Indexed OCR Text

Pages 601-620

كتاب الطهارة
٦٠١
ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
حديث عائشة، وهي ليست بعلة كافية لأنه جاء مثله من رواية ابن إسحاق عن
الزهري عن عروة عن عائشة، فهو يقوي حديث عمرة، وإن كان فيه ابن
إسحاق وقد عنعنه اهـ.
وفي بقية كلام الشافعي: إنما أمرها وَالر أن تغتسل وتصلي وليس فيه أنه
أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولا أشك إن شاء الله تعالى أن غسلها كان تطوّعاً
غير ما أمرت به وذلك واسع لها، والقول بأنها لا تغتسل إلا مرة واحدة مذهب
الجمهور: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم.
القول الثاني: أن الغسل واجب عليها لكل صلاة. قال ابن عبد البر:
(وذهب قوم إلى أن الغسل واجب عليها لكل صلاة لأحاديث رووها في ذلك قد
ذكرناها في التمهيد، قالوا: لأنه لا يأتي عليها وقت صلاة إلا وهي شاكّة هل
حائض أو طاهر مستحاضة؟ أو هل طهرت في ذلك الوقت بانقطاع دم الحيض أم
لا؟ قال: رووا هذا عن علي وابن الزبير وابن عباس وسعيد بن جبير. قال: وقد
ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك في التمهيد. قال: وهو قول ابن عُليّة، ثم ذكر رواية
الزهري لحديث أم حبيبة عن عروة عن عائشة فذكر الحديث وفيه: ((فأمرها أن
تغتسل لكل صلاة)). قال ابن عبد البر: فإن قيل لم يرفعه إلا محمد بن إسحاق
عن الزهري وأما سائر أصحاب الزهري فإنهم يقولون عنه عن عروة عن عائشة
وفيها: ((أمرها أن تغتسل وتصلي فكانت تغتسل لكل صلاة))؛ قيل: لما أمرها أن
تغتسل فهمتْ عنه أنها تغتسل لكل صلاة، على أن قوله: (تغتسل وتصلي) يقتضي
أن لا تصلي حتى تغتسل) اهـ. ونسب ابن قدامة القول بذلك لابن عمر.
قلت: يستدرك على قوله: لا يأتي عليها وقت إلخ، بأنه غير مسلّم إذا كانت
قد عرفت أيام عادتها، فإنها بنص الرسول وّر غير حائض في غيرها والله أعلم.
القول الثالث: أنها تؤخر الظهر وتغتسل لها وللعصر غسلاً واحداً، وتؤخر
المغرب وتغتسل لها وللعشاء غسلاً واحداً، وتجمع الصلاتين في الوقتين وتغتسل
غسلاً مستقلاً لصلاة الصبح، وإليه ذهب ابن عباس وعطاء والنخعي، روی ذلك
عنهم ابن سيّد الناس في شرح الترمذي. قال ابن العربي: (والحديث في ذلك
صحيح فينبغي أن يكون مستحباً) اهـ قال الشوكاني: وعلى فرض صحة الحديث
فهذا جمع حسن لأنه يعلق الغسل بقوّتها، فيكون ذلك قرينة دالة على عدم

ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
٦٠٢
كتاب الطهارة
الوجوب، يعني في قوله لحمنة في حديثها الذي أخرجه أبو داود وأحمد
والترمذي: ((فإن قويت ... إلخ))، وكذا قوله: ((أيهما فعلت أجزأ عنك)) قال
ابن عبد البر: (إنه روي عن علي أيضاً، وبه قال النخعي وعبد الله بن شداد) اهـ.
قلت: ويؤيده حديث المصنف الآتي في قصة زينب بنت جحش.
والعجب أن ابن حجر لم يذكره مع أنه ذكر رواية أبي داود، وهو صريح في
المسألة إلا أنه مرسل، وإن كان صحيح الإِسناد لأنه من رواية القاسم بن
محمد عنها، وهي مرسلة لأنه لم يدركها لأنها ماتت سنة ٢٠.
القول الرابع: أن الغسل لكل صلاة خاصُّ بالتي لا تعرف عادتها ولا
تميّز دم الحيض من الاستحاضة، فهذه يجب عليها الغسل لكل صلاة. قال
ابن قدامة: كَّلهُ: (قال الشافعي: في الناسية لهما - يعني عدد الأيام ووقت
حيضها - لا حيض لها وجميع زمانها مشكوك فيه، تغتسل لكل صلاة وتصلي
وتصوم ولا يأتيها زوجها) اهـ. قال الخطابي: (في حديث أبي داود من رواية
أبي سلمة وفيه أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، هذا الحديث مختصر ليس فيه
ذكر حال هذه المرأة) - إلى أن قال: (وإنما هو فيمن تبتلى وهي لا تُميّز دمها
أو كان لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها ولا عددها ولا وقت انقطاع
الدم عنها من أيامها المتقدّمة، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئاً من الصلاة،
وكان عليها أن تغتسل لكل صلاة لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الوقت صادف
زمان انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب) اهـ.
القول الخامس: أنها تغتسل كل يوم مرة في أي وقت شاءت من النهار.
قال ابن عبد البر: رواه معقل بن يسار عن علي.
قلت: ولو قيل إن الغسل لكل صلاة مستحب غير واجب لكان ذلك
وجهاً حسناً لما فيه من الجمع بين الأدلة، ولكن لم أر من قال به إلا ما ذكره
ابن قدامة في قوله : ((تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي)). قال
ابن قدامة ◌َّثهُ: (وهذا يدل على أن الغسل المأمور به في سائر الأحاديث يعني
به الغسل لكل صلاة مستحب غير واجب، والغسل لكل صلاة أفضل لما فيه
من الخروج من الخلاف والأخذ بالثقة والاحتياط، وهو أشد ما قيل ويليه في
المشقة والفضل الجمع لكل صلاتين بغسل واحد) اهـ. المراد منه. وما نقل

