Indexed OCR Text

Pages 41-60

بِشِْالهِالزَّ الْمُ
[وبه نستعين] (١)
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد
(٢) أخبرنا الشيخ الأمين تقي الدين أبو الخطاب محفوظ بن عمر بن أبي بكر
بن الحامض الحنبلي البغدادي، قال: أخبرنا الشيخ الأجلّ أبو المنجا عبد اللَّه
بن عمر بن اللتي - قراءة عليه وأنا أسمع - في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين
وستمائة قال: أخبرنا أبو الوقت - عبد الأوَّل بن عيسى بن شعيب
السجزي(٣).، قال: أنبأ أبو الحسن - عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي.
قراءة عليه فأقرّ به (٤) ، قال: أنبأ أبو محمد - عبد الله بن أحمد بن حمويه
السرخسي - قراءة عليه من أصله في المسجد الجامع ببوشنج في سنة إحدى
وثمانين وثلاثمائة، قال: أنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، قال: ثنا أبو محمد
(عبد بن حميد بن نصر) (٥) :
(١) من ((س)).
(٢) في (س)): أخبرني الشيخ الثقة الأمين أبو بكر محمد بن مسعود بن بهروز الطبيب بقراءة الفقيه
المحدث الفاضل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد البكري الشريشي ببغداد جبرها الله.
تعالى - في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة قال: قرئ على الشيخ الإمام بقية المشايخ أبي الوقت عبد
الأوّل بن عيسى ...
(٣) في (س)): الهروي الماليني الصوفي، قدم علينا قراءة عليه جميع هذا الكتاب فأخبر به يوم الأحد
حادي عشر محرم سنة ثلاث وخمسمائة، بقراءة ابن لبيد وأنا حاضر أسمع.
(٤) في (س)): في رجب سنة خمس وستين وأربعمائة ببوشنج، فأقرّ به وقال: نعم.
(٥) في ((س)): عبد الحميد بن نصر الكشي.

٤٢
المنتخب من
١ - مسند أبي بكر الصديق فى اللّهه
١ - قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: إنكم تقرأون
هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥] وإني سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ لَه يقول: ((إنَّ النَّاسَ إذا رأوا الظالمَ فلمْ
يأخذُوا على يديْهِ؛ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعقَابِهِ)).
(١) إسناده صحيح، وقد أُعلَّ بالوقوف:
وقد أخرجه الإمام أحمد (٢/١ و٥، ٧، ٩)، وأبو داود (حديث ٤٣٣٨)، والترمذي (مع
التحفة ٣٨٨/٦، ٤٤٢/٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١٢٨، ١٣٠ و
١٣١ و١٣٢)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٦٩/٩)، والطبري موقوفًا ومرفوعًا (١٢٨٧١،
١٢٨٧٢، ١٢٨٧٣)، وغيرهم جم غفير.
أما وجه إعلاله :
فإن جماعة من الرواة الأثبات رووه عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي
بكر .. فذكر الحديث، وفيه: سمعت رسول اللّه ◌َ له يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيِّروه
أوشك أن یعمهم الله بعقابه .
وثَمَّ رواة آخرون رووه عن إسماعيل بن قيس عن أبي بكر من قوله، لم ذكر النبي وَّر.
وهذه بعض أقوال العلماء في ذلك، فهذه بعضها:
· قال الترمذي رحمه الله: هكذا روى غير واحد عن إسماعيل نحو حديث يزيد ورفعه
بعضهم عن إسماعيل، ووقفه بعضهم.
• وقال أبو زرعة (كما نقل عنه ابن أبي حاتم في ((العلل))) بعد أن ذكر بعض وجوه الاختلاف
فيه: وأحسب إسماعيل بن أبي خالد كان يرفعه مرةً ويوقفه مرةً.
• وقال الدار قطني رحمه الله تعالى (العلل ١/ ٢٥٠): هو حديث رواه إسماعيل بن أبي خالد
عن قيس، فرواه عنه جماعة من الثقات فاختلفوا عليه فيه، فمنهم من أسنده إلى النبي ◌َلخر
ومنهم من أوقفه على أبي بكر .
=
ثم ذكر عددًا كبيرًا جدًا من الرواة الذين رووه عن إسماعيل عن قيس عن أبي بكر مرفوعًا.

٤٣
مسند عبد بن حميد
وجماعة من الدين رووه موقوفًا .
=
ثم قال أيضاً: ورواه بيان وطارق بن عبد الرحمن وذر بن عبد الله الهمداني والحكم بن عتيبة
وعبد الملك بن عمير، وعبد الملك بن ميسرة، فرووه عن قيس عن أبي بكر موقوفًا .
قال: وجميع رواة هذا الحديث ثقات ويشبه أن يكون قيس بن أبي حازم كان ينشط في الرواية
مرة فُسند، ومرة یجبن عنه فيقفه على أبي بكر .
• وأشار الحافظ ابن كثير رحمه الله أيضًا إلى الخلاف في وقفه ورفعه، وقال: وقد رجح رفعه
الدار قطنيُّ وغيرُه.
قلتُ: فيمكنني أن أُلخص صورة الخلاف على النحو التالي:
جماعة کثیرون
مرفوعًا
إسماعيل بن أبي خالد عن
قيس ابن أبي حازم عن أبي بكر
جماعة
موقوفًا
بیان بن بشر
طارق بن عبد الرحمن
ذر بن عبد الله
الحكم بن عتيبة
موقوفًا
» عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ->
عبد الملك بن عمير
عبد الملك بن ميسرة
فحصل على إسماعيل اختلاف، فبالنسبة لرواية إسماعيل يمكن أن يقال: إنه روى على
الوجهين ويصحح المرفوع والموقوف.
ولكن بالنظر إلى الرواة الآخرين فكلهم (على ما ذكره الدار قطني) تابعوا إسماعيل على
الوقوف.
فمن ثمَّ فقد رجّح بعض أهل العلم الوقف.
=

