Indexed OCR Text
Pages 1081-1100
ح ٤٨٢ ١٠٨١ كتاب الصلاة صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكِمْ فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)). ] [رواته: ٥] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - الإمام مالك بن أنس: تقدم ٧. ٣ - أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: تقدم ٧. ٤ - الأعرج عبد الرحمن بن هرمز: تقدم ٧. ٥ - أبو هريرة ظُه: تقدم ١. التخريج أخرجه البخاري ومسلم وابن خزيمة من طريقين عن أبي هريرة بلفظ : يجتمع، وبلفظ: إن لله ملائكة يتعاقبون. اللغة والإعراب والمعنى قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة) مرفوع على أنه فاعل (يتعاقبون) على لغة بني عقيل وقيل: وبني الحارث، وهذا أحد الأوجه في هذا التركيب. الوجه الثاني: أن يكون الاسم المرفوع مبتدأ مؤخراً والفعل رافع للضمير، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. الوجه الثالث أن يكون الألف والواو والنون؛ ضمائر مرفوعة على الفاعلية والاسم الظاهر بدلاً منها، وهو ضعيف. وجمهور النحويين يرون أن الواجب في مثل هذا تجريد الفعل من الضمائر، كما قال ابن مالك نَظّتُهُ : لاثنين أو جمع كفاز الشهدا وجرد الفعل إذا ما أسندا والفعل للظاهر بعد مسند وقد يقال سعدا وسعدوا وعلى هذه اللغة في الحديث قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، فإنها بإثبات الواو في المصاحف العثمانية، وقول الشاعر وهو عبد الله بن قيس المعروف بابن قيس الرقيات، في قصيدته التي يرثي بها مصعب بن الزبير: ح ٤٨٢ ١٠٨٢ كتاب الصلاة وقد أسلماه مبغض وحميم تولى قتال المارقين بنفسه والتعاقب: تفاعل من عقبه؛ إذا أتى بعده، وقيل: إن هذه الطريق مختصرة وأصل الحديث: الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، كما في البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن أبي هريرة بلفظ: (إن الملائكة يتعاقبون فيكم) كما في بدء الخلق، وسيأتي مثلها للمصنف من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد. فلهذا قال بعض العلماء: الظاهر أن أبا الزناد كان يرويه مرة هكذا ومرة على الوجه، ويؤيد ذلك كون غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رواه تاماً، كما في مسلم وأحمد من رواية همام عن أبي هريرة، لكن بحذف (إنّ) من أوله التي في رواية موسى بن عقبة، وهو عند البزار وابن خزيمة والسراج من رواية أبي صالح عن أبي هريرة كرواية موسى بن عقبة، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من رواية أبي يونس عن أبي هريرة بإسناد صحيح. والتعاقب: إتيان جماعة عقب أخرى، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنُ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ﴾، فالحفظة للأعمال يتعاقبون كتعاقب الحفظة للإنسان من الشرور. وعن الأكثرين أن المراد هنا الحفظة للأعمال، فيحتمل أن السؤال لأجل أنهم موكلون بأعمالهم. وروى القاضي عياض أنه توبيخ لمن قال: (أتجعل فيها من يفسد فيها). وهذا عندي فيه نوع من عدم اللياقة، بل الظاهر أن المراد به التنويه بشأن المحافظين على الصلاة، وحمل للملائكة على الشهادة لهم بذلك. قال القرطبي تَظُّ: (وهذا من خفي لطف الله وجميل ستره؛ حيث لم يطلعهم إلا على هذه الحالة من أحوالهم، ولم يطلعهم على حال شهواتهم وما يشبهها) اهـ. وهذا حسن لكن الجزم به لا يتعين، لأنهم إذا كانوا هم الحفظة فهم يطلعون على الكل، ولكن يقال: إنه لم يسألهم إلا عن كيف تركوهم، فمن لطفه جعل اجتماعهم في هاتين الصلاتين. وقوله: (يتعاقبون) لا ينافي الاجتماع، فإنهم يجتمعون وقت الصلاة ثم يصعد الأولون ويبقى الآخرون. وقوله: (ثم يعرج) دليل على أن هذا العروج بعد الاجتماع المذكور، والعروج: الصعود، يقال: عرج يعرج عروجاً من باب نصر ينصر، وعرج في الشيء وعليه يعرج بالكسر ويُضَمُّ: ارتقى عروجاً فيه أيضاً، وعرج الشيء فهو عريج: إذا ارتفع وعلا. قال أبو ذؤيب الهذلي: ح ٤٨٢ ١٠٨٣٦ كتاب الصلاة بعيد رقاد النائمين عريج كما نور المصباح للعجم أمرهم وعرج يعرج: إذا أصابه شيء في رجله وليس فإذا كان خلقة فهو أعرج، كفرح ومصدره: عرجاً محركاً، والمعراج: السلّم وآلة الصعود، وعرَّج بالمكان: أقام به، والتعريج على الشيء: الإقامة والحبس عليه. وقوله: (الذين باتوا فيكم) ضمير الخطاب في الموضعين للمصلين، وجوّز بعض العلماء أن يكون لمطلق المؤمنين، والاكتفاء في العروج بالذين باتوا لا ينافي اشتراك الآخرين في ذلك، فذكر الذين باتوا اكتفاء بذكرهم؛ لأن المقام يدل على أن الآخرين مثلهم، على حد قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبرد، ويحتمل أن الصعود والسؤال خاص بالذين باتوا في الفجر، وقد فسّر الجمهور قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ بهذا الشهود والاجتماع، ولهذا جوَّز بعض العلماء أن يكون الصعود خاصاً بالفجر، والنزول والاجتماع يحصل في الصلاتين، والذين ينزلون في النهار يستمرون معهم من وقت الفجر فلا يصعدون فيه. وقد جاء التصريح باجتماعهم في صلاة الفجر، حتى حاول بعض الشراح