Indexed OCR Text

Pages 241-260

يحيى أبو السكن الطائي حدثني [ثنا] عم أبي زحر بن حصن عن جده
حميد بن منهب قال حدثني عروة بن مضرس قال حدثني مخدمة بن نوفل .
عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم وكانت أمة [لدة] عبدالمطلب ،
قالت : تتابعت على قريش سنون أقلحت [ أمحلت ] الضرع وأدقت العظم :
فبينا أنا راقدة الهم أو مهمومة اذا هاتف يصرخ بصوت صحل يقول :
يا معشر قريش ان هذا النبي المبعوث قد أظلتكم أيامه ، وهذا ابان نجومه،
فحيهلا بالحياء والخصب ، ألا فانفروا رجلا منكم وسيطا عظاما جساما
أبيض بضياء ، أوطف الاهداب ، سهل الخدين ، أشم العرنين ، له فخر
يكظم عليه، وسنة يهدي إليها، فليخلص هو وولده، وليهبط اليه من
كل بطن رجل ، فليشنوا من الماء وليمسوا من الطيب ، وليستلموا الركن،
ثم ليرقوا أبا قبيس ، ثم ليدع الرجل وليؤمن القوم ، فغثتم ما شئتم
فأصبحت علم الله مذعورة ، واقشعر جلدي ، ووله عقلي ، واقتصصت
رؤياي ، ونمت في شعاب مكة فوالحرمة والحرم ما [بقي] بها أبطحي
الا قال : هذا شيبة الحمد ، وتناهت اليه رجالات قريش ، وهبط اليه
من كل بطن رجل [فشنوا] ومسوا واستلموا الركن ، ثم ارتقوا أبا
قبيس واصطفوا حوله ، ما يبلغ سعيهم مهلة . حتى اذا استووا بذروة
الجبل قام عبدالمطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام [ قد ]
أيفع أو كرب ، فرفع يديه وقال: ((اللهم ساد الخَلة وكاشف الكربة
أنت معلم غير معلم ، ومسؤول غير مبخل ، وهذه عبداؤ ك واماؤك بعذرات
حرمك ، يشكون البك سنتهم ، أذهبت الخف والظلف ، اللهم فأمطر
علينا [غيثا] مغدقا مريعا)) فورب الكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء
با فيها [بمائها] واكتظ الوادي بثجيجه ، فسمعت شيخان قريش وجلتها
-- ١٣٤١
!

عبدالله بن جدعان وحرب بن أمية وهشام بن المغيرة يقولون لعبدالمطلب
هنيئا لك أبا البطحاء ، أي عاش بك أهل البطحاء ، ففي ذلك [وفي ذلك
ما ) تقول رقيقة بنت أبي صيفي :
وقد فقدنا الحياء واجلوذ المطر
بشيبة الحمد أسقی الله بلدتنا
سحا فعاشت به الانعام والشجر
فجاء بالماء جوني له سبل
وخير من بشرت يوما به مفر
منا من الله بالميمون طائره
. ما في الأنام له عدل ولا خطر.
مبارك الأمر يستسقى الغمام به
حديث أنس رضي الله عنه في الاستسقاء
٢٧ - حدثنا أبو يعلى محمد بن اسحاق بن ابراهيم شاذان حدثني
ابي ثنا مجاشع بن عمرو ثنا ابن لهيعة ثنا عقيل بن خالد عن ابن شهاب
عن أنس بن مالك قال : قحط الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فأتاه المسلمون فقالوا : يا رسول الله قحط المطر ويبس الشجر .
وهلكت المواشي وأسنت الناس، فاستسق لنا ربك، فقال: ((اذا كان
يوم كذا وكذا فأخرجوا وأخرجوا معكم بصدقات )، فلما كان [ ذلك ] اليوم
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه يمشي ويمشون،
عليهم السكينة والوقار ، حتى أتوا المصلى ، فتقدم النبي صلى الله عليه
وسلم [فصلى] بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ، وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب
٢٧ - ورواه المصنف في الاوسط (ص٨٧ مجمع البحرين) .
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٣/٢) وفيه مجاشع بن
عمرو قال ابن معين : قد رأيته أحد الكذابين .
- ٢٤٢ -