٤٤
المنتخب من
11
إلا أن الذين رجحوا الرفع ذهبوا إلى أن إسماعيل من أثبت الناس في قيس، وقد رواه إسماعيل
على الوجهين على الرفع والوقف، والذين رووه عن إسماعيل على الرفع عدد هائل، فلا معنى
لرد روایته.
فهذه وجهة من رجحوا الرفع .
وعلى كلٌّ؛ ففي هذا الحديث وجهان للاجتهاد فمن رجَّح وقفه فله وجه ومن رجح رفعه فله
وجهٌ، والله تعالى أعلم.
هذا، ومما يشهد للحديث من ناحية المعنى قوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر﴾.
بل وقد حلت اللعنة على بني إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:
﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا
يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ المائدة.
ومعنى الآية - والعلم عند اللَّه تعالى -: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به - ومما كلفوا به الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر - فلا عليكم من ضلال غيركم. وقد قال تعالى: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾
النجم]، وقد قال سبحانه لنبيه وَلير: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾.
وليراجع البحث القيم الذي ذكره الشيخ محمد الأمين في ((أضواء البيان)) (ج ٢ ص ١٥١) وبما
بعدها عند تفسير هذه الآية من سورة المائدة. ويراجع أيضًا (ج ٢٨) من فتاوى شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله.
قوله: ((إذا رأوا الظالم)) في بعض الروايات: ((المنكر)) وهما متلازمان.
قوله: ((فلم يغيروه)): أي: وهم قادرون، لقول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾.
وقد جاء في معنى الحديث قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
واعلموا أن اللَّه شديد العقاب﴾.
ومن حديث النعمان بن بشير عند البخاري والترمذي ففي البخاري في كتاب الشركة باب هل
يقرع في القسمة والاستهام فيه؟ (فتح)) (ج ٥ ص ١٣٢): حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، قال:
سمعت عامراً يقول: النعمان بن بشير عن النبي ◌َّ قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع
فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في
أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرفًا ولم نؤذِ من
فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).

٤٥
مسند عبد بن حميد
٢ - أخبرني حَبَّانُ بن هِلال، حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيى، قال: حدثنا ثابت
البنانيّ، قال: ثنا أنس بن مالك، أن أبا بكر الصديق حَدَّثْه قال: نظرتُ إلى
أقْدام المشركين ونحن في الغار وهُمْ على رءوسنا، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، لو
أنَّ أحدهم نظر إلى قدميْه أبصرنا تحت قدميْهِ! فقال: ((يا أبا بكر، ما ظنُّك
باثنين اللَّهُ ثالثهُما؟!)).
(٢) صحيح:
أخرجه البخاري (حديث ٣٦٥٣)، (٤٦٦٣ و٣٩٢٢)، ومسلم (ص ٩١٨٥٤، والترمذي في
((التفسير))، (تفسير سورة براءة)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، إنما يروى من حديث
همام وقد روى هذا الحديث حبان بن هلال وغير واحد عن همام نحو هذا .
قلتُ: انظر التنبيه المتقدم.
وأخرجه أحمد (٤/١)، وابن جرير في ((تفسيره)) آية (٤٠) من سورة براءة (ج٩ ص ١٣٦).
وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (ج ٣ ص ٢٤٢) بالإضافة إلى من ذكرنا ابن سعد وابن أبي
شيبة وأبي عوانة وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه .
وعزاه أيضًا السيوطي (ج ٣ ص ٢٤١) إلى ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر من حديث
حبشي بن جنادة نحوه.
حبان بن هلال: الباهلي ثقة ثبت من رجال الجماعة قال فيه أحمد (كما في التهذيب) كان إليه
المنتهى في التثبت بالبصرة ..
همام بن يحيى: ابن دينار ثقة ربما وهم من السابعة من رجال الجماعة.
تنبيه: قال الحافظ في ((فتح الباري)) (ج ٧ ص ١١) من كتاب فضائل الصحابة وبعد شرحه
للحديث: تنبيه: اشتهر أن حديث الباب تفرد به همام عن ثابت وممن صرح بذلك الترمذي
والبزار. وقد أخرجه ابن شاهين في ((الأفراد)) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بمتابعة همام،
وقد قدمت له شاهدا من حديث حبش بن جنادة، ووجدت له آخر عن ابن عباس أخرجه الحاكم
في ((الإکلیل)) اهـ.
ثابت البناني: وهو: ابن أسلم البناني، ثقق، عابد، من الرابعة، ن رجال الجماعة، وقال أبو
حاتم (كما نقله عنه في ((التهذيب))): أثبتُ أصحابِ أنس: الزهري، ثُم ثابت، ثم قتادة.
أنس بن مالك: ابن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول اللَّه ◌َّر، خدمه عشر سنين،
صحابي مشهور، مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة رضي الله عنه.
=

٤٦
المنتخب من
والحديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم حديث
=
(٣٦٥٣)، وفي التفسير تفسير سورة براءة، باب (٩): ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (٦٦٣)،
وفي مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي ◌َّ وأصحابه إلى المدينة (٣٩٢٢)، ومسلم في كتاب
فضائل الصحابة رضي الله عنهم (ج٤/ ص ١٨٥٤)، والترمذي في التفسير، تفسير سورة براءة
وقال: حديث حسن صحيح غريب، إنما يروى من حديث همام، وقد روى هذا الحديث حبان
بن هلال، وغير واحد عن همام نحو هذا.
قلت : انظر التنبيه المتقدم .
وأخرجه أحمد (٤/١)، وابن جرير في ((تفسيره)) آية (٤٠) من سورة براءة (ج ٩/ ص١٣٦).
وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (ج ٣/ ص ٢٤٢) بالإضافة إلى من ذكرنا: ابن سعد، وابن أبي
شیبة، وأبي عوانه، وابن حبان، وابن المنذر، وابن مردويه .
وعزاه أيضًا السيوطي (ج ٣/ ص٢٤١) إلى ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، من حديث
حبشي بن جنادة نحوه.
قوله: ((اللَّه ثالثهما)): قال الحافظ في ((الفتح)) (ج/ ص٢٥٩): معنى قوله: ((اللَّه ثالثهما»
أي: معاونهما وناصرهما، وإلا فهو مع كل اثنين بعلمه، كما قال: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة
إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾ الآية.
وقال النووي في ((شرح مسلم)) (١٤٩/١٥) معناه: ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد،
وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿إن اللَّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾.
قلت: وأهل السنة والماعة عليأن ((الرحمن استوى على عرشه في السماء)).
قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه].
وقوله سبحانه: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على
العرش ... ﴾ [الأعراف: ٥٤].
﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ... ﴾ [الحديد: ٤].
وغير ذلك من الآيات.
أما كون اللَّه سبحانه وتعالى في السماء:
قال تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور !!! أم أمنتم من في
السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير﴾ [تبارك: ١٦، ١٧].
وقال سبحانه: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠].
وقال عز وجل: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠].
=

