Indexed OCR Text

Pages 161-180

كتاب الطهارة
١٦١
ب ٢٤ / ح ٢٤
كتاب ابن سَعْدٍ توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة قليل الحديث،
وقال البخاري: روى عنه ابنه قتادة بن عبد الله، وذكره في التاريخ والله أعلم.
٥ - أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي المدني فارس
رسول الله رَّ وقيل: اسمه النعمان وقيل عويد وقيل عمرو وقيل مراوح،
والمشهور: الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن
غنم بن كعب بن سلمة، روى عن النبي ◌ّ﴿ وعن معاذ بن جبل وعمر بن
الخطاب، وعنه ولداه ثابت وعبد الله ومولاه أبو محمد نافع بن عباس بن
الأقرع وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعبد الله بن رباح الأنصاري وكبشة
بنت كعب وجماعة من التابعين، ومناقبه معروفة في محلها رَظ ◌ُه. توفي بالكوفة
سنة ٥٤ وهو ابن ٧٠ سنة قال الواقدي: ولم أر بين علمائنا اختلافاً في ذلك،
وروى أهل الكوفة أنه مات وعليٍّ بها وصلى عليه، وحكى خليفة أن ذلك سنة
٣٥، وهو شاذ، والأكثر على أنه مات سنة ٥٤. قال ابن حجر: ذكره البخاري
في الأوسط في فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين، ثم روى أن مروان
لما كان على المدينة من قبل معاوية، أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي وَل
وأصحابه.
التخريج
أخرجه البخاري في كتاب الوضوء بلفظ: (فلا يمس) ويلفظ (فلا يأخذ)
ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم في الطهارة، ورواه الإمام أحمد
في المسند، وسيأتي للمصنف، وأخرجه الدارمي.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (فلا يمس ذكره) الفاء واقعة في جواب ((إذا)) و((لا)) ناهية، و((يمس))
مجزوم بلا الناهية وحُرّك لالتقاء الساكنين، والذكر معروف، واليمين من اليمن
وأصله البركة والخير والقوة، قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ﴾ .
الأحكام والفوائد
الحديث ظاهر في الدلالة على عدم جواز المس للذكر باليمين،
وتخصيص هذه الحالة التي تدعو الحاجة إلى مسكه باليد أكثر يدل على أن

ب ٢٤ / ح ٢٥
١٦٢
كتاب الطهارة
غيرها من باب أولى وأحرى، فلا مفهوم لتخصيص حالة البول لأن ذكرها
بالخصوص لما قدمناه. وقد استشكل العلماء رحمهم الله تعالى هذا النهي
مع النهي عن الاستنجاء باليمين، فإن الإنسان إذا أراد أن يمسح ذكره لا بد
أن يقع في أحد الأمرين المنهي عنهما، وهما: التمسح باليمين أو مسك
الذكر باليمين، لأنه إن مسك الذكر باليسار استنجى باليمين، وإن استنجى
باليسار مسك الذكر باليمين، وأجابوا بأن التخلص منه بأن يجعل الآلة
حجراً أو غيره في يده اليمنى ويمسك العضو باليسار، ويسكّن اليمين
والحجر فيها ويمسح العضو على الحجر وهو ثابت، فتكون حركة المسح
باليسار، وقد قال ابن حجر في شرح ترجمة الباب عند البخاري: لا يمسك
ذكره بيمينه إذا بال.
إن البخاري أشار إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين في الباب
قبله، محمول على المقيد بحال البول فيكون ما عداه مباحاً، ثم ذكر عن بعض
العلماء نحو ما قدمنا أنه من باب أولى، ثم ذكر عن ابن أبي جمرة أنه استدل
على الجواز بقوله وَ لطلق بن علي لما سأله عن مس الذكر: ((إنما هو بضعة
منك))، فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حال البول بهذا الحديث
الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة. قال ابن حجر: والحديث الذي أشار
إليه صحيح أو حسن، وذكر تَخْذَلُهُ أنه قد يجاب عنه بأن حمل المطلق على
المقيد غير متفق عليه عند الأصوليين. قال: وقد استنبط منه بعض العلماء عدم
جواز الاستنجاء باليد وفيها خاتم منقوش فيه اسم الله تعالى، لكون النهي عن
ذلك لتشريف اليمين فيكون ذلك من باب أولى، وقال: وما وقع في العتبية عن
مالك من عدم كراهة ذلك أنكره حُذّاق أصحابه. قلت: ومقتضى النهي في
الحديث التحريم، ولكن حديث طلق يصلح أن يكون دليلاً صارفاً له عن
التحريم إلى الكراهة. والله أعلم.
٢٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ وَكِيعِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى - هُوَ ابْنُ
أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ عَبْدِ الله بْنٍ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِّهِ قَالَ: قَالُّ رَسُولُ اللهِ وَلفيه: ((إِذَا
دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ)).