و ( سبح باسم ربك الأعلى ) وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و ( هل
أتاك حديث الغاشية ) ، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب
رداءه ، - قال : لكي ينقلب القحط الى الخصب - ثم جثا على ركبتيه
ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال: ((اللهم اسقنا
وأغثنا ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا رحبا ربيعا وجدا غدقا [طبقا] مغدقا
عاما هنيئا مريئا مريعا مريعا وابلا شاملا مسبلا مجللا دائما دارا نافعا
غير ضار عاجلا غير رائث ، اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد ،
وتجعله بلاغا للحاضر منا والبادي ، اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها
وأنزل علينا في أرضنا سلها ، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا
فاحيي به بلدة ميتة واسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا)) .
قال : فما برحوا حتى أقبل فزع من السحاب [السماء] والتأم بعضه
إلى بعض ، ثم مطرت عليهم سبعة أيام ولياليهن لا تقلع عن المدينة ، فأتاه
المسلمون فقالوا : يا رسول الله قد غرقت الارض وتهدمت البيوت
وانقطعت السبل ، فادع الله لنا أن يصرفها عنا ، فضحك رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر حتى بدت نواجذه تعجبا لسرعة
ملالة ابن آدم، ثم رفع رأسه فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم
على رؤوس الظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية وظهور الآكام))
فتصدعت عن المدينة ، فكانت في مثل الترس عليها ، كالنسطاط تمطر
مراعيها ولا تمطر فيها قطرة .
٢٨ - حدثنا علي بن سعيد الرازي ثنا أحمد بن رشيد بن خثيم
٢٨ - ورواه البيهقي في الدلائل كما في البدية والنهاية (٩١/٦) وقال ابن
كثير بعد سرد القصة : وهذا السياق فيه غرابة ولا يشبه ما قدمنا
- ٢٤٣ :- .

الهلالي قال حدثني عمي سعيد بن خيتم قال حدثني مسلم الملائي عن أنس
بن مالك قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول
الله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ولا صبي [يصطح] يغط ، ثم أنشد :
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
أتيناك والعفراء يدمي لبانها
عن الجوع ضعفا ما يمر وما يحلي
وألقى بكفيه الفتى استكانة
سوى الحنظل العامي والعنهز الفسل
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
وأين فرار الناس الا إلى الرسل
وليس لنا إلا اليك قرارنا
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر ،
ثم رفع يديه إلى السماء فقال: ((اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا
طبقا عاجلا غير رائث ، نافعا غير ضار ، تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع،
وتحيي الأرض بعد موتها)) فوالله ما رد يديه إلى نحره حتى القت السماء
بأورامها ، وجاء أهل البطاح يعجبون [يصيحون] يا رسول الله الغرق
[ الغرق ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم حوالينا ولا
علينا )) فانجاب السحاب حتى أحدق بالمدينة کالا كليل ، فضحك رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: (( أبو طالب لو كان حيا
لقرت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟)) فقام علي بن أبي طالب فقال : يا رسول
الله كأنك أردت قوله ؟ :
من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس ، فان كان هذا هكذا محفوظاً
فهو قصة أخرى غير ما تقدم .
قلت : سعيد بن خثيم قال الحافظ : صدوق رمي بالتشيع له أغالخط
ومسلم الملائي ضعيف .
٠ ٢١٤ ٠

شمال اليتامى عصمة للأرامل
-وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
.فهم عنده في نعمة وغواضتل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم
ولما نقاتل دونه وتناضل
كذبتم وبيت الله تبرى محمدا
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ونسلمه حتى نصرع حوله
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أجل» وقام رجل
من كنانة فقال :
سقينا بوجه النبي المطر
لك الحمد والحمد ممن شكر
اليه وأشخص منه البصر
دعى الله خالقه دعوة
وأسرع حتى رأينا المطر (الدرر)
ولم يك الا كلف الرداء
أغاث به الله عليا مفر
وفاق العوالي وعم البقاع
أبو طالب أبيض ذو محرر
وكان كما قاله عمه
وهذا العيان لذاك الخبر
به الله يسقيك صوب الغمام
ومن يكفر الله يلق الغير
فمن يشكر الله يلق المزيد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ان يك شاعر يحسن
فقد أحسنت » .
حديث عند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
٢٩ - حدثنا علي بن عبدالعزيز حدثنا أبو غسان مالك بن اسماعيل
٢٩ - ورواه المصنف في المعجم الكبير (٢٢/٤١٤) ومن طريقه أبو نعيم في
الدلائل (ص٥٥١-٥٦١) ورواه الترمذي في الشمائل (٣٣٥) وابن
سعد في الطبقات (٤٢٢/١-٤٢٥) والبيهقي في الدلائل (١٦١/١-١٦٢
و٢٣٨-٢٥١) مختصرا ومطولا، ورواه الحاكم (٦٤٠/٣) ولم يسق
لفظه ، ورواه ابن قتيبة في غريب الحديث (٤٨٨/١-٤٨٩) .
قال في المجمع (٢٧٨/٨) وفيه من لم يسم .
- ٢٤٠ -