٤٧
مسند عبد بن حميد
٣ - حدثنا أبو داود - سليمان بن داود - عن عبد الواحد بن زيد، عن أسلم
الكوفي، عن مرّة، عن زيد بن أرقم، عن أبي بكر الصديق: سمعت النبي وَله
يقول: ((إنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلّ - حَرَّم على الجنَّة جسدًا غُذِّيَ بحرام)) .
وهذا المعنى ثابت في غدة آيات .
=
وفي كثير من الأحاديث كذلك منها: حديث النزول، وحديث الجارية الذي فيه سؤال رسول
اللَّهِ وَ ◌ّ للجارية: ((أين الله؟)) قالت: في السماء. قال: ((من أنا؟)) قالتْ: أنت رسول الله.
قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم - رحمه الله - من حديث معاوية بن
الحكم السلمي حديث (٥٣٧).
قلت: وفي حديث الباب قوة توكُّل النبيِنَّهِ على اللَّه.
· وفي الباب الحث على التوكل على اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وعلى اللَّه فتوكلوا إن كنتم
مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣].
• وقال سبحانه: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم
إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: ٢].
وقال عز وجل: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا
حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال عز وجل: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣].
وقال تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾
[براءة: ٥١].
• وفي الحديث أيضًا مَنْقبة لأبي بكر ◌َ ل* وهي: بذل نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في
طاعة الله ورسوله، وملازمة النبي ◌َّر، ومعاداة الناس فيه ... قاله النووي.
قلت: والمنقبة الكبرى: قول رسول اللَّه ◌َ له: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!)).
(٣) ضعيف الإسناد جدًا:
ففي سنده عبد الواحد بن زيد القاصر، أبو عبيدة البصري ضعيفٌ جدًا، وترجمته في ((تعجيل
المنفعة))، و((الجرح والتعديل)) (٢٠/٣)، و((الميزان)).
وفي إسناده أيضًا سلم بن عطية الفقيمي، لين الحديث.
لفتةٌ: نلفت النظر هنا إلى طرف من استدلالات المرجئة، من جهة واستدلالات المعتزلة
والخوارج من جهة أخرى.
=

٣٠
٤٨
المنتخب من
=
استدلت المرجئة ومن ذهب مذهبهم بأدلة نذكر طرفًا منها :
١ - حديث عبادة بن الصامت في ((صحيح مسلم)) (ج١/ ص٢٢٨) وفيه: سمعت رسول اللَّه ◌ِّله
يقول: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه. حرَّمه الله على النار)) .
٢ - حديث عثمان أيضًا في ((صحيح مسلم)) (ج١/ ص٢٢١) وفيه: ((من مات وهو يعلم أن لا إله
إلا الله. دخل الجنة)).
٣ - حديث محمود بن الربيع في قصة كعب بن مالك في ((البخاري)) باب: المساجد التي في
البيوت (حديث ٤٢٥) وفيه: قال رسول اللَّه وَ له: «فإن اللَّه حرَّم على النار من قال: لا إله إلا
الله. يبتغي بذلك وجه الله)).
٤ - حديث: ((من صلى البردين دخل الجنة))، متفق عليه من حديث أبي بكر بن أبي موسى عن
أبيه، البخاري في كتاب الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر، ومسلم في كتاب المساجد (حديث
٦٣٥).
٥ - حديث أب يعبس في ((صحيح البخاري)) في كتاب الصلاة، باب (١٨): المشي إلى الجمعة
(فتح)) (٢/ ٣٩٠)، وفيه: سمعت رسول اللَّه ◌َ ل يقول: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله.
حرمه الله على النار)).
٦ - ((لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا)) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (ص ١٥٠٥).
وغير ذلك من الأحاديث التي على هذا النمط فأخذها أقوام على ظاهرها وتجاهلوا نصوص
الشريعة الأخرى فضلوا وأضلوا. وذلك لأننا أمرنا بالعمل بالشريعة كلها لقول الله تعالى:
﴿أفتؤ منون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة
الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما اللَّه بغافل عما تعملون﴾ .
فلا بد لنا من وقفة مع باقي نصوص الشريعة .
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إن المنافقين يخادعون اللَّه وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا
كسالى يراءون الناس ولا يذكرون اللَّه إلا قليلاً﴾، إلى أن قال سبحانه: ﴿إن المنافقين في الدرك
الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً﴾ [النساء].
وكلنا يعلم أن المنافقين كانوا يقولون: لا إله إلا اللَّه محمدًا رسول اللَّه. بل وكانوا يصلون - وإن
كانوا يقومون إلى الصلاة وهم كُسالى-، كما قال تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا
کسالی﴾ .
وفي حديث أبي هريرة في ((صحيح مسلم)) (ص١٩٩٧) أن رسول اللَّه وَ ◌ّم قال: «أتدرون من
المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي يأتي يوم.
القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم =

٤٩
٢٠٠
مسند عبد بن حميد
هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي
=
ما عليه أخذ من خطاياهم فَطُرحَتْ عليه ثم طرح في النار)).
وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم
دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من اللَّه ومأواه جهنم وبئس المصير﴾
[الأنفال].
وقال سبحانه: ﴿ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون].
فهذه نصوص تحتاج إلى وقفة للجمع بينها وبين ما تقدم، وكذلك غيرها من الآيات
والأحاديث .
● أما الخوارج والمعتزلة: فذكروا أحاديث عن رسول اللَّه ◌َ له واحتجوا بها، وادعوا أن مرتكب
الكبيرة إذا مات قبل التوبة منها في يُخلَّد في النار، ونذكر - إن شاء الله - طرفًا من أدلتهم:
١ - حديث أبي بكرة في ((صحيح مسلم)) مرفوعًا: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه
فالجنة عليه حرام)) (ص٨٠)، وأخرجه البخاري من حديث سعد مرفوعًا في الفرائض ((فتح))
(ج١٢ / ص٥٤).
٢ - ((من قتل نفساً معاهدة بغير حقها حرم الله عليه الجنة)) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن
عمرو مرفوعًا في كتاب الديات من ((صحيحه)) ((فتح)) (ج١٢/ ص٢٥٩).
٣ - ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (ص ٩٣) من حديث ابن مسعود كتاب الإيمان، باب: تحريم
الكبر، قال رسول اللَّه ◌َ له: ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل
الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء)).
٤ - حديث حذيفة المتفق عليه [البخاري ((فتح)) (ج ١٠ / ص ٤٧٢) كتاب الأدب، ومسلم
(ص١٠١)] مرفوعًا وفيه: ((لا يدخل الجنةر قتَّاتٍ))، وأحمد (٣٨٢/٥، ٣٨٩، ٣٩٢) ...
٥ - حديث ((لا يدخل الجنة قاطع)) متفق عليه، من حديث جبير بن مطعم البخاري (٥٩٨٤)،
ومسلم وقال في آخرج: ((قال ابن أبي عمر، قال سفيان: يعني: قاطع رحم)). (حديث
٢٥٥٦).
٦ - حديث: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)) أخرجه مسلم (ص٦٨) من حديث زبي
هريرة، وغير ذلك من الأحاديث التي على شاكلتها .
فهذه أيّا تحتاج إلى وقفة للجمع بينها وبين ما تقدم وبين قول اللَّه عز وجل: ﴿إن الله لا يغفر أن
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
وحديث أنس في ((صحيح البخاري)) (حديث ٧٤١٠)، وفيه: فقال النبي ◌َّ: ((يخرج من النار
من قال: لا إله إلا اللَّه. وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله =

٥٠
المنتخب من
إلا اللَّه. وكان في قلبه من الخير ما يزن برةج، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه. وكان
في قلبه ما يزن من الخير ذرة)) ((فتح)) (ج ١٣ / ٣٩٢).
وقبل أن نشرع في الجمع بين هذه الأدلة نقرر قواعد بأدلتها :
القاعدة الأولى: وهي: أن الجنة درجات والنار كذلك دركات، وتقريراً لهذه القاعدة
نسوق لها ما ييسرِهِ اللَّه تبارك وتعالى من أدلة، وإن أخطأنا فمن أنفسنا ومن الشيطان
وإن أصبنا فمن الله عز وجل.
١ - قال اللَّه تعالى: ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات
العلى، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى﴾
{طه : ٧٥، ٧٦}.
٢ - في حديث أبي هريرة في ((صحيح البخاري)) حديث (٢٧٩٠) قال النبي ◌َّ: ((من آمن بالله
وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل اللّه أو
جلس في أرضه التي ولد فيها . فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة
درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا
سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة -أراه قال : - وفوقه عرش الرحمن.
ومنه تفجر أنهار الجنة)).
٣ - قال الله سبحانه: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ [الواقعة}.
وقال عز وجل في آخر السورة: ﴿وأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن
كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [الواقعة).
وأما الأدلة على أن النار دركات:
١ - قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء}.
٢ - وقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر}.
٣ - قوله تعالى :. حكاية عن أصحاب المائدة: ﴿فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه
أحداً من العالمين﴾ [المائدة}.
٤ - أخرج مسلم في (صحيحه) (ص١٩٥) من حديث العباس بن عبد المطلب وَلي أنه قال: يا
رسول اللَّه، هل نفعت أبا طلب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ((نعم، هو في
ضحضاح من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)).
وغير ذلك من الأحاديث والآيات.
القاعدة الثانية: وهي أن هناك من يدخل الجنة قبل غيره، الأدلة على ذلك:
ft

٥١
مسند عبد بن حميد
=
١ - قال تعالى: ﴿وبينهما حججاب، وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا
أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ... ﴾، إلى أن قال سبحانه:
﴿أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اللَّه برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم
تحزنون﴾ [الأعراف}.
٢ - ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتنناهم من عملهم من شيء﴾
{الطور}.
٣ - قول رسول اللَّه وَ له: ((أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذي على إثرهم
كأشد كوكب إضاءة ... ))، أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة.
٤ - حديث أبي هريرة في ((صحيح البخاري)) في كتاب التوحيد حديث (٧٤٣٧، باب: قول
الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾، وهو حديث طويل جاء فيه: (( ... ويبقى
رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر آهل النار دخولاً لها ... )) ((فتح)) (٤٢٠/١٣).
٥ - حديث أبي هريرة في ((مسند أحمد)) وغيره (٢/ ٣٤٣، ٢٩٦، ٤٥١) وانظر أيضاً الترمذي
في ((الزهد)» (٢٧)، حم (٥١٣/٢، ٥١٩، ٣٦٦/٥)، وابن ماجه في الزهد (٦)، وفيه قال
رسول اللَّه وَله: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام))
وإسناده حسن.
مما تقدَّم: يتبين لنا أن قول رسول اللَّه ◌َ له: ((لا يدخل الجنة من فعل كذا وكذا ... ))، وقوله وقيل:
((لا يدخل النار من فعل كذا ... ))، إذا كان المقول فيه من أهل التوحيد، قد يحمل على أحد
الوجهين :
أولهما: أنه لا يدخل مع الداخلين الأولين، بل يتخلف حتى يأخذ حظه من العذاب - إلا إذا عفا
اللّه عنه-، ثم يدخل الجنة .
ثانيهما: أنه قد لا يدخل نوعًا من الجنان التي أعدت لمن ترك هذا الفعل، وقد جاء ما يشهد لذلك
في حديث من شرب الخمر في الدنيا حرمها في الآخرة.
وكذلك الحال بالنسبة لجهنم أعاذنا الله منها بفضله ورحمته، فقوله تعالى: ((حرم على النار من
قال: لا إله إلا اللَّه)) قد يحمل على نار مخصوصة وهي نار المشركين.
هذا؛ والعلم عند اللَّه سبحانه وتعالى ونسأل الله العفو والمغفرة، وقد ذهب بعض أهل
العلم عند إمضاء مثل هذه الأحاديث على ظاهرها، حتى تكون أبلغ في الذِّكر واللَّه
أعلم.