كتاب الطهارة
١٦٣
ب ٢٤/ ح ٢٥
[رجاله: ٦]
0
١ - هناد بن السري بن مصعب بن بكر بن شبر بن صعفوق بن عمرو بن
زرارة بن عدس بن زائدة بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي أبو السري
الكوفي، روى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وهشيم وأبي بكر بن عياش
وعبد الله بن إدريس وجماعة، وعنه البخاري في خلق أفعال العباد، والباقون
- يعني من أهل الكتب الستة - وابن أخيه محمد بن السري وأحمد بن منصور
الرمادي وأبو حاتم وجماعة آخرون. قال أحمد بن حنبل: عليكم بهناد، وقال
أبو حاتم: صدوق، وكان وكيع يعظمه، ووثقه النسائي وذكره ابن حبان في
الثقات. ولد سنة ١٥٢. ومات سنة ٢٤٣، والله أعلم.
٢ - وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي أبو سفيان الكوفي الحافظ، روى
عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد وأيمن بن نابل وعبد الرحمن بن الغسيل
وابن عون والأوزاعي ومالك وابن جريج وابن أبي ذئب وابن أبي ليلى والثوري
وخلق كثير، وعنه أبناؤه سفيان ومليح وعبيد ومستمليه البلخي وشيخه الثوري
ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وخلائق آخرهم إبراهيم بن عبد الله العبسي
القصار. وقال أحمد: وكيع شيخ، وقال أيضاً: ما رأيت أوعى للعلم ولا
أحفظ منه، قال: كان حافظاً أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيراً، وقال:
ابن مهدي أكثر تصحيفاً منه، ووكيع أكثر خطأ منه، أخطأ وكيع في خمسمائة
حديث، وقال: ما رأيت أحداً أوعى للعلم ولا أشبه بأهل النسك منه، وقال
فيه: إمام المسلمين في وقته، وقال: الثبت عندنا بالعراق وكيع. وأثنى عليه
غيره، قال إبراهيم بن شماس: كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد
فضيل ورقّته، وعبادة وكيع وحفظه، وخشوع عيسى بن يونس، وصبر حسين بن
علي الجعفي. وسأل علي بن حشرم وكيعاً عن دواء الحفظ قال: ترك
المعاصي، ما جربت مثله. قال له فضيل: ما هذا السمن وأنت راهب أهل
العراق؟ قال: من فرحي بالإسلام. قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً عالياً رفيع
القدر كثير الحديث حجة، وقال: كوفي ثقة عابد صالح أديب من حفاظ
الحديث، والثناء عليه كَّثُ كثيرٌ جداً. ولد سنة ١٢٨، ١٢٧ وقيل ١٢٩ ومات
سنة ١٩٦، وحجّ سنة ست وتسعين ومائة ومات في الطريق. وقيل مات ١٩٧

ب ٢٤ / ح ٢٦
١٦٤
كتاب الطهارة
بعيد منصرفه من الحج، وقيل في يوم عاشوراء، قال ابن حبان في الثقات:
كان حافظاً متقناً - رحمنا الله وإياه برحمته الواسعة -.
٣ - هشام بن عبد الله الدستوائي أبو بكر البصري واسم أبيه سنبر
الربعي، كان يبيع الثياب التي تجلب من دستواء فنسب إليها، روى عن قتادة
ويونس الإسكاف وشعيب بن الحبحاب وأبي الزبير وخلائق، وعنه ابناه عبد الله
ومعاذ وشعبة - وهو من أقرانه - وابن المبارك وابن مهدي وجماعة كثيرون. قال
شعبة: ما من الناس أحد أقول إنه طلب الحديث يريد به وجه الله تعالى إلا
هشاماً، وكان يقول: ليتنا ننجو منه كفافاً. قال وكيع: كان ثبتاً، وكان يحيى بن
سعيد إذا سمع الحديث من هشام لا يبالي ألا يسمعه من غيره. قال أبو داود
الطيالسي: هشام الدستوائي أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد: ما أرى
يروون عن أحد أثبت منه. قال ابن معين: هشام عن يحيى فلا ترد به بدلاً،
قال العجلي: بصري ثقة ثبت حجة إلا أنه يرى القدر. قال عبد الصمد بن
عبد الوارث: كان بينه وبين قتادة في المولد سبع سنين، ومات سنة ١٥٢،
وقال معاذ: عاش ثمانياً وسبعين سنة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات
سنة ٥٣ أو ٥٤ ومائة، رحمه الله وإيانا .
٤ - يحيى بن أبي كثير الطائي: تقدم ٢٤.
٥ - عبد الله بن أبي قتادة: تقدم ٢٤.
٦ - أبو قتادة: تقدم ٢٤.
الأحكام والفوائد
الحديث تقدم شرحه، وليس بين روايته هذه والسابقة إلا قوله هنا: (إذا
دخل) وهناك (إذا بال) وهنا (لا يمس) وهناك (لا يأخذ) والمس أعم من
الأخذ، ولكن المراد هنا بالمس هو الأخذ. والله أعلم.
الرخصة في البول في الصحراء قائماً
٢٦ - أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ
سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ أَتَّى سُبَاطَة قَوْم قَبَالَ قَائِماً.

