Indexed OCR Text
Pages 101-120
فأطلق عنه قيده، وصلى عليه أبي. وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقدر علمه ء أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، إنك رجل يقتدى بك، قَدَّمَت الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو هذا، فمات وصليت عليه و دفنته، أظنه قال: بعانة (١). قال لي صالح: وصار أبي إلي بغداد مقيداً، فمكث بالياسرية أياماً، ثم و حبس في دار اكتريت عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حتس العامة في درب الموصلية، فقال أبي: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد، فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولّت إلى دار إسحاق بن إبراهيم. وأما حنبل بن إسحاق فقال: حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إصطبل لمحمد بن إبراهيم أخو إسحاق بن إبراهيم، وكان في حبس ضيق، ومرض في رمضان، فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم حوّل إلى سجن العامة، فمكث في السجن نحواً من ثلاثين شهراً، فكنا نأتيه، وقرأ عليّ كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم. رجعنا إلى ما حكاه صالح بن أحمد عن أبيه لما حوّل إلى دار إسحاق ابن إبراهيم: فكان يوجه إلي كل يوم برجلين، أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجام، فلا يزالان يناظراني، حتى إذا أرادا (١) عانة: سبق قبل أسطر تسميتها (عانات) ففي معجم البلدان: (عانة) بلد مشهور بين الرقة وهيت، يعد في أعمال الجزيرة، وجاء في الشعر عانات، كأنه جمع بما حوله. ( ١٠١ ) و الانصراف دعي بقيد فزيد في قيودي. قال: فصار في رجله أربعة أقياد. قال أبي: فلما كان في اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني، فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت(١)، فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فقلت له: إن هذا قد كفر، فلما كان في الليلة الرابعة وجه، يعني المعتصم، ببغا الذي كان يقال له الكبير، إلى إسحاق فأمره بحملي إليه، فأدخلت على إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يقتلك في موضع لا ترى فيه شمس ولا قمر، أليس قد قال الله عز وجل: ﴿ إنا جعلناه قرآنا عربيا ﴾ أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ فقلت: قد قال الله تعالى ﴿فجعلهم كعصف مأكول ﴾ أفخلقهم؟ قال: فسكت، فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أُخرجت، وجيء بدابة فَحملت عليها وعليّ الأقياد، ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرةٍ أن أخرِّ على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم، فَأُدخلت حجرةً وأُدخلت إلى بيت، وأقفل الباب عليّ وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع، فتوضأت وصليت، فلما كان من الغد أخرجت تكتي من سراويلي وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه، فقال لي (١) هنا بهامش الأصل مانصه: ((إنما كفره لأنه إذا كان علم الله مخلوقاً لزم أن يكون في الأزل بغير علم حتى خلقه. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً». وهذا حق بديهي معلوم من الدين بالضرورة. ( ١٠٢ ) يعني المعتصم: ادنه، ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلاً، ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم، فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله (١) ؟ فسكت هنيهةً، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قلت: إن جدك ابن عباسٍ يقول: ((لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ◌َّ سألوه عن الإيمان؟ فقال: أتدرون ما الإِيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم(٢)))، قال: أبي قال، يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثم قال: يا عبدالرحمن بن إسحاق، ألم آمرك برفع المحنة؟! فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجاً للمسلمين، ثم قال لهم: ناظروه، و کلموه، يا عبدالرحمن كلمه، فقال لي عبدالرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت له: ٦٠ ما تقول في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله تعالى ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله تعالى ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ فدمرت إلا ما أراد الله؟ فقال بعضهم ﴿ ما يأتيهم من ذكرٍ من ربهم محدثٍ ﴾ أفيكون محدث إلا مخلوقاً؟ فقلت: قال الله: ﴿ص. والقرآن ذي الذكر) فالذكر هو القرآن، ويلك! ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين أن الله عز وجل خلق الذكر فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد ((إن الله كتب الذكر)). واحتجوا بحديث ابن مسعود ((ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي)) فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن، فقال بعضهم: حديث حبّاب ((يا هنتاه، تقرب إلى الله بما (١) انظر لإثبات ألف ((ما)) مع حرف الجر، ما قلناه في شرح الحديث الآتي في المسند ٣١٧. (٢) سيأتي الحديث في المسند ٢٠٢٠. ( ١٠٣ ) استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه)) فقلت هكذا هو. قال صالح بن أحمد: فجعل أحمد بن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي: وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالٌ مبتدع! فيقول: كلموه، ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به، فيقول ابن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله؟ فقلت له: كما تأولت تأويلات فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس علیه وما یقید علیه. وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ولقد احتجوا عليّ بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، وجعلوا يدعون بقول الخصم وكذا وكذا، فاحتججت عليهم بالقرآن، بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ فذمّ إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟! فقالوا: شبّه يا أمير المؤمنين ، شبه يا أمير المؤمنين! وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: حدثني بعض أصحابنا أن ابن أبي دؤاد أقبل على أحمد يكلمه، فلم يلتفت إليه، حتى قال المعتصم: يا أحمد، ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه !. وقال صالح بن أحمد: وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين، لئن أجابك لهو أحبُّ إليَّ من مائة ألف دينار ومائة ألف دينار، فيعدّ من ذلك ما شاء الله أن يعد، فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأُطلقنّ عنه بيدي ولأركبنّ إليه بجندي ولأطأن عقبه. ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لأُشفق عليك ( ١٠٤ ) كشفقتي على هرون ابني، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله. فلما طال المجلس ضجر وقال: قوموا، وحبسني، يعني عنده، وعبدالرحمن بن إسحاق يكلمني، فقال المعتصم: ويحك أجبني، فقال: ما أعرفك! ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبدالرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والجهاد والحج معك، قال: فيقول: والله إنه العالم، وإنه لفقيه، وما يسوؤني أن يكون معي يردُّ عني أهل الملل. ثم قال لي: ما كنت تعرف صالحاً الرشيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه، قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الموضع جالسًا، وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن، فخالفني، فأمرت به فوطئ وسحب! ثم قال: يا أحمد، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، قلت: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله، فطال المجلس وقام، ورددت إلى الموضع الذي کنت فيه. فلما كان بعد المغرب وجّه إليّ رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد، يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معي، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام، ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل، ووجّه إليّ المعتصم ابن أبي دؤاد في بعض الليل، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟ فأرد عليه نحواً مما كنت أرد، فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة، يحيى بن معين وغيره(١) ، فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك، ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضرباً بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، ويقول: إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي، وانصرف. (١) قال ابن الجوزي ٣٢٤: ((قلت: السبعة. يحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأحمد الدورقي، والقواريري، وسعدويه، وسجادة، وأحمد بن حنبل. وقيل: خلف المخزومي)). ( ١٠٥ ) فلما أصبح جاء رسوله، فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظروني فأرد عليهم، فإذا جاؤوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت: ما أدري ماهذا؟! قال: يقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجّهت له الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشيء يقول لا أدري ماهذا، فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله، قلت: ما تقول في ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾؟ قال: خص الله بها المؤمنين، قلت: ما تقول إن كان قاتلا أو عبدًا؟ فسكت، وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن، حيث قال لي أراك تنتحل الحديث احتججت بالقرآن، يعني فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا، وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يكلمني، ثم قال أبي: فقام ودخل، ورددت إلى الموضع. قال: فلما كان في الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدًاً من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي، الموكل بي: ارتد لي خيطاً، فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي، مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرّى، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجّه إليّ، فأدخلت، فإذا الدار غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء، فلما انتهيت إليه، قال: اقعد، ثم قال: ناظروه، كلموه، فجعلوا يناظروني، ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأردّ عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إليّ بيده، فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، فقال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عنه نحواً مما كنت أرد، فقال لي: عليك وذكر اللعن، وقال: خذوه واسحبوه وخلّعوه، قال: فسحبت ثم خلّعت. ( ١٠٦ ) قال: وقد كان صار إليّ شعر من شعر النبي عليه في كم قميصي، فوجه إليّ إسحاق بن إبراهيم: ماهذا المصرور في كم قميصك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله ◌َي، قال: وسعى بعضٍ القوم إلى القميص ليخرقه علي، فقال لهم، يعني المعتصم: لا تخرقوه، فنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، قال: وجلس المعتصم على كرسي، ثم قال: العقابين والسياط! فجيء بالعقابين، فمدت يداي، قال بعض من حضر خلفي: خذ ناي الخشبتين بيديك وشدّ عليهما، فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: ذكروا أن المعتصم لاَيَّن في أمر أحمد لما علق في العقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره، حتى أغراه ابن أبي دؤاد، فقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك علی ضربه. قال صالح: قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إليّ الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شد، قطع الله يدك! ثم يتنحى ويقوم الآخر فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد، قطع الله يدك! فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إليّ، يعني المعتصم: وقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم! وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، اقتله! وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله عزئي. أقول به، فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع، قطع الله يدك! ثم قام الثانية، فجعل يقول: ويحك يا أحمد، أجبني، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد، إمامك على رأسك قائم! وجعل عبدالرحمن يقول: من صنع من ( ١٠٧ ) أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله، فيرجع، وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد، قطع الله يدك! قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أُطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك باريةً ودسناك! قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقياً، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً. قال صالح: ثم خلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن، منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه، ثمانيةً وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمة الله علىٍ أبي عبدالله، والله ما رأيت أحداً يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبدالله، أنت صائم، وأنت في موضع تقيّةٍ(١)، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولني، فناوله قدحاً فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه (١) التقية إنما يجوز للمستضعفين الذين يخشون أن لا يثبتوا على الحق، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس، وهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة. أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون، وفي سبيل الله ما يلقون. ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم، يقتدون بهم، ولا يعلمون أن هذه تقية. وقد أتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق، لا يصدعون بما يؤمرون، يجاملون في دينهم وفي الحق، لا يجاملون الملوك والحكام فقط، بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعاً، أو خافوا ضرّاً في الحقير والجليل من أمر الدنيا. وكل أمر الدنيا حقير. فكان من ضعف المسلمين بضعف علمائهم مانرى. ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين، فيما كتب إلى أبي رحمه الله، من خطاب سياسي عظيم، في = ( ١٠٨ ) هنَّةً، ثم ردَّه ولم يشرب! فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فیما هو فيه من الهول! قال صالح: كنت التمس واحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفً في تلك الأيام، فلم أقدر. وأخبرني رجل حضره: أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه، فما لحن في كلمة، قال: وما ظننت أن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه. و وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ذهب عقلي مرارًا، فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إليّ نفسي، وإن استرخيت وسقطت رفع الضرب، أصابني ذلك مرارًاً، ورأيته، يعني المعتصم، قاعداً في الشمس بغير مظلة، فسمعته وقد أوقفت يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت في أمر هذا الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه! فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، فقد كان أراد تخليتي بغير ضرب فلم يدعه ولا إسحق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي. قال حنبل: وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دؤاد بعد ما ضرب أبو عبد الله: كم ضرب ؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيفًاً وثلاثين، أو أربعةً وثلاثين سوطًا. وقال أبو عبدالله: قال لي إنسان ممن كان ثمَّ: ألقينا على صدرك بارية وأكبيناك على وجهك ودسناك. قال أبو الفضل عبيدالله الزهري: قال المروذيّ: قلت وأحمد بين الهنبارين: يا أستاذ، قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم) قال: يا مروذي، اخرج انظر، فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقاً لا يحصيهم إلا الله تعالى، جمادى الأولى سنة ١٣٣٧، قال: ((كأن المسلمين لم يبلغهم من هداية كتابهم فيما يغشاهم ۔ من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك، ولست أدري وقد فهموا منها ما فهموا، كيف يقولون بوجوب الجهاد، وهو إتلاف للنفس والمال؟! وكيف يفهمون تعرضه # لصنوف البلاء والإيذاء!؟ ولماذا يؤمنون بكرامة الشهداء والصابرين في البأساء والضراء على الله))؟! ( ١٠٩ ) والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه، فدخل إلى أحمد فأخبره، فقال يا مروذيّ، أُضل هؤلاء كلهم!؟. قلت: هذه حكاية منقطعة لا تصح(١). قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال: لما حمل أحمد ليضرب، جاؤوا إلى بشر بن الحرث، فقالوا: قد حمل أحمد بن حنبل، وحملت السياط، وقد وجب عليك أن تتكلم، فقال تريدون منّي مقام الأنبياء؟! ليس ذا عندي! حفظ الله أحمد بين يديه ومن خلفه !!. وقال الحسن بن محمد بن عثمان الفسويّ: حدثني داود بن عرفة حدثنا ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجةً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أحمد يمتحن، فأخذت مالاً له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، وإذا بالسيوف قد جرّدت وبالرماح قد ركزت، وبالتراس(٢) قد صففت، وبالسياط قد طرحت، فألبسوني قباءً أسود ومنطقةً وسيفاً، ووقفوني حيث أسمع الكلام، فأتى أمير المومنين فجلس على كرسي، وأتي بأحمد بن حنبل، فقال له: وقرابتي من رسول الله لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول(٣)، ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه (١) هكذا قال الذهبى. ونقلها ابن الجوزي أيضاً ٣٢٩ - ٣٣٠ ثم قال: ((هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه. وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى أهون من نفس ذباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل. لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي #ه أنه قال: ((يبتلى المرء على حسب دينه. فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره). (٢) ((التراس)) بكسر التاء: جمع ((ترس)) بضمها وهو الذي يتوقى به من السلاح وهو معروف، ويجمع أيضًا على ((أتراس)) و (تروس)). (٣) هنا بهامش الأصل ما نصه: ((هذه الحكاية باطلة)). ولا أدرى لماذا؟ !. ( ١١٠ ) إليك، فأخذه، فلما ضرب سوطاً قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿ قل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾، و فضربه تسعةً وعشرين سوطاً، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته، فقلت: الساعة ينهتك، فرمى بطرفه إلى السماء وحرّك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل، فدخلت عليه بعد سبعة أيام، فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت رأسك أو طرفك نحو السماء، فما قلت؟ قال: قلت: اللهم إنى أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً. وقال جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني: حدثنا أحمد بن أبي عبيدالله قال: قال أحمد بن الفرج: حضرت أحمد بن حنبل لما ضرب، فتقدم أبو الدنّ، فضربه بضعة عشر سوطاً، فأقبل الدم من أكتافه، وكان عليه سراويل، فانقطع خيطه فنزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه، فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك؟ فقال: قلت إلهي وسيدي، وقفتني هذا الموقف فتهتكني على رؤوس الخلائق. هذه حكاية لا تصح، ولقد ساق فيها أبو نعيم الحافظ من الخرافات والكذب ما یستحی من ذكره. وأضعف منها ما رواه أبو نعيم في الحلية: حدثنا الحسين بن محمد حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القاضي حدثني أبو عبد الله الجوهري حدثني يوسف بن يعقوب سمعت عليّ بن محمد القرشي قال: لما قدم أحمد ليضرب وجرّد وبقي في سراويله، فبينا هو يضرب انحل سراويله، فجعل يحرك شفتيه بشيء، فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يضرب، فشدَّتا ( ١١١ ) السراويل، فلما فرغوا من الضرب قلنا له: ما كنت تقول؟ قال قلت: يا من و ٩ لا يعلم العرش منه أين هو إلا هو، إن كنت على حق فلا تبد عورتي. قلت: هذه مكذوبة ذكرتها للمعرفة، ذكرها البيهقي وما جسر على تضعيفها! ثم روى بعدها حكايةً في المحنة عن أبي مسعود البجلي إجازة عن ابن جهضم، وهو كذوب، عن النجّار عن ابن أبي العوّام الرياحي، فيها من الركاكة والخبط ما لا يروج إلا على الجَّهال، وفيها أن مئزره اضطرب فحرك شفتيه، فما استتم الدعاء حتى رأيت كفّا من ذهب قد خرجت من تحت مئزره بقدرة الله! فصاحت العامة. وقال محمد بن أبي سمينة: سمعت شَابَاص التائب يقول: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطاً، لو ضربته فيلاً لهدْه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: قال إبراهيم بن الحرث العبادي(١): قال أبو محمد الطُّفاوي لأحمد: يا أبا عبدالله، أخبرني عما صنعوا بك؟ وُ قال لما: ضربت جاء ذاك الطويل اللحية، يعني عجيفاً، فضربني بقائم سيفه، فقلت: جاء الفرج، يضرب عنقي وأستريح، فقال ابن سماعة: يا أمير المؤمنین، اضرب عنقه ودمه في رقبتي، قال ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذوه إمامًا، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجاً عن منزلك شك الناس في أمره. قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بعمّ أحمد ابن حنبل، ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم، وهو أحمد بن حنبل، قال: (١) في ابن الجوزي ٣٣٩: ((من ولد عبادة بن الصامت)). وإبراهيم هذا من كبار أصحاب الإمام أحمد، قال الخلال: (( كان أبو عبد الله - يعني أحمد - يعظم قدره ويرفعه)). وهو من شيوخ أبي داود وأبي بكر الأثرم. له ترجمة في التهذيب ١١٣:١. ( ١١٢ ) فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شيء لا يقام له، قال: فلما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكنوا. قال صالح: صار أبي إلى المنزل، ووجّه إليه من السّحَر من يبصر الضرب و والجراحات ويعالج منها، فنظر إليه، فقال لنا: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوطِ ما رأيت ضرباً أشدَّ من هذا، لقد جرَّ عليه من خلفه ومن قَدَّامه، ثم أدخل ميلاً في بعض تلك الجراحات، وقال: لم ينقَب، فجعل يأتيه ويعالجه، وكان قد أصاب وجهه غير ضربة، ثم مكث يعالجه إلى ما شاء الله، ثم قال: إن ههنا شيئاً أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين، وهو صابر يحمد الله، فبرأ ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيّناً في ظهره إلى أن توفي. وسمعت أبي يقول: والله لقد أعطيتُ المجهود من نفسي، ووددتُ أني أنجو من هذا الأمر كفافاً لا علي ولا لي. ودخلت على أبي يوماً، فقلت له: بلغني أن رجلاً جاء إلى فَضْلٍ الأنماطي فقال له: اجعلني في حل إذْ لم أقم بنصرتك، فقال فضل: لاجعلت أحدًا في