النهدي تنا جميع بن عمر العجلي قال حدثني رجل بمكة عن ابن أبي هالة
التميمي عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال سألت خالي هند بن أبي
هالة ، وكان وصافا عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن
يصف [لي] منها شيئا أتعلق به. فقال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم فحما مفخما يتلالا وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع
وأقصر من المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، ان انفرقت عقيصته
فرق ، والا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه اذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع
الجبين ، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب ،
أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من يتأمله أشم ، نث اللحية ،
سهل الخدين ، ضليع الفم ، أشنب ،فذ- الاسنان ، دقيق المسربة ، كان
عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخلق ، بإن مماسك ، سواء
البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين النكبين ، ضخم الكراديس،
أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري
الثديين والبطن مما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأمالى الصدر ،
طويل الزندين ، رحب الراحة ، سبط القصب ، شئن الكفين والقدمين ،
سائل الاطراف ، خمصان الاخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ،
اذا زال زال قلعا ، يخطو تكفيا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية ، اذا مشى
كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره
الى الارض أكثر [أطول] من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق
أصحابه ، يبدو [يبدر] من لقيه بالسلام .
قلت : صف لي منطقه .
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الاحزان، دائم
- ٢٤٦ -

الفكرة ، ليست له راحة ، لا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكت ، يفتتح
الكلام ويختمه بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الكلم ، فصل لا فضول ولا
تقصير ، دمث ليس بالجاني ولا المهين ، يعظم النعمة وان دقت ، لا يذم
منها شيئا ، لا يذم ذواقا ولا يمدحه ، ولا تغضبه لدنيا ولا ما كان لها ،
فاذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ،
لا لغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفيه [ بكفه كلها ] ، واذا
تعجب قلبها ، واذا تحدث اتصل بها ، فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن
ابهامه اليسرى ، واذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل
ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام .
قال : فكتمتها الحسين زمانا ثم حدثته [فحدثته] فوجدته قد سبقنى
[اليه] فسأله عما سألته [عنه] ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومجلسه
ومخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا .
قال الحسين : سألت أبي عن دخول النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا [مأذون] له في ذلك ، وكان اذا أوى
إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء ، جزء لله [و] جزء لنفسه وجزء لاهله ،
ثم جزأ جزءء بينه وبين الناس، فرد [فيرد] ذلك على العامة بالخاصة ،
ولا يدخر عنهم شيئا ، وكان من سيرته في جزء الامة ايثار أهل الفضل باذنه
وقسمه على قدر وصلهم [فضلهم] في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو
الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم فيما أصلحهم [ والامة عن ]
شيء سأمتهم عنه واخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : « ليبلغ الشاهد
الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع ابلاغي حاجته ، وانه من أبلغ
- ٢٤٧° -

سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة))
لا يذكر عنده الا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادا، ولا
يفترقون الا عن ذواق ، ويخرجون من عنده أدلة .
قال : فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟
فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه الا مما
يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم،
ويحذر الناس ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ،
يتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن [ ويقويه ]
ويقبح القبيح ويوهنه ، معتدل الامر غير مختا، ، لا يغفل مخافة أن
يغفلوا، أو يميلوا ، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولايجوام ،
الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعميم نصيحة، وأعظمهم
عنده منزلة أحسنهم مواساة وجوازرة .
قال : فسألته عن مجلسه .
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم
الا على ذكر الله، ولا يوطن الاماكن وينهى عن ايطانها، وإذا انتهى الى
قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك [و] يعطي كل جلسائه
بنصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه
في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ، ومن سأله حاجة لم يرد الا بها
أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه بسطته وخلقه ، فصار لهم
أبا ، وصاروا في الحق عنده سواء ، مجلسه مجلس حلم وحيا- تصبر
- ٤٨

