خاص بالمال والشح بالمال والمعروف وقيل البخل فى بعض الأمور
والشح عام فيها، وعرف بعضهم الشح بأنه صفة راسخة فى النفس يصعب معها تعاطى المعروف
ومكارم الأخلاق. وقال ابن عمر ليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمع عين
الرجل فيما ليس له
﴿ص) حَدَّثَ حَفْصُ بْنُ عُمَ نَاشُعبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ الْخَارِثِ
عَنْ أَبِ كَثِرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِ وَقَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىاللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى
آلِهِ وَسَلْ فَقَ: إِّكُمْوَالْح ◌َمَا مَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِالْحَّ أَمْرَهُمْ بِالْلِ فَخَلُا
وَأَمَهُمْ بِالْقَطِعَةِ فَقَطُوا وَأَمَهُم بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا
﴿ش﴾ (رجال الحديث) ﴿أبو كثير) زهير بن الأقمر الكوفى وقيل هو عبد الله بن مالك
روى عن على والحسن وابن عمر وابن عمرو. وعنه عبد الله بن الحارث. وثقه العجلى والنسائى
وفى التقريب مقبول من الثالثة وذكره ابن حبان فى الثقات . روىله أبو داود والنسائى والترمذى
﴿المعنى﴾ ﴿قوله إياكم والشح الخ﴾ أى احذروا الشح واجتذبوه فإنما هلك من سبقكم
من الأمم بسبب الشح وعدم بذل المال فى وجوه الخير ﴿قوله أمرهم بالبخل فبخلوا)
يعنى حملهم الشح على الحرص على الأموال فمنعوا منها حق اللّه تعالى ففعلوا خلاف ما أوجبه
الله عليهم ( قوله وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ) يعنى حملهم حب المال والحرص عليه على منع
الإحسان إلى أقاربهم فأطاعوه ( قوله وأمرهم بالفجور ففجروا ﴾ يعنى حملهم على ارتكاب
المعاصى لجلب الأموال بالسرقة والغصب والقتل والكذب ونحو ذلك مما فيه جلب الأموال
ففجر واوعصوا الله تعالى، وهذا كله يدل على أن المراد بالهلاك الأخروى فإنه ينشأ عما اقترفوا
١٧
التحذير من البخل : بعض ماورد فى ذمه
من ارتكاب هذه الجرائم ونحوها، ويحتمل أن المراد به الهلاك الدنيوى كما يدل عليه رواية
مسلم عن جابر مرفوعا «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من
كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم، فإن الحرص على جمع المال وخوفهم
من ذهابه حملهم على ضم مال الغير إليهم ، ولا يكون هذا غالبا إلا بالغصب والقتال والسرقة
المؤدية إلى قتل النفس واستحلال المحارم، ويجوز إرادة الهلاك الدنيوى والأخروى وهو
الأقرب (وفى الحديث) التحذير من البخل وعدم إنفاق المال فى وجوه الخير. ويؤخذمنه الحث
على السخاء وهو أن يؤدى الشخص ما أوجب اللّه عليه من الزكاة والنفقات الواجبة، ومن
الواجب أيضا واجب المروءة والعادة الزائدة عما ذكر، فالسخى الذى لا يمنع واجب الشرع
ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا منها فهو البخيل، لكن الذى يمنع واجب الشرع أبخل. وسبب
البخل حب المال وحب الشهوات التى لا يتوصل إليها إلا بالمال. ودواؤه القناعة باليسير
والصبر على قضاء اللّه تعالى والإ كثار من ذكر الموت ولا سيما موت الأقران، والنظر فى
تعبهم فى جمع المال وتركهم إياه وعدم انتفاعهم إلا بما قدمته أيديهم
﴿والحديث) أخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح الإسناد. وقد ورد فى ذم البخل آيات
وأحاديث. أما الآيات فمنها قوله تعالى (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً
لهم بل هو شرّ لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. وقوله تعالى (والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم =يوم يحمى عليها فى نار جهنم)) الآية. وقوله
تعالى فى ذم المختالين ((الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) الآية. وأما الأحاديث (فمنها) ما أخرجه
الطبرانى فى الأوسط مر فو عام ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذى رأى برأيه، (ومنها)
ما أخرجه البخارى فى التاريخ وأبو داودعن أبى هريرة مرفوعا «شرما فى الرجل شح هالع وجبن خالع،
هالع أى محزن ، والهلع فى الأصل أشد الجزع، والخالع الشديد كأن الجبن يخلع فؤاده من شدة الخوف
(ومنها) ما أخرجه النسائي وابن حبان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم: لا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم فى جوف عبد أبداً، ولا يجتمع شح وإيمان فى قلب
عبد أبدا (ومنها) مارواه الترمذى عن أبى بكر أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال
((لا يدخل الجنة خب ولامنان ولا بخيل) الخب بفتح المعجمة وقد تكسر الخداع الخبيث (ومنها) مارواه
الترمذى عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: السخى قريب من الله قريب من
الجنة قريب من الناس بعيد من النار ، والبخيل بعيد من اللّه بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب
من النار، ولجاهل سخى أحب إلى الله من عابد بخيل. وروى الترمذى أيضا عن أبى سعيد الخدرى
قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: خصلتان لا يجتمعان فى مؤمن البخل وسوء الخلق
(م ٣ - المنهل العذب المورود - ج ١٠)
١٨
ما يباح للمرأة التصدق به من مال زوجها بلا إذنه
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مُسَدَّدَ نَاِسَاعِيلُ أَنَا أَيُّبُ نَا عَبْدُ الله بْنُ أبى مُلِكَةَ حَدَّتَنْ أَسْمَاءُمِنْتُ
أَبِ بَكْرٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَارَسُولَ اللهِ مَالِى شَىْءٌ إلَّ مَا أَدْخَلَ عَلَىّ الرَّرْ يَتْهُ أَفَأُعْطَى مِنْهُ ؟ قَالَ
أَعْطِى وَلَا تُوكِ فَيُوكِ عَلَّكِ
(ش) (إسماعيل) بن علية. و(أيوب) السختيانى ﴿قوله مالى شىء الخ) أى ليس لى شىء
من المال إلا ما أدخله زوجى الزبير فى بيته أفيجوز لى أن أتصدق منه؟ فقال صلى الله عليه وآ له
وسلم: أنفقى منه ولا تمسكى فيضيق الله عليك. وأصل الإيكاء شد فى القربة بالحبل، وقال الخطابى
معناه أعطى من نصيبك منه ولا توكى أى لا تدخرى، والإيكا. شد رأس الوعاء بالوكاء وهو
الرباط الذى يربط به. يقول لا تمنعى ما فى يدك فتنقطع مادة بركة الرزق عنك أهـ (والحديث)
محمول على إعطاء ماجرى به العرف والعادة فى إعطاء المرأة من بيت زوجها من غير إسراف
ولا إفساد. ولعله صلى الله عليه وآله وسلم أمرها بالإنفاق ولم يوقف الأمر على إذن زوجها لعلمه
بأن الزبير جواد تطيب نفسه بما تتصدق به ، ولم يقيد ذلك بعدم إفسادها لعلمه صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم بأن السيدة أسماء ذات دين تحسن التصرف. وقال الخطابي وفيه وجه آخر وهو أن
صاحب البيت إذا أدخل الشىءَ بيته كان ذلك فى العرف مفوضا إلى ربة المنزل فهى تنفق منه
بقدر الحاجة فى الوقت . وربما تدخر منه الشىء لغابر الزمان فكأنه قال إذا كان الشىء مفوضا
إليك موكولا إلى تدبيرك فاقتصدى على قدر الحاجة فى النفقة وتصدقى بالباقى ولا تدخرى اهـ
وتقدم تمام الكلام فى إعطاء المرأة من بيت زوجها وافيا
﴿ والحديث) أخرجه أيضا البخارى، وكذا مسلم والنسائى عن أسماء أنها جاءت النبى صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت: يانبي الله ليس لى شىء إلا ما أدخل على الزبير فهل على جناح
أن أرضخ مما يدخل على ؟ فقال ارضخى ما استطعت ولا توعى فيوعى الله عليك. ولفظ
النسائى ولا توكي فيوكى اللّه عزّ وجلّ عليك. وقوله ارضخى ما استطعت أى أعطى القليل الذى
جرت العادة بإعطائه
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مُسَدِّدْ نَا إِسْمَاعِيلُ أَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِاللهِبْ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَها
ذَكَرَتْ عِدَّةٌ مِنْ مَسَاكِينَ («قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ غَيْرُهُ أَوْ عِدَةً مِنْ صَدَقَةَ ، فَقَالَ لَّمَا
رَسُولُ الله صَلّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ أَعْطِى وَلَا تُخْصِى فَيُخْصِىَ عَلَّكِ
٩
تعريف الصوم : متى فرض
(ش) (قوله أنها ذكرت عدة من مساكين) أى ذكرت النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى
آله وسلم أنه جاءها جماعة من المساكين يسألونها. فعدة بكسر العين وتشديد الدال المهملتين
أى عدد. ويحتمل أن يكون بتخفيف الدال بوزن زنة ، أى ذكرت لرسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم وعدها المساكين بأنها تعطيهم صدقة واستأذنته فى إعطائهم ﴿قوله وقال
غيره أو عدة من صدقة) أى قال غير عبد الله بن أبى مليكة من روى عن عائشة ، أوقال غير مسدد
فى روايته: إن عائشة ذكرت عدة من الصدقات التى تصدقت بها (قوله ولا تحصى فيحصى
عليك) بالنصب فى جواب النهى ، أى لا تعدى ما تصدقت به من المال فيحصى الله عليك، أى
يمنع عنك الرزق ويقتر عليك ويمسك فضله عنك حتى يصير ما يعطيه لك كالشىء المعدود، فالتعبير
بالا حصاء فى جانب الله تعالى مشاكلة. وقيل المعنى لا تعدى ما أنفقتيه فتستكثريه فيكون ذلك
سببا لانقطاع إنفاقك فيقطع الله عنك الرزق (وفى هذا الحديث) والذى قبله التنفير من البخل
فإنه سبب فى ضيق العيش . وفيه الحث على الجود والانفاق وأنهما موجبان لفتح أبواب الرزق
﴿ والحديث) أخرج النسائى نحوه مطولا عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنا
يوما فى المسجد جلوسا ونفر من المهاجرين والأنصار فأرسلنا رجلا إلى عائشة ليستأذن فدخلنا
عليها. قالت دخل علينا سائل مرة وعندى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمرت
له بشىء ثم دعوت به فنظرت إليه ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أماتريدين
أن لا يدخل بيتك شىء ولا يخرج إلا بعلمك؟ قلت نعم. قال مهلا يا عائشة لا تحصى فيحصى
اللّه عزّ وجلّ عليك.