كتاب الطهارة
١٦٥
ب ٢٤/ ح ٢٦
■ [رجاله: ٦]
١ - مؤمل بن هشام اليشكري أبو هشام البصري، روى عن إسماعيل بن
علية وكان صهره، وأبي معاوية الضرير ويحيى بن عباد الضبعي، وعنه البخاري
وأبو داود والنسائي وأبو حاتم وابن أبي داود، والبجيري وابن خزيمة ومحمد بن
علي الحكيم الترمذي وأبو بكر بن محمد بن هارون الروياني وآخرون. قال
أبو حاتم: صدوق، ووثقه النسائي وأبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات.
مات في ربيع الأول سنة ٢٥٣، وقال مسلمة بن القاسم: ثقة.
٢ - إسماعيل بن علية: تقدم ١٩.
٣ - شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم أبو بسطام
الواسطي ثم البصري، روى عن إبراهيم بن عامر بن مسعود وإبراهيم بن
محمد بن المنتشر وإبراهيم بن سالم الهجري وإسماعيل بن أبي خالد
وإسماعيل بن رجاء وإسماعيل بن سميع وخلائق كثيرين، وعنه الأعمش وأيوب
وسعد بن إبراهيم ومحمد بن إسحاق ـ وهم من شيوخه ـ وجرير بن حازم
والحسن بن صالح والثوري - وهم من أقرانه - وخلائق يطول تعدادهم. قال
أحمد: إنه أثبت في الحكم من الأعمش، وأحسن حديثاً من الثوري، لم يكن
في زمنه مثله في الحديث، إلى أن قال: روى عن ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة
لم يرو عنهم سفيان. وقال أحمد: كان أمة وحده في هذا الشأن، وسماه
الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وقال: لولا شعبة ما عرف الحديث
بالعراق. وقال أبو داود: ليس في الدنيا أحسن حديثاً من شعبة ومالك على
قلّته، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان يخطئ في أسماء الرجال.
وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد
ويحيى، وقال ابن سعد: ثقة مأمون حجة ثبت صاحب حديث، مات سنة
١٦٠، وقيل: ولد سنة ٨٢. وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث
بالبصرة، رأى أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربعمائة
من التابعين، وثناء الأئمة عليه كثير جداً، رحمنا الله وإياه.
٤ - سليمان بن مهران: تقدم ١٨.
٥ - أبو وائل شقيق بن سلمة: تقدم ٢.

ب ٢٤/ ح ٢٧
١٦٦
WY
كتاب الطهارة
٦ - حذيفة بن اليمان: تقدم ٢.
الحديث قد تقدم شرحه وما يتعلق به في الرخصة في ترك الإبعاد.
ثم قال رحمنا الله وإياه :
٢٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ
مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ أَنَّ حُذَّيْفَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ أَتَى سُبَاطَةً قَوْمٍ
فَبَالَ قَائِماً.
[رجاله: ٦]
0
١ - محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي أبو بكر الحافظ
البصري المعروف بِبُندار، روى عن عبد الوهاب الثقفي وغُندُر ورَوْح بن عبادة
وحرمى بن عمارة والقطان وابن مهدي وابن أبي عدي وأبي داود الطيالسي
وخلائق من الأئمة، وعنه الجماعة وروى النسائي أيضاً عن أبي بكر المروزي
وزكريا السجزي عنه، وأبو زرعة وأبو حاتم وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد
وخلق كثير. قال ابن خزيمة: سمعت بُنداراً يقول: اختلفت إلى يحيى بن سعيد
القطان أكثر من عشرين سنة. قال الآجري عن أبي داود: كتبت عن بندار نحواً
من خمسين ألف حديث، ولولا سلامة في بندار تركت حديثه. قال عبد الله بن
محمد بن سيار: سمعت عمرو بن علي يحلف بالله إن بنداراً يكذب فيما يروي
عن يحيى، قال ابن سيار: بندار وأبو موسى ثقتان. قال العجلي: بصري ثقة
كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح لا بأس به.
قال بندار: ولدت في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، ومات حماد سنة
١٦٧ ومات بندار في رجب سنة ٢٥٢. قال حماد: كان يحفظ حديثه ويقرؤه من
حفظه. قال ابن خزيمة في التوحيد: حدثنا إمام أهل زمانه محمد بن بشار. وما
روي عن ابن معين من أنه كان يهوّن أمره ونحوه عن القواريري لا عبرة به،
كتكذيب عمرو بن علي له، ولا يقدح شيء من ذلك في جلالته وعلمه. قال
البخاري في صحيحه: ((كتب إلي بندار)) فذكر حديثاً مسنداً. قال ابن حجر في
الطبقة الرابعة من شيوخه: إلا أنه كان مكثراً فيوجد عنده ما لا يوجد عند
غيره. قال مسلمة بن قاسم: كان ثقة مشهوراً. قال الدارقطني: من الحفاظ