أن يجعل ذكر الاجتماع في صلاة وهماً، وهو عندي وهم منه بعيد عن الصواب، لثبوت الروايات الصحيحة بذلك، ويستدل بما جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة: يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، قال: أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. قال ابن عبد البر: (ليس في هذا دفع للرواية التي ذكر فيها العصر، يعني ((أن ذكر العصر الوارد في الروايات الأخر؛ لا ينفيه الاقتصار على الصبح في بعضها))، وقوله: ((فيسألهم)) تقدم أن في هذا السؤال استدعاء لشهادة الملائكة للمصلين، وفي ذلك التنويه العظيم بشأنهم في الملأ الأعلى، فيشهدون لهم بأنهم في طاعة ربهم بدءاً وختاماً. وقوله: (وهم يصلون) في الموضعين: جملة حالية. الأحكام والفوائد يستفاد من الحديث فضل الصلاة على سائر الأعمال، وفضل المحافظة عليها وخاصة هاتين الصلاتين، والأحاديث في هذا كثيرة. وفيه: فضل المصلين وعناية الرب بهم وإظهار شأنهم في الملأ الأعلى، وفيه: تشريف هذه ح ٤٨٣ ١٠٨٤ كتاب الصلاة الأمة على غيرها من الأمم، كما شرف نبيها على سائر الأنبياء. وفيه: دليل على كلام الله للملائكة، واستدل به بعض الحنفية على فضل تأخير صلاة العصر؛ لأن العروج يقع بعدها، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، والأدلة الأخرى الصريحة تردُّه والله أعلم. ٤٨٣ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: (تَفْضُلُ صَلاةُ الْجَمْعِ عَلَى صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً، وَيَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ والنَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وأَقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا))). ■ [رواته: ٥] ١ - كثير بن عبيد نمير المذحجي: تقدم ١٩٦. ٢ - محمد بن حرب الخولاني كاتب الزبيدي: تقدم ١٧١. ٣ - الزهري: تقدم !. ٤ - سعيد بن المسيب: تقدم ٩. ٥ - أبو هريرة رضيالله: تقدم ١. التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وأصل حديث أبي هريرة في تفضيل الجماعة بدون ذكر اجتماع الملائكة؛ في أبي داود والترمذي وابن ماجه. اللغة والإعراب والمعنى قوله: (تفضل صلاة الجمع) أي: تزيد الصلاة في الجماعة إذا صلاها أحدكم فيها تفضل صلاته على صلاة أحدكم وحده. فالجمع - ضد الفرد - المراد بها: الجماعة، وهي في الصلاة تحصل بالاثنين فصاعداً، والضمير في قوله: (أحدكم) للمكلفين من المؤمنين لأنهم هم أهل الصلاة في الحالتين، وفي رواية: الجميع، بدل: الجمع. وقوله: (بخمسة وعشرين جزءاً) والجزء صادق بالقليل والكثير، وبينَّت رواية: تضعف؛ أن المراد بالجزء الضعف الذي ح ٤٨٣ ١٠٨٥ كتاب الصلاة هو المثل، وكذلك رواية: الدرجة؛ فإنها المنزلة والمراد بها أيضاً الضعف. يوضح ذلك رواية ابن السراج: تعدل خمساً وعشرين صلاة من صلاة الفذ، فبيّنت هذه الرواية أن الجزء المذكور في هذه الأحاديث والدرجة المراد بذلك تضعيف الصلاة على أصلها الذي هو عشر حسنات. وأصرح منه في ذلك حديث ابن مسعود أخرجه أحمد بسند قوي: صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة كلها مثل صلاته. أما رواية ابن عمر عند البخاري وغيره: ((صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة)) قال الترمذي: كذا روى نافع عن ابن عمر، قال: وعامة من روى عن النبي ◌َّ إنما قالوا: خمساً وعشرين، إلا ابن عمر. وفي حديث ابن مسعود وهو عند أحمد بسند جيد: صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة كلها مثل صلاته. قلت: وهذا يوضح ما قدمنا، ويبقى الإشكال في حديث ابن عمر وهو حديث صحيح، وتفرّد نافع عن ابن عمر أو ابن عمر به لا يقدح في صحته، لكن اختلفوا في وجه الجمع: فمنهم من قال: إنه لا تعارض لأن ذكر الأقل لا ينافي ثبوت الأكثر، لعدم اعتبار الأكثرين لمفهوم العدد، كما تقدم في خصائصه ور أول هذا الشرح المبارك، فمن الجائز أن يكون أُعْلِمِ وَّ ر أولاً بالخمس والعشرين، ثم أعلم بعد ذلك بزيادة فضلاً من الله. وقيل: إن الدرجة أقل من الجزء، بحيث تساوي سبعاً وعشرين درجة خمسة وعشرين جزءاً، وهو بعيد لما تقدم من أن المراد باللفظين الضّعف المصرح به، وفي بعض الروايات ذكر الدرجة بدل الجزء، والعدد خمس وعشرون وفي رواية أبيٍّ: بأربع وعشرين أو خمس وعشرين درجة، وهي عند ابن حبان، ولابن أبي شيبة بضعاً وعشرين درجة. وقيل: الجماعة التي لا يمشى إليها أقل من الجماعة التي يمشى إليها، وقيل غير ذلك. والأشبه عندي والله أعلم. إما أن يكون التفاوت بحسب بعُد المنزل، لما ثبت أن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، أو للانتظار للصلاة، أو بحسب التفاوت في الخشوع وحضور القلب، والكل محتمل والعلم عند الله تعالى. والحاصل أن هذا الحديث بجميع طرقه دل على ثبوت هذا الوعد عن النبي ◌َّلّره، ولكن اختلف فيه: فقد رواه جماعة من الصحابة: ح. ٤٨٤ ١٠٨٦٦ كتاب الصلاة أبو هريرة وأبو سعيد في البخاري وغيره، وابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة بسند قوي، وأبيُّ بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج، ومن