وأمانة ، لا ترفع فيه الاصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتاته ،
متفاضلين: متعادلين فيه بالتقوى، متواضعين ، يوقرون الكبير ويرحمون
الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ،ويحفظون الغريب .
قلت : كيف كانت سيرته في جلسائه ؟
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل
الخلق ، لين الجانب، ليمر بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب ولا فخاش ،
ولا غياب ولا مداح ، متغافل عما لا يشتهي ولا يونس منه ولا يخيب فيه ،
قد ترك نفسه من ثلاث ، المراء والإكثار ومما لا يعنيه ، وترك نفسه [الناس]
من ثلاث، كان لا يذم أحد! ولا يعيره ولا يعطيب عورته [و]لا يتكلم
الا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ،
.. .مكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ،
حديثهم عنده حديث أوليتهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما
يتعجبون منه ، ويصبر الغريب [للغريب] على الجفوة في منطقه ومسألته،
حتى اذا كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: ((اذا رأيتم طالب الحاجة
يطلبها فأرشدوه ، ولا يقبل الثناء الا من مكافيء ، ولا يقطع على أحد
حديثه حتى يجوزه فيقطعه بنهي أو قيام .
قال [قلت] : كيف كان سكوته ؟
قال : كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أربع على
الحلم والحذر والتقدير والتفكر ، فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع
بين الناس، وأما تفكره - أو قال تذكره - ففيما يبقى ويفنى ، وجمع ه
- ٢٤٩ -

الحلم في الصبر ، وكان لا يغضبه ولا يستفزه [شيء]، جمع له الحذر في
أربع ، أخذه بالحسنى ، ليقتدوا به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه ، واجتهاده
الرأي فيما يصلح أمته ، والقيام فيما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة .
٦
تفسير حديث هند بن أبي هالة عن أبي عبيد القاسم بن سلام
،
- حدثنا علي بن عبدالعزيز قال سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول:
قوله ( فخما مفخما ) الفخامة في الوجه نبله وامتلاؤه مع الجمال والبهاء .
و(المربوع) الذي بين الطويل والقصير .
(المشذب) المفرط في الطول، وكذلك في كل شيء ، قال جرير :
فكأنما وكنت على طربال
ألوى بها شذب العروق مشذب
وقوله ( رجل الشعر ) الرجل الذي ليس بالسبط الذي لا تكسر فيه ،
القطط الشديد الجعودة، يقول: فهو جعد بين هذين ..
و(القعيصة) الشعر المعقوص ، وهو نحو من المضفور ، ومنه قول
عمر : من لبد أو عقص أو ضفر فعليه الحلق .
وقوله ( أزج الحاجبين ) سوابغ ، الزجج في الحواجب أن يكون فيها
نقوسى مع طول في أطرافها ، وهو السبوغ فيها ، قال جميل بن معمر :
وزججن الحواجب والعيونا
اذا ما الغانيات برزن يوما
وقوله ( في غير قرن ) والقرن التقاء الحاجبين حتى يتصلا ، يقول :
فليس هو كذلك ، ولكن بينهما فرجة ، يقال للرجل اذا كان كذلك أبلج .
وذكر الاصمعي أن العرب تستحسن هذا .
وقوله ( بينهما عرق يدره الغضب ) يقول : اذا غضب در العرق الذي
بين الحاجبين ، ودوره غلظه ونتوؤه وامتلاؤه .
- ٢٥٠ - ٠

وقوله ( أقنى العرنين ) يعنف الانف ، والقنا أن يكون فيه دقة مع
ارتفاع في قصبته ، يقول منه : رجل أقنى وامرأة قنواء .
والأشم أن يكون الانف دقيقا لا قنا فيه .
وقوله ( كث اللحية ) الكثوثة أن تكون اللحية غير دقيقة ولا طويلة
ولكن فيها كثافة من غير عظم ولا طول .
وقوله ( ضليع الفم ) أحسبه يعني حلة في الشفتين .
وقوله أشنب ) الاشنب الذي يكون في أسنانه رقة وتحدد ، ويقال
منه : رجل أشنب وامرأة شنباء ، ومنه قول ذي الرمة :
لمياء في شفتيها حوة لعس
وفي اللثات وفي أنيابها شنب
والمفلج [هو] الذي في أسنانه تفرق .
والمسربة الشعر الذي بين اللبة والسيرة ، شعر يجري كالخط ،
قال الشاعر [ الأعشى ] :
وعضضت من نابي على خذم
الآن لما ابيضت مسريتي
وقوله ( جيد دمية ) الجيد العنق ، والدمية الصورة .
وقوله ( ضخم الكراديس ) اختلف الناس في الكراديس ، فقال بعضهم
هي العظام ، ومعناه أنه عظيم الالواح ، وبعضهم يجعل الكراديس رؤوس
العظام ، والكراديس في غير هذا الكتائب في الحروب .
والزندان هما العظمان اللذان في الساعدين المتصلان بالكفين ،
وصفه بطول الذراع .
( سبط القصب ) القصب كل عظم ذي مخ مثل الساقين والساعدين
والذراعين ، وسبوطهما امتدادهما ، يصفه بطول العظام ، قال ذو الرمة :
- ٢٥١ .-