كتاب الطهارة
١٦٧
ب ٢٤/ ح ٢٨
الأثبات. وفي الزهرة: روى له البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث، ومسلم
أربعمائة وستين حديثاً.
٢ - محمد بن جعفر غندر: تقدم ٢٢.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - منصور بن المعتمر: تقدم ٢.
٥ - أبو وائل شقيق بن سلمة: تقدم ٢.
٦ - حذيفة ظُه: تقدم ٢.
تقدم الكلام على الحديث في باب ترك الإبعاد.
ثم قال رحمنا الله وإياه:
٢٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا بَهْزٌ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ
سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ: مَشَى إلى سُبَاطَةٍ قَوْم
ء
فَبَالَ قَائِماً، قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ: وَمَسَحَ عَلَى خُقَّيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْصُورٌ الْمَسْحَ.
[رجاله: ٧]
١ - سليمان بن عبيد الله بن عمرو بن جابر الغيلاني المازني أبو أيوب
البصري، روى عن أبي عامر العقدي وأبي داود الطيالسي وأبي قتيبة سلم بن قتيبة
وأمية بن خالد وغيرهم، وعنه مسلم والنسائي وابن ناجية وابن أبي عاصم وابن
أبي الدنيا وعبيد الله بن واصل. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مات
سنة ٢٤٦ أو ٢٤٧. قال ابن مسلمة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات.
٢ - بهز بن أسد العمّي أبو الأسود البصري، روى عن شعبة وحماد بن
سلمة ووهيب بن خالد وجرير بن حازم وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل وبُندار
ويعقوب الدورقي وأبو بكر بن خلاد وجماعة. قال أحمد: إليه المنتهى في
التثبت، قال ابن معين: ثقة، قال جرير بن عبد الحميد: اختلط عليَّ حديث
عاصم الأحول وأحاديث أشعث بن سوار حتى قدم علينا بهز فخلّصها، وقال
أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة. قال
يحيى بن سعيد: صدوق ثقة، وقال العجلي: بصري ثقة ثبت في الحديث،
رجل صاحب سنة وهو أثبت في حماد بن سلمة، وذكره ابن حبان في الثقات

ب ٢٥ / ح ٢٩
١٦٨
كتاب الطهارة
وقال: مات بعد المائتين، وأرّخه ابن قانع ١٩٧، وقال أبو الفتح الأزدي:
صدوق كان يتحامل على عثمان سيء المذهب. قلت: وهذا الكلام الله أعلم
بصحته، مع ما تقدم من تزكية الأئمة له.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - سليمان الأعمش: تقدم ١٨.
٥ - منصور بن المعتمر: تقدم ٢.
٦ - شقيق بن سلمة: تقدم ٢.
٧ - حذيفة : تقدم ٢.
وتقدم ما يتعلق بالحديث.
٢٥ - البول في البيت جالساً
٢٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ عَنْ
أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ بَالَ قَائِماً فَلَا تُصَدَّقُوَهُ، مَا
كَانَ يَبُولُ إِلَّ جَالِساً.
■ [رجاله: ٥]
١ - علي بن حجر: تقدم ١٣.
٢ - شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي القاضي، روى عن
زياد بن علاقة وأبي إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير والأعمش ومنصور
وزبید الیامي وخلائق غيرهم، وعنه ابن مهدي ویحیی بن آدم ويونس بن محمد
المؤدب والفضل بن موسى السيناني وعبد السلام بن حرب وهشيم وناس
غيرهم كثيرون من آخرهم عباد بن يعقوب، وحدث عنه محمد بن إسحاق
وسلمة بن تمام الشقري - وهما من شيوخه. وممن حدث عنه ابنه عبد الرحمن بن
شريك. قال ابن معين: شريك ثقة وهو أحب إلي من أبي الأحوص وجرير،
وهو يروي عن قوم لم یررِ عنهم الثوري، قال: ولم یکن عند يحيى - يعني
القطان - بشيء، وهو ثقة ثقة، وقال: شريك ثقة إلا أنه لا يتقن ويغلط، وقال:
ثقة صدوق، إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا. قال العجلي: كوفي ثقة وكان

كتاب الطهارة
١٦٩
ب ٢٥ / ح ٢٩
حسن الحديث. قال ابن المبارك: شريك أعلم بحديث الكوفيين من الثوري.
قال يعقوب بن شيبة: شريك صدوق ثقة سيء الحفظ جداً، وقال الجوزجاني:
شريك سيء الحفظ مضطرب الحديث، ولد على قول أحمد وغير واحد سنة
٩٠هـ ومات سنة ١٧٧، وقال ابن حبان: سنة ٧ ومات سنة ١٨٨. قال ابن
سعد: كان ثقة مأموناً كثير الحديث، ذكره ابن حبان في الثقات وكان يحيى بن
سعيد لا يحدث عنه، وكان ابن مهدي يحدث عنه، وقيل: كان يرى القدر.
والله أعلم. وفرّق العجلي بين من سمع منه قبل أن يلي القضاء، وبين من سمع
منه بعد ذلك بعدما وثقه.
٣ - المقدام بن شريح: تقدم ٨.
٤ - أبو شريح بن يزيد: تقدم ٨.
٥ - عائشة رضيها: تقدمت ٥.
التخريج
0
أخرجه الترمذي وقال: أحسن شيء في هذا الباب وأصحه، وأخرجه
ابن ماجه وأحمد. والحديث ليس في إسناده لَبس، إلا أن شريك بن عبد الله
تكلم فيه من قبل حفظه، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، والأكثرون على
أنه ثقة ما لم يخالف، فإذا خولف قدم عليه غيره.
اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (قائماً) حال من قولها ((بال)): وكذلك قولها: (جالساً) أي ما كان
يبول على حالة إلا في حال الجلوس، وهذا لا يرد حديث حذيفة فإنها حالة لم
تشاهدها، وإنما أخبرت عما كانت ترى من فعله، ومن حفظ حجة على من لم
يحفظ، فالحديث دليل على أن الغالب عليه البول جالساً، وحديث حذيفة دل
على الجواز، أي جواز البول قائماً إن لم يحمل على أن ذلك كان لعلة كما
تقدم.
■ الأحكام والفوائد
تقدم الكلام على هذه المسألة في حديث حذيفة في ترك الإبعاد حديث
رقم ١٨.