كتاب الطهارة
٦٠٣
ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
عن ابن العربي إنما هو في استحباب الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وهذا
كما قدّمنا إنما يعني به الغسل الزائد على المرة الأولى، ولا شك أن حمل
أحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة على الندب أولى من ترك العمل بها، مع
استقامة إسناد بعضها بل غالبها. وأما حملها على المتحيرة كما تقدّم عن
الشافعي والخطابي؛ فإنه يعكر عليه عدم استفسار النبي ◌ّطّر عن حالة كل من
النساء اللاتي استفتينه عن الاستحاضة، فلم يثبت أنه استفسر واحدة منهن عن
كونها تميّز أَوْ لا؟ وترك الاستفسار في مثل هذا يدل على أن فتواه شملت كل
حالات المستحاضة والله أعلم.
تنبيه :
لم يرد في شيء من هذه الروايات أن المرأة تمكث أكثر من أيام حيضها
أو قدر أيام حيضها، وليس في شيء منها أنها تزيد شيئاً عليها، وذلك يدل
على عدم الاستظهار وهو أنها تمكث بعد مضي عادتها ثلاثة أيام لاحتمال
انتقال العادة ما لم تجاوز أكثر الحيض، وهو مروي عن مالك تكّتُهُ وعليه
العمل عند أكثر أهل مذهبه.
قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر ثَُّ في شرح حديث هشام في
الاستحاضة: (وفيه رد لقول من قال بالاستظهار يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أقل
أو أكثر، لأنه أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل
وتصلي، ولم يأمرها أن تترك الصلاة لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء
والاحتياط إنما يجب في عمل الصلاة لا في تركها، ولا يخلو قوله عليه
الصلاة والسلام أن يكون أراد انقضاء أيام حيضتها لمن تعرف الحيضة وأيامها،
أو يكون أراد انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة عند من تميز ذلك، فأي
ذلك حصل لم يأمرها باستظهار). ثم ذكر ما معناه أن الصلاة فرض لا يجوز
تركها حتى تستيقن أي تستيقن حصول المانع لها، وذكر عن مالك أنه قال هو
وغيره: لأن تصلي المرأة المستحاضة وذلك ليس عليها؛ خير من أن تدع
الصلاة وهي واجبة عليها .
قال: (وقال بعض أصحابنا: الحديث دليل على صحة الاستظهار
لقوله تعظلّ للمستحاضة: ((فإذا ذهب قدرها)) يعني الحيضة لأن قدر الحيضة قد

ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
٦٠٤
كتاب الطهارة
يزيد وينقص، فلهذا رأى مالك الاستظهار. والأصل في الدم الظاهر من الرحم
أنه حيض فيجب أن لا تصلي حتى تستيقن زواله، ولهذا أجمع الفقهاء على
ترك المبتدأة بالدم للصلاة أول ما ترى الدم، وأقصى مدة الدم عند مالك خمسة
عشر يوماً، فكان يقول في المبتدأة، والتي أيامها معروفة فيزيد حيضها: إنهما
تقعدان إلى كمال خمسة عشر يوماً، أي إذا استمر الدم بهما فإذا زاد فهو
استحاضة، ثم رجع في ذلك فيمن لها أيام معروفة أن تستظهر بثلاثة أيام على
عادتها ما لم تتجاوز خمسة عشر يوماً. ولا استظهار عند مالك إلا في هاتين
المرأتين في هاتين الحالتين، وجعل الاستظهار ثلاثة أيام لتستبين فيها حالة
الدم، والفرق استدلالاً، اي قياساً بحالة المصراة تحلب ثلاثة أيام ليتبين فرق
اللبن. واحتجوا بحديث حرام بن عثمان عن ابني جابر أن أسماء بنت مرثد
الحارثية كانت تستحاض فسألت النبي * عن ذلك فقال لها وَلقر: ((اقعدي
أيامك التي كنت تقعدين ثم استظهري بثلاثة أيام، ثم اغتسلي وصلي)). قال:
ورواه إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا عبد
العزيز بن محمد الدراوردي عن حرام بن عثمان عن محمد وعبد الرحمن ابني
جابر بن عبد الله عن أبيهما عن أسماء بنت مرثد أنها كانت تستحاض، فذكر
معنى ما ذكر. قال ابن عبد البر: وهذا حديث لا يوجد إلا بهذا الإِسناد،
وحرام بن عثمان متروك الحديث مجتمع على طرحه لضعفه ونكارة حديثه، حتى
لقد قال الشافعي: الحديث عن حرام بن عثمان حرام) اهـ.
تنبيه آخر:
قال ابن عبد البر كَثّْلهُ: والفقهاء بالحجاز والعراق مجمعون على أن
المستحاضة تؤمر بالوضوء لكل صلاة، منهم من رأى ذلك واجباً عليها ومنهم
من رآه مستحباً لها. قلت: وهو قول مالك تَخُّْ، فإنه لا يرى الوضوء واجباً
عليها إلا من حدث، لكن يستحب لها الوضوء كصاحب السلس، وباقي الأئمة
أوجبوا عليها الوضوء لكل صلاة.
فائدة :
الدماء الخارجة من رحم المرأة ثلاثة: دم الحيض: وهو الذي يخرج في
وقته المعتاد بصفته المعروفة عند النساء، والغالب أن المرأة تحيض في كل