جواعل في البرى قصبا خلاالا
أراد بالبرى الأسسورة والخلاخل
وقوله ( شئن الكفين والقدمين ) يريد أن فيهما بعض الغلظ .
والاخمص عن القدم في باطنها ما بين صدرها وعقبها وهو الذي [ لا ]
يلصق بالارض من القدمين في الوطء ، قال الأعشى يصف امرأة بابطائها
في المشـي :
كأن أخمصها بالشوك منتعل
وقوله (خمصان) يعني [يريد]. أن ارتفاع ذلك الموضع من قدميه فيه
تجاف عن الارض ، وهو مأخوذ من خوصة البطن وهي ضمرة [يقال منه :
رجل خمصان وامرة خمصانة ] .
وقوله ( مسيح القدمين ) يعني أنهما ملساوان ليس بظهورهما تكسر ،
ولهذا قال ينبو عنهما الماء ، يعني أنه لا ثبات للماء عليهما .
وقوله ( اذا خطا تكفيا ) يعني التمايل، أخذ[٥] من تكفيا لسفن .
وقوله ( ذريع المشية ) يقول [يعني] واسع الخطا .
وقوله ( كما انحط من صبب ) أراه يريد أنه مقبل على ما بين يديه
خاض بصره لا يرفعه إلى السماء ، وكذلك يكون المنحط ، ثم فسره فقال .
( خافض الطرف ، نظره الى الارض أكثر من نظره إلى السماء ) .
. وقوله (إذا التفت التفت جميعا ) يريد أنه لا يلوي عنقه دون جسده
فان في هذا بعض الخفة والطيش .
وقوله (دمث) هو اللين والسهل ، ومنه قيل للرجل دمت ، ومنه حديث
أنه [ کان اذا ] أراد أن یبول فمال الى دمت .
- ٢٥٢ -

وقوله (اذا غضب أعرض وأشاح-) الاشلح الحد وقد يكون الحذر .
وقوله ( ويفتر عن مثل حب الغمام ) الاقترار أن تكشر الاسنان ضاحكا
من غير قهقهة ، وحب الغمام البرد، شبه به بياض أسنانه ، قال جرير :
برد تحدر من متون غمام
يجري السواك على أغر كأنه
وقوله ( يدخلون روادا ) الرواد الطالبون وأحدهم رائد ، ومنه قولهم:
الرائد لا يكذب أهله .
وقوله ( لكل حال عنده عتاد) يعني عدة قد أعد له .
( لا يوطن الاماكن ) أي لا يجعلها لنفسه موضعا يعرف، إنما يجلس
حيث يمكنه في الموضع الذي يكون فيه حاجته ، ثم فسره فقال : (يجلس
حيث ينتهي به المجلس ) ومنه حديثه صلى الله عليه وسلم أنه نهى [ أنه
يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير ] .
وقوله ( في مجلسه لا تؤبن فيه الحرم ) يقول لا يوصف فيه النساء ،
ومنه حديثه صلى الله عليه وسلم أنه نهى ] عن الشعر اذا أبنت فيه النساء .
وقال أبو عبيد : حدثنا أبو اسماعيل المؤدب عن مجالد عن الشعبي قال:
كان رجال في المسجد يتناشدون الشعر فأقبل ابن الزبير فقال : أني حرم
الله وعند بيت الله تتناشدون الشعر ؟ فقال رجل من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ليس بك بأس يا ابن الزبير ان لم تفسد
نفسك ، انما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشعر اذا أبنت
فيه النساء أو تروزنت فيه الأموال .
وقوله ( لا تنثي فلتاته) الفلتات السقطات لا يتحدث [بها] يقال منه:
٠ ١٥٣ - ب
٠