ب ٢٦ / ح ٣٠
١٧٠
كتاب الطهارة
٢٦ - البول إلى السترة يستتر بها
٣٠ - أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ
وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةٍ
الدَّرَقَةِ فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا
تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: ((أَوَ مَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا
إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٍ مِنَ الْبَوْلِ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذُّبَ فِي قَبْرِهِ).
[رجاله: ٥]
0
١ - هناد بن السري: تقدم ٢٥.
٢ - محمد بن خازم أبو معاوية الضرير التميمي السعدي مولاهم الكوفي،
يقال: عَمِي وهو ابن ثمان سنين أو أربع، روى عن عاصم الأحول وأبي مالك
الأشجعي، وسعد ويحيى ابني سعيد الأنصاري، والأعمش وأبي بردة بريد بن
عبد الله بن أبي بردة وعبيد الله العمري وخلق كثير، وعنه ابن جريج - وهو أكبر
منه - والقطان - من أقرانه - وأحمد بن حنبل وابن راهويه وابنا أبي شيبة وأبو
كريب في خلائق آخرين. قال الدوري وابن معين: إنه أثبت في الأعمش من
جرير وروى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير، وقال ابن معين: إنه أثبت
أصحاب الأعمش، وقال أحمد: في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظ
حفظاً جيداً. قال وكيع: كان يعدُّ علينا في حياة الأعمش ألفاً وسبعمائة
حديث، وقال ابن المديني: كتبنا عن أبي معاوية ألفاً وخمسمائة حديث، وكان
عند الأعمش بما لم يكن عند أبي معاوية أربعمائة ونيف وخمسين حديثاً. قال
العجلي: كوفي ثقة وكان يرى الإرجاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود عنه
نحو ذلك. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان حافظاً متقناً ولكنه كان
مرجئاً. مات سنة ١١٣ - هكذا في التهذيب - ولعله ١٩٣، وقيل ١٩٥. قال ابن
سعد: كان ثقة كثير الحديث يدلس، وكان مرجئاً.
٣ - الأعمش: تقدم ١٨.
٤ - زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي وَلـ

كتاب الطهارة
١٧١
ب ٢٦ / ح ٣٠
فقبض عليه الصلاة والسلام وهو في الطريق. روى عن عمر وعثمان وعلي
وأبي ذر وابن مسعود وحذيفة وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم، وعنه إسحاق
السبيعي وإسماعيل بن أبي خالد والحكم بن عتيبة والأعمش وجماعة. قال
الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد كأنك سمعته من الذي عنه. قال
ابن معين: وقال ابن خراش: كوفي ثقة دخل الشام وروايته عن أبي ذر
صحيحة. توفي في ولاية الحجاج بعد الجماجم قيل سنة ٩٦، قاله ابن منجويه
وابن حبان في الثقات. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي:
ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، وقال ابن عبد البر: أسلم
في حياة النبي ◌َّر وهاجر إليه فلم يدركه، وكذا قال ابن منده. قلت: وعلى أن
وفاته سنة ٩٦ فقد مات بعد الحجاج، لأن موت الحجاج في ٢٧ رمضان أو
شوال سنة ٩٥ بلا خلاف أعلمه.
٥ - عبد الرحمن بن حسنة أخو شرحبيل بن حسنة، قال في التهذيب:
روى عن النبي ◌ّ# قصة فيها عذاب القبر من البول، وعنه زيد بن وهب
وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ في معجم الطبراني، ولكن في الإسناد ابن لهيعة
ولا تقوم به حجة، فقد قال مسلم والأزدي والحاكم في المستدرك وابن
عبد البر: تفرد بالرواية عنه زيد بن وهب، وأنكر ابن أبي خيثمة والعسكري أن
يكون أخا شرحبيل بن حسنة. قال الترمذي لما أشار إلى حديثه: يقال إنه أخو
شرحبيل .
التخريج
أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن حسنة بلفظ (انطلقت أنا وعمرو بن
العاص إلى النبي ◌َّ﴿ فخرج ومعه درقة ثم استتر بها ثم بال فقلنا: انظروا ..
إلخ)، ورواه ابن ماجه كرواية المصنف، وفيه: (ويحك ... إلخ)، ورواه
الإمام أحمد في المسند عن ابن حسنة بلفظ: (كنت أنا وعمرو ... إلخ)
والبيهقي وسكت عليه ابن التركماني في الجوهر النقي، وأخرجه ابن حبان في
صحيحه كما قال الحافظ المنذري، وسكت عليه المنذري، فالحديث حسن كما
يبدو. وأخرجه ابن الجارود بسند صحيح، فإنه رواه عن محمد بن يحيى
الذهلي عن يعلى بن عبيد عن الأعمش عن زيد بن خالد عن ابن حسنة إلخ.