حل، فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام قال: مررت بهذه الآية ﴿ فمن عَفَا وأصلح فأجره على الله ﴾ فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني أبو النضر حدثنا ابن فَضَالة المبارك حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين نودوا: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، قال أبي: فجعلت الميّت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب الله بسببه أحداً !. وقال حنبل بن إسحق: لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبدالله خلع عليه مبطنةً وقميصًا وطيلسانًا وخفا وقلنسوة، فبينا نحن على باب الدار والناس في ( ١١٣ ) الميدان والدروب وغيرها وأغلقت الأسواق، إذ خرج أبو عبدالله على دابة من دار أبي إسحق المعتصم، وعليه تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه، وإسحق بن إبراهيم، يعني نائب بغداد، عن يساره، فلما صار في دهليز المعتصم قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه، فكشفوه، يعني من الطيلسان فقط، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس، فقال لهم إسحق: خذوا به ههنا، يريد دجلة، فذهب به إلى الزورق، وحمل إلى دار إسحق فأقام عنده إلى أن صليت الظهر، وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المحالّ، فجمعوا وأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه، وإلا فليعرفه، فقال ابن سماعة حين دخل للجماعة: هذا أحمد بن حنبل، فإن أمير المؤمنين ناظر في أمره، وقد خلى سبيله، وهاهو ذا ، فأخرج على دابة لإسحق بن إبراهيم عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس، وهو منحني، فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم، فوقعت يديّ على موضع الضرب، فصاح، فنحيت يدي، فنزل متوكئاً عليّ، وأغلق الباب، ودخلنا معه، ورمى بنفسه على وجهه، لا يقدر يتحرك إلا بجهد، وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدق به. وكان المعتصم أمر إسحق بن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره، وذلك أنه نزل فيما حكى لنا عند الإياس منه. وبلغنا أن المعتصم ندم وأسقط فى يده حتى صلح فكان صاحب الخبر إسحق يأتينا كل يوم يتعرف خبره، حتى صح، وبقيت إبهاماه متخلعتين، تضربان عليه في البرد، حتى يسخن له الماء، ولما أردنا علاجه خفنا أن يدسّ ابن أبي دؤادٍ سما إلى المعالج، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا. وسمعته يقول: كل من ذكرني في حلّ إلا مبتدع، وقد جعلت أبا إسحق، يعني المعتصم، في حلّ، ورأيت الله تعالى يقول: ﴿ وليعفوا ( ١١٤ ) وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم﴾، وأمر النبي عليه أبا بكر بالعفو في قصة مسطح، قال أبو عبد الله: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك! فصل في محنته من الواثق قال حنبل: ولم يزل أبو عبد الله بعد أن بريء من مرضه يحضر الجمعة والجماعة، ويفتي ويحدث، حتى مات المعتصم وولي ابنه الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، فلما اشتد الأمر على أهل بغداد، وأظهر القضاة المحنة، وفرق بين فضل الأنماطي وامرأته وبين أبي صالح وامرأته، كان أبو عبدالله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع، ويقول: الجمعة تؤتى لفضلها، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة، وجاء نفر إلى أبي عبدالله وقالوا: هذا الأمر قد فشا وتفاقم، ونحن نخافه على أكثر من هذا، وذكروا أن ابن أبي دؤاد على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن: القرآن كذا وكذا، فنحن لا نرضى بإمارته، فمنعهم من ذلك وناظرهم. وحكى حنبل قصده في مناظرتهم وأمرهم بالصبر، فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلا برسالة إسحق بن إبراهيم إلى أبي عبدالله: يقول لك الأمير، إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعنَّ إليك أحد، ولا تساكنّي بأرضٍ ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله. فاختفى أبو عبدالله بقية حياة الواثق، وكانت تلك الفتنة وقتل أحمد بن نصر. فلم يزل أبو عبدالله مختفياً في غير منزله في القرب، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر أو سنة لما طفيء خبره، ولم يزل في البيت مختفياً لا يخرج إلى الصلاة ولا غيرها حتى هلك الواثق. وعن إبراهيم بن هانيء قال: اختفى أحمد بن حنبل عندي ثلاثة أيام، ( ١١٥ ) ثم قال: اطلب لي موضعًا، قلت: لا آمن عليك، قال: افعل، فإذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي: اختفى رسول اللّه عَيّة في الغار ثلاثة أيام ثم