نثوت أنثو والاسم منه النثاء ، وهذه الهاء التي في فلتاته راجعة الى المجلس،
ألا ترى أن صدر الكلام أنه سأل عن مجلسه ، ويقال أيضا أنها لم يكن
لمجلسه فلتات يحتاج أحد أن يحكيها فلتاته ، يريد فلتات المجلس لا
يتحدث بها بعضهم عن بعض .
حديث أم معبد الخزاعية في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
٣٠ - حدثنا علي بن سعيد الرازي ثنا مكرم بن محرز الخزاعي حدثني
أبي عن حزام بن هشام عن أبيه عن جده حبيش بن خالد أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة، [و]خرج [منها] مهاجرا الى المدينة
هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما [الليثي] عبدالله بن
أريقط [ مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية ] وكانت برزة جلدة تحتبي
بفناء القبة ثم تسقي وتطعم ، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها ، ملم
يصيبوا عندها شيئا من ذلك ، وكان القوم مرملين مسنتين ، فنظر رسول
الله صلى الله عليه وسلم الى شاة في كسر الخيمة، فقال: ((ما هذه
الشاة يا أم معبد؟)) قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: ((هل
بها من لبن؟)) قالت: هي أجهد من ذلك، قال: (( أتأذنين الي أن أحلبها ؟»
قالت : نعم بأبي أنت وأمي ، ان رأيت بها حلبا فاحلبها ، فدعا بها رسول
الله صلى الله عليه وسلم فمسح [بيده] ضرعها وسمى الله تعالى ودعا
لها في شاتها ، فتفاحت عليكه ودرت واجترت ، ودعا باناء يربض الرهط
حلب فيها نجا حتى علاه البهاء ، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه
٣٠ - ورواه المصنف في المعجم الكبير (٣٦٠٥) قال الحافظ الهيثمي في
.. مجمع الزوائد (٥٨/٥) وفي اسناده جماعة لم اعرفهم .
٠ ٢٥٤ =

حتى رووا ، وشرب آخرهم صلى الله عليه وسلم ، ثم أراضوا ثم حلب
فيها ثانيا بعد بدء حتى ملأ الاناء ثم عادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها،
فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا [ يساوكهن هزلا ]
ضحى مخهن قليل ، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب ، وقال : من أين لك
هذا اللبن يا أم معبد؟ والشاة عازب حيال ولا حلوبة في البيت ، فقالت :
لا والله الا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا ، قال صفيه [ لي ]
يا أم معبد، قالت : رأيت رجلا طاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق
لم تعبه ثحلة ، ولم تزر به صعلة ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي
أشقاره وطف ، وفي [صوته] صهل ، وفي عنقه سطح ، وفي لحيته كثافة ،
أزج أقرن ، ان صمت فعليه الوقار ، وان تكلم سماه وعلاه البهاء ، أجمل
الناس وأبهاه من بعيد ، وأ-لاء وأحسنه من قريب ، حلو المنطق ، فصل
لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربع لا يأس من طول،
ولا تقتحمه عين عن قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ،
وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، أن قال أنصتوا لقوله ، وان أمر
تبادروا الى أمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مغند .
قال أبو معبد : هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره
ما ذكر بمكة ، ولقد هممت أن أصحبه ، ولأفعلن ان وجدت الى ذلك سبيلا ،
فأصبح صوت بمكة يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه و[هـ] يقول :
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
جزی الله ربالناس خير جزائه
لقد فاز من أمسى رفيق محمد
هما نزلا بالهدى واهتدت به
به من فعال لا تجاری وسؤدد
فيا لقصى ما زوى الله عنكم
- ٢٥٥ -