كتاب الطهارة
٦٠٥
ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
شهر مرة فهذا لا خلاف فيه أنه يمنع الصلاة والصيام والطواف بالبيت، وكذلك
سائر الأحكام المتقدمة مما يتوقف على الطهارة كدخول المسجد وكذا الوطء،
ولا تقضي الصلاة التي تفوتها أيامه بخلاف الصوم.
والثاني: دم النفاس: وهو الخارج عند الولادة سواء كان الولد بالغاً مدته
أو ألقته قبل بلوغ مدته بعد التخلق، وهذا الدم حكمه حكم دم الحيض في
الموانع كلها ووجوب قضاء الصوم دون الصلاة عليها .
الثالث: وهو دم الاستحاضة: وهو الذي كثر فيه الاختلاف لاختلاف
الأحاديث الواردة فيه. قال ابن رشد تَخْتُ بعد ذكره للخلاف في الغسل نحو ما
تقدّم: (فيتحصل في المسألة بالجملة أربعة أقوال: قول إنه ليس عليها إلا طهر
واحد فقط عند انقطاع دم الحيض، وقول إن عليها الطهر لكل صلاة، وقول إن
عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة، وقول إن عليها طهراً واحداً في اليوم
والليلة. ((قلت: يعني بالطهر الغسل)).
والسبب في اختلافهم في هذه المسألة هو اختلاف ظواهر الأحاديث
الواردة في ذلك، وذلك أن الوارد في ذلك من الأحاديث المشهورة أربعة
أحاديث: واحد منها متفق على صحته وثلاثة مختلف فيها. أما المتفق على
صحته فحديث عائشة فذكر حديثها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش وفي آخره:
((وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)) قال: وفي بعض روايات هذا الحديث:
((وتوضئي لكل صلاة)) وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وخرّجها
أبو داود وصحّحها قوم من أهل الحديث.
والحديث الثاني حديث عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش فذكر الحديث
((فأمرها أن تغتسل لكل صلاة)) قال: وهذا الحديث هكذا أسنده ابن إسحاق عن
الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري فإنما رووا عنه أنها استحيضت فسألت
رسول الله ◌َّ فقال لها: ((إنما هو عرق وليست بالحيضة وأمرها أن تغتسل
وتصلي)) فكانت تغتسل لكل صلاة، على أن ذلك هو الذي فهمت منه لا أن
ذلك منقول من لفظه عليه الصلاة والسلام.
وأما الثالث: فحديث أسماء بنت عميس أنها قالت: ((يا رسول الله إن
فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فقال: لتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً،

ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
٦٠٦
كتاب الطهارة
وللمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر وتتوضأ فيما بين ذلك)) خرّجه
أبو داود وصحّحه ابن حزم.
وأما الرابع: فحديث حمنة بنت جحش وفيه: ((أن رسول الله صل﴾ خيّرها
بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد، عندما ترى أنه قد انقطع دم الحيض وبين
أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات)) على حديث أسماء بنت عميس، إلا أن
هنالك ظاهره على الوجوب وهنا على التخيير. فلما اختلفت ظواهر هذه
الأحاديث ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب: مذهب النسخ، ومذهب
الترجيح، ومذهب الجمع، ومذهب البناء، قال: والفرق بين الجمع والبناء أن
الباني ليس يرى أن هناك تعارضاً فيجمع بين الحديثين، وأما الجامع فهو يرى
أن هناك تعارضاً في الظاهر، فتأمل هذا فإنه فرق بيّن.
أما من ذهب مذهب الترجيح؛ فمن أخذ بحديث فاطمة لمكان الاتفاق
على صحته فإنه لم يأمرها * أن تغتسل لكل صلاة ولا أن تجمع الصلاتين
بغسل واحد ولا بشيء من تلك المذاهب. قال: وإلى هذا ذهب مالك
والشافعي وأبو حنيفة وأصحاب هؤلاء وهم الجمهور، ومن صحت عنده الزيادة
الواردة فيه من هؤلاء وهي الأمر بالوضوء لكل صلاة، أوجب ذلك عليها ومن
لم تصح عنده لم يوجب ذلك عليها) اهـ.
قلت: ويؤيد هذا القول حديث أم حبيبة بنت جحش في أكثر رواياته ما
عدا رواية ابن إسحاق كما تقدم. قال: (وأما من ذهب مذهب البناء فقال: إنه
ليس بين حديث فاطمة وحديث أم حبيبة تعارض أصلاً، ثم ذكر ما معناه أن
الذي في حديث فاطمة سؤال عن الدم هل هو دم حيض أم لا؟ فأخبرها أنه
ليس بحيض يمنع الصلاة، ولم يخبرها بوجوب الطهر لكل صلاة ولا عند
انقضاء الحيض. وفي حديث أم حبيبة أمرها بشيء واحد وهو التطهر لكل
صلاة أي على الرواية بذلك، أي فتكون زيادة على ما في حديث فاطمة بنت
قيس، لكن قد يجاب عنه بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان
الغسل واجباً عليها لكل صلاة لأخبرها بذلك. أما الغسل بعد الحيض فقد كان
معلوماً عندها فلا يرد على ذلك عدم ذكره، لكن من يرى الزيادة نسخاً قد يقول
إن هذه الزيادة لم تكن ثابتة فيدعي النسخ بها .

