Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الترغيب فى تلاوة القرآن ومدارسته
الأجر على قدر التعب ولا يخفى بعده
( وفى الحديث ) الحث على حفظ القرآن وإتقانه وبيان على منزلة من فعل ذلك
(والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حسن صحيح
﴿ص﴾ حَدَّ عْمَنُ بْنُ أَبِغَ يْنَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِ صَارِ عَنْ أَبِ هَرَيْرَةَ
عَنِ النَِّّ صَلَّىاللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلمَ قَالَ مَاجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بِيْتِ مِنْ بُيُوتِ الله ◌َتْلُونَ
كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَ سُونَهُ بَيْهُمْ إِلَّ نَتْ عَيهِمُ الَّكِيَةُ وَغَشِّهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَقَّهُمْ الْلَئِكَةُ
وَذَكَرَهُمْهُ فِمَنْ عِنْدَهُ
﴿ش﴾ (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير تقدم بالأول صفحة ٣٦ (قوله ما اجتمع
قوم فى بيت من بيوت الله) المراد بهم المساجد وخصها بالذكر لأنها أشرف البقاع، ويلحق
بها غيرها من الأمكنة الطاهرة ﴿ قوله ويتدارسونه بينهم ) أى يقرءونه ويتعهدونه بالحفظ
والإتقان . والأولى أن يقرأ الثانى ما قرأه الأول لما قيل إنها الكيفية التى كانت تحصل من
النبى صلى الله عليه وآله وسلم مع جبريل حينما كان يدارسه القرآن، ومحله مالم يؤد إلى التخليط
والتشويش على المتعبدين وإلا منع لعموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لاضرر ولاضرار) رواه
الترمذى وابن ماجه . ورواه مالك فى الموطأ مرسلا . وقوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
(من ضارمسلما ضاره الله ومن شاق مسلما شاق اللّه عليه) رواه الترمذى أيضا وحسنه وسيأتى
للصنف (قوله إلا نزلت عليهم السكينة) أى الطمأنينة والرحمة والوقار وقيل مايحصل به
السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية . وقيل المراد بالسكينة الملائكة فانهم ينزلون
على التالين لكتاب الله يستمعون الذكر. ويؤيده ما أخرجه مسلم عن البراء قال كان رجل
يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة جعلت تدور وتدنو وجعل
فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكر ذلك له فقال تلك
السكينة تنزلت للقرآن ( يعنى الملائكة). والشطنين تثنية شطن بفتحتين الحبل ﴿قوله وغشيتهم
الرحمة الخ) أى عمهم الفضل والإحسان وأحاطت بهم ورفرفت عليهم ملائكة الرحمة لاستماع
الذكر تشريفا وتعظيما لهم وذكرهم الله بالثناء عليهم فى الملا الأعلى فيمن كان مقربا عنده
من الأنبياء والملائكة المقربين لقوله تعالى فى الحديث عند الشيخين (من ذكرنى فى نفسه ذكرته
فى نفسى ومن ذكرنى فى ملا ذكرته فى ملاٍ خير منه ) والعندية عندية شرف ومكانة لا عندية

١٠٢
الترغيب فى تعلم القرآن
مكان لاستحالته عليه تعالى ﴿والحديث) أخرجه أيضا مسلم مطولا
﴿ص﴾ حَدَّثَ سُلِمَنُ بْنُ دَاوُدَ اَْهْرِىُّ أَنَا ابْنُ وَهُبِ نَامُوسَى بْنُ عَلَىّ بْنِ رَبَحٍ عَنْ
أبيه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِ الْمُهَنِىِّ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَىَ آله
٠٠
وَ وَحْنُ فِ الصُّفَةِ فَقَالَ أَيْكُم ◌ُحِبُ أَنْ يَعْدُوَ إِلَى بُطْعَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَأْخُذَ نَيْنَ
كَوْمَاوَيْنِ زَهَاوَيْنِ بِغَيْرِ إِثْمِبِاللهِ وَلَ قَطْعِ رَحِ قَالُوا كُنَا يَرَ سُولَ الله قَالَ فَلَّنْ يَغْدُوَ
أَحَدِكْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدَ فَيَتَعَلَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللّهِ خَيْلَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَإِنْ ثَلَاثُ فَثَلاَثٌ
مثْلُ أَعْدَادهنَّ منَ الْإِبِل
﴿ش﴾ ﴿رجال الحديث) (موسى بن على بن رباح) اللخمى أبو عبدالرحمن المصرى. روى
عن أبيه والزهرى وابن المنكدر ويزيد بن أبى حبيب. وعنه أسامة بن زيد وابن المبارك
وابن مهدى ووكيع وأبو نعيم وجماعة ، وثقه أحمد وابن معين والعجلى والنسائى وقال أبو حاتم كان
رجلا صالحا يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص صالح الحديث وكان من ثقات المصريين. توفى
سنة ثلاث وستين ومائة . روى له مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه والبخارى
فى الأدب. و﴿ أبوه﴾ على بالتصغير ابن رباح بن قصير بن القشيب اللخمى أبو عبد الله.
روى عن عمرو بن العاص وسراقة بن مالك وفضالة بن عبيد وأبى قتادة وأبى هريرة وآخرين
وعنه ابنه موسى وحميد بنهانئ ويزيد بن أبى حبيب والحارث بن يزيد وغيرهم ، وثقه ابن سعد
والعجلى ويعقوب بن سفيان والنسائى. توفى سنة أربع عشرة أو سبع عشرة ومائة . روى له
مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه والبخارى فى الأدب
﴿معنى الحديث﴾ ﴿قوله ونحن فى الصفة) بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء موضع مظلل
فى مؤخر مسجد المدينة يسكنه من لم يكن له منزل من فقراء المهاجرين وكانوا يكثرون تارة
حتى يبلغوا نحو المائتين ويقلون أخرى لإ رسالهم فى الجهاد وتعليم القرآن (قوله أيكم يحب أن
يغدو الخ﴾ أى يذهب فى الغدوة وهى أول النهار أو ينطلق كل يوم وفى رواية مسلم أيكم يحب
أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق. وبطحان بضم الموحدة وفتحها والعقيق واديان
بالمدينة ، وأو للتنويع وخصهما بالذكر لأنهما كانا يقام فيهما أسواق الإبل بالمدينة (قوله
كوماوين ) تثنية كوماء قلبت الهمزة واوا فى التثنية وهى العظيمة السنام. وزهراوين أى