طرق ضعيفة - كما قال ابن حجر - عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت عند الطبراني، وكلها بلفظ: خمس وعشرين، إلا رواية ابن عمر: سبع وعشرين، وهي في الصحيحين وغيرهما، ورواية لأبي هريرة عند أحمد وفي سندها شريك القاضي وفي حفظه بعض الشيء، فيها: سبع وعشرين، ورواية أبيّ: أربع أو خمس وعشرين، وهذا يرد إلى الخمس التي اتفقت عليها الروايات من غير شك، ورواية أبي عوانة: بضع وعشرين، صالحة للرد على كل من الروايتين، فمن رجح رواية الخمس والعشرين لأنها العدد المتفق عليه له لدخولها في السبع والعشرين ولكثرة رواتها، ومن رجّح السبع لأنها زيادة صحيحة من عدل حافظ يجب قبولها. وأما الاختلاف الثاني فهو في تمييز العدد، لأنه روي بلفظ (الجزء) وبلفظ (الدرجة)، وتقدم أن في رواية أحمد وابن خزيمة عن ابن مسعود ما يوضح المراد، وهو التصريح بمضاعفتها بالصلاة كما قدمنا بخمس وعشرين صلاة، فتردُّ رواية الجزء والدرجة إلى هذه المصرّحة بلفظ الصلاة. وتقدم الخلاف في وجه التفاوت، وقد ذكر فيه ابن حجر أقوالاً أحد عشر، ورجّح كون المضاعفة في الجهرية دون السرية، واحتج له بأن المصلي في الجماعة يتابع في أشياء ذكرها هو، ورتب هذا التضعيف أنه في الجهرية يزيد الإنصات والتأمين. وليس عندي بجيد، إذ لو كان هذا لهذه الأسباب؛ لكان حمله على السبب المصرح في رواية أبي هريرة في قوله: وذلك أن أحدكم إذا توضأ، الحديث. غير أن الظاهر أن حصر هذه المضاعفة في علة يحتاج إلى نص، وإلا وجب التوقف وإطلاق الأمر كما أطلقه الشارع، لأن كثيراً من الأمور التي ذكرها قد لا تحصل للمصلي في الجماعة، وقد يفوته بعض الصلاة، ومقتضى الإطلاق في الأحاديث حصول ذلك لكل من صلى في الجماعة والله أعلم، إلا أن الجماعة في المسجد الجامع أفضل منها في غيره. وأما بقية الحديث وهي اجتماع الملائكة فتقدم في الذي قبله. ٤٨٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ ح ٤٨٥ MM ١٠٨٧ كتاب الصلاة سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله وَّه يَقُولُ: ((لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)). ■ [رواته: ٦] ١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤. ٢ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢. ٣ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٤ - إسماعيل بن أبي خالد: تقدم ٤٦٨. ٥ - أبو بكر بن عمارة بن رويبة: تقدم ٤٦٨. ٦ - أبوه عمارة بن رويبة: تقدم ٤٦٨. قد تقدم هذا الحديث وما يتعلق به رقم ٤٦٨. وقوله في هذه الرواية: (وقبل أن تغرب) هو بمعنى قوله في الرواية الأولى: (قبل غروبها)، لأن المصدر المنسبك من (أن) في قوله: أن تغرب؛ مضاف إلى الظرف فهو كقوله: قبل غروبها . باب فرض القبلة ٤٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ وََّ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرَاً - شَكَّ سُفْيَانُ - وَصُرِفَ إِلَى الْقِبْلَةِ. ■ [رواته: ٥] ١ - محمد بن بشار بندار: تقدم ٧. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - سفيان بن سعيد الثوري: تقدم ٣٧. ٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢. ٥ - البراء بن عازب رضيًا: تقدم ١٠٥. التخريج أخرجه البخاري في مواضع منه، وكذلك مسلم والترمذي وابن ماجه ح ٤٨٥ ١٠٨٨ كتاب الصلاة وأحمد وابن خزيمة وابن الجارود، ولأبي عوانة بلفظ: (ستة عشر)، وكذا لمسلم والمصنف كما سيأتي إن شاء الله. وعند أحمد بسند صحيح عن ابن عباس وللطبراني والبزار: (سبعة عشر)، وفي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش: (ثمانية عشر شهراً)، وهو سيء وذكر ابن حجر أنه اضطرب فيه: فعند ابن جرير من طريقه: سبعة عشر، وفي رواية: ستة عشر. اللغة والإعراب والمعنى قوله: (صلينا مع النبي ◌َّة) الضمير في (صلينا) يعود للبراء وقومه، وهم الأنصار ومن كان بالمدينة من المسلمين، وقوله: (مع النبي ◌َّر) يعني بعدما قدم المدينة، كما هو مصرح به في بعض الروايات. وقوله: (نحو بيت المقدس) أي مستقبلين جهة بيت المقدس، والإضافة فيه من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى. وقيل: على تقدير محذوف، أي: بيت المكان المقدس، وجاء على الصفة بلفظ: البيت المقدس. وقوله: (ستة عشر شهراً) ظرف لقوله: (صلينا) أي مدة ستة عشر أو سبعة عشر، وهذه اللفظة جاءت على الشك في حديث أبي إسحاق في جميع رواياته، إلا في رواية مسلم التي تقدمت الإشارة إليها من طريق أبي الأحوص، ورواية أبي عوانة من طريق عمار بن رُزيق - مصغراً بتقديم الراء المهملة - ورواية المصنف الآتية من طريق زكرياء بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عوانة أيضاً من طريق عمار بن رجاء. فهؤلاء الثلاثة كلهم رووه: (ستة عشر شهراً) من غير شك عن أبي إسحاق، وكذا رواية أحمد بسند صحيح عن ابن عباس ◌ًّا: (ستة عشر)، ورواه الدارقطني عن أبي إسحاق من طريق ابن عباس: (ستة عشر شهراً)، ولذا رجح النووي هذه الرواية للجزم بها للطبراني عن ابن عباس: (سبعة عشر) وكذا له وللبزار من حديث عمرو بن عوف. قال ابن حجر