كتاب الطهارة
٦٠٧
ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
قال ابن رشد: وأما من ذهب مذهب النسخ فقال: إن حديث أسماء بنت
عميس ناسخ لحديث أم حبيبة، واستدل على ذلك بما روي عن عائشة: ((أن سهلة
بنت سهيل استحيضت وأن رسول الله ( كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة،
فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، وكذا المغرب
والعشاء وتغتسل للصبح)). وأما الذين ذهبوا مذهب الجمع فحملوا حديث فاطمة
على من تميز الحيض من الاستحاضة وحديث أم حبيبة على التي لا تميز) اهـ.
منه باختصار لكلامه نَّتُهُ .
قلت: ومن وجوه الجمع حمل الأمر بالغسل على الندب أو على التخيير،
وكلٌّ يدل على عدم الوجوب، ويشهد له ما في حديث حمنة بنت جحش أن
رسول الله ﴿ ((خيّرها بين الغسل لكل صلاة أو الجمع)) على ما تقدّم بيانه.
فائدة أخرى:
اختلف العلماء في جواز وطء المستحاضة، فالجمهور من فقهاء الأمصار
على جوازه، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعكرمة
وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما
والأوزاعي وأبي ثور وروي عن الحسن مثله. وقال ابن وهب على ما نقله
ابن عبد البر عنه: وقال مالك: أمر أهل العلم والفقه على ذلك، وإن كان دمها
كثيراً قال مالك: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه
أن يصيبها وهي تصلي وتصوم. قال ابن عبد البر ما معناه: ((إن حكم الشرع أن
دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة، وتعبد فيه بعبادة غير عبادة دم الحيض فوجب
أن لا يحكم فيه بحكم الحيض، إلا أن يجمعوا على شيء فيكون موقوفاً على
ذلك، وإنما أجمعوا على غسله كسائر الدماء)).
القول الثاني: إن المستحاضة لا يطؤها زوجها وأن الرخصة إنما هي في
الصلاة والصوم. وهذا القول يروى عن عائشة وهو قول الحكم والنخعي من
العراقيين، وهو قول ابن عُليَّة. وذكر ابن عبد البر أن سليمان بن يسار سئل عن
ذلك؟ فقال: إنما سمعت بالرخصة في الصلاة، وعن الزهري نحوه وهو قول
الشعبي والحكم وابن سيرين، قاسوه على دم الحيض لأنه أذى مثله.
والقول الثالث: إنه لا يطؤها إلا أن يطول به الحال أي يلحقه الضرر

ب ١٣٤ / ح ٢٠٩
٦٠٨
كتاب الطهارة
بذلك. وهذا قول أحمد الذي اختاره، وهذا على سبيل الاستحسان. وأما
القولان الأولان فهما مبنيان على الخلاف: هل الاستحاضة مانعة كالحيض في
الأصل ووردت الرخصة في الصلاة زمنها، أو هي خارجة عن حكم دم الحيض
والمرأة طاهر في زمنها فتجري على حال الطهارة؟ وهذا أقوى لقوله وَله: (إنها
ليست بالحيضة) فهذا صريح في الفرق بينهما والله أعلم.
فائدة أخرى :
اختلف العلماء في أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر بين الحيضتين، فقال
مالك: لا حد لأقله ولو دفعة واحدة، إلا أنه لا يعتد بالدفعة في حيض العدة.
وقال الشافعي: أقله يوم وليلة وهو قول أحمد وعطاء بن أبي رباح وأبي ثور،
وقال الأوزاعي والطبري: أقله يوم، وقالوا كلهم أكثره خمسة عشر يوماً، وعن
أحمد رواية سبعة عشر يوماً، وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة،
وكذا قال أصحابه، وهذه المسألة لا نص فيها يقطع النزاع، ومعرفتها من حيث
العادة وهي لا تتفق فترد إلى الغالب. وكذلك اختلفوا في أقل الطهر بين
الحيضتين، فأكثره عند الجمهور الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وهو المشهور
من مذهب مالك وقول أصحابه البغداديين: خمسة عشر يوماً، وفي قول عنه أي
عن مالك عشرة، وقيل: ثمانية، وعن أحمد: ثلاثة عشر يوماً، وقيل: خمسة
عشر لأنه رد ذلك إلى أكثر الحيض وعنده في أكثر الحيض قولان، وهو يرى
أن المرأة تحيض في كل شهر فإذا كان أكثر الحيض سبعة عشر يوماً؛ كان أكثر
الطهر ثلاثة عشر التي هي بقية الشهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر يوماً؛
كان أكثر الطهر كذلك، وربما نزعَ بذلك من قوله: ((وتمكث إحداكن شطر
عمرها لا تصلي)).
تنبيه :
النساء اللاتي ذكر أنهن استحضن على عهد رسول الله ور تسع نسوة،
المشهور المعروف: فاطمة بنت قيس وحمنة وأم حبيبة بنتا جحش وسهلة بنت
سهيل، وأما البواقي فالرواية في استحاضة أكثرهن ضعيفة لا سيما أمهات
المؤمنين منهن، وهنَّ: زينب بنت جحش وسودة وزينب بنت أبي سلمة
وأسماء بنت مرثد وبادنة بنت غيلان بن سلمة الثقفية. وقد نظم السيوطي كَّتُهُ

كتاب الطهارة
٦٠٩
W
ب ١٣٤ / ح ٢١٠ - ٢١١
أسماءهن فقال :
تسع نساء قد رواها الراوية
قد استحيضت في زمان المصطفى
زينب أسما سهلة وبادنة
بنات جحش سودة وفاطمة
٢١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ وَهلِ
فَقَالَ: ((لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ)). فَأَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا
وَحَيْضَتِهَا وَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
[رواته: ٥]
١ - محمد بن المثنى: تقدّم ٨٠.
٢ - سفيان بن عيينة: تقدّم ١.
٣ - الزهري: تقدّم ١.
٤ - عمرة: تقدّمت ٢٣.
٥ - عائشة وثها: تقدّمت ٥.
تقدّم ما يتعلّق بالحديث، إلا أن قوله في هذه الرواية (أقرائها وحيضتها)
فيه دليل على أن الأقراء كما تقدّم هي الحيض، ولكن عطف عليها (وحيضتها)
ولعل ذلك رد لعادتها من الأيام ومعرفتها لدم الحيض بالتمييز، فيجتمع فيه
الأمران اللذان تفرق فيهما المرأة بين الحيض والاستحاضة.
٢١١ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ
عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ
حَدَّثَتْ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: ((إنَّمَا
ذَلِكَ عِرْقٌ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قَرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّ، فَإِذَا مَرَّ قَرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي ثُمَّ صَلِّي
مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ))، هذا الدَّلِيلُ عَلى أَنَّ الأَقْرَاءَ حَيْض. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ:
وَقَدْ رَوَى هذَا الْحَدِيثَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَا ذَكَرَ الْمُنْذِرُ.
[رواته: ٧]
١ - عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبي أبو موسى المصري