١٠٣
ما ورد فى فضل قراءة القرآن
ماثلين إلى البياض اسمنهما تثنية زهراء من الزهرة وهى الحسن والبهجة ﴿قوله بغير إثم باللّه)
متعلق بقوله يأخذ وهو كناية عن كونهما حلالين بغير ثمن ليستا مشوبتين بشىء من الإثم
كأن يسرقهما أو يغصبهما (قوله ولا قطع رحم) وفى نسخة ولا قطيعة رحم. وهو من
ذكر الخاص بعد العام. والمراد ألا يأخذهما من ذوى رحمه بالغصب أو السرقة المترتب عليه
قطيعة الرحم (قوله قالوا كلنا يارسول الله الخ) أى كلنا يحب ذلك، وهذا لا ينافى اختيارهم الفقر
فإنهم أرادوا الدنيا للدين ليصرفوا على المحتاجين والمجاهدين فأراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم أن يرقيهم عن هذا المقام قال فلان يغدو أحدكم الخ أى إذا كنتم غير تار كين فلأن يذهب
أحدكم كل يوم إلى المسجد ليتعلم الخ. واللام للقسم والفعل فى تأويل مصدر مبتدأ خبره خير
والتقدير واللّه غدو أحدكم فى كل يوم إلى المسجد ليتعلم آيتين من كتاب الله تعالى خير له من هاتين
الناقتين ﴿قوله وإن ثلاث فثلاث الخ) أى وإن كان الذى يتعلمه ثلاث آيات فهن خير من النوق
الثلاث وفى رواية مسلم وأربع خير من أربع ومثل أعداد هن مثل أعدادهن من الإبل أى وسائر الأعداد
من الآيات خير من مثل أعدادهن من الإبل، ويحتمل أن يكون المعنى أن آيتين خير من ناقتين
ومن أعدادهما من الإبل وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل وكذا أربع، والحاصل
أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق ومن أعدادهن من الإبل، وهذا من باب التمثيل
والتقريب وإلا جميع الدنيا أحقر من أن تقابل بمعرفة شىء من كتاب الله تعالى. وفى هذا كله
الترغيب فى تعلم القرآن (وقد جاء) فى فضل قراءة القرآن والترغيب فى حفظه أحاديث أخر.
منها ما أخرجه الترمذى عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وخيركم وأفضلكم من تعلم القرآن وعلمه. ومنها ما أخرجه أيضا عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبى
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يجىء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن يا رب
حلة فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب أرض عنه
فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة . ومنها ما أخرجه ابن حبان فى صحيحه
عن أبى ذر قال قلت يا رسول الله أوصنى قال عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله قلت يارسول
الله زدنى قال عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك فى الأرض وذخرلك فى السماء. ومنها ما أخرجه
مسلم عن أبى أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول اقرء وا القرآن
فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. ومنها ما أخرجه الشيخان والنسائى عن أبى موسى الأشعرى
قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل
الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح
لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل

١٠٤
وجه اشتمال الفاتحة على مقاصد القرآن
المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر: ومنها ما أخرجه النسائي
وابن ماجه عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن لله أهلين من
الناس قالوا من هم يا رسول الله قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته .
﴿ والحديث) أخرجه أيضا مسلم
باب فى فاتحة الكتاب
أی فی بیان ماورد فى فضلها
﴿ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِ شُعَيْبِ الْخَرَّانِىُّ نَاعِيسَى بْنُ يُونُسَ نَ ابْنُ أَبِى ذِئْبِ عَنِ
الْمَغْرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَم ◌ْخَمْدُ لُه
رَبِّ الْغَيْنَ أُّ الْرَآنِ وَأُّالْكِتَابِ وَالَّبْعُ الَثَانِىِ
﴿ش﴾ ﴿ابن أبى ذئب﴾ محمد بن عبد الرحمن تقدم بالثانى ص ٨٣. و ﴿المقبرى) سعيد
ابن أبى سعيد تقدم بالثالث ص ٢٥ ﴿قوله الحمد لله رب العالمين أم القرآن الخ) أم الشىء أصله
وأصول القرآن ومقاصده أربعة: الالهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر لله تعالى والنبوات
فقوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم يدل على الإلهيات من أن ذاته تعالى مستجمعة لصفات
الكمال، وقوله مالك يوم الدين يدل على المعاد ، وإياك نعبد وإياك نستعين يدل على نفى الجبر وأن
الكل بقضاء الله وقدره، واهدنا الصراط المستقيم الخ يدل على إثبات القضاء والقدر وعلى النبوات
ولذا لقبت هذه السورة بأم القرآن وأم الكتاب، وقيل سميت بذلك لاشتمالها على جل المعانى
التى فى القرآن من الثناء على الله تعالى والتعبد بالأمر والنهى والوعد والوعيد واشتمالها على ذكر
ذات الله تعالى وصفاته وعلى ذكر المبدأ والمعاش والمعاد كما تقدم. وقال البخارى سميت بذلك
لأنها يبدأ بكتابتها فى المصاحف ويبدأ بقراءتها فى الصلاة اهـ وقيل الأم فى الأصل الراية
التى يحملها قائد الجيش وتكون مرجعاللعسكر فى الكر والفر وسميت هذه السورة بذلك لأنها
مرجع أهل الايمان كما أن الأرض تسمى أما لأن الخلق يرجعون إليها فى حياتهم وماتهم ، وأما
وجه تسميتها بالسبع المثانى لأنها سبع آيات بالاتفاق إلا أن بعضهم عد البسملة منها وجعل
السابعة صراط الذين أنعمت عليهم الخ ومن لم يعد البسملة منها جعل صراط الذين أنعمت عليهم
آية وغير المغضوب عليهم الخآية أخرى. والمثانى جمع مثناة من التثنية لأنها تثنى فى الصلاة
فى كل ركعة كما جاء عن ابن عمر بسند حسن: قال السبع المثانى فاتحة الكتاب تثنى فى كل ركعة

١٠٥
فضل الفاتحة
أو لاشتمالها على قسمين ثناء ودعاء كما يشير إليه حديث قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين
وقد تقدم فى ((باب من ترك القراءة فى صلاته)) من الجزء الخامس ص ٢٤٦، وقيل هى من الثناء
لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى فكأنها تثنى عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ومن أسمائها
الفاتحة والوافية والكافية والشافية وسورة الأساس وسورة الصلاة وسورة السؤال وسورة
الشكر وسورة الدعاء وسورة الشفاء ﴿والحديث) أخرجه أيضا البخارى بلفظ قال رسول
اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أم القرآن هى السبع المثانى والقرآن العظيم
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذْنَا خَلُ نَاشُعبَةُ عَنْ خَُيْسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْنِ قَلَ
سَعْتُ حَقْصَ بْنَ عَاصِمِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِ سَعِدِ بْنِ الْعَلى أَنَّالَّيِّ صَلَّالله ◌َعَ عَلَيهِ وَعَلى
آلِهِ وَسَلَمَ مَّ به وَهُوَ يُصَلّ قَدَعَاهُ قَالَ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَتْهُ قَالَ فَقَالَ مَعَكَ أَنْ تُحِيَنِى قَالَ
كُنْتُ أَصَلِّ قَالَ أَلمْ يَقُل اللهُ تَعَالَى ((يَأْيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَسْتَجِيبُوا الله وَالرَّسُول إِذَا دَعَ كْ
◌ِمَا يُحِكٌ، لَأُعَلَكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ فِ الْقُرْآنِ (شَكَ خَلٌِ) قَلَ أَنْ أَخْرُجَ
مِنَ الْمَسْجِد: قَالَ قُلْتُ يَرَسُولَ اللهِ قَوْلَكَ: قَ الَخْدُ للهِ رَبِّ الْعَلَيْنَ وَهِىَ السَّبْعُ الْثَنِالَّى
أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ
﴿ش﴾ ﴿الرجال) (خالد ) بن الحارث البصرى تقدم بالرابع صفحة ١٠٠. و﴿أبو سعيد بن
المعلى) الحارث بن نفيع بن المعلى كما صححه ابن عبد البر، وقيل رافع بن أوس بن المعلى. روى عن النبى
صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم. وعنه حفص بن عاصم وعبيد بن حنين. توفى سنة ثلاث أو أربع
وسبعين، روى له البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه ﴿المعنى﴾ ﴿قوله فدعاه) أى طلب
النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبا سعيد فلم يجبه كما فى رواية البخارى قال: كنت أصلى
فى المسجد فدعانى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم أجبه . وفى رواية له قال
مر بى النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا أصلى فدعانى فلم آته حتى صليت ثم أتيت،
ولم يجبه فى الصلاة لاعتقاده أن إجابة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مبطلة للصلاة
كإجابة غيره ﴿قوله كنت أصلى﴾ اعتذار عن عدم إجابته للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم . ولعله فهم أن من فى الصلاة خارج عن الخطاب فى قوله تعالى يأيها الذين آمنوا
(م ١٤ - المنهل العذب المورود - ج ٨)