٥٢
المنتخب من
٤ - حدثنا رَوْحَ بَن عُبَادة، ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن أبي التَّيَّاح، عن
المغيرة بن سُبَيْع، عن عَمْرو بن حُرَيث، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه
قال: ثنا رسول اللّهِ وَلّ ((أن الدَّجَّال يَخْرِجُ من أرْضِ بالَشْرِقِ يَقال لها
خُراسَانُ، يَتْبَعُهُ أَقْوامٌ كأنَّ وُجوهَهُمْ المَجَانُّ المطْرَقَةُ).
(٤) رجاله موثقون:
إلا أن الإسناد يعتريه ما يلي:
أولا !: سعيد بن أبي عروبة، وإن كان ثقةً حافظًا إلا أنه كان قد اختلط، ثم هو مدلسٌ، وقد
عنعن .
ثانيًا: المغيرة بن سبيع، وإن كان قد وثقه العجلي وابن حبان إلا أن العجلي وابن حبان من
المعروفين بالتساهل في توثيق المجاهيل.
ويمكن أن يجاب على ما سبق بالآتي ذكره:
أولاً: اختلاطسعيد بن أبي عروبة لا يضر هاهنا؛ لأن الراوي عنه روح بن عبادة، وروح قد
روى عنه قبل الاختلاط، ففي ((تهذيب التهذيب)) (قال الآجريّ: سماع روح من هقبل
الهزيمة).
أما بالنسبة لتدليس سعيد وعنعنته هنا، فقد ذكر بعض أهل العلم متابعةً لسعيد، فقالوا: تابعه
عبد الله بن شوذب، وممن ذكر هذا المتابع: الترمذي - رحمه اللّه.، والحاكم في ((المستدرك)).
فقال الحاكم - رحمه الله - بعد إخراجه الحديث .: وقد رواه عبد الله بن شوذب، عن أبي التياح،
عن المغيرة بن سبيع، عن عمرو بن حريث قال: مرض أبو بكر الصديق وَّر، ثم كشفعنه فصلى
بالناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أنا لكم ناصح، سمعت رسول اللَّه ◌َلا يقول: يخرج
الدجال من قبل المشرق من أرض يقال لها خراسان معه قوم وجوههم كالمجان .
قلت: إلا أن هذا الجواب عليه بعض التعقب، وسيأتي قريبًا .
ثانيًا: بالنسبة للمغيرة بن سبيع، فإنه من طبقة التابعين، وكثيرٌ من العلماء يتجوَّزون بعض الشيء
في توثيق التابعين، ويقبل توثيق العجلي وابن حبان للتابعين، وذلك لأن الكذب لم يكن قد
تفشى في رواة التابعين تفشيه فيمن بعدهم، ثم هم خير قرن بعد الصحابة رضوان الله عليهم،
وهذا إذا لم يكن هذا التابعي قد أتى بشيء مستنكر، وأيضًا ما لم يتكلم فيه بجرح ومن ثم فقد
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في المغيرة: ((ثقة)). إلا أن من سار على القواعد التقليدية في
الحكم على الرواة سيحكم على المغيرة بالجهالة لكونه لم يوثق من معتبر؛ فالعجلي وابن حبان
من المتساهلين .
=

٥٣
مسند عبد بن حميد
· أما أبو التياح فهو يزيد بن حميد الضبعي، وهو ثقةٌ ثبت، والحديث أخرجه الإمام أحمد في
(«المسند)) (٤/٤، ٧)، والترمذي (مع التحفة ٦/ ٤٩٥)، وقال: وقد رواه عبد الله بن شوذب
عن أبي التياح، ولا يعرف إلا من حديث أبي التياح.
وأخرجه أيضًا ابن ماجه (حديث ٤٠٧٢)، والخطيب (١٠/ ٨٤)، والحاكم في ((المستدرك))
(٤ / ٥٢٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الذهبي : صحيح رواه ابن أبي عروبة وابن شوذب عن أبي التياح.
قلت (مصطفى): ولكن ما زالت هناك علةٌ أيضًا، فقد ال الدار قطني - رحمه الله - (العلل
٢٧٦/١): ويُقال: إن سعيد بن أبي عروبة إنما سمعغه من عبد الله ابن شوذب عن أبي التياح،
ودلّسه عنه، وأسقط ذكره من الإسناد.
• وقال البزار عقب إخراجه (حديث ٤٦)، وسعيد بن أبي عروبة فلم يسمعه أبي التياح ويرون
إنما سمعه من ابن شوذب أو بلغه عنه فحدث به عن أبي التياح، وكان ابن أبي عروبة قد حدَّث
عن جماعة يرسل عنهم لم يسمع منهم، ولم يقل: حدثنا، ولا سمعت من واحدٍ منهم، مثل
منصور بن المعتمر، وعاصم بن بهدلة، وغيرهما ممن روى عنهم ولم يسمع منهم، فإذا قال:
(أنا، وسمعت) کان مأمونًا على ما قال .
أما بالنسبة لمتن الحديث وبعض ما يتعلق به فقد وردت جملة أحاديث رسول اللَّه وَ ◌ّل في ذكر
صفة الدجال ، ومن أين يخرج ومَن يتبعه، وماذا معه، وفي أي زمان يخرج، ومن يقتله ...
أشار إليها الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٣ / ص٩١).
أما بالنسبة لخروج الدجال فقد أخرج مسلم (ص ١٠٠٥) من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه وَداخله
قال: ((يأتي المسيح من قبل المشرق همته المدينة ... )).
وأخرج مسلم أيضًا (ص٢٢٦) من حديث أنس بن مالك أن رسول اللّه وَّ قال: ((يتبع الدجال
من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة)).
قال الحافظ في ((الفتح)) (٩١/١٣): وأما من أين خرج؟ فمن قبل المشرق جزمال ... قوله
((خراسان)): في ((معجم البلدان)) (٢/ ٣٥٠) خراسان بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق
أزادوار قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان و کرمان،
وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها، وتشتمل على أمهات من البلاد منها: نيسابور وهراة
ومرو ... إلخ ما ذكره.
قوله: ((المجان المطرقة)): قال المباركفوري في ((شرح التحفة)): ((المجان: بفتح الميم وتشديد النون
جم مجن بکسر الميم وهو الترس)).
المطرقة: بضم الميم وسكون الطاء، وقال السيوطي: روي بتشديد الاء وتخفيفها فهي مفعولة من =