كثّثهُ: (والجمع بين الروايات سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدّهما معاً، ومن شك تردد في ذلك. وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ح ٤٨٥ ١٠٨٩ كتاب الصلاة ابن حبان: سبعة أشهر وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في نصف شعبان. قال: وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقره، مع كونه رجح في شرحه لمسلم رواية: ستة عشر شهراً؛ لكونها مجزوماً بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغى شهري القدوم والتحويل. قال: وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة). اهـ. وقد ذكر روايات شاذة في ذلك، منها: رواية (ثلاثة عشر شهراً) ورواية (تسعة أشهر) ورواية (شهرين) ورواية (سنتين) إلا أنها قد توجه بحملها على الصواب، والكلّ شاذ وأسانيده ضعيفة. وروى مالك عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين. وقوله: (شك سفيان) أي الراوي للحديث عن أبي إسحاق السبيعي وهو سفيان بن سعيد الثوري. ورواية الحديث هنا عند المصنف بالعنعنة من أبي إسحاق وهو يدلس، ولكن ثبتت روايته في صحيح البخاري من طريق سفيان، وصرح فيها بالسماع من البراء بلفظ: (سمعت البراء)، وهي في التفسير منه. وقوله: (وصرف إلى القبلة) أي الكعبة، وذلك بنزول القرآن عليه في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ الآية. (فصرفه الله) أي أمره أن ينصرف عند الصلاة عن جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة . الأحكام والفوائد الحديث فيه دليل وجوب استقبال القبلة في الصلاة، إلا في حال الضرورة بالعجز عن ذلك: إما في صلاة المسايفة أو التحيّر لعدم وجود دليل عليها، وسيأتي الرخصة في النافلة للمسافر الراكب على الدابة. وفيه: ثبوت النسخ في الأحكام، قال القرطبي رحمه الله تعالى: (وأجمعت عليه الأمة إلا من شذوذ) وقال أيضاً: (أنكرت طوائف من المنتمين إلى الإسلام من المتأخرين جوازه، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة) اهـ، وفيه أيضاً: نسخ السنة بالكتاب، لأن القبلة الأولى كانت بالسنة على الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِ كُنْتَ عَلَيْهَا .. ) الآية، وكذلك يرد قول من قال: إنه استقبل بيت المقدس باجتهاد منه. وقد روي عن ابن عباس أن نسخ القبلة أول نسخ وقع في القرآن، وقد كان ◌َلّ يصلي وهو بمكة للقبلتين فيجعل الكعبة ح ٤٨٦ ١٠٩٠ كتاب الصلاة بينه وبين الشام، فلما هاجر تعذر عليه الجمع بينهما فأمر باستقبال بيت المقدس، فكان يكثر النظر إلى السماء رجاء نزول الملك بالأمر بتحويله إلى الكعبة، فنزلت عليه الآيات. ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله. ٤٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَنْ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرَأْ، ثُمَّ إِنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَمَرَّ رَجُلٌ قَدْ كَانَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ بِّهِ عَلَى قَوْم مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّرِ قَدْ وُجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْحَرَفُوا إِلَى الْكُعْبَةِ. [رواته: ٥] ١ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - المعروف أبوه بابن عُليَّة، نزل دمشق وولي القضاء بها، وروى عن عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر العقدي وعثمان بن عمر بن فارس وإسحاق بن يوسف الأزرق وحجاج بن محمد ويعلى بن عبيد ويزيد بن هارون وغيرهم، وعنه النسائي وأبو زرعة الدمشقي وإبراهيم بن دحيم ومثويه ومحمد بن عبد الله بن سلام وأبو بشر الدولابي وعبد الله بن أحمد بن أبي الحواري ومكحول وآخرون. قال النسائي: حافظ ثقة، وقال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب، وقال محمد بن الفيض: لم يزل قاضياً بدمشق حتى توفي سنة ٢٦٤. قال مسلمة: حدثنا عنه العدوي وكان ثقة، وقال المستملي: مستقيم الحديث، والله أعلم. ٢ - إسحاق بن يوسف الأزرق بن مرداس المخزومي الواسطي، روى عن ابن عون والأعمش وشريك والثوري ومسعر وعمر بن ذر وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة ودحيم وقتيبة وعمرو الناقد ويحيى بن معين وجماعة آخرهم سعدان بن نصر البزاز. قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ قال: أي والله، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث صدوق لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين، وقال وهب بن ح ٤٨٦ ١٠٩١ كتاب الصلاة بقية: ولد سنة ١١٧، وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ١٩٥، زاد ابن سعد: وكان ثقة ربما غلط، وذكر ابن حبان في الثقات أنه روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة والله أعلم. ٣ - زكريا بن أبي زائدة: تقدم ١١٥. ٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢. ٥ - البراء بن عازب رضيًّا: تقدم ١٠٥. التخريج هذه رواية للحديث السابق إلا أن فيها زيادة خبر نقل تحويل القبلة، كما يأتي إن شاء