١٠٩
تفضيل بعض القر أن على بعض
استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم ﴿ قوله ألم يقل الله الخ﴾ إنكار منه صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم على أبى سعيد فى عدم إجابته له فى الصلاة (قوله استجيبوا لله وللرسول) أى أجيبوا
الله ورسوله بالطاعة . فالسين والتاء زائدتان للتأكيد ﴿ قوله إذا دعاكم لما يحييكم) أى إذا.
طلبكم لما فيه حياتكم حياة أبدية من الإيمان بالله والرسول وإطاعتهما فى الأمر والنهى. وأفرد
الضمير فى دعا ولم يقل دعياكم لأن دعوة الرسول فى الحقيقة هى دعوة الله ، وذكر الرسول لأنه
المبلغ عن الله تعالى فعدم طاعته مخالفة لله (قوله لأعلمنك أعظم سورة الخ) وفى رواية للبخارى
ثم قال لى لا علمنك سورة هى أعظم سورة فى القرآن بدون شك. والمراد أن ثوابها أعظم من
ثواب غيرها . وبه استدل جماعة على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض . ومنع ذلك الأشعرى
وجماعة قالوا لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله وصفاته وكلامه لانقص
فيها. وفيما قالوه نظر فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة عند المصنف وغيره جاءت بتفضيل
بعض القرآن على بعض . على أن التفاضل إنما هو بحسب المعانى لا بحسب الصفة ،
أما من حيث إنه كلام الله تعالى وصفة من صفاته فلا تفاضل فيه ( قوله قلت يا رسول الله
قولك ﴾ أى تذكر قولك لى لأعلمنك سورة ، فقولك مفعول بمحذوف هو تذكر أو راع
أو احفظ قولك الذى وعدتنى به من تعليم السورة . وفى رواية البخارى ألم تقل
لأ علنك سورة : وفى رواية ابن ماجه فذهب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
ليخرج فأذكرته (قوله هى السبع المثانى الخ﴾ فيه تصريح بأن المراد بقوله تعالى ولقد آتيناك
سبعا من المثانى والقرآن العظيم الفاتحة، فيكون عطف القرآن على السبع المثانى عطف مرادف
وإطلاق القرآن على الفاتحة مبالغة لما اشتملت عليه من المعانى التى فى القرآن كما تقدم
ويحتمل أن يكون قوله والقرآن العظيم مبتدأ والخبر محذوف أى والقرآن العظيم ما يزيد عليها
فيكون وصف الفاتحة قد انتهى إلى قوله السبع المثانى، والراجح الأول، وسيأتى عن ابن عباس
أن السبع المثانى هى السبع الطول من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة (وقيل يونس)
هذا: وصريح المصنف أن هذه القصة وقعت لأبى سعيد بن المعلى، وفى رواية الترمذى
من حديث أبى هريرة أنها وقعت لأبىّ بن كعب ولفظه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج على أبيّ بن كعب فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم يا أبىّ وهو يصلى فالتفت أبىّ ولم يجبه وصلى أبىّ تخفف ثم انصرف إلى
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال السلام عليك يارسول الله فقال رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وعليك السلام: ما منعك يا أبىّ أن تجيبى إذدعوتك فقال
يارسول الله إنى كنت فى الصلاة، قال فلم تجد فيما أوحى إلىّ أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم

١٠٧
حكم إجابة النبى فى الصلاة
لما يحييكم، قال بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى (الحديث). وجمع البيهقى بأن القصة وقعت لأبىّ
ابن كعب ولأ بى سعيد بن المعلى . قال الحافظ فى الفتح ويتعين المصير إلى ذلك لاختلاف
مخرج الحديثين واختلاف سياقهما اهـ وماقيل من أن هذه القصة وقعت لأبى سعيد الخدرى
فهو وهم كما قاله الحافظ
﴿ فقه الحديث) دل الحديث على عظم فضل الفاتحة . وعلى أن القرآن يتفاضل. وعلى أن
إجابة النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم واجبة على الفور ولو فى الصلاة لأنه صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم عاتب الصحابى على تأخير إجابته . واختلف أتفسد صلاة من
أجاب دعاء النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم حال صلاته أم لا؟ وبكل قال جماعة من
الحنفية والشافعية والحديث محتمل لكل منهما وذهبت المالكية إلى عدم البطلان فى أصح القولين
وعلى أنه ينبغى لمن نصب نفسه للأمر والنهى أن يستعمل الحكمة فى نصحه . وعلى أن
الإنسان لا تمنعه مهابة رئيسه من تعلم أمر دينه منه
﴿ والحديث) أخرجه أيضا البخارى والنسائى وابن ماجه والدارمى والبيهقى
باب من قال هى من الطول
أى من قال إن الفاتحة من السور الطول يعنى باعتبار اشتمالها على المعانى الطويلة لا باعتبار
اللفظ ، ويحتمل أن المراد بيان من قال إن السبع المثانى هى الطول فمن زائدة والضمير عائد على
السبع المثانى فى الحديث المتقدم لأنه لما ذكر أن الفاتحة السبع المثانى وهو قول بين بهذه
الترجمة أن هناك قولا آخر هو أن السبع المثانى هى السور الطوال الآتى بيانها
﴿ص﴾ حَدَّتَ عْمَانُ بْنُ أَبِ شَيَ نَ جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْشِ عَنْ مُسْلِ الْتَطِيْنِ عَنْ سَعِدِ بْنُ
◌ُبْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ أُوْنِىَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىاللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمَ سَبهَا مِنَ
الَفِى الْطُولِ وَأُوْنَ مُوسَى سِنّا قَّ ◌َّى الْأَلْوَاحَ رُفَتْ تِتَانِ وَبَقَيْنَ أَرْبَعٌ
(ش) (جرير) بن عبد الحميد تقدم بالأول صفحة ٨٤. و(الأعمش) سليمان
ابن مهران ( قوله أوتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعا من المثانى الطول)
أى أعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعا من المثانى هى الطول بضم الطاء
المهملة وفتح الواو جمع الطولى مثل كبرى وكبر، ومرادابن عباس بالسبع المثانى الفاتحة لأن
آياتها سبع وطولها باعتبار غزارة معانيها كما تقدم، ويحتمل أنه أراد بها البقرة وآل عمران

١٠٨
الترغيب فى حفظ آية الكرسىّ
والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة كما جاء عنه فى رواية للنسائى بإسناد صحيح أن السبع
المثانى هى السبع الطوال أى السور من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة وهو الظاهر
ويؤيده ما أخرجه ابن جرير فى تفسيره من طريق إسراءيل عن أبى إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس فىقوله سبعا من المثانى قال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام
والأعراف . قال اسراءيل وذكر السابعة فنسيتها. فكأن المصنف حمل كلام ابن عباس على
الأول: ويؤيده ما أخرجه ابن جرير فى تفسيره من طريق ابن جريج قال أخبرنا أبى عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثانى قال هى فاتحة الكتاب
فقرأها علىّ ستا ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة ﴿ قوله فلما ألقى الألواح الخ)
يعنى حين رجع من المناجاة ووجد قومه قد عبدوا العجل طرح الألواح التى كتب فيها التوراة
فرفع منها اثنان وبقين أربع . وكان القياس أن يقول وبقيت أربع وهى رواية ابن جرير: قال البغوى
قالت الرواة كانت التوراة سبعة أسباع فلما ألق الألواح تكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقى سبع
فرفع ما كان من أخبار الغيب وقى ما فيه من الموعظة والأحكام والحلال والحرام ، وأخرج
السيوطى فى الدر المنثور عن ابن عباس قال لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا
سدسها، وفى رواية عنه قال كتب الله لموسى فى الألواح موعظة وتفصيلا لكل شىء فلما ألقاها
رفع اللّه منها ستة أسباعها وبقى سبع يقول الله ((وفى نسختها هدى ورحمة)، أى فيما بقى منها اهـ
﴿ والحديث) أخرجه ابن جرير فى تفسيره وأخرجه أيضا النسائى عن ابن عباس مختصرا
بلفظ أوتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعا من المثانى السبع الطول وأخرجه
بلفظ تقدم
باب ماجاء فى آية الكرسى
أى فى بيان فضل آية الكرسى
﴿ص) حَدَتَنَا عَمَّدُ بْنُ الْتَّ ◌َاعَبدُ الْأَعْلَى نَاسَعِيدُ بْنُ إِيَسِ عَنْ أَبِ السَّلِلِ عَنْ
///١٠١٥/١ ٥٠١٠
عَبْدِ اللهِبْنِ رَبَاحِ الْأَنْصَارِىُّ عَنْ أَبِىِّ بْنِ كَعْبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى الله تَعَالَى عَلَيه
وَعَلَى آلِهِ وَسَم ◌َا الْنْذِرِ أَّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَعْظَمُ قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَلَ
أَا الْنْذِرِ أََّآَيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللهِأَعْظَمْ قَالَ قُلْتُ أَنْهُلَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَ الْقَيُومُ، قَالَ
فَضَرَبَ فِى صَدْرِى وَقَالَ لَيْنِ لَكَ يَ الْذِرِ الْعِمُ