٥٤
المنتخب من
٥ - أخبرنا الحسن بن موسى، ثنا ليث بن سعد، قال: ثنا يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر الصديق أنه قال:
يا رسول اللّه، عَلمني دُعاءً أدعو به في صلاتي. فقال: ((قل: اللَّهُمَّ إني
ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من
عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)).
إطراقة أو طرقه، أي جعل الطرق على وجه الترس. والطراق بكسر الطاء الجلد الذي يقطع على
=
مقدار الترس فيلصق على ظهره، والمعنى أن وجوههم عريضة ووجناتهم مرتفعة كالمجنة، وهذا
الوصف إنما يوجد في طائفة الترك والأزبك ما وراء النهر .
قلت: ولمزيد، انظر كتابي «الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة)).
وذكر بلدة خروج الدجال وأنهاخراسان ما زال يحتاج إلى مزيدٍ من التحرير، أما خروج الدجال
من قبل المشرق فذلك ثابت من عدة طرق عن النبيٍ.
(٥) صحيح:
الحسن بن موسى: الأشيب أبو علي البغدادي، قاضي الموصل، ثقة، من التاسعة، من رجال
الجماعة .
الليث بن سعد: بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة، ثبت، فقيه، إمام
مشهور، من السابعة، من رجال الجماعة.
يزيد بن أبي حبيب: ثقة، فقيه مصري، وكان يرسل، من الخامسة، من رجال الجماعة .
أبو الخير: مرثد بن عبد اللَّه اليزني، ثقة، فقيه، من الثالثة، من رجال الجماعة.
عبد الله بن عمرو: بن العاص السهمي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم
السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد
العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح.
وأخرجه البخاري (حديث ٨٣٤، ٦٣٢٦، ٨٣٨٧، ٨٣٨٨)، ومسلم (٢٠٧٨/٤)، وأحمد
(٣/١-٤)، والترمذي (مع التحفة ٥٠٩/٩)، والنسائي (٤٥/٣)، وابن ماجه (٣٨٣٥).
وقوله: «اللَّهم إني ظلمت نفسي»:
قال الحافظ في ((الفتح)): فيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصيرٍ ولو كان صديقًا.
قلت (مصطفى): بل وقد قال الله تبارك وتعالى في شأن آدم وزوجته: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا
وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف].
=

٥٥
مسند عبد بن حميد
٦ - حدثنا يعلى، ثنا الكلبي، عن سلمة بن السائب، عن أبي رافع - مولى
النبي ◌َّ - قال: احتجنا فأخذتُ خُلْخَالِيَ المرأة، فخرجتُ بهما في السنة التي
استُخْلِفَ فيها أبو بكر، فلقيني أبو بكر فقال: ما هذا؟ فقلت: خُلخالي المرأة؛
احتاج [أهلي] (١) إلى نفقةٍ، قال: فإنَّ معي وَرِقًا أريد بها فضة. قال: فدعا
بالميزان، فوضع الخلخالين في كفةٍ ووضع الوَرِقَ في الكفة الأخرى، فشفًّ
الخلخالان نحواً من دائق [فقرضه](٢) فقلت: يا خليفة رسول اللّه، هو لك
وقال سبحانه حاكيًا عن نوح عليه السلام: ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾
=
[هود].
وقال سبحانه حاكيًا عن موسى عليه السلام: ﴿قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه
هو الغفور الرحيم﴾ [القصص].
وقال سبحانه لنبينا وَلّ: ﴿واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [غافر].
تنبيه: ساق البخاري هذا الحديث تحت باب: الدعاء قبل السلام، وصنيعه هذا يوحي أن هذا
قبل التسليم وبعد الانتهاء من التشهد. وتعقب ابن دقيق العيد هذا الصنيع فقال : - كما نقل ذلك
عنه الحافظ في ((الفتح)) والمباركفوري في ((شرح الترمذي)) .: هذا يقتضي الأمر بهذا الدعاء في
الصلاة من غير تعيين محله، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين: السجود أو التشهد لأنهما
أمر فيهما بالدعاء، ونقل الحافظ في ((الفتح)) كلام النووي: وهو كاستدلال البخاري صحيح لأن
قوله: ((في صلاتي)) يعم جميعها ومن مظانه هذا الموطن.
ثم تعقب الحافظ كلام ابن دقيق العيد والنووي بتعقبات لا وجه لها.
قوله: ((كثيرًا)): قال الحافظ في ((الفتح)) (ج ١٣/ ص ٣٧٥):
تنبيه: المشهور في الروايات: ظلمًا كثيرًا بالمثلثة ووقع هنا للقابسي بالموحدة.
• وقوله: ((وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)): في بعض الروايات: ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت)).
(٦) إسناده ضعيف جداً:
=
(١) من (س) وفي المطبوع: الحي. وقد ضرب عليهما في النسخة (س))، وفي ((مسند أبي يعلى)) (٥٥/١) برقم
[٥٥]. و((مجمع الزوائد)) (١١٥/٤): أهلنا.
(٢) من (س): ففرطه وفي نسخة السامراني: فقرطه. وفي ((الإتحاف)) للبوصيري (٣١٣/٣-٣١٤) برقم
[١/٢٨٠٨] و((المطالب العالية)» (٨٦/٢-٨٧) برقم [١٣٨٤] كما أثبتناه