ب ١٣٤ / ح ٢١١
٦١٠
كتاب الطهارة
المعروف بزغبة، روى عن الليث بن سعد وهو آخر من حدث عنه من الثقات،
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ورشدين بن سعد وسعيد بن زكريا وابن وهب
وابن القاسم وجماعة، وعنه مسلم وأبو داود وابن ماجه وعبد الرحمن بن
عبد الله بن عبد الكريم وأبو حاتم وعبدان والبجيري وغيرهم. وثقه أبو حاتم
وقال: رضي، ووثقه النسائي وقال مرة: لا بأس به، وكذا قال أبو داود،
ووثقه الدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة ٢٤٨ في ذي الحجة
وقيل: سنة ٢٤٩ وقد جاوز التسعين. وقد اختلف في لقب زغبة: هل هو
لعيسى أو لأبيه حماد؟ قال صاحب الزهرة: روى له مسلم تسعة أحاديث.
٢ - الليث بن سعد: تقدّم ٣٥.
٣ - يزيد بن أبي حبيب: تقدّم ٢٠٧.
٤ - بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي مولاهم - ويقال: مولى أشجع -
أبو عبد الله ويقال أبو يوسف المدني نزيل مصر، روى عن محمود بن لبيد
وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وبسر بن سعيد وأبي صالح السمان وسعيد بن
المسيّب وسليمان بن يسار وآخرين فيهم كثرة، وعنه بكر بن عمر المعافري
والليث وابن إسحاق وعبيد الله بن أبي جعفر وعبد الله بن سعيد وأبو هند
وجعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم. قال معن بن عيسى: ما ينبغي
لأحد أن يفضل أو يفوق بكير بن الأشج في الحديث، ووثقه ابن معين وقال
فيه أحمد: ثقة صالح، ووثقه أبو حاتم والعجلي والنسائي وقال: ثبت. قال
ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات وقال أحمد بن
صالح: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن أحد فلا تسأل عنه. وذكر العجلي
أن مالكاً لم يسمع منه وأنه خرج إلى مصر قديماً فنزل بها وتوفي سنة ١١٧،
وقيل: سنة ١٢٠، وقيل: ١٢٢، وقيل: ١٢٧.
٥ - المنذر بن المغيرة: حجازي، روى عن عروة بن الزبير، عنه بكير بن
الأشج. قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال المزي: يحتمل أن يكون جد المنذر بن عبد الله الحزامي.
قلت: تقدّم في ترجمة بكير قول أحمد بن صالح: إذا رأيت بكير بن
عبد الله روى عن أحد فلا تسأل عنه، أي فهو ثقة وهو قد روى عن هذا،

كتاب الطهارة
٦١١
ب ١٣٤ / ح ٢١٢
ولكن لم نجد من روى عنه غيره والله أعلم.
٦ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٧ - فاطمة بنت قيس وهي بنت أبي حبيش: تقدّمت ٢٠١.
قوله: (وصلّي ما بين القرء إلى القرء) أي من الحيض إلى الحيض،
وذكر أنه دليل على أن الأقراء هي الدم. وذكر النسائي كَّتُهُ أن المنذر انفرد
بهذا عن عروة، وقد روى الحديث هشام عن أبيه ولم يذكر ذلك، وسيأتي
الخلاف في القرء الذي ورد في القرآن هل هو الدم، أو الطهر؟.
٢١٢ - أَخْبَرَنَا إسْحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ
قَالُوا: حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ
أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِوَِّ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ
الصَّلَاةَ؟ قَالُ: ((لَا إِنَّمَا ذِلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي
الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَأَغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي)).
[رواته: ٧]
0
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدّم ٢.
٢ - عبدة بن سليمان: تقدّم ١٩٥.
٣ - وكيع بن الجراح: تقدّم ٢٥.
٤ - أبو معاوية الضرير محمد بن حازم: تقدّم ٣٠.
٥ - هشام بن عروة: تقدّم ٦١.
٦ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٧ - عائشة وثها: تقدّمت ٥.
اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (أَفَأَدَعُ الصلاة) أي أترك الصلاة من أجل الاستحاضة كما أتركها
من أجل الحيض، فقال لها ◌َلجر: (لا) أي لا تدعيها، ثم علل ذلك بقوله:
(إنما ذلك) أي الدم الذي يخرج (عرق) وقد تقدّم الكلام على ذلك.
وقوله: (فإذا أقبلت الحيضة) أي عرفت أن الدم دم الحيض سواء بتغير

ب ١٣٥ - ١٣٦ / ح ٢١٣ - ٢١٤
٦١٢
كتاب الطهارة
الدم أو بمعرفة وقت الحيض من الشهر على ما تقدّم، وباقي ما يتعلّق به تقدّم
الكلام عليه .
١٣٥ - ذكر اغتسال المستحاضة
٢١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُّنَا أَنَّ أَمْرَأَةٌ مُستَحَاضَةٌ عَلى عَهْدٍ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قِيلَ لَهَا: إنَّهُ عرقٌ عَانِدٌ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلَ الْعَصْرَ
وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَاحِداً، وَتُؤَخِّرِ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً
وَاحِداً، وَتَغْتَسِيلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلاً وَاحِداً.
[رواته: ٦]
١ - محمد بن بشار: تقدّم ٢٧.
٢ - محمد بن جعفر غندر: تقدّم ٢٢.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدّم ٢٦.
٤ - عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر: تقدّم ١٦٦.
٥ - أبوه القاسم بن محمد: تقدّم ١٦٦.
٦ - عائشة روًّا: تقدّمت ٥.
التخريج
الحديث مختصر وسيأتي بتمامه للمصنف في جمع المستحاضة ٣٥٨،
وأخرجه الإِمام أحمد والبيهقي وأبو داود.
اللغة والإعراب والمعنى
وقولها: (إن امرأة) هي أم حبيبة المتقدم ذكرها، مع أنه قد ورد نحو ذلك
عن سهلة بنت سهيل.
١٣٦ - باب الاغتسال من النفاس
٢١٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ

كتاب الطهارة
٦١٣
ب ١٣٦ / ح ٢١٤
جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْس حِينَ
نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ لأَبِي بَكْرِ: ((مُرْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلِّ)).
■ [رواته: ٦]
١ - محمد بن قدامة بن أعين بن المسور القرشي مولى بني هاشم
أبو عبد الله المصيصي، روى عن جرير بن عبد الحميد وإسماعيل بن علية
وفضيل بن عياض وعتَّام بن علي العامري وابن عيينة ووكيع وغيرهم، وعنه
أبو داود والنسائي ومحمد بن المسيب ومحمد بن الحسن بن قتيبة وأبو بكر بن
أبي داود وعبد الله بن أحمد بن معدان الفراء وآخرون. قال النسائي: لا بأس به
ومرة قال: صالح، ووثقه الدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة بن
قاسم: ثقة صدوق، روى عنه ابن وضاح لقيه بمكة، مات قريباً من سنة ٢٥٠.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدّم ٢.
٣ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٤ - جعفر بن محمد الصادق: تقدّم ١٨٢.
٥ - محمد بن علي أبوه: تقدّم ٩٥.
٦ - جابر بن عبد الله
﴿يا: تقدّم ٣٥.
التخريج
أخرجه مسلم، وعند ابن ماجه وأبي داود ومسلم أيضاً من حديث عائشة،
وهو عند مالك من رواية القاسم عن أبيه عن أسماء، والصحيح أنها مرسلة.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (في حديث أسماء) هي أسماء بنت عميس الخثعمية الصحابية
الجليلة، كانت عند جعفر بن أبي طالب فولدت له أولاده كلهم بالحبشة حينما
هاجرت معه إليها، وبعدما قُتل جعفر عنها تزوجها أبو بكر فولدت له ولده
محمداً، وهو الذي نفست به بذي الحليفة ثم تزوجها بعده علي بن أبي طالب
فكانت عنده حتى قتل عنها، رضي الله عنهم أجمعين.
وقوله: (في حديث أسماء) أي من جملة حديث أسماء الذي ذكره جابر

ب ١٣٧ / ح ٢١٥
٦١٤
كتاب الطهارة
عنها، أي عن قصة نفاسها في سفرها للحج مع رسول الله وَلو عند الميقات قبل
الإِحرام، لأن هذه قطعة من حديث جابر الطويل عند مسلم في المناسك.
وقوله: (نُفِسَتْ) أي ولدت فهو بضم النون وكسر الفاء في الولادة، فإذا
أريد الحيض قيل: نَفِست بفتح النون وكسر الفاء، كما في قوله ◌َّهُ لعائشة لمّا
وجدها تبكي لأنها حاضت: ((مالك لعلك نفست)) أي حضت، والحديث يأتي
بقية الكلام عليه في المناسك، والغرض من ذكره هنا الاستدلال به على
وجوب الغسل من النفاس ولكن لا يتم لأن الغسل هنا للإحرام، ولا يفيد
الطهارة باتفاق لأن دم النفاس لم ينقطع بعد.
١٣٧ - باب الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة
٢١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ
أَبْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ
بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا كَانَ دَمُ
الْخَيْضِ فَإِنَّهُ دَمْ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّتِي فَإِنَّمَا
هُوَ عِرْقٌ)). قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَدِيِّ هَذا مِنْ كِتَابِهِ.
[رواته: ٦]
١ - محمد بن المثنى: تقدّم ٨٠.
٢ - محمد بن إبراهيم بن أبي عدي: تقدّم ١٧٥.
٣ - محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عبد الله ويقال:
أبو الحسن المدني، روى عن أبيه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعبيدة بن سفيان
وسعيد بن الحارث وإبراهيم بن عبد الله بن حنين وغيرهم، وعنه موسى بن عقبة
ومات قبله، وابن عمه عمر بن طلحة بن علقمة وشعبة والثوري وحماد بن سلمة
ومعتمر بن سليمان وآخرون. سئل يحيى بن سعيد عن سهيل عنه فقال: محمد
أعلى منه أي من سهيل، وسئل ابن معين عنه فقال للسائل: تريد العفو أو
تشدد؟ فقال: أتشدد، فقال: ليس هو ممن ترید، وكان يقول: حدثنا أشياخنا
أبو سلمة وحيي بن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: سألت مالكاً عنه

كتاب الطهارة
٦١٥
ب ١٣٧ / ح ٢١٥
فقال: فيه نحو ما قلت لك. قال القطان: رجل صالح ليس بأحفظ الناس
للحديث. وعن ابن معين أيضاً: ما زال الناس يتقون حديثه، فقيل له: ما علة
ذلك؟ فقال: كان يحدث بالحديث عن أبي سلمة مرة من روايته، ثم يحدث به
مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال الجوزجاني: ليس بقوي الحديث
ویشتھی حديثه، قال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه وهو شيخ، قال
النسائي: ليس به بأس، ومرة قال: ثقة. قال ابن عدي: له حديث صالح، وقد
حدث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد بنسخة يغرب بعضهم على بعض،
وروى عنه مالك في الموطأ وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات
وقال: يخطئ، توفي سنة ١٤٤ وقيل: ١٤٥. روى له البخاري مقروناً بغيره،
ومسلم في المتابعات. قال أحمد بن مريم عن ابن معين: ثقة، قال ابن سعد:
كثير الحديث يضعف، قال ابن المبارك: لم يكن به بأس. قلت: فتحصل من
هذا أنه ليس بالقوي، ولكن لا يحكم على حديثه بالضعف بل هو إلى درجة
الحسن أقرب، والله أعلم.
٤ - ابن شهاب: تقدّم ١.
٥ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٦ - فاطمة بنت أبي حبيش: تقدّمت ٢٠١.
تقدّم حديث فاطمة هذا، وليس فيه ما ذكره ابن عدي في روايته هذه
والتي تليها .
اللغة والإعراب والمعنى
وقوله: (إذا كان دم الحيض) يحتمل أن (كان) تامة والمعنى إذا حصل أو
خرج أو نزل أو جاء دم الحيض أو وُجِد، ويحتمل أنها ناقصة والتقدير: إذا
كان هو أي الدم الذي تشتكي منه دم الحيض، والأول أظهر.
وقوله: (فإنه) الفاء في جواب الشرط والضمير يرجع إلى دم الحيض،
وقوله (يُعرف) أي يتميز بعلاماته كما تقدم، والغالب أن النساء يعرفنه أو
بعضهن بعلاماته المتقدم ذكرها، ولا ينافي ذلك جهلها هي وغيرها للفرق بينه
وبين الاستحاضة، لأن الأمر قد يشكل على البعض وإن كان معروفاً عند كثير

ب ١٣٧ / ح ٢١٦ - ٢١٧
٦١٦
كتاب الطهارة
منهم أو الأكثرين. ويروى يَعرِف بفتح الياء وكسر الراء أي له عرف، وهو
الرائحة الكريهة وتقدم ذلك.
بعض فوائده
وفي الحديث الدلالة على الفرق بين دم الحيض والاستحاضة كما ترجم
له المصنف، وفيه: اعتبار التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة وهو يكون
بالرائحة أحياناً وبلون الدم أحياناً، ويفقد الألم ووجوده أحياناً، وبقلة الدم
وكثرته أحياناً إلى غير ذلك مما يعرف بالتجربة، وفي قوله: (فتوضئي) دليل لمن
يقول بوجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، وقد تقدّم ذلك كله وسيأتي
في الحديث التالي للمصنف أن ابن أبي عدي انفرد بقوله: توضئي.
وقوله: (هذا من كتابه) أي: حدث بهذا الحديث على هذا الوجه من
كتابه ثم حدّث به مرة أخرى من حفظه فقال:
٢١٦ - أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ حِفْظِهِ قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ
أَبِي حُبَيْشٍ كَانت تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: ((إنَّ دَمَ الْخَيْضِ أَسْوَدُ
يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّتِي وَصَلِّي)). قَالَ
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ: قَدْ رَوَى هذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ
أبْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ.
■ [رواته: ٦]
وهم المذكورون في الرواية الأولى إلا عائشة ﴿يا: تقدّمت ٥.
وقول النسائي يريد به أن ابن أبي عدِي انفرد بقوله: (توضئي) كما تقدم،
وسيأتي مثله في الحديث الذي بعده أن حماد بن زيد تفرد بها أيضاً في الحديث
الثاني .
٢١٧ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرِبِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَ أَبْنُ زَيْدٍ
عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَت: اسْتُحِيضَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ
أَبِي حُبَيْشَ فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ

كتاب الطهارة
٦١٧
ب ١٣٧ / ح ٢١٨ - ٢١٩
الصَّلَاةَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّمَا ذِلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ
الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ أَثَرَ الدَّمَ وَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا ذَلِكَ
عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ»، قِيلَ لَهُ: فَالْغُسْلُ؟ قَالَ: ذلِكَ لَاَ بَشُكُ فِيهِ أَحدٌ. قَالَ
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَداً ذَكَرَ فِي هذَا الحَدِيثِ (تَوَضَّئِي) غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ
زَيْدٍ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هِشَامٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ (تَوضَّتِي).
■ [رواته: ٥]
١ - يحيى بن حبيب بن عربي: تقدّم ٧٥.
٢ - حماد بن زيد: تقدّم ٣.
٣ - هشام بن عروة: ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٥ - عائشة ثنا: تقدّمت ٥.
تقدّم ما يتعلق به، ونبّه المصنف على أن الأمر بالوضوء فيه شاذ كما هو
الحال في رواية ابن أبي عدي السابقة.
٢١٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ
أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ: يَا رَسُولَ الله لا
أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((إنَّمَا ذِلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ،
فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي)).
■ [رواته: ٥]
١ - قتيبة: تقدّم ١.
٢ - مالك: تقدّم ٧.
٣ - هشام بن عروة: تقدّم ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٥ - عائشة ◌ُها: تقدّمت ٥.
٢١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأشْعَثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ

ب ١٣٨/ ح ٢٢٠
٦١٨
كتاب الطهارة
هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي
لَا أَطْهُرُ أَفَأَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: ((لَا إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ)). قَالَ خَالِدٌ: فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ:
وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ
الدَّمَ وَصَلَّي.
[رواته: ٥]
١ - أحمد بن المقدام بن سليمان بن أشعث بن أسلم العجلي أبو الأشعث
البصري، روى عن بشر بن المفضل وحماد بن زيد ويزيد بن زريع ومعتمر بن
سليمان وخالد بن الحارث وغيرهم، وعنه البخاري والترمذي وابن ماجه
والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم والبغوي والحسين بن يحيى بن عياش القطان
خاتمة أصحابه وآخرون. قال أبو حاتم: صالح الحديث محلّه الصدق، وقال
صالح جزرة: ثقة. قال ابن خزيمة: كان كيّساً صاحب حديث، قال النسائي :
ليس به بأس. قال أبو داود: كان يعلم المجّان المجون فأنا لا أحدث عنه،
قال ابن عدي: وهذا لا يؤثر فيه لأنه من أهل الصدق، وكان أبو عروبة يفتخر
بلقيّه ويثني عليه. قال السراج عنه: ولدت قبل موت أبي جعفر بسنتين، ومات
في صفر سنة ٢٥٣.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدّم ٤٧.
٣ - هشام بن عروة: تقدّم ٦١.
٤ - أبوه عروة: تقدّم ٤٤.
٥ - عائشة طا: تقدّم ٥.
١٣٨ - باب النهي في اغتسال الجنب في الماء الدائم
٢٢٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ والْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ وَأَنَا
أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنِ أَبْنٍ وَهْبٍ عَنْ عَمْرو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ
أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي
الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)).