الله. اللغة والإعراب والمعنى قوله: (قدم رسول الله (وَّر المدينة) أي مهاجراً، والمدينة وإن كانت تطلق على كل مدينة لكنها صارت عَلماً بالتغليب على مدينة الرسول وَله. وقوله: (فصلّى نحو بيت المقدس) تقدم معناه، وتقدمت الإشارة إلى هذه الرواية وفيها الجزم بأن المدة التي صلى فيها نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، وتقدم بسط الكلام على ذلك. وقوله: (ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة) تقدم الكلام على (ثم) في الطهارة. وقوله: (وجِّه) بالبناء للمجهول، أي: وجّهه الله بأمره له بذلك. وقوله: (الكعبة) هي المراد بالقبلة في الرواية الأولى، والكعبة أصله عند العرب: البيت المربع، ولكنه صار علماً على بيت الله الحرام، والمراد أنه نزلت عليه الآية المتقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية. قوله: (فمرّ رجلٌ كان قد صلّى مع النبيِ وَّ#) أي تلك الصلاة صلاها أول ما صلى إلى الكعبة، قيل: هو عبَّاد بن بشر الأشهلي، وقيل: عبَّاد بن نهيك. وفي البخاري في كتاب الإيمان: إن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر. وقوله: (كان قد صلى) جملة (كان) صفة، وجملة (قد صلى) خبر (كان)، أي: صلى معه تلك الصلاة إلى بيت الله الحرام، وهذا على رواية البراء المصرح فيها عند البخاري بأنها صلاة العصر. أما القوم الذين مرّ عليهم فهم بنو سلمة في صلاة العصر، فصلوا منها ركعتين إلى القبلة الأولى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، وقيل: ح ٤٨٦ ١٠٩٢ كتاب الصلاة هم أهل قباء كما؛ هو صريح في حديث ابن عمر وقيل: إن ذلك تكرر؛ فمر هذا على أهل مسجد بني سلمة ومر آخر في صلاة الصبح على أهل قباء. ومما يدل على أن الذي في قصة البراء غير مسجد قباء ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ثويلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين - تعني ركعتين - ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ◌َّ أمر أُمِرَ أن يتوجه إلى المسجد الحرام. قوله: (أشهد أن رسول الله قد وُجِّه) أي قد أمره الله بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة بدل بيت المقدس، وقوله: (فانحرفوا) أي استداروا عن جهة الشام إلى جهة الكعبة. ۔۔ فوائد الحديث اعلم أنه اختلف في هذه القصة المذكورة في هذا الحديث من ثلاثة وجوه الوجه الأول: أين نزلت هذه الآية؟ والثاني: أول صلاة صلاها النبي وَطفو إلى مكة بعد التحويل سواءً كان في أثناء الصلاة أو قبل الدخول فيها، الثالث: من الذين وصل إليهم الخبر وهم في الصلاة فصلّوها للقبلتين؟ أما محل النزول فالصحيح أنه بمسجد الرسول * لأنه حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم ذكرت فيه أنهم وصلهم الخبر في مسجد بني سلمة - وهو مسجد القبلتين، وقد صلوا ركعتين فاستداروا وهم في الصلاة، وكذلك قول المخبر لبني حارثة وكذا لبني سلمة: صليت مع النبي ◌ِّر، وإن لم يصرح أنه في مسجده فالمتبادر أنه في مسجده، وكذا ما في صحيح مسلم من رواية أنس بن مالك أن رجلاً من بني سلمة مرَّ وَهُمْ ركوع في صلاة الفجر، فلو كانت الآية نزلت في بني سلمة لما كانوا توقفوا على إخبار أحد بذلك. وقال محمد بن سعد في الطبقات: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمر أن يتحول إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي ◌َّر أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاماً، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﴿ بأصحابه ركعتين، ثم أُمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمّي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا، وهذا هو القول الثاني، وأخرج البزار من حديث أنس: انصرف رسول الله 8* عن بيت المقدس وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة، ح ٤٨٦ ١٠٩٣٦ كتاب الصلاة وللطبراني نحوه من وجه آخر عن أنس، وفي كل منهما ضعف، قاله ابن حجر. ونقل السمهودي عن ابن زبالة أن القبلة صرفت ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في القبلتين، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين، فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة، فبذلك سمي مسجد القبلتين. ونقل عن سعيد بن المسيب قال: صلّى رسول الله وَلّ إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وصُرِفَت القبلة قبل بدر بشهرين. قال: والثابت عندنا أنها صرفت في الظهر في مسجد القبلتين. قلت: ولهذا رجح ابن حجر أنها صرفت في القبلتين والله أعلم. وروى ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن حديثاً قال فيه: فبينا رسول الله ◌َ* يصلي الظهر في مسجده قد صلى ركعتين؛ إذ نزل عليه جبريل فأشار إليه أن صلِّ إلى البيت، وأسند يحيى عن ابن عباس فذكر الحديث مثل حديث ابن زبالة قال: فبينما رسول الله وَلم يصلي ... الحديث. وأسند يحيى عن رافع بن خديج قال: صلى رسول الله وَ* ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، وأمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام فاستدار. قال رافع: فأتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول الله وَّ﴿ قد أُمِرَ أن يوجّه إلى الكعبة، فأدارنا إمامنا إلى الكعبة. والمراد بيحيى في الحديث: هو الحسيني جد أمراء المدينة، له كتاب في أخبار المدينة ولم أقف على حاله. أما الاختلاف في الصلاة فالظاهر أنها إما الظهر أو العصر، وقد صرح في رواية البراء عند البخاري وغيره: أن أول صلاة صلاها بعد التحويل صلاة العصر، وحمله ابن حجر تكَّتُهُ على أنها أول صلاة صلاها في مسجده، وأما أول ما استقبل القبلة ففي الركعتين الآخيرتين من الظهر بمسجد القبلتين. ولفظ الحديث لا يعطي ذلك وإنما حمله عليه قصد الجمع بين الروايات، غير أن رواية صلاته بمسجد القبلتين الظهر للقبلتين ليست بالقوية، وحديث البراء صريح بأن أول صلاة على العموم إلى الكعبة هي العصر، وروي عن مجاهد مثل ما قال ابن حجر: إن نزول الآية في مسجد القبلتين، وفي حديث أبي سعيد بن المعلى عند النسائي قال: كنا نغدوا إلى المسجد على عهد رسول الله وَ﴿ فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله وَل قاعد على المنبر فقلت: لقد حدث أمر، فجلست فقرأ رسول الله وَل هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ ح ٤٨٦ ١٠٩٤ كتاب الصلاة وَجْهِكَ﴾ الآية، فقلت: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ويسمخلل فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما ثم نزل رسول الله وَ وصلى للناس الظهر يومئذٍ. قال ابن كثير كَّتُهُ: (وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر أن أول صلاة صلاها رسول الله له إلى الكعبة صلاة العصر، ثم ذكر حديث تويلة من رواية ابن مردويه بإسناد وفيه: ((فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء))، وفي آخره أن رسول الله وَ ل﴿ل قال: ((أولئك رجال يؤمنون بالغيب))) اهـ، فتحصّل من هذا أن المشهور نزول الآية في مسجد بني سلمة، ومن حيث النقل - وهو الذي يظهر لي - نزولها بمسجد الرسول و 98، وأن الصحيح أن أول صلاة صلاها إما مطلقاً أو في مسجده بعد التحويل: صلاة العصر، وعلى أن الآية نزلت في مسجد بني سلمة، فيكون صلى بعض صلاة الظهر إلى الشام وبعضها إلى مكة. أما الاختلاف في القوم الذين أُخْبروا فهو سهل، لأن حمل الرواية في ذلك عن البراء على أن المراد غير أهل قباء: إما بنو سلمة أو بنو حارثة كما في حديث تويلة أو بني عبد الأشهل والظاهر أن الكل حصل غير أن الخبر إلى بني حارثة، وبني عبد الأشهل وصل في صلاة العصر، وأما أهل القباء فلا خلاف أنه وصلهم في صلاة الصبح، لصحة الحديث في ذلك على وجه لا يعتبر خلافه، لضعفه ومعارضته للحديث الصحيح في حديث ابن عمر الآتي ٤٩٠، فإنه صريح في ذلك. ومن فوائد الحديث: ثبوت النسخ كما تقدم، ومبادرة الصحابة إلى الامتثال، ووجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلاً ثقة، وصحة ما عمل بعد النسخ وقبل بلوغه، وينبني عليه صحة حكم القاضي بعد العزل وقبل وصول الخبر به وموت من ولّاء قبل العلم به، وهكذا الحال في الوكيل والوصي والأمير؛ كل هؤلاء دل الحديث على صحة تصرفاتهم قبل العلم بالعزل والموت الموجب لبطلان ولايتهم .. واستدل به على جواز الحركة الكثيرة لإصلاح الصلاة، وتنوعت أجوبة أئمة الشافعية عنه بما لا يخلو من تكلف، مع أن القول بأن ثلاث حركات متتابعات تبطل الصلاة ليس له نص من الشارع ولا دليل صريح، بل الصواب أن كل ما كان لإصلاح الصلاة ونحوه لا يفسدها ما لم يكثر جداً والله أعلم. ح ٤٨٧ ١٠٩٥ كتاب الصلاة باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة ٤٨٧ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ والْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ أَبْنٍ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَِّ وَجٍْ تَتَوَجَّهُ، وَيُوتِّرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ. [رواته: ٨] ١ - عيسى بن حماد زغبة المصري: تقدم ٢٩٤. ٢ - أحمد بن عمرو بن السرح: تقدم ٣٩. ٣ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٤ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩. ٥ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدم ٩. ٦ - محمد بن شهاب: تقدم !. ٧ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عمر وقيل: أبو عبد الله المدني التابعي الفقيه أحد السادة الأعلام من التابعين فضلاً وعلماً وعبادة روى عن أبيه وأبي هريرة وأبي رافع وأبي أيوب وعن زيد بن الخطاب. قلت: وهو منقطع لأن زيداً قتل شهيداً يوم اليمامة، وأم سالم من سبي الفرس من بنات يزدجرد كما سيأتي إن شاء الله. وقيل: روى عن أبي لبابة وغير هؤلاء، وعنه ابنه أبو بكر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والزهري وصالح بن كيسان وحنظلة بن أبي سفيان وعبيد الله بن عمر بن حفص وعاصم بن عبيد الله وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وأبو قلابة الجرمي وحميد الطويل وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر وعمرو بن دينار المكي وعمرو بن دينار البصري ونافع مولى أبيه وموسى بن عقبة ومحمد بن واسع وآخرون. قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به، وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. قال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهل ح ٤٨٧ ١٠٩٦ كتاب الصلاة المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السَّادة: علي بن الحسين بن علي والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علماً وتقى وعبادة وورعاً، فرغب الناس يومئذٍ في السراري، وقال ابن المبارك: كان فقهاء المدينة سبعة، فذكره فيهم. قال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق وكان من أفضل أهل زمانه، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد: الزهري عن سالم عن أبيه، وقال الدوري عن ابن معين: سالم والقاسم حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلاتاً منهم، وقال البخاري: لم يسمع من عائشة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالياً من الرجال، وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة في ذي القعدة أو ذي الحجة، وقال خليفة: سنة ١٠٧، وقال الهيثم: سنة ١٠٨، وقال الأصمعي: ١٠٥، والأول أصح. قال ابن حبان: كان يشبه أباه في السمت والهدى، وقال البخاري في التاريخ الصغير: لا أدري هل سمع من أبي رافع؟ وقال غيره: لما قدم سبي فارس على عمر كان فيه بنات يزدجرد، فقوّمن فأخذهنّ عليٍّ فأعطى واحدة لابن عمر فولدت له سالماً، وأعطى أختها لولده الحسين فولدت له علياً، وأعطى أختهما لمحمد بن أبي بكر فولدت له القاسم. قلت كان ابن عمر يحبه كثيراً وهو القائل: يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم ٨ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢. ■ التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، وأشار له الترمذي، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى، وعند أحمد مختصراً وعنده عن أبي سعيد نحوه. · اللغة والإعراب والمعنى قوله: (يسبّح) أي: يصلي النافلة، والنافلة يطلق عليها هذا اللفظ، ومنه: سبحة الضحى، وأصل التسبيح: التنزيه، ومنه قول العبد: سبحان الله، وإطلاق ح ٤٨٧ ١٠٩٧٦ كتاب الصلاة السبحة على الصلاة: إما لأنها تنزيه لله أو لأن المصلي يسبّح فيها، فيكون من باب تسمية الشيء باسم جزئه. وأما اختصاص هذا اللفظ بالنافلة دون الفرض فهو عرف شرعي، والسّبحة: الدعاء وصلاة التطوع، يقال: فرغ فلان من سبحته أي: من صلاة النافلة، سميت الصلاة تسبيحاً لأن التسبيح تعظيم الله وتنزيهه من كل سوء، قاله في التاج. وظاهر بيت جرير الإطلاق في الصلاة: أنخنا فسبّحنا ونوّرت السرى بأعراف ورد اللون بلق شواكله فإن ظاهره صلاة الفرض. والمعنى أنه سير كان يصلي النافلة عليها. (قِبَل) أي جهة (أي وجه تتوجه) إليه الراحلة، (ويوتر عليها) أي يصلي عليها صلاة الوتر، (غير أنه) بمعنى: إلا أنه أو لكنه، (لا يصلي عليها المكتوبة)، وقد تقدم الكلام على (غير) والمكتوبة هي المفروضة، كان لا يصلي الصلاة المفروضة على الراحلة، (والراحلة): هي الدابة التي يركبها الإنسان. الأحكام والفوائد قال ابن حجر: وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، والحجة لذلك حديث الجارود وابن أبي سبرة عن أنس: ((أن النبي وَّر كان إذا أراد أن يتطوع في السفر، استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهت ركابه)). أخرجه أبو داود وأحمد والدارقطني. واختلفوا في الصلاة على الدواب في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك في كل سفر، غير مالك فخصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبري: لا أعلم أحداً وافقه على ذلك. قال ابن حجر: ولم يتفق على ذلك عنه - يعني أنه مجرد قول مما روي عنه. وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره وَّة، ولم ينقل عنه أنه سافر سفراً قصيراً فصنع ذلك، وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك، وذهب أبو يوسف إلى جوازه في الحضر، ووافقه أبو سعيد الإصطخري من الشافعية، واستدل به أيضاً على أن جهة السَّفر تكون في هذه الحالة قبلة له، لا يجوز له أن ينحرف عنها لغيرها، كالحال في قبلة الصلاة، وأجاز بعضهم له، الانحراف إلى جهة القبلة إذا كان السير لغيرها، واستدلوا به على أن الوتر غير واجب لأنه يفعله على الراحلة، وسيأتي الكلام على ذلك. واستنبط منه بعض ح ٤٨٨ ١٠٩٨ كتاب الصلاة العلماء جواز التنفل للماشي وقال: لا يجوز ذلك. وفيه: دليل على عدم جواز المكتوبة على الدابة كما سيأتي إن شاء الله. واستدلوا به أيضاً على جواز التنفل في السفينة لراكبها. وفيه: دليل على الاهتمام بصلاة النافلة والإكثار منها وجوازها في السفر، والله أعلم. ٤٨٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ أَبْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَِّ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إلى الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ أُنْزِلَتْ: ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُواْ فَتَّ وَجْدُ اللَّهِ﴾ . ■ [رواته: ٦] ١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤. ٢ - محمد بن المثنى أبو موسى الزمن: تقدم ٨٠. ٣ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٠٠ ٤ - عبد الملك بن أبي سليمان: تقدم ٤٠٤. ٥ - سعيد بن جبير: تقدم ٤٣٤. ٦٠ - عبد الله بن عمر هما: تقدم ١٢. التخريج أخرجه مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه، وأصله حديث ابن عمر السابق، وهو في الصحيحين من روايته ورواية عامر بن أبي ربيعة بدون ذكر الآية. ] اللغة والإعراب والمعنى (كان رسول الله ويطلق يصلي على دابته) تقدم أن (كان) تدل على اتصاف المخبر عنه بالخبر فيما مضى، وقد تفيد تكرار الفعل بل هو المتبادر منها إلا أن يدل الدليل على خلافه. وقوله: (يصلي) جملة في محل نصب خبر (كان)، وقوله: (على دابته) الجار والمجرور متعلق بـ(يصلي) وهو في محل نصب على الحال، والتقدير: وهو راكب على دابته. وتقدم أن الدابة: ما دبَّ على الأرض، وأن العرف في الاستعمال خصصها بذوات الأربع، وهو كقوله: كتاب الصلاة ١٠٩٩ ح ٤٨٩ - ٤٩٠ (على راحلته) كما في الرواية السابقة. وقوله: (وهو مقبل من مكة) جملة أيضاً حالية، وهو صريح في كونه يستدبر القبلة في هذه الحالة، وقد تقدم الكلام على ذلك وما يتعلق بالحديث فيه. وزاد هنا قوله: (مقبل) إلى المدينة، و(إلى) عدّي بها الإقبال لأن المراد بالإقبال هنا: السير، أي: وهو يسير ووجهه إلى المدينة. قوله: (وفيه) أي في ذلك النوع من الترخيص في الصلاة في السفر على الدابة - كما تقدم - أنزل هذه الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾، وهذا أحد الأقوال في الآية، والقول الثاني: أن سرية من الصحابة تحيّروا في القبلة فكلهم صلى إلى ما أدّاه إليه اجتهاده، وفي رواية: أن كلاً منهم خط على الجهة التي أصبح عليها، فإذا هم قد صلوا لغير القبلة فنزلت الآية. وعلى هذين القولين؛ فالآية محكمة، وهو الذي عليه الأكثرون، وهذا الحديث يدل عليه. وذكر ابن جرير فيها قولاً ثالثاً بأنها منسوخة، كانت رخصة للنبي وَل فنسخت بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهََكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿أينما﴾ كلمة أينما اسم استفهام مضمّن معنى الشرط يستفهم به عن المكان، والفاء في ﴿فَمَّ﴾ واقعة في جواب الشرط، و(ثمَّ) بفتح الثاء بمعنى: هناك، ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: حيثما توجهتم فثمّ وجه الله. وقد ذكر ابن جرير فيها قولاً بأنها نزلت في الدعاء حينما سألوه بعد نزول ﴿أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ﴾، قالوا إلى أي جهة؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَسْهُ اللَّهِ﴾ والله أعلم. وقد تقدم ما يتعلق به من الأحكام في الذي قبله. ٤٨٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِيْنَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ. قَالَ مَالِك: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ آبْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [رواته: ٤] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧. ٣ - عبد الله بن دينار: تقدم ٢٦٠. ٤ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢. ح ٤٩٠ ٠. كتاب الصلاة تقدم ما يتعلق بالحدیث لأن هذه إحدى روايات حديث ابن عمر باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد ٤٩٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الَّكَعْبَةَ فاسْتَقِْلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلى الْكَعْبَةِ. تقدم جميع رواته في الذي قبله، وتقدم شرح ما يتعلق به في حديث البراء ٤٦٥. وقوله: (فاستقبلوها) بصيغة الأمر كما هنا، ويروى بصيغة الماضي، و(قباء) بضم القاف والمد فيها أكثر. قال ابن الزبعري في قصيدته اللامية في يوم أحد: جزع الخزرج من وقع الأسل ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا واستحرّ القتل في عبد الأشهل حين حكت بقباء بركها وذكر النووي أن المشهور الفصيح فيها المد والصرف والتذكير، وقال الخليل هو مقصور، وهي قرية بعوالي المدينة وتسمى العصبة، وقيل: العصبة منها، وفيها بئر أريس وبئر غرس وهما من الآبار السبعة، وبالعصبة كان نزول أكثر المهاجرين لما قدموا المدينة. وأول قباء مسجدها، وهي منازل بني عمرو بن عوف وبها كان مسجد الضرار، ويجاورها من جهة الشمال منازل بني سالم بن عوف، وفيها المسجد الذي بني في محل صلاة الجمعة التي كانت أول جمعة صلاها وَّة، والطريق بينها وبين المدينة كانت بين النخيل لكثرته، وقد تغير ذلك اليوم واتصل بها البناء من المدينة. وأطلق لفظ قباء على ما بينها وبين المدينة لأنهم كانوا يسمون تلك الجهة بباب قباء، لأن باب سور المدينة الذي يليها كان في تلك الجهة، فأطلقت العامة اسم قباء، على تلك الجهة. قيل: إن قباء اسم لبئر كانت هناك، وقيل: اسم أطم من آطامها، وذكر السمهودي أنه ذرع من عتبة مسجد المدينة إلى عتبة مسجد قباء، فكان ذلك ٧٠٠٠ ذراع بذراع اليد و٢٠٠ أو يزيد قليلاً.