ب ٢٦ / ح ٣٠
١٧٢
كتاب الطهارة
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (وفي يده كهيئة .. ) إلخ - الواو للحال، والكاف في محل رفع نعت
لمحذوف وهو المبتدأ في الأصل، والتقدير: في يده شيء مثل الدرقة، والجار
والمجرور في محل رفع بذلك المحذوف الذي نزل نعته منزلته، والجملة في
محل نصب حال من قوله: خرج إلينا .
وقوله: (الدرقة) بفتح الراء والقاف: هي الترس يصنع من الجلود يتقون
به ضرب السلاح في الحرب، وهي أيضاً: المجن والجنة والجحفة، ومنه قول
عمر بن أبي ربيعة - في استعمالها فيما يستتر به -:
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وهو المجنأ أيضاً، كما في الرجز الذي يروى عن عاصم بن ثابت بن
أبي الأقلح ربه يوم الرجيع:
ومجنأ من جلد ثور أسود ومؤمن بما على محمد
وكما قال الشاعر في عمرو بن معد يكرب، والقائل هو الأعشى:
شهباء يخشى الذائدون صيالها
وإذا تجيء كتيبة ملمومة
بالسيف تضرب معلماً أبطالها
كنت المقدم غير لابس جنة
وقوله: (جلس خلفها) ظرف، أي: جلس واستتر بها، والفاء عاطفة
((وإلى)) بمعنى ((عند)) كما في قول الشاعر:
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليّ من الرحيق السلسل
أي: عندي، والمعنى: جلس وبال عندها. وقوله: (فقال) الفاء تحتمل
العطف وتحتمل السببية وهي أظهر. (قال بعض القوم) وفي رواية: (فقلنا)
فيحتمل أنه عبّر في الأولى عنهم ببعض القوم على سبيل الستر، وصرّح في الثانية
أنهم هم القائلون، لأن نسبة الفعل الصادر من البعض إلى الكل صحيحة.
وقولهم: (انظروا) على سبيل التعجب من حيائه و﴿ لا على سبيل
الانتقاد، لأن حالة الصحابة تأبى ذلك مع تعظيمهم للنبي وَطاهر، والعرب لم تكن
تحافظ على التستر لا سيما الرجال، فكانوا يرون شدة الحياء والمبالغة في
التستر من شأن النساء. ولكن الحياء من خلق الأنبياء، ولهذا قالت بنو

ب ٢٦ / ح ٣٠
١٧٣
كتاب الطهارة
إسرائيل: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر .. الحديث، فهو يدل على
أن الحياء والتستر من عادة الأنبياء دون غيرهم، إلا أن بني إسرائيل قالوا ذلك
على سبيل العيب وطلب الأذية، فلذلك برأه الله وأما الصحابة فإنما تعجبوا من
الحال التي رأوها منه ﴿ ولهذا - أي: لحسن قصدهم ــ لم يعتبهم وإنما بيّن
لهم أن هذه الحالة هي التي تنبغي للمسلم، وخلافها قد يؤدي إلى العقوبة.
وقوله: (كما تبول المرأة) الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف
التقدير: بولاً كبول المرأة، فما مصدرية والمصدر المنسبك منها في محل جر
أي: مثل بول المرأة، والتشبيه واقع على الهيئة التي بال عليها. قال العراقي:
(هل المراد التشبيه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما؟). اهـ.
وقيل: كرهوا ذلك زعماً منهم أن شهامة الرجل لا تقتضي الستر، على
عادتهم في الجاهلية.
وقوله: (فسمعه) أي سمع النبي وَّر ذلك القائل فقال: (أَمَا) الهمزة
للاستفهام وما نافية وقوله: (ما أصاب): ما موصولة في محل نصب بعلمت،
وجملة (أصاب) صلة الموصول، والعائد الضمير الذي هو الفاعل المستتر.
فكأنّ سائلاً عما أصاب صاحب بني إسرائيل فقال: (كانوا) أي كانت بنو
إسرائيل قد فرض الله عليهم في دينهم، أنهم إذا أصاب أحدهم شيء من البول
قرضوه، أي: قطعوا المكان الذي وقع فيه، ولا يطهر إلا بذلك، وهذا من
الآصار التي كانت عليهم فخففها الله علينا كما قال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَاَلْأَغَْلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَهِنَّ﴾، والقرض هو القطع، والمقراض مفعال آلته التي
يحصل بها، وجمعه مقاريض كمفتاح ومفاتيح، وهو المقص. وقوله: (فنهاهم)
أي عن فعل ما أوجبه الله عليهم من ذلك وبهذا استحق العقوبة لأنه لو لم يكن
واجباً لما عذب بسبب تركه والنهي عنه. وقوله: (في قبره) أي بعد موته.
الأحكام والفوائد
الحديث يدل على وجوب الاستتار عند البول، وجواز البول لأي ساتر
على أي حال ما دام ستر العورة حاصلاً، وجواز البول بحضرة الناس على هذا
الشرط ووجوب الاستتار منه، وأن الاستخفاف به كبيرة من الكبائر وأنه موجب
لعذاب القبر، ويدل على فضل الله على هذه الأمة حيث نسخ عنها هذا النوع