ومقعدها للمؤمنين بمرصد
لیهن بي كعب مكان فتاتهم
فانكم ان تسألوا الشاة تشهد]
[سلوا أختكم عنشاتها واناثها
عليه صريحا ضرة الشاة مزيد
دعاها. بشاة حائل فتحلبت
قال : فلما سمع بذلك حسان بن ثابت الانصاري شبب يجاوب
الهاتف وهو يقول :
وقدس من يسري اليهم ويغتدي
لقد خاب قوم زال عنهم نبیھم
وحل على قوم بنور مجدد
ترحل عن قوم فضلت عقولهم
وارشدهم من یتبع الحق يرشد
هداهم به بعد الضلالة ربهم
عما يتهم هاد به كل مهتد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا
ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
وقد نزلت منه على [أهل] يثرب
نبي یری ما لا یری الناس حوله
ويتلو كتاب الله في كل مسجد
فتصديقها فيالیوم أو فيضحیالغد
وان قال في يوم مقالة غائب
بصحبته من يسعد الله يسعد
ليهن أبا بكر سعادة جده
ومقعدها للمؤمنين بمرصد]
[ليهن بني كعب مكان فتاتهم
حديث سواد بن قارب رضي الله عنه
٣١ - حدثنا محمد بن محمد التمار البصري [ ثنا بشر بن حجر
٣١ - ورواه المصنف في المعجم الكبير (٦٤٧٥ و٦٤٧٦) والحاكم في المستدرك
(٦٠٨/٣-٦١٠). والبيهقي في الدلائل (٣١/٢-٣٢) قال الحافظ
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥٠/٨) واسناده ضعيف. وقال الذهبي
في تلخيص المستدرك: والاسناد منقطع .
ورواه أبو نعيم في الدلائل (ق٢/١٣٩/١-٢/١٤٢). قلت : محمد
بن كعب القرظي ولد سنة اربعين والامام عمر استشهد سنة ثلاث
وعشرين . وعثمان بن عبدالرحمن الوقاصى متروك وكتبه ابن معين.

الشامي ] ثنا علي بن منصور الانباري عن عثمان بن عبدالرحمن الوقاضي
عن محمد بن كعب القرظي قال : بينما عمر بن الخطاب قاعد في المسجد
اذ مر رجل في مؤخر المسجد ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين أتعرف هذا
المار ؟ قال : لا ، ومن هو ؟ قال : هذا سواد بن قارب ، وهو رجل من
أهل اليمن ، له فيهم شرف وموضع ، وهو الذي أتاه رئيه بظهور النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : علي به ، فدعي [له] به ، فقال : أنت
سواد بن قارب ؟ قال : أنت أزال الله ريبك [ أتاك رئي ] بظهور النبي
صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قال : فأنت على ما كنت من كهانتك؟
فغضب غضبا شديدا ، فقال : يا أمير المؤمنين ما استقبلني بهذا أحد منذ
أسلمت ، فقال عمر : يا سبحان الله والله ما كنا عليه من الشرك أعظم
[من] ما كنت عليه من كهانتك، أخبرني باتيانك رئيك بظهور النبي
صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، بينا أنا ذات ليلة بين
النائم واليقظان اذ أتاني رئیي فضربني برجله وقال : قم يا سواد بن قارب
فافهم واعقل ان كنت تعقل ، انه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو
إلى الله والى عبادته ، ثم أنشأ يقول :
وشدها العيس باحلاسها
عجبت للجن وتجساسها
ما خير الجن كأنجاسها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى
واسم بعينك الى رأسها
فارحل الى الصفوة من هاشم
قال : فلم أرفع بقوله رأسا ، وقلت : دعني أنم ، فاني أمسيت ناعسا،
فلما [أن] كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله، [و] قال: ألم أقل
لك يا سواد بن قارب قم فافهم واعقل ان كنت تعقل ، انه قد بعث رسول
- ٢٥٧ -

من لؤي بن غالب يدعو الى الله والى عبادته ثم أنشأ [الجني] يقول :
وشدها العيس بأقتابها
عجبت للجن وتطلابها
ما صادق الجن ككذابها
تهوي لى مكة تبغي الهدى
ليس قداماها كأذنابها
فارحل الى الصفوة من هاشم
قال : فلم أرفع بقوله رأسا ، فلما [أن] كانت الليلة الثالثة أناني
فضربني برجله وقال : ألم أقل لك يا سواد بن قارب افهم واعقل إن كنت
تعقل [انه] قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وعبادته ،
ثم أنشأ الجني يقول :
وشدها العيس بأكوارها
عجبت للجن وأخبارها
ما مؤمن الجن ككفارها
تهوي الى مكة تبغي الهدى
بين روائبها وأحجارها
فارجل إلى الصفوة من هاشم
قال : فوقع في تغسي حب الاسلام ورغبت فيه ، فلما اصبحت شددت
على راحلتي فانطلقت متوجها إلى مكة ، فلما كنت ببعض الطريق أخبرت أن
النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر الى المدينة ، فأتيت المدينة فسألت
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل لي : هو في المسجد ، فانتهيت الى
المسجد فعقات ناقتي ودخلته و[اذا] رسول الله صلى الله عليه وسلم
والناس حوله فقلت : اسمع مقالتي يا رسول الله ، فقال أبو بكر : ادنهادنه،
فلم يزل بي حتى دنوت منه، [ صرت بين يديه ] فقال: هات وأخبر ني
باتيانك رئيك فقلت :
أتاني نجيي بين هده ورقدة
ولم يك في ما قد بلوت بكاذب
- ٢٥٨ -