كتاب الطهارة
M
٦١٩
ب ١٣٨ / ح ٢٢٠
[رواته: ٧]
١ - سليمان بن داود المهري: تقدّم ٧٩.
٢ - الحارث بن مسكين: تقدّم ٩.
٣ - عبد الله بن وهب: ٩.
٤ - عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري: تقدّم ٧٩.
٥ - بكير بن عبد الله: تقدّم ٢١١.
٦ - أبو السائب الأنصاري المدني مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى
عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة، روى عن أبي هريرة
وأبي سعيد والمغيرة بن شعبة، وعنه العلاء بن عبد الرحمن وصيفي مولى أفلح
وأسماء بن عبيد وبكير بن عبد الله بن الأشج وغيرهم. ذكره ابن حبان في
الثقات وأجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل، وقد روى عن سعد بن أبي وقاص
أيضاً. ووقع في نوادر الأصول أنه جهني وأن اسمه عبد الله، والله تعالى أعلم.
٧ - أبو هريرة رضي له: تقدّم ١.
التخريج
أخرجه مسلم وابن ماجه وابن الجارود، ولأبي داود من رواية ابن عجلان:
(لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة) ولأحمد وابن الجارود
مثله، وتقدم للمصنف حديث جابر في النهي عن البول في الماء الراكد، وفيه
حديث أبي هريرة الآتي. وللبخاري ومسلم: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم
الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)) عند البخاري وحده، وعند غيره (منه) وهي رواية
مسلم وغيره. وقد تقدّم حديث أبي هريرة في النهي عن البول والاغتسال كما أنه
سيأتي، وتقدّم النهي عن البول والوضوء كرواية الترمذي في ذلك.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (لا يغتسل) لا ناهية والفعل بعدها مجزوم بها، قوله: (أحدكم) أي
أحد المكلفين وفي رواية مسلم (يغتسلن) بنون التوكيد وقوله: (الدائم) صفة
للماء وتقدّم أنه الساكن في محله الذي لا يجري، لأنه إذا كان يجري يذهب
البول وغيره من القذى مع الماء الذي يصادفه، كما في قول الشاعر:

ب ١٣٩ / ح ٢٢١
٦٢٠
كتاب الطهارة
تحدر عن غر طوال الذوائب
فما طعم ماء أي ماء تقوله
فما إن به عيب تراه لعائب
نفت جرية الماء القذى عن متونه
من قولهم: دوم الطائر جناحيه، وهذه صفة البرك والمستنقعات التي تثبت
بعد المطر ونحو ذلك.
وقوله: (وهو جنب) تقدّم معنى الجنب في شرح الآية، والجملة حالية أي
لا يغتسل حال كونه جنباً في الماء الدائم، فهي مقيدة للنهي عن الاغتسال فيه
بهذا الوصف الذي هو الاتصاف بالجنابة، وللبخاري: ((لا يبولن أحدكم في
الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه))، والترمذي: ((ثم يتوضأ منه)). وتقدّم
أن كل من روى حديث أبي هريرة في النهي عن مجموع الأمرين قال: يغتسل
منه إلا البخاري فإن روايته ((فيه))، وقد ثبت النهي عن كل منهما بانفراده وذلك
يدل على عدم جواز مجموع الأمرين بالأولى، لكن رواية (يغتسل فيه) أخص
من رواية (يغتسل منه)، والنهي إنما ورد هنا عن استعماله بعد البَوْلِ فيه على
رواية (منه). والنهي عن اغتسال الجنب فيه ولو لم يكن بال فيه؛ هو مقتضى
الحديث الذي ذكره المصنف هنا، فهذا يناسبه التعبير بفيه لأن النهي خاص في
هذه الحالة التي لم يحصل فيها بول عن الاغتسال في نفس الماء، ولهذا قال
أبو هريرة: ((يغترف منه)) لما سئل عن ذلك كيف يفعل؟ أما بعد البول فيه - كما
يأتي في الحديث وتقدّم أيضاً - فإنه لا يغتسل منه، ولا يتوضأ منه وهل ذلك
على جهة التحريم أو على سبيل الكراهة؟ كل قال به جماعة ما لم يتغير الماء
أو يكون مستبحراً جداً، لأن الاتفاق حاصل على أنه إن تغير تنجس، وأنه إن
استبحر جداً لا يضره ما وقع فيه، وما عدا ذلك فيه خلاف والأكثرون على أن
الماء الجاري كما قدمنا لا يتأثر بالبول ولا يدخل في النهي، وذكر النووي دَّثُهُ
فيه خلافاً عند الشافعية. وتقدم الكلام على أحكام هذه المسألة، وسيأتي
حديث النهي عن البول ثم الاغتسال معاً، وتقدّم الكلام أيضاً على حكم الماء
الذي يقع فيه شيء من النجاسة في حديث القلتين (٥٢) حديث ابن عمر،
وحديث أبي هريرة في النهي عن البول في الماء الدائم (٥٧) والوضوء منه،
وفي حديثه (٥٨).