٥٦
المنتخب من
حلال. فقال: يا أبا رافع، إنك إن أحللته، فإن اللَّه - عزَّ وجلَّ- لا يحلّه،
سمعت النبي وَّ﴿ يقول: ((الذهبُ بالذهب وزنٌ بوزن، والفضةُ بالفضة وزنٌ
بوزن، الزائدُ والمزيدُ في النَّار)).
٧ - حدثنا روح بن عبادة، ثنا موسى بن عبيدة الربذيّ، قال: أخبرني مولى
ابن سباع، قال: سمعت عبد الله بن عُمر يحدِّثُ، عن أبي بكر الصديق،
قال: كنت عند رسول اللَّه ◌َ له فأنزلت هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: ١٢٣] فقال رسولُ اللَّهِ وَ لَهِ: ((يا أبا بكر، ألا أُفْرئك آيةً أُنزلت عليّ؟))
قال: قلتُ: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها، قال: فلا أعلمُ إلا أني
وجدْتُ انْفِصَامًا في ظهري حتى تمطأت لها. فقال رسولُ اللّه ◌َّ: ((ما شأنك
يا أبا بكر؟)) فقلتُ: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي، وأيُّنًا لم يَعْمل سُوءًا، وإنَّا
لمجزّون بما عَمِلنا؟! فقال رسولُ اللَّهِ وَ لِّ: ((أما أنت يا أبا بكر وأصحابُك
المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللَّه - عزَّ وجلَّ - وليست لكم
ذنوبٌ، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يُجزوا به يوم القيامة)).
ففيه الكلبي، وهو محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي النسابة المُفسر، متهم
=
بالكذب، ورُمي بالرفض أيضًا .
• وفي الإِسناد كذلك: سلمة بن السائب، وهو مجهول.
أما قوله عليه الصلاة والسلام: ((الذهب بالذهب، وزن بوزن، والفضة بالفضة وزن بوزن)) فهذا
صحیح من طرق أُخر .
فقد أخرج البخاري (حديث ٢١٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري وَ ل* قال: سمعت رسول الله
وَّ يقول: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثلٍ، والورق بالورق مثلاً يمثلٍ)).
وأخرج البخاري معناه أيضًا من حديث أبي بكرة ﴿ مرفوعًا (حديث ٢١٧٥)، وانظر ((علل))
الدار قطني (٢٤١/١).
(٧) إسناده ضعيف:
فيه موسى بن عبيدة الربذي: وهو ضعيف.
=

٥٧
مسند عبد بن حميد
٢ - مسند عُمَر بن الخطاب ضِ لّه
٨ - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنا مَعْمر، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابن
عمر أنَّ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه بيْنا هو قائم يخطب يوم الجمعة؛ إذْ
دَخَلَ رجلٌ من أصحاب النبيِ وََّ، فناداه عُمر: أية ساعةٍ هذه؟ قال: إني
شُغِلتُ اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن
توضأت. فقال عمرُ: والوضوء أيضًا وقد علمتَ أنَّ رسول اللَّهُوَ لَّ كانَ يأمر
بالغُسْلِ؟ !.
وفيه مولى ابن سباع: قال فيه الترمذي : مجهول.
والحديث أخرجه الترمذي في التفسير ((تفسير سورة النساء)) ((تحفة)) (٤٠٢/٨)، وقال: هذا
حديث غريب، وفي إسناده مقال، و((وموسى بن عبيدة)) يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن
سعيد وأحمد بن حنبل. ومولى بن سباع: مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه
عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا. وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٢٦/٢) إلى
ابن المنذر أيضًا .
قال المباركفوري في «شرح التحفة»:
قوله: (إلا أني وجدت في ظهري اقتصامًا) - بالقاف - من باب الافتعال، أي: انكسارا -وفي
بعض النسخ: ((انقسامًا))-، من باب الانفعال، قال في ((القاموس)): قصمه يقصمه: كسره
وأبانه، أو كسره وإن لم يبن، فانقصم وتقصم. قال في ((الناهية)): ويروى انفصامًا - بالفاء - أي:
انصداعًا .
(وأما الآخرون) أي: الكافرون. (فيجمع ذلك) أي: أعمالهم السيئة .
قلت: ومعنى هذا الحديث صحيحٌ، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة (ص ١٩٩٣) قال:
((لما نزلت: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول اللَّه وَّ:
((قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها)) .
ومن أراد الوقوف على مزيد من الأسانيد للأحاديث التي جاءت في هذا المعنى فليراجع تفسير
الآية من ((تفسير ابن كثير)) (٥٥٨/١).
وانظر أيضاً: «علل الدار قطني)) (١ / ٢٢٤).
(٨) صحيح:
=

٥٨
المنتخب من
والحديث أخرجه البخاري من طريق مالك عن الزهري به، كتاب الجمعة، باب: ((فضل الغسل
یوم الجمعة)) (حديث ٨٧٨).
ومسلم (ص ٥٨٠)، وأحمد (٢٩/١)، ومالك في ((الموطأ)) (١/ ٣١٠).
وعزاه المزي في ((الأطراف)) إلى النسائي في [الصلاة: الكبرى ٧٢٢: ٣].
وأخرج البخاري نحو هذا الحديث من حديث أبي هريرة: أن عمر بينما هو يخطب - فذكره نحوه
((فتح)) (حديث ٨٨٢)، ومسلم أيضًا (ص ٥٨٠)، وأحمد (١٥/١، ٤٦).
قوله: ((رجل من أصحاب النبي ◌َّ)): قال الحافظ في ((الفتح)): وقد سمى ابن وهب وابن
القاسم في روايتهما عن مالك في ((الموطأ)» الرجل المذكور: عثمان بن عفان، وكذا سماه معمر
في روايته عن الزهري عند الشافعي وغيره، وكذا وقع في رواية ابن وهب عن أسامة بن زيد عن
نافع عن ابن عمر، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في ذلك، وقد سماه أيضًا أبو هريرة في
روايته لهذه القصة عند مسلم كما سيأتي بعد بابين.
قوله: ((أية ساعة هذه؟)): هذا استفهام توبيخ وإنكار.
قوله: ((وقد علمت أن رسول اللّه وَ س ليل كان يأمر بالغسل)): اختلف العلماء هل غسل الجمعة
واجب أو ليس بواجب، فقال فريق من العلماء - وهو الرأي الأقوى -: إنه واجب. واستدلوا
بأحادیث منها :
١ - حديث عبد الله بن عمر - المتفق عليه -أن رسول اللَّه ◌ُ الله قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة
فليغتسل)) ((فتح)) (ج٢ ص٣٥٦).
٢ - حديث الباب: (( ... كان يأمر بالغسل)).
٣ - حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه: أن رسول اللَّه وَ الله قال: ((غسل يوم الجمعة واجب
على كل محتلم)) لفظ البخاري.
وهذه كما ترى أسانيد في غاية الصحة .
واستدل القائلون بعدم الوجوب بأحاديث منها :
١ - حديث: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) فإنه يقتضي
اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء. وقال: ولا يعارض سنده
سند هذه الأحاديث. وقال أيضًا ((فتح)) (٢/ ٣٦٢): ولهذا الحديث طرق، أشهرها وأقواها:
رواية الحسن عن سمرة، أخرجها : أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان، وبه علتان:
- إحداهما: أنه من عنعنة الحسن .
- الأخرى: أنه اختلف علیه فيه .
٢ - حديث أبي هريرة في ((صحيح مسلم)) مرفوعًا: (ص٥٨٨): ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم =

٥٩
مسند عبد بن حميد
أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مَسَّ الحصى فقد
لغا)».
قال الحافظ في ((الفتح)): وأجيب: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في
((الصحيحين)) بلفظ: ((من اغتسل))، فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله عن الذهاب
فاحتاج إلى إعادة الوضوء.
٣ - حديث ابن عباس: ((أنه سئل عن غسل يوم الجمعة؛ أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنه أطهر لمن
اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين
يلبسون الصوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا قال النبي ◌َّ: أيها
الناس؛ إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا. قال ابن عباس: ثم جاء اللَّه بالخير ولبسوا غير الصوف،
وكفوا العمل، ووسع المسجد)).
أخرجه: أبو داود والطحاوي، وإسناده حسن كما قال الحافظ، قال: لكن الثابت عن ابن عباس
خلافه كما سيأتي، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب،
وأما نفي الوجوب فهو موقوف لأنه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال
السبب زوال المسبب كما في الرمل والحمار على تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به
رائحة كريهة أن يتمسك به .
تنبيه: ليس معنى القول ((بأن غسل يوم الجمعة واجب)) أن من تركه بطلتْ صلاته، فهناك من
الواجبات ما هو مستقل وليس له ارتباط بغيره.
قال الحافظ في ((الفتح)) (٢/ ٣٦١): ((وقد قال الشافعي في ((الرسالة)) بعد أن أورد حديثي ابن
عمر وأبي سَعيد: احتمل قوله: ((واجب)) معنيين الظاهر منهما: أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة
لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدل
للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر التي تقدمتْ قال: فلمَّا لم يترك عثمان الصلاة للغسل ولم
يأمره عمر بالخروج للغسل دل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار. اهـ.
وعلى هذا الجواب عوَّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خزيمة والطبري والطحاوي وابن
حبان وابن عبد البر، وهلمَّ جرًا، وزاد بعضهم فيه: أن مَن حضر من الصحابة وافقوهما على ..
ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة وهو استدلال قويّ، وقد
نقل الخطابي وغيره الإجماع على صلاة الجمعة بدون الغسل مُجزئة ...

٦٠
المنتخب من
٩ - أخبرنا عَبْدُ الرزاقِ: قال: أنا معمر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن
عمر، عن عُمَرَ قال: سمعني رسولُ اللهِّهِ أَحْلِفُ بأبي، فقال: ((إنَّ اللَّه -
عزَّ وجلَّ - ينهاكم أنْ تَحْلفوا بآبائكم)) قال عمر: فوالله، ما حَلَفْتُ بها ذاكِرًاً
ولا آثِرًا.
(٩) صحيح:
والحديث أخرجه: البخاري في الأيمان والنذور باب: (٤) لا تحلفوا بآبائكم حديث (٦٦٤٧)،
ومسلم (ص١٢٦٦)، وأحمد (١٨/١)، والترمذي في الأيمان والنذور باب: (٧) كراهية
الحلف بغير الله ((تحفة)) (١٣٢/٥)، والنسائي في الأيمان والنذور، باب: الحلف بالآباء
(٥/٧)، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب: كراهية الحلف بالآباء (حديث رقم ٣٢٥١)،
وابن ماجه كتاب الكفارات، باب: النهي أن يحلف بغير الله (حديث رقم ٢٠٩٤).
قوله: (ذاكراً): أي: عامدًا.
قوله: (ولا آثرًا): أي: حاكيًا عن الغير، أي: ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيري، ويدل
عليه ما وقع في رواية عقيل عن ابن شهاب عند مسلم: ((ما حلف بها منذ سمعت رسول اللَّه ◌َاله
ينهى عنها ولا تكلمت بها))، قاله الحافظ في ((الفتح)) (٥٣٢/١١)، ونقل الترمذي معناه عن أبي
عبيد بعد أن قال: ((حديث حسن صحيح)) قال: قال أبو عبيد معنى قوله: ((ولا آثرًا)) يقول: لا
آثره عن غيري، يقول: لم أذكره عن غيري.
تنبيه: ورد في بعض الأحاديث في ((الصحيح)) وغيره قول رسول اللّه بَّ: ((أفلح وأبيه إن
صدق))، زعم البعض أن لفظ ((وأبيه)) تصحيف من لفظ: ((واللَّه))، ولكن باعتبار أنها صحيحة .
وهو الراجح - فيجاب على ذلك بأجوبةٍ ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (١١/ ٥٣٤).
الأول: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم والنهي، إنما ورد في
حق من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقيُّ، وقال النووي: إنه الجواب المرضي.
الثاني: أنه كان يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر: للتأكيد. والنهي
إنما وقع عن الأول، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم قول الشاعر (العمر أبي
الواشين إني أحبها) ، وقول الآخر:
فإن تك ليلى استودعتني أمانة فلا وأبي أعدائها لا أذيعها
فلا يظن أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر تعظیم والد من وشئ به،
فدلَّ على أن القصد بذلك تأكيد الكلام لا التعظيم.
الثالث: أن هذا كان جائزًاً ثم نسخ، قاله الماوردي، وحكاه البيهقي، وقال السبكي: أكثرُ =