١٠٩
بيان ما اشتملت عليه آية الكرسى
﴿ش﴾ ﴿الرجال﴾ ﴿عبد الأعلى) بن عبد الأعلى تقدم بالأول ص ٦٩. و( أبو السليل)
بفتح السين المهملة وكسر اللام اسمه ضريب بالتصغير ابن نقير بالنون والقاف ويقال نفير
بالفاء والراء، وقيل نفيل بن سمير الجريرى البصرى . روى عن زهدم الجرمى وأبى تميمة الهجيمى
وعبد الله بن رباح وغنيم بن قيس وأرسل عن أبى ذر وأبى هريرة وابن عباس . وعنه جعفر بن
حيان وسعيد الجريرى وسليمان التيمى وعثمان بن غياث وغيرهم ، وثقه ابن معين وابن حبان وابن
سعد وقال فى التقريب ثقة من السادسة روى له مسلم والأربعة
﴿معنى الحديثَ﴾ ﴿قوله أبا المنذر) بحذف حرف النداء وقد صرح به فى رواية مسلم
وهى كنية لأبىّ بن كعب (قوله أى آية معك الخ) أى أى آية من كتاب الله حال كونها
محفوظة لك أعظم ثوابا مما سواها . وسأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وسلم أبيا
ليستطلع ما عنده فيظهر فضله وشرفه، وكان من حفظ القرآن كله فى زمنه صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم. ولعله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كرر عليه السؤال بعد أن
فوض أبىّ علم ذلك إلى اللّه تعالى ورسوله لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعلم
بطريق الوحى أنه يعلمها ، ولم يجبه أبىّ أول مرة تأدبا، أولاً نه رغب أن النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم يبين الجواب لأن كثرة الثواب والأجر لا دخل فيها للقياس، أو لأنه جوز
وجود ماهو أفضل مما يعرفه، فلما كرر عليه السؤال علم أن المراد سؤاله عما يعلمه فأجابه بذلك
ويحتمل أنه لم يكن عنده علم بذلك أولا فلما فوض وحسن تفويضه ألقى الله تعالى عليه
ما علم به الجواب، فسأله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ثانيا ليظهر عليه سر ذلك العطاء
فأجابه فزاده تثبيتًا وإمدادا بضربه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم على صدره وهنأه بما
منحه الله تعالى ﴿قوله الله لا إله إلا هو الخ) المرادبها الآية بتمامها. وكانت هذه الآية أعظم
من غيرها من الآيات لأن التوحيد الذى استفيد منها لم يستفد من غيرها : فقد اشتملت على
أمهات المسائل الدالة على ثبوت الكمالات لله تعالى ونفى النقائص. واحتوت على توحيد الله
تعالى وتعظيمه وذكر أسمائه وصفاته العليا . واشتملت على سبعة عشر موضعا فيها اسم الله
تعالى ظاهرا فى بعضها ومستترا فى البعض الآخر ونطقت بأنه تعالى منفرد بالألوهية حىّ واجب
الوجودلذاته موجد لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور مالك الملك والملكوت
ذو البطش الشديد العالم وحده بجلى الأشياء وخفيها وكليها وجزئيها واسع الملك والقدرة متعال
عن كل مالا يليق به عظيم لا تصل العقول والأفكار لكنه ذاته وصفاته. فقوله اللّه إشارة
إلى ذات الله وجلاله، والقيوم الذى يقوم بنفسه ولا يقوم به غيره وذلك غاية الجلال والعظمة،
ولا تأخذه سنة ولانوم تنزيه وتقديس له تعالى عن صفات الحوادث ، والتقديس مما يستحيل

١١٠
بعض ماورد فى فضل آية الكرسى
عليه أحد أقسام المعرفة . وله ما فى السموات وما فى الأرض إشارة إلى وحدانية الأفعال وأن
الأفعال جميعها منه وإليه. ومن ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه إشارة إلى انفراده بالملك والحكم
والأمر وأنه لا يملك الشفاعة عنده فى أمر من الأمور إلا من شرفه بها وأذنله فيها ، وهذا نفى
للشركة عنه فى الملك والأمر . ويعلم ما بين أيديهم إلى قوله بما شاء إشارة إلى صفة العلم وتفصيل
بعض المعلومات والانفراد بالعلم حتى إنه لا علم لغيره إلا ما أعطاه ووهبه على قدر مشيته وإرادته
ووسع كرسيه السموات والأرض إشارة إلى عظم ملكه وكمال قدرته . ولا يؤوده حفظهما أى
لا يثقله وهو إشارة إلى صفة العزة وكمالها وتنزيهها عن الضعف والنقص. وهو العلى العظيم أى
المنزه عن صفات الحوادث المتصف بالكبرياء والعظمة وهو إشارة إلى أصلين عظيمين فى الصفات
وحينئذ لا تجد فى آية غير ها جميع هذه المعانى حتى آية شهد الله إذليس فيها إلا التوحيد، وقل اللهم مالك
الملك ليس فيها إلا توحيد الأفعال. والإ خلاص ليس فيها إلا التوحيد والتقديس، والفاتحة فيها
الثلاثة لكنها مرموزة لامشروحة. نعم يقرب من آية الكرسى فى الاشتمال على ماذَ كر آخر
سورة الحشر وأول الحديد ولكنها آيات لا آية واحدة. على أنها تميزت عن تلك بالحىّ القيوم
وهو الاسم الأعظم عند كثيرين اهـ من ابن علان وتفضيلها على ماعداها من الآيات لا يقتضى
نقصا فى غيرها لأنه ليس فى كلام اللّه تعالى نقص والكامل قد يفضل بعضه على بعض ﴿قوله
ليهن لك) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وكسر النون. وفى بعض النسخ ليهنى بالهمز وهى
الأصل فذفها تخفيف أى ليكن العلم هنيئالك يقال هنؤ الطعام من باب ظرف وهى بالكسر
من باب علم وهنأمن باب ضرب صار هنيئا، وكل أمر يأتيك من غير مشقة ولاقعب فهو هنى.
وهذا متضمن للإخبار على طريق الكناية بأن أبيا راسخ فى العلم لإ جابته بما هو الحق عند الله
تعالى. وفى هذا منقبة جليلة له ودليل ظاهر على كثرة علومه
﴿فقه الحديث) دل الحديث على أن للرئيس أن يختبر من يرى فيه الكفاءة العلمية ليظهر
فضله للغير فينتفع به. وعلى مشروعية تعظيم الكبير فضلاء أصحابه. وعلى جواز مدح الإنسان
فى وجهه. لكن محله إذا كان فيه مصلحة ولم يخش عليه إعجاب بنفسه. وعلى أن آية الكرسى
أعظم آية فى القرآن، وعلى جواز تفضيل بعض القرآن على بعض وهو الذى عليه المحققون خلافا لمن
منعه وأول أعظم فى الحديث بمعنى عظيم. وقدورد فى فضل آية الكرسى أحاديث غير هذا . منها
مارواه البخارى عن أبى هريرة قال وكلنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحفظ
زكاة رمضان فأتانى آت نجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لا رفعنك إلى رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم، فقال دعنى فإنى محتاج وعلىّ عيال ولى حاجة شديدة خليت عنه فأصبحت
فقال النبى صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم يأبا هريرة مافعل أسيرك البارحة قلت يارسول الله