ثلاث ليال قوله كل ليلة
فشمرت عن ذيل الازار ووسطت
فاشهد أن الله لا رب غيره
وأنك أدنى المرسلين وسيلة
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة
أتاك رسول من لؤي بن غالب
بي الدعلب الوحانين السباسب
وأنك مأمون على كل غالب
الى الله يا ابن الأكرمين الاطايب
وان كان فيما جاء شيب الذوائب
سواك بمغن عن سواد بن قارب.
قال : قفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم هو واصحابه باسلامي
فرحا شديدا حتى رؤي في وجوههم ، فوثب إليه عمر فالتزمه وقال : قد
كنت أحب أن أسمع هذا منك .
حديث رؤيا عاتكة بنت عبدالمطلب في ظهور رسول الله صلى الله عليه
وسلم بيدر
٣٢ - حدثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي
ثنا عبدالعزيز بن عمران حدثني محمد بن عبدالعزيز عن ابن شهاب عن
حميد بن عبدالرحمن عن [أمه] أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط عن عاتكة
بنت عبدالمطلب قالت : رأيت راكبا مثل علي أبي قبيس فصاح يا آل غدر
ويا آل فجر انفروا لثلاث ثم أخذ صخرة من أبي قبيس فرمى بها الركن
فتفلقت الصخرة ، فما بقيت دار من دور قريش الا دخلتها منها كسرة
غير دور بني زهرة ، فقال العباس : ان هذه لرؤيا اكتميها ولا تذكريها ،
٣٢ - ورواه المصنف في المعجم الكبير (٢٤/٨٥٩) قال الحافظ الهيثمي في
مجمع الزوائد (٧٠/٦) وفيه عبدالعزيز بن عمران وهو متروك .
- ٢٥٩ -

فخرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة ، فذكرها له ، فذكرها الوليد
لأبيه ، ففشا الحديث ، قال العباس : فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل
في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا
الفضل اذا فرغت من طوافك فأقبل الينا ، فلما فرغت أقبلت حتى جلست
معهم ، فقال أبو جهل : يا بني عبدالمطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم
حتى تتنبأ نساؤكم ، قد زعمت عاتكة في رؤياها هذه أنه قال : انفروا
لثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فان كان ما تقول حقا فسيكون ، وان
تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل
بيت في العرب . قال العباسى: فوالمه ما كان مني اليه شيء الا اني
جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون رأت شيئا . قال العباس : فلما أمسيت
أتتني امرأة من بنات عبدالمطلب فقالت : أرضيتم من هذا الفاسق أن يقع
في رجالكم ثم يتناول نساءكم وأنت تسمع ؟ ثم لم يكن عندك نكير ، والله
لو كان حمزة ما قال ما قال، فقلت : والله كان وما كان مني اليه نكير،
وأيم الله لأنمرضن له ، فان عاد لأكفينكم . قال العباس: فغدوت في اليوم
الثالث لرؤيا عاتكة واما مغضب على أن فاتني أمر وأحب أن أدرك شيئا
منه ، فقال : والله اني لأمشي نحوه وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد
البصر حديد اللسان ان خرج من باب المسجد يشتد فقلت [في نفسي] : ما له
لعنه الله؟ أكل هذا فرق مني أن أشاتمه؟ اذ قد سمع ما لم أسمع ،
سمع صوت ضمضم [ بن زرعة ] بن عمرو الغفاري يصرخ ببطن الوادي
قد جدع بعيره وحول رداءه وشق قميصه وهو يقول : يا معشر قريش ،
قد خرج محمد في أصحابه ، ما أراكم تدركونها الغوث [الغوث] . قال
العباس : فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الامر .
- ٢٦٠ -