تحوّل(١). قلت: أنا أتعجب من الحافظ أبي القاسم(٢) ، كيف لم يسق المحنة ولا شيئاً منها في تاريخ دمشق، مع فرط استقصائه، ومع صحة أسانيدها !! ولعل له نية في تركها(٣) . (١) زاد ابن الجوزي ٣٥٠ بقية كلام الإمام أحمد: ((وليس ينبغي أن تتبع سنة رسول الله في الرخاء وتترك في الشدة)). وهي حكمة بالغة من الإمام، ليت الناس فهموها وعملوا بها. (٢) يريد الحافظ ابن عساكر، مؤلف تاريخ دمشق. (٣) ساق ابن الجوزي ٣٥٠ - ٣٥٢ وابن كثير ١٠ - ٣٢١ سبب ترك الواثق للمحنة، المعنى واحد واللفظ لابن كثير، قال: ((وذكر عن محمد المهتدي بن الواثق: أن شيخًا دخل يومًا على الواثق، فسلم فلم يردّ علیه الواثق، بل قال: لا سلم الله عليك! فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدبك معلمك، قال الله تعالى: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ فلا حييتني بأحسن منها ولا رددتها! فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم، فقال: ناظره، فقال ابن أبي دؤاد: ما تقول يا شيخ في القرآن؟ أمخلوق هو؟ فقال الشيخ: لم تنصفني، المسألة لي، فقال: قل، فقال: هذا الذي تقوله، علمه رسول الله ئة وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو ماعلموه؟ فقال ابن أبي دؤاد: لم يعلموه؟ قال: فأنت علمت مالم يعلموا؟! فخجل وسکت، ثم قال. أقلني، بل علموه، قال: فلم لا دعوا الناس إليه كما دعوتهم أنت؟ أما يسعك ما وسعهم؟ فخجل وسكت، وأمر الواثق له بجائزة نحو أربعمائة دينار، فلم يقبلها، قال المهتدي: فدخل أبي المنزل فاستلقى على ظهره، وجعل يكرر قول الشيخ على نفسه، ويقول: أما وسعك ما وسعهم؟! ثم أطلق الشيخ وأعطاه أربعمائة دينار ورده إلى بلاده، وسقط من عينيه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعده أحدا». ( ١١٦ ) فصل فى حال أبي عبد الله أيام المتوكل قال حنبل: ولي جعفر المتوكل، فأظهر الله السنة، وفرّج عن الناس، وكان أبو عبدالله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا. ثم إن المتوكل ذكره وكتب إلى إسحق بن إبراهيم في إخراجه إليه، فجاء رسول إسحق إلى أبي عبدالله يأمره بالحضور، فمضى أبو عبدالله ثم رجع، فسأله أبي عما دعي له؟ فقال: قرأ عليّ كتاب جعفر يأمرني بالخروج إلى العسكر، قال: وقال لي إسحق بن إبراهيم: ما تقول في القرآن؟ فقلت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا! فقال: لا تعلم أحداً أني سألتك! فقلت له: مسألة مسترشدٍ أو مسألة متعنّتٍ؟ قال: بل مسألة مسترشد، فقلت له: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وقد نهى أمير المؤمنين عن هذا. وخرج إسحق إلى العسكر، وقدم ابنه محمد خليفةً له ببغداد، ولم يكن عند أبي عبد الله ما يتجمّل به وينفقه، وكانت عندي مائة درهم. فأتيت بها إلى أبي فذهب بها إليه، فأخذها وأصلح بها ما احتاج إليه واكترى منها، وخرج، ولم يلق محمد بن إسحق بن إبراهيم ولا سلم عليه، فكتب بذلك محمد إلى أبيه، فحقدها إسحق عليه، فقال للمتوكل: يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل خرج من بغداد ولم يأت محمدًا مولاك، فقال المتوكل: يردّ ولو وطيء بساطي، وكان أبو عبد الله قد بلغ بصرى(١) ، فوجه إليه رسولا يأمره بالرجوع، فرجع وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا، وربما قرأ علينا في منزلنا. (١) بصرى المشهورة: بالشأم، وهذه بصرى أخرى، من قرى بغداد قرب عكبراء. انظر معجم البلدان. ( ١١٧ ) ثم إن رافعاً رفع إلى المتوكل: إن أحمد بن حنبل ربص علويا في منزله، وإنه يريد أن يخرجه ويبايع عليه، ولم يكن عندنا علم، فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف، سمعنا الجلبة، ورأينا النيران في دار أبي عبد الله، فأسرعنا، وإذا أبو عبدالله قاعد في إزار، ومظفر بن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل: ورد على أمير المؤمنين أن عندك علويا ربصته لتبايع له وتظهره، في كلام طويل، ثم قال له مظفر: ما تقول! قال: ما أعرف من هذا شيئاً، وإني لأري له السمع والطاعة في عسري ويسري، ومنشطي، ومكرهي وأثرةٍ عليّ(١)، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، في كلام كثير غير هذا، فقال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المومنين أن أحلفك! قال: فأحلفه بالطلاق ثلاثًا: أن ما عنده طلبة أمير المؤمنين! قال: وفتشوا منزل أبي عبدالله، والسرب، والغرف، والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب، وفتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئاً، ولم يحسّوا بشيء، ورد الله الذين كفروا بغيظهم، فكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه موقعاً حسناً، وعلم أن أبا عبدالله مكذوب عليه، وكان الذي دسّ عليه رجل من أهل البدع، ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي(٢) . فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوس بباب الدار إذا يعقوب أحد حجاب (١) يشير إلى حديث عباة بن الصامت في صحيح مسلم ٢: ٨٦: ((بايعنا رسول الله- على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)). وسيأتي في المسند بروايات أخر (ج٥ ص ٣١٦,٣١٤، ٣٣١،٣١٩ ح)). (٢) هو محمد بن شجاع أبو عبدالله بن الثلجي الفقيه، قال ابن عدي: ((كان يضع الحديث في التشبيه، ينسبها إلى أصحاب الحديث، يسابهم بذلك))! وقال الأزدي: ((كذاب، لا تحل الرواية = ( ١١٨ ) المتوكل قد جاء، فاستأذن على أبي عبدالله، فدخل ودخل أبي وأنا ومع بعض غلمانه بدرة على بغل، ومعه كتاب المتوكل، فقرأه على أبي عبدالله: إنه صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك، وقد وجه إليك بهذا المال تستعين به، فأبى أن يقبله، فقال: مالي إليه حاجة فقال: يا أبا عبدالله، اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به، فإن هذا خير لك عنده، فاقبل ولا ترده، فإنك إن رددته خفت أن يظن بك سوءاً، فحينئذ قبلها، فلما خرج قال: يا أبا علي، قلت: لبيك، قال: ارفع هذه الإيجانة وضعها، يعني البدرة، تحتها، فوضعتها وخرجنا، فلما كان من الليل إذا أم ولد أبي عبدالله تدقّ علينا الحائط، فقلت لها: مالك؟ قالت: مولاي يدعو عمَّه، فأعلمت أبي، وخرجنا فدخلنا على أبي عبدالله، وذلك في جوف الليل، فقال: يا عمّ، ما أخذني النوم هذه الليلة، فقال له أبي: ولم ؟ قال: لهذا المال، وجعل يتوجّع لأخذه، وجعل. أبي يسكته ويسهّل عليه، فقال: حتى تصبح وتری فیه رأيك، فإن هذا ليل، والناس في منازلهم، فأمسك وخرجنا، فلما كان في السحر وجّه إلى عبدوس ابن مالك والحسن بن البزّار فحضرا، وحضر جماعة، منهم هرون الحمّال، وأحمد بن منيع، وابن الدورقي، وأنا، وأبي، وصالح، وعبد الله، فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة، فوجّه منها إلى أبي سعيد الأشجّ، وإلى أبي كريب، وإلى من ذكر من أهل العلم والسنة، ممن يعلمون أنه محتاج، ففرقها كلها، ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فما بقي في الكيس درهم، ثم تصدق بالكيس على مسكين. فلما كان بعد ذلك مات إسحق بن إبراهيم وابنه محمد، وولي بغداد عبدالله بن إسحق، فجاء رسوله إلى أبي عبدالله، فذهب إليه، فقرأ عليه عنه لسوء مذهبه وزيغه عن الدين)). مات في ذي الحجة سنة ٢٦٦ . وله ترجمة في تاريخ بغداد = ٣٥٠:٥ - ٣٥٢ والميزان ٣: ٧١ - ٧٢ والتهذيب ٩: ٢٢٠ - ٢٢١ والشذرات ٢: ١٥١. ( ١١٩ ) كتاب المتوكل، فقال له: يأمرك بالخروج، فقال: أنا شيخ ضعيف عليل، فكتب عبدالله بما ردَّ عليه، فورد جواب الكتاب بأن أمير المؤمنين يأمره بالخروج، فوجه عبد الله جنوده فباتوا على بابنا أيامًا، حتى تهيأ أبو عبدالله للخروج، فخرج وخرج صالح وعبدالله وأبي، زميلةً(١). قال صالح: کان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم عاش إلى سنة إحدى وأربعين، فكان قلّ يوم يمضي إلا ورسول المتوكل یأتیه. قال حنبل في حديثه: وقال أبي: أرجع، فرجعت، فأخبرني أبي قال: لما. دخلنا إلى العسكر إذا نحن بموكب عظيم مقبل، فلما حاذى بنا قالوا: هذا وصيف، وإذا فارس قد أقبل، فقال لأحمد: الأمير وصيف يقرئك السلام ويقول لك: إن الله قد أمكنك من عدوك، يعني ابن أبي دؤاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تدع شيئاً إلا تكلمت به، فما ردَّ عليه أبو عبد الله شيئاً، وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين، ودعوت لوصيف، ومضينا، فأنزلنا في دار التّيَّاح، ولم يعلم أبو عبدالله، فسأل بعد ذلك: لمن هذه الدار؟ قالوا: هذه دار التياح، فقال: حوّلوني، اكتروا لي دارًا، قالوا هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين، قال: لا أبيت ههنا، قال أبي: فلم نزل حتى اكترينا له داراً، وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والفاكهة والثلج وغير ذلك، فما نظر إليها أبو عبدالله، ولا ذاق منها شيئاً، وكانت نفقة المائدة كل يوم مائةً وعشرين درهماً، وكان يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله وعليّ بن الجهم يأتون أبا عبدالله، ويختلفون إليه برسالة المتوكل، ودامت العلة بأبي عبدالله، وضعف ضعفاً شديداً، وكان يواصل، فمكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن دخلت عليه، وقد كاد أن يطفاً، فقلت: (١) الزملة، بضم الزاي وسكون الميم: الرفقة. فالظاهر أن هذا تصغيرها. ( ١٢٠ )