١١١
فضل آية الكرسى
اشتكى حاجة شديدة فرحمته خليت سبيله قال أما إنه قد كذب وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنه سيعود فر عدته بجعل يحثو من الطعام فأخذته
فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، قال دعنى فإنى محتاج وعلىّ
عيال لا أعود فرحمته خليت سبيله فأصبحت فقال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يأباهريرة ما فعل أسيرك قلت يارسول الله شكى حاجة شديدة وعيالا فرحمته خليت سبيله
قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة نجعل يحتو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك
إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود
ثم تعود، قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ماهى قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية
الكرسى ((الله لا إله إلا هو الحى القيوم)) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا
يقربك شيطان حتى تصبح خليت سبيله فأصبحت فقال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم ما فعل أسيرك البارحة قلت يارسول الله زعم أنه يعدنى كلمات ينفعنى الله بها تخليت
سبيله قال ماهى؟ قال قال لى إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسى من أولهاحتى تختم الآية
الله لا إله إلا هو الحى القيوم، وقال لى لن يزال عليك من اللّه حافظ ولا يقربك شيطان، حتى
تصبح (( وكانوا أحرص شىء على الخير، فقال النبى صلى الله عليه وآ له وسلم أما إنه قد صدقك
وهو كذوب: تعلم من تخاطب مذثلاث ليال يأباهريرة؟ قلت لا قال ذاك شيطان (ومنها) مارواه
ابن حبان فى صححيه عن أبيّ بن كعب أن أباه أخبره أنه كان لهم جرين فيه تمر وكان مما يتعاهده
فيجده ينقص فرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة كهيئة الغلام المحتلم قال فسلم فرد عليه السلام ، فقلت
ما أنت جنّ أم إنس؟ قال جن فقلت ناولنى يدك فإذا يد كلب وشعر كلب فقلت هذا خلق الجن
فقال لقد علمت الجن أن فيهم من هو أشد منى ، فقلت ما يحملك على ماصنعت فقال بلغنى أنك
تحب الصدقة فأحببت أن أصيب من طعامك ، فقلت ما الذى يحرزنا منكم؟ قال هذه الآية آية
الكرسى ، قال فتر كته وغدا أبى إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره فقال
صدق الخبيث اهـ والجرين بفتح فكسر موضع يداس ويدرس فيه الطعام ويحفف فيه
الثمار ، وأخرج أحمد فى مسنده عن أبى ذر فى حديث طويل قال قلت يارسول الله أىّ ما أنزل
عليك أعظم؟ قال آية الكرسى (الله لا إله إلا هو الحى القيوم، وأخرج الطبرانى بإسناد حسن
عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من قرأ آية الكرسى فى دبر الصلاة
المكتوبة كان فى ذمة الله إلى الصلاة الأخرى. وأخرج البيهقى من حديث أنس مرفوعا من
قرأ آية الكرسى فى دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا فى
أو صديق أو شهيد. وأخرج الديلى عن على كرم الله وجهه أنه قال لو تعلمون ما فيها لما

١١٢
فضل سورة الصمد
تركتموها على حال وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أعطيت آية الكرسى
من كنز تحت العرش لم يؤتها نى قبلى. وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم قال سورة البقرة فيها آية سيدة آى القرآن لا تقرأ فى بيت وفيه شيطان إلا خرج منه
آية الكرسى. رواه الحاكم وصححه
٠
﴿ والحديث) أخرجه أيضا مسلم وأحمد وكذا ابن أبى شيبة فى كتابه بإسناد مسلم وزاد
والذى نفسى بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش
باب فى سورة الصمد
أى فيما ورد فى فضل قل هو الله أحد، وسميت بالصمد لذكره فيها. والصمد السيد
الذى ليس فوقه أحد ويقصده الناس دائما فى حوائجهم وأمورهم. وقال الزجاج هو الذى
ينتهى إليه السؤدد يقصده كل شىء. وعن ابن عباس هو السيد الذى قد كمل سؤدده والشريف
الذى قد كمل فى شرفه والعظيم الذى قد كمل فى عظمته والحليم الذى قد كمل فى حلمه والعليم
الذى قد كمل فى علمه والحكيم الذى قد كمل فى حكمته، وهو الذى قد كمل فى أنواع الشرف
والسؤدد . وقال أبوهريرة هو المستغنى عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد. وروى ابن جرير
وابن أبى حاتم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعا ((الصمد الذى لا جوف له)). وقال
الترمذى هو الذى لا تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار ولا تحيط به الأقطار وكل شىء عنده
بمقدار. ولهذه السورة أسماء أخر أنهاها بعضهم إلى عشرين. منها الإخلاص لما فيها من
التوحيد وإخلاص العبادة له تعالى. ومنها سورة المعرفة لأن معرفة الله تعالى لا تتم إلا بمعرفة
مافيها . ومنها سورة التفريد وسورة التجريد وسورة النجاة
﴿ص﴾ حَدََّنَا الْقَعَنِىُّ عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ
عَنْ أَبيه عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخَدْرِىِّ أَنَّ رَجُلًا سَمَعَ رَجُلا يَقْرَ أْ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ بِرَدَّدُهَا فَلَّا
أصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ فَذَكَرَ ذلكَ لَهُ وَكَأَنَّ الَّجُلَ
يَقَالُمَا فَقَالَ النَّ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِى نَفْسِ بَيَدِهِ إِنَّهَ لَتَعْدِلُ
تُلُثَ الْقُرْآنِ
(ش﴾ (رجال الحديث﴾ ﴿عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن) بن أبى صعصعة

١١٣
بيان مشتملات سورة الصمد
الأنصارى المازنى . روى عن الزهرى وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن يسار والحارث بن
عبد الله بن كعب والسائب بن خلاد. وعنه يحيى بن سعيد الأنصارى ومالك ويزيد بن الهاد
وعبد العزيز بن أبى سليمان. وثقه النسائى وأبو حاتم وابن حبان وابن عبد البر وقال فى التقريب ثقة
من السابعة. توفى فى خلافة أبى جعفر المنصور. روى له البخارى وأبو داودوالنسائى وابن ماجه
﴿معنى الحديث﴾ ﴿قوله أن رجلا سمع رجلا الخ﴾ السامع هو أبو سعيد الخدرى. والقارئ*
أخوه لامه قتادة بن النعمان كما جزم به ابن عبد البر، فقد أخرج الدار قطنى هذا الحديث عن
أبى سعيد بلفظ إن لى جارا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد، وأخرج أحمد
من طريق أبى الهيثم عن أبى سعيد قال بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله قل هو الله أحد
لا يزيد عليها (الحديث) (قوله وكأن الرجل الخ﴾ أى كأن السائل يتقالها بتشديد اللام أى
يعدها قليلة. يقال تقلل الشىء واستقله وقاله إذارآه قليلا، والمراد أنه رآها قليلة فى العمل لا أنه
عدها ناقصة (قوله إنها لتعدل ثلث القرآن) أى أن قل هو الله أحد لتماثل ثلث القرآن
لأنه يشتمل على ثلاثة أقسام قصص وأحكام وعقائد، وقل هو الله أحد تتعلق بالعقائد فكانت
بمنزلة الثلث، ويؤيده ما فى صحيح مسلم من طريق قتادة عن أبى الدرداء أن رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن قالوا نعم قال فإن
الله تعالى جزأ القرآن ثلاثة أجزاء نجعل قل هو الله أحد ثلث القرآن (( وما اعترض به)) ابن
عبد البر من أن فى القرآن آيات كثيرة فيها أكثر ما فيها من التوحيد كآية الكرسى وآخر
الحشر ولميرد فيها ذلك .أجاب عنه)) القرطبى بأن هذه السورة قداشتملت على اسمين من أسماء الله
تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال لم يوجدا فى غيرها من السور وهما الأحد الصمد، لأنهما
يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال. وذلك أن الأحد يشعر
بوجوده الخاص الذى لا يشاركه فيه غيره. والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال لأنه الذى
انتهى إليه السؤدد فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع
خصال الكمال وذلك لا يصلح إلالله تعالى: فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة
كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثا اهـ. وقيل إن ثواب قراءتها
يعدل ثواب قراءة ثلث القرآن وضعفه ابن عقيل وقال لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث
القرآن لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات))
فيكون ثواب قراءة القرآن بتمامه أضعافا مضاعفة بالنسبة لثواب قراءة هذه السورة . قال
وأجاب الدوانى عن هذا الإشكال بأن للقارئ* ثوابين تفصيليا بحسب قراءة الحروف وإجماليا
بحسب ختم القرآن، فثواب قل هو الله أحد يعدل ثلث ثواب الختم الإجمالى دون التفصيلى
(م ١٥ - المنهل العذب المورود - ج ٨)