كتاب الصيام
=
وفى بعض النسخ كتاب الصوم، وهما مصدران لصام . وهذا الكتاب مؤخر فى أكثر النسخ
عن كتاب الطلاق . وذكر فى نسخة الخطابى الخطية التى بدار الكتب المصرية بعد الزكاة . وهو
المناسب لترتيب حديث بنى الاسلام على خمس، وسلك مسلم والترمذى هذا الترتيب. وذكر
النسائى وابن ماجه الصيام بعد الصلاة لأن كلا منهما عبادة بدنية. وأخره البخارى عن الحج
لأن للحج اشتراكا مع الزكاة فى العبادة المالية. والصوم لغة مطلق الإمساك. ومنه قوله
تعالى ((إنى نذرت للرحمن صوما)) أى صمتا وسكونا وقولهم خيل صائمة وخيل غير صائمة أى
ممسكة عن السير وغير مسكة عنه. وفى عرف الشرع الإمساك عن شهوتى البطن والفرج وعن
الاستقاء يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية مخصوصة. وفرض صوم رمضان
فى السنة الثانية من الهجرة يوم الإثنين لليلتين خلتا من شعبان. وهو ثابت بالكتاب والسنة
٢٠
حكمة مشروعية الصوم : الخلاف فى أنه هل فرض صيام قبل رمضان ؟
والإجماع فمن جحد فرض صيامه فهو كافر . وحكمة مشروعيته كونه موجبا لسكون النفس
وكسر سورتها فى الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج.
فبالصوم تضعف حركتها فى محسوساتها ، وكونه موجبا للرحمة والعطف على المساكين فإن
الإنسان إذا ذاق ألم الجوع فى وقت نذكر حال المساكين فى سائر الأوقات، فيسارع إلى
الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من اللّه تعالى. قال الزرقانى شرغ
الصيام لفوائد. أعظمها كسر النفس وقهر الشيطان، فالشبع نهر فى النفس يرده الشيطان ،
والجوع نهر فى الروح ترده الملائكة. ومنها أن الغنىّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على
ما منع منه كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح ، فإنه بامتناعه من ذلك فى وقت
مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع ذلك على الإطلاق فيوجب ذلك شكر
نعمة اللّه عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك اهـ
-
باب مبدأ فرض الصيام
أى فى بيان أول مافرض منه. وقد اختلف العلماء هل فرض على الناس صيام قبل رمضان؟
فالمشهور عند الشافعية والجمهور أنه لم يفرض قط صوم قبل رمضان مستدلين بحديث معاوية
ابن أبى سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء ولم
يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. رواه البخارى. لكن
قال فى الفتح: قداستدل به على أنه لم يكن «يعنى صوم عاشوراء، فرضاقط، ولا دلالة فيه لاحتمال
أنه يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان. وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة
على تقدم وجوبهاهـ وقال الحنفيون أول ما فرض صيام عاشوراء ثم ثلاثة أيام من كل شهر. من كل
عشرة أيام يوما ، ثم نسخ ذلك بصوم رمضان بحيث يمسك فى كل يوم وليلة من العتمة إلى غروب
الشمس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، إلى قوله (( وكلوا
واشر بواحتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فقد أخرج الطبرى بسنده
إلى معاذ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلاثة
أيام من كل شهر، ثم شرع الله عزّ وجلّ فرض شهر رمضان فأنزل ((يأيها الذين آمنوا كتب
عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، وأخرج عن ابن عباس فى قوله تعالى ((يأيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام ، الآية وكان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ ذلك بالذى أنزل الله
من صيام رمضان ، فهذا الصوم الأول من العتمة . وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت كان
يوم عاشواء تصومه قريش فى الجاهلية وكان النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يصومه