ب ٢٧/ ح ٣١
١٧٤
٤
كتاب الطهارة
من الشدائد، وعلى شدة حيائه وَل# وأن الحياء خصلة حميدة، وعلى حسن
خلقه 9 حيث لم يعنف القائلين، وحرصه على الإرشاد وبيان الفائدة وَ لـ
وفيه دليل على أن من نهى عن شيء من طاعة الله خلال استحق العقوبة، لأن الله
أوجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعله من أخلاق المؤمنين
كما قال: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾، وهذا على خلافه لأنه نهي عن معروف، والنهي عن المعروف والأمر
بالمنكر من سمات المنافقين قال تعالى: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِْ
يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ﴾ الآية.
- ٢٧ -
٣١ - أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ وَكِيع عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً
يُحَدِّثُ عَنْ طَاؤُسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرُّ رَسُولُ اللهِوَِّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ:
((إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزُهُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا
فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالثَّمِيمَةِ. ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنٍ فَفَرَسَ عَلَى هَذَا
وَاحِداً وَعَلَى هذَا وَاحِداً ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ بَيْبِسَا)). خَالَفَهُ
مَنْصُورٌ: رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ طَاؤُساً.
■ [رجاله: ٦، والسابع منصور لم يكن في هذا الإسناد تقدم]
١ - هناد بن السري: تقدم ٢٥.
٢ - وكيع بن الجراح الأسدي: تقدم ٢٥.
٣ - سليمان بن مهران: تقدم ١٨.
٤ - مجاهد بن جبر المخزومي أبو الحجاج المكي المعروف بالمقرئ مولى
السائب بن أبي السائب. روى عن علي وسعد بن أبي وقاص والعبادلة الأربعة
وعائشة وأم سلمة وجويرية وأم هانئ وخلق من الصحابة وجماعة من التابعين،
وعنه أيوب السختياني وعطاء وعكرمة وابن عون وعمرو بن دينار وغيرهم. قال
ابن معين: حديثه عن عائشة مرسل لم يسمع منها قال يحيى القطان: مرسلات
مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود. وثقه ابن

كتاب الطهارة
١٧٥
ب ٢٧ / ح ٣١
معين وأبو زرعة وقال سلمة بن كهيل: (ما رأيت أحداً أراد بهذا العلم وجه الله
تعالى إلا عطاءً وطاوساً ومجاهداً). وذكر الحافظ أن سماعه من عائشة وقع
التصريح به عند البخاري في صحيحه، وقد قيل إن روايته عن علي وسعد ومعاوية
وكعب بن عجرة وأبي هريرة وسعيد ورافع وابن عمرو كلها مرسلة. قال ابن
سعد: ثقة فقيه كثير الحديث، وقال ابن حبان: كان فقيهاً ورعاً عابداً متقناً، قال:
كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. وقال الذهبي: أجمعت الأمة على إمامة
مجاهد والاحتجاج به، قال: وقرأ عليه عبد الله بن كثير قال ابن حبان: مات سنة
ثنتين أو ثلاث ومائة بمكة وهو ساجد، وكان مولده سنة ٢١ في خلافة عمر، وقد
قيل: مات سنة ١٠٠، وقيل: ١٠١ وقيل: ١٠٤.
٥ - طاوس بن كيسان أبو عبد الرحمن الحميري الجندي مولى بجير بن
ريسان، من أبناء الفرس، كان ينزل الجند، وقيل: هو مولى همدان، وقال ابن
حبان: كانت أمه فارسية وأبوه من النمر بن قاسط، وقيل: اسمه ذكوان وطاوس
لقب له. روى عن العبادلة الأربعة وأبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت وزيد بن
أرقم وسراقة بن مالك وصفوان بن أمية وعبد الله بن شداد بن الهاد وغيرهم،
وأرسل عن معاذ بن جبل. وعنه ابنه عبد الله ووهب بن منبه وسليمان التيمي
وسليمان الأحول وأبو الزبير والزهري وغيرهم. قال عبد الملك بن ميسرة عنه:
أدركت خمسين من الصحابة. وعن ابن عباس: إني لأظن طاوساً من أهل الجنة
وثقه ابن معين وأبو زرعة، قال ابن حبان: كان من عبّاد أهل اليمن ومن سادات
التابعين، وكان قد حج ٤٠ حجة وكان مستجاب الدعوة، مات سنة ١٠١ وقيل
١٠٦. قال الزهري: لو رأيت طاوساً علمت أنه لا يكذب. قال ابن عيينة: متجنبو
السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه وطاوس في زمانه والثوري في زمانه. وأثنى عليه
غير واحد. قلت: وقد قالوا في سماعه عن عائشة: مختلف في سماعه منها،
وكذا عن عمر وعن عثمان وعلي والله أعلم.
٦ - عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله وَلقر، كان يقال له
البحر والحبر لكثرة علمه. روى عن النبي ◌ّر وعن أبيه وعن أمه أم الفضل
وخالته ميمونة والخلفاء الأربعة وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب وخالد بن
الوليد وهو ابن خالته، ومعاوية بن أبي سفيان وأبيه وعائشة وأسماء أختها وجويرية