١١٤
بعض ما ورد فى فضل قل هو الله أحد
ونظيره إذا عين أحد لمن يبنى دارافى كل يوم دنانير وعين له إذا أتمها جائزة أخرى زائدة على أجرته
اليومية. وأجاب الكرمانى بأن المراد أنها تعدل ثلث القرآن فى أصل الأجر دون المضاعفة
فمن قرأها ثلاث مرات كأنه قرأ القرآن من غير مضاعفة ومن قرأها ثلاثين مرة فكانه قرأ
القرآن كله مع المضاعفة، والأ حسن أن يقال لا مانع من أن يخص اللّه بعض العبادة التى ليس فيها
كثير مشقة بثواب أكثر من ثواب ماهو من جنسها وأشق منها بأضعاف مضاعفة وهو سبحانه الذى
لاحجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه، فلا يبعد أن يتفضل جل وعلا على قارئ القرآن بكل
حرف عشر حسنات ويزيد على ذلك أضعافا مضاعفة لقارئ الإخلاص بحيث يعدل ثوابه
ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة. ويفوض حكمة التخصيص إلى علمه
سبحانه وتعالى وكذا يقال فى أمثالها، وهذا مراد من جعل ذلك من المتشابه الذى استأثر الله
تعالى بعلمه ، وليس هذا بأبعد ولا أبدع من تخصيص بعض الأزمنة والأمكنة المتحدة الماهية
بأن للعبادة فيه ولو قليلة من الثواب مايزيد أضعافا مضاعفة على ثواب العبادة فى مجاوره مثلا
ولو كثيرة، بل قد خصص بعض الأزمنة والأمكنة بوجوب العبادة فيه وبعضها بحرمتها فيه .
وله سبحانه فى كل ذلك من الحكم ما هو به أعلم أفاده فى روح المعانى. وقال ابن عبد البر السكوت
فى هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم اه واختار فى الفتح القول بمضاعفة الأجر أيضا
قال ومنهم من حمل ذلك على تحصيل الثواب فقال معنى كونها ثلث القرآن أن ثواب قراءتها
يحصل للقارئ* مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن. ويستأنس له بمارواه العقيلى عن رجاء
الغنوى ((من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات فكأنه قرأ القرآن أجمع، وقيل مثله بغير تضعيف
وهی دعوى بدون دلیل ، ويؤيد الاطلاق ماأخرجه مسلم منحديث أبى الدرداء وفيه « قل هو
الله أحد تعدل ثلث القرآن، وساق روايات أخر أيد بها الإطلاق اهـ (وفى الحديث) دلالة
على مزيد فضل قل هو الله أحد لما تضمنته من تنزيه الله تعالى عن كل مالا يليق به لأنها مع
قصرها جامعة لصفات اللّه الأحدية ومتضمنة لنفى ما لا يليق بجلاله من الوالد والولد والنظير
فليس هناك من يمنعه كالوالد ولامن يساويه كالكفء ولامن يعينه كالولد، وهذه أصول مجامع
التوحيد الاعتقادية . وفيه جواز تكرار السورة الواحدة فى الصلاة مرات . وفيه أن الله يعطى
على العمل القليل مالا يعطيه على العمل الكثير. وقدورد فى فضلها أحاديث أخر. منها ما أخرجه
الترمذى والنسائى والحاكم ومالك عن أبى هريرة قال أقبلت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وجبت فسألته ماذا يارسول الله فقال الجنة ، فقال أبو هريرة فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره
ثم فرقت أن يفوتنى الغداء مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فآثرت الغداء مع

١١٥
المنهل العذب الموود . شرح سنن أبي داود
رسول الله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب . ومنها
ما أخرجه أحمد عن معاذ بن أنس الجهنى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال
((من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا فى الجنة)) فقال عمر بن الخطاب
إذا نستكثر يارسول الله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الله أكثر وأطيب
ومنها ما أخرجه الدارمى من طريق حيوة قال أخبرنى أبو عقيل أنه سمع ابن المسيب يقول إن
نى اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ((من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى له بها
قصر فى الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى له بها قصران فى الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى له
بها ثلاثة قصور فى الجنة )) فقال عمر بن الخطاب والله يارسول اللّه إذا لنكثرن قصورنا فقال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الله أوسع من ذلك. ومنها ما أخرجه الدارمى
فى مسنده عن أبى المغيرة عن صفوان الكلاعى قال قال رجل يارسول الله أى سور القرآن
أعظم قال قل هو الله أحد. ومنها ما أخرجه البخارى ومسلم والنسائى عن عائشة رضى الله تعالى
عنها أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه فى
صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
فقال سلوه لأىّ شىء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبروه أن الله يحبه. وفى رواية للبخارى أيضا والترمذى
عن أنس أطول منه فى آخرها فلما أتاهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبروه
الخبر فقال يافلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة
فى كل ركعة فقال إنى أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة . ومنها مارواه أبو نعيم من طريق
عمرو بن مرزوق عن شعبة عن مهاجر قال سمعت رجلا يقول صحبت النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم فى سفر فسمع رجلا يقرأ قل يأيها الكافرون فقال قد برى من الشرك، وسمع
آخر يقرأ قل هو الله أحد فقال غفر له. ومنها ما أخرجه الطبرانى فى معجمه وأبو يعلى فى مسنده
عن جابر يرفعه (( ثلاث من جاءبهن مع الإيمان دخل من أى أبواب الجنة شاء وزوج من الحور
العين حيث شاء: من عفا عن قاتله وأدى دينا خفيا وقرأ فى دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات
قل هو الله أحد)، فقال أبو بكر أو إحداهن يارسول الله قال أو أحداهن. وفى إسناده عمر بن
نبهان وقد تكلم فيه ﴿ والحديث) أخرجه أيضا مالك فى الموطأ والبخارى والنسائى والبيهقى

١١٦
فضل المعوذتين
أباب فى المعوذتين
بكسر الواو وتفتح أى فى بيان فضل قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس
﴿ص) حَدَّا أَحَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحِ أَنَا أَبْنُ وَهْبِ قَالَ أَخْرَ بِى مُعَاوِيَةٌ عَنْ الْعَلَاءِ
آبْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْقَاسِ مَوْلَ مُعَاوِيَةً عَنْ عُقبةَ نْ عَامِرٍ قَالَ كُنْتُ أَقُودُ بِرَسُولِ اللهِ صَلَى
الله تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ نَهُ فِ الَّفَرِ، فَقَالَ لِى يَعُقْبَةُ أَ أُعَلَّكَ خَيْرَ سُورَيْنِ
قُرْنَا؟ فَلْنِى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْقَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ، قَالَ فَم يَرَبِ سُرِرْتُ بِهِمَا جدًّا
فَلَا نَزَلَ لِصَلَةِ الصُّبْحِ صَلّى بِمَا صَلَةَالُْحِلِّاسِ، فَ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّ اللهُ تَعَلَى
عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ مِنَ الَّصَلَاةِالْتَفَتَ إلَى فَقَالَ يَ عُقْبَةُ كَيْفَ رَأَيْتَ
﴿ش﴾ ﴿ابن وهب) عبد الله. و(معاوية) بن صالح تقدم بالأول صفحة ٣٣٢
و﴿ القاسم) بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الدمشقى تقدم بالرابع صفحة ٢٥٠ (قوله
ألا أعلمك خير سورتين) أى ألا أعلمك سورتين هما من أفضل السور. وليس المراد
أنهما أفضل السور على الإطلاق إذ هناك ما يساويهما أو يزيد عليهما وقيل هما يزيدان على
غيرهما من السور فى باب التعويذ إذ لم توجد سورة كلها تعويذ إلا هاتين السورتين ﴿ قوله فلم
يرنى سررت بهما جدا﴾ أى سرورا كثيرا . والنفى راجع إلى الصفة التى هى كثرة السرور لا
إلى أصل السرور لأنه حاصل. ولعل عقبة لم يكثر سروره بهما لأنه كان يريد سورتين أطول
منهما كما يشعر به رواية النسائى عنه قال: اتبعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وهو راكب فوضعت يدى على قدمه فقلت أقرتنى يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف
فقال لم تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ( قوله فقال
ياعقبة كيف رأيت) يعنى كيف حال هاتين السورتين عندك الآن بعد أن رأيتنى صليت بهما
الصبح التى يقرأ فيها بالطوال . وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك ترغيبا له وتنبيها
على فضل السورتين وتأ كيدا لقوله ألا أعلمك خير سورتين
﴿ والحديث) أخرجه أيضا البيهقى وأخرج النسائى نحوه
﴿ص﴾ حَد تَنَاعبد الله بن محمّد النّفَيْلَى نَاعَمْدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاقَ عَنْ سَعيد بن

١١٧
مشتملات المعوذتين
أَبِ سَعِيدٍ الْمَقْبَرِىَّ عَنْ أَبِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ بَيْا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُول الله صَلَّ اللهُ
تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتَ رِبِحٌ وَظٌُّ شَدِيدَةٌ بَعَلَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَم ◌َرَّةُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْقَلْقِ وَأَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ وَيَقُولُ: يَاعُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَاتَعَوَّذَ مُتَعَوَّذِبْلِهِمَا: قَالَ وَسَمْتُهُ يَؤْمُنَا بِمَا فِ الصَّلَاةِ
٠٠
﴿ش﴾ ﴿قوله بين الجحفة والأبواء) الجحفة بضم فسكون موضع بين مكة والمدينة قريب من
رابغ، وهى ميقات أهل مصر والشام ، سميت بذلك لأن السيل أجحف بأهلها أى ذهب بهم، ويقال
كان اسمها مهيعة وهى الآن خراب ولخفاء موضعها صار الناس يحرمون من رابغ : محل مشهور قبلها
على ساحل البحر الأحمر، والأبواء وزان أفعال موضع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة من جهة
الشمال دون مرحلة ﴿قوله إذغشيتنا ريح الخ) أى جاءتنا ريح وظلمة شديدة سترتنا (قوله فجعل
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعوذ الخ) أى شرع صلى اللّه تعالى عليه وآ له وسلم يتحصن
بسورة قل أعوذ برب الفلق وسورة قل أعوذ برب الناس ﴿قوله ياعقبة تعوذ بهما الخ) أى
تحصن بهاتين السورتين لأنه ما تحصن متحصن بمثلهما. واختصتا بذلك لاشتمالهما على الجوامع
فى المستعاذ به والمستعاذ منه. أما الأول فلان الافتتاح برب الفلق مؤذن بطلب فيض ربانى
يزيل كل ظلمة فى الاعتقاد أو العمل، لأن الفلق الصبح وهو وقت فيضان الأنوار ونزول البركات
وقسم الأرزاق وذلك مناسب للمستعاذ به . وأما الثانى فلأنه فى السورة الأُ ولى ابتدأ فى ذكر
المستعاذ منه بالعام وهو شر كل مخلوق حىّ أوجماد فيه شر فى البدن أو المال أو الدنيا أو الدين
كإحراق النارثم بالخاص اعتناء به لخفاء أمره إذ يلحق الإنسان من حيث لا يعلم لأن الظلمة التى
تعقب ذلك تكون سببالصعوبة التحرز من الشر المسبب عنها، ثم ذكر نفث الساحرات فى عقدهن
الموجب لسريان شرهن فى الروح على أبلغ وجه وإخفائه فهو أدق من الأول، ثم ذكرشر الحاسد
فى وقت التهاب نار حسده لأنه حينئذ يسعى فى إيصال أدق المكايد المذهبة للنفس والدين
فهو أدق وأعظم من الثانى . وفى السورة الثانية خص شر الموسوس فى الصدور من الجنة والناس
لأن شره حينئذ يعادل تلك الشرور بأسرها لأنها إذا كانت فى صدر المستعيد ينشأ عنها كل كفر
وبدعة وضلالة. ومن ثم زاد التأكيد والمبالغة فى جانب المستعاذ به إيذانا بعظمة المستعاذ منه
وكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بمن رباهم بنعمه وملكهم بقهره وقوته وهو إلههم
ومعبودهم الذى يستعيذون به ممن سواه ويعتقدون أن لا ملجأ لهم إلا إليه : وختم به لأنه

١١٨
الرد على منكر حديث سحر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
مختص به تعالى بخلاف الأولين فإنهما قد يطلقان على غيره . وسبب نزول هاتين السورتين كما
قال المفسرون أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما رجع من الحديبية فى ذى الحجة ودخل
المحرم سنة سبع وفرغ من غزوة خيبر جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم وكان ساحرا
فقالوا أنت أسحرنا وقد سحرنا محمدا فلم يؤثر فيه سحرنا شيئا ونحن نجعل لك جعلا على أن
تسخره لنا سحرا يؤثرفيه فجعلوا له ثلاثة دنانير فأتى غلاما يهوديا كان يخدم النبى صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وعدة أسنان من مشطه وأعطاها له فسحره بها. وكان من جملة السحر صورة من شمع على صورة
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد غرزوا بها إحدى عشرة إبرة وجعلوا فيها
وترا فيه إحدى عشرة عقدة فنزلنا. وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما قرأ آية
انحلت عقدة وكلما نزع إبرة وجد لها ألما فى بدنه ثم يجد بعدها راحة. فقد روى البخارى
ومسلم وابن ماجه عن عائشة قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى إنه
ليخيل إليه أنه فعل الشىء ولم يكن فعله حتى إذا كان ذات يوم أوذات ليلة دعا الله ثم دعا ثم قال
أشعرت ياعائشة أن الله تعالى قد أفتانى فيما استفتيته فيه قلت وما ذاك يارسول الله، فقال جاءنى
رجلان مجلس أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى فقال الذى عند رأسى الذى عند رجلى أو
الذى عند رجلى للذى عند رأسى ماوجع الرجل؟ قال مطبوب (أى مسحور) قال من طبه؟ قال
لبيد بن الأعصم قال فى أى شىء؟ قال فى مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر (أى وعاء طلع النخل)
قال فأين هو؟ قال فى بئرذروان ، قالت فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى
أناس من أصحابه ثم قال ياعائشة والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين
قالت فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته قال لا أما أنا فقد عافانى اللّه تعالى وكرهت أن أثير على
الناس شرا فأمرت بها فدفنت اهـ وهذان الرجلان جبريل وميكائيل كما فى رواية ابن
مردويه عن ابن عباس (وأنكر بعضهم) حديث السحر زاعمين أنه غير لائق بالنبوة لأن
تجويز السحر على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤدى إلى عدم الثقة بما أتى به من
الشرائع. إذ يحتمل أن يخيل إليه أنه يرى جبريل يكلمه وليس كذلك (وهو مردود) بالأ حاديث
الصحيحة وإجماع الصحابة ((وما وقع له، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من السحر ((كان
متعلقا)) بظاهر جسده لم يصل إلى قلبه وعقله ، فهو من الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى خلل
فى منصب النبوة كالأمراض غير المنفرة. قال القاضى عياض قد جاءت روايات حديث عائشة
مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده الشريف وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده
((ويكون)) معنى ما فى بعض الروايات حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن. وفى بعض أنه يخيل

لا معارضة بين حديث السحر وآية ((وقال الظالمون إن تتبعون إلارجلا مسحورا، ١١٩
إليه أنه يفعل الشىء ولم يفعله ((أنه يظهر)) له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا
منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن كما يعترى المسحور («وكل، ماجاء فى الروايات من
أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخيل إليه فعل الشيء ولم يفعله , محمول) على التخيل بالبصر لا لخلال
تطرق إلى العقل. وليس فى ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولاطعنا لأهل الضلالة اهـ. وكانت
مدة سحره صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعين يوما، وقيل ستة أشهر وقيل عاما وهو المعتمد.
((وقول القاضى عياض، قدجاءت روايات عائشة مبينة أن السحر إنما تسلط الخ ((يشير به) إلى قول
عائشة رضى الله عنها فى حديث البخارى المتقدم دعا الله ثم دعا، وإلى قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم لها (( أشعرت ياعائشة أن اللّه تعالى قد أفنانى فيما استفتيته فيه)، وإلى قول أحد الملكين للآخر
فى الحديث ماوجع الرجل قال مطبوب ((فإن دعاءه)) صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وقوله
لعائشة أشعرت الخ وإخباره بما حصل من الملكين ((دليل واضح)) على أن السحر ما تسرب
إلى قلبه وعقله بل كان متعلقا بظاهر جسده حسب (وقال فى روح المعانى) قال الإمام المأزرى
قد أنكر ذلك الحديث المبتدعة من حيث إنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها وإن تجويزه
يمنع الثقة بالشرع ((وأجيب)) بأن الحديث غير معارض للنص المسوق تشنيعا على الكفار فى
وصفهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه مسحور وهو قوله تعالى ((وقال الظالمون
إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ، ولا يلزم على حديث عائشة حط منصب النبوة والتشكيك
فيه الآن الكفار أرادوا بقولهم مسحورا أنه مجنون، وحاشاه ولوسلم إرادة ظاهره من أنه مسحور
حقيقة لا مجنون فمقالتهم هذه كانت قبل هذه القصة أو مرادهم أن السحر أثر فيه وأن ما يأتيه
من الوحى كان من تخليلات السحر (وهو كذب أيضا) لأن الله تعالى عصمه فيما يتعلق بالرسالة
(( وأما ما يتعلق)) ببعض أمور الدنيا التى لم يبعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأجلها وهى مما
يعرض للبشر (( فغير بعيد)) أنه يخيل إليه من ذلك ما لا حقيقة له، وقد قيل إنه إنما كان يخيل إليه أنه
وطىْ زوجاته وليس بواطئ وقد يتخيل الإنسان مثل هذا فى المنام فلا يبعد تخيله فى اليقظة
وقيل إنه كان يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على السداد ((إلى أن قال، وبعضهم أنكر أصل السحرونفى حقيقته
وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها ( ومذهب أهل السنة) وعلماء الأمة على
إثباته وأن له حقيقة حقيقة غيره من الأشياء لدلالة الكتاب والسنة على ذلك اه ببعض تصرف
(وقال فى الهدى) قد أنكر سحر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طائفة من الناس
وقالوا لا يجوز هذاعليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض وإصابته به

١٢٠
تعريف السحر . المذاهب فى أنه حقيقة أو خيال وحكم العمل به
كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة أنها قالت سحر رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((الحديث)) اهـ إذا علمت ما تقدم تعلم رد ما قاله بعض المفسرين من أن
الحديث معارض لقوله تعالى ((إن تتبعون إلارجلامسحورا)) وليس الأمر كماقال، فإن المشركين
قالوا فى النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم إنه مسحور أى مجنون فما يصدر عنه هذيان فلا يعول عليه
فنزلت الآية مكذبة لهم ومشنعة عليهم وصف النبى صلى الله عليه وآله وسلم بهذا ((وما يفيده)) حديث
عائشة من أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحره كان)) من قبيل الأمراض المتعلقة بظاهر البدن ولم
تصل عقله وقلبه كما علمت فليس الحديث من قبيل مقالة المشركين كمافاله ذلك المفسر فهو غير معارض
للآية (( فما أفاده كلامه، من أن الآية من قبيل المتواتر المقطوع به والحديث من قبيل الآحاد فيطرح
العمل به ويعمل بالآية ((محله إذا لم)) يمكن الجمع بينهما أما إذا أمكن كما هنا فيجب العمل بكل
منهما ( فائدة ) السحر فى اللغة مصدر سحر يسحر بفتح العين فيها إذا أبدى ما يدق ويخفى، وهو
من المصادر الشاذة ويستعمل فيما لطف وخفى سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق للعادة
وليس به: إذيحصل بالتعلم ويستعان فى تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح (قولا) كالرقى
التى فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره ( وعملا) كعبادة الكواكب والتزام الجنابة
وأنواع الفسوق (واعتقادا) كاستحسان ما يوجب التقرب إلى الشيطان ومحبته إياه وذلك لا يستتب
إلافيمن يناسبه فى الشر وخبث النفس، فإن التناسب شرط التوافق والتعاون، فكما أن الملائكة
لا تعاون إلا خيار الناس المشبهين لهم فى المواظبة على العبادة والتقرب الى الله تعالى فى القول
والفعل كذلك الشياطين لا تعاون إلا الأشرار المشبهين لهم فى الخبائة والنجاسة قولا وفعلا
واعتقادا، وبهذا يتميز الساحر عن النبى والولى فلايرد ما قاله المعتزلة من أنه لو أمكن الإنسان
من جهة الشيطان ظهور الخوارق والإخبار عن المغيبات لا اشتبه طريق النبوة بطريق السحر
( وفسر) الجمهور السحر بأنه أمر خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة
(ومذهب أهل السنة) أن له وجودا وحقيقة وأن العمل به كفر إذا اعتقد أن الكواكب هى
المؤثرة فى قلب الأعيان . وروى عن الشافعى أنه قال السحر يخبل ويمرض، وقد يقتل حتى أوجب
القصاص على من قتل به، والأصح أن السحر يخبل ويؤثر فى الأبدان بالأمراض والجنون والموت
فالسحر بمنزلة العلل فى الأبدان، وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيث يطير فى الهواء ويمشى على الماء
ويقتل النفس والفاعل الحقيقى فى كل ذلك هو الله سبحانه وتعالى. ولم تجرسنته سبحانه وتعالى
بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم
الصلاة والسلام. (وأنكر) المعتزلة وبعض أهل السنة حقيقته وقالوا إنما هو خيالات (وقد
اختلف ) العلماء فى حكم العمل بالسحر: فالأكثرون على أنه كفر حتى قال العلامة التفتازانى