ب ٢٧ / ح ٣١
١٧٦
كتاب الطهارة
وسودة وأم سلمة وأم هانئ وجماعة من الصحابة، وعنه ابناه علي ومحمد وابن
ابنه محمد بن علي وأخوه كثير بن العباس وابن أخيه عبد الله بن معبد وابن عمر
وجماعة من الصحابة وخلائق من غيرهم يطول ذكرهم. دعا له النبي ◌َّر بالحكمة
مرتين، وقال ابن مسعود: نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس، وروى سعيد بن جبير
عنه: قُبُض النبي وَ ﴿ وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وفي رواية: وأنا ختين، وعنه:
ابن عشر سنين، وعنه أيضاً: ابن خمس عشرة سنة، وصوّبه أحمد. مات سنة ٦٨
وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات ربّاني هذه الأمة، وقيل: ٦٩
وقيل: ٧٠، وكان موته بالطائف - رضي الله تعالى عنا وعنه -.
التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد والترمذي وابن ماجه
وابن الجارود والدارمي وقوله: (خالفه منصور رواه عن مجاهد) يعني أن رواية
الأعمش فيها طاوس بين ابن عباس ومجاهد، ورواية منصور عن مجاهد ليس
بينه وبين ابن عباس أحد، وهذا يحمل على أن مجاهداً حدث به على ما سمعه
من ابن عباس بواسطة مجاهد وبدون واسطة، فحدّث به مرة هكذا على ما رواه
بواسطة ومرة بدونها، وهذا لا يضر وله نظائر كثيرة.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (مر النبي ◌َّار) من المرور بالشيء، والباء فيه للتعدية، و(القبران)
تثنية قبر وهو مدفن الإنسان، والجمع قبور والموضع: مقبرة بفتح الباء وضمها،
والمقبر أيضاً، ومنه قول عبد الله بن ثعلبة الحنفي :
سوى رمس أحجار عليه ركود
أزور وأعتاد القبور ولا أرى .
فهم ينقصون والقبور تزيد
لكل أناس مقبر بفنائهم
ويجمع أيضاً على أقبر، قال جرير بن الخطفي:
جعلتَ بقبر للخيار ومالك وقبر عدى في المقابر أقبُرا
وقوله: (إنهما ليعذبان) الضمير يرجع إلى المقبورين لا إلى القبرين لأن
العذاب لا يقع عليهما، وعَوْدُ الضمير إن فُرض أنه على غير مذكور؛ فذلك لتنزيل
دلالة الحال بالحضور منزلة الذكر، وإما على إطلاق المحلين وإرادة الحالين

كتاب الطهارة
١٧٧
ب ٢٧ / ح ٣١
فيهما، وهو نوع من المجاز المرسل معروف علاقته المحلية. واللام للتوكيد
والعذاب مشتق من الحبس والمنع، ومنه استعذاب الماء: حبسه حتى يطيب
للشارب أو لمنعه العطش، ثم استعمل في كل ما يؤلم الإنسان، قال تعالى:
﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ﴾ يعني الزانيين، والعقوبة تمنع معاودة الذنب،
والمراد هنا عذاب القبر في البرزخ أعاذنا الله منه. وقوله: (ما يعذبان في كبير)
وفي رواية ((بلى إنه لكبير)) ولا معارضة؛ فإنه ليس بكبير على النفس فعل ما
أوجب تركه هذا العذاب ولا ترك ما أوجبه فعله، فهو كبير بالنسبة لما ترتب عليه
من العذاب، غير كبير بالنسبة لأن التحفظ من البول وترك النميمة أمران لا يشق
فيهما الفعل والترك، فهو كبير من حيث الإثم وليس مما يشق فيه الفعل أو الترك.
ونقل السيوطي عن البوني احتمال كونه ظن أنه غير كبير، فأوحي إليه أنه كبير،
وهو عندي بعيد، وظاهر الاستدراك يدل على بُعده كسائر الأقوال الأخر التي
نقلها على سبيل الاحتمال، والله أعلم. والبوني اسمه عبد الملك.
وقوله: (أما) حرف شرط وتوكيد وتفصيل، والفاء لازمة في جوابها،
وذكر سيبويه أنها بمثابة: مهما يكن من شيء، ولذا قال ابن مالك معتمداً على
قول سيبويه المذكور، ومبيناً أن حذف الفاء قليل إذا لم يضمر القول معها :
أما كمهما يك من شيء وفا لتلو تلوها وجوباً ألفا
فالفاء لازمة عند عدم إضمار القول، وحذفها مسموع وهو قليل، كقول
الشاعر :
أما القتال لا قتال لديكم ولكن سيرا في عراض المواكب
أي: تسيرون سيراً.
وإليه أشار ابن مالك كَّلُهُ بقوله:
وحذف ذي الفا قل في نثر إذا
لم يك قول معها قد نبذا
أما مع إضمار القول معها فهو مقيس، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم،
فحذف القول وتبعه الفاء الداخلة عليه، وقد يجوز في التبع ما لا يجوز في
الاستقلال ومن أمثلته في الشرع: أن الشخص لو صلى عن غيره استقلالاً لا
تجوز صلاته، وإذا حج عنه فهو يصلي ركعتين للطواف عنه تبعاً للطواف

ب ٢٧ / ح ٣١
١٧٨
كتاب الطهارة
بالإجماع. وقال بعضهم: إن الجواب في الآية قوله: (فذوقوا) لأنه بعد
الحذف انتقلت الفاء إلى القول.
ومن أمثلته في اللغة: حديث بريرة في قوله - عليه الصلاة والسلام -: أما
بعد، ما بال أقوام .... إلخ.
وقول عائشة في حديث المناسك: أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة
طافوا طوافاً واحداً ... إلخ أي فطافوا. وأكثر معانيها التفصيل، وهي مضمنة
معنى الشرط وإفادتها التوكيد مع ذلك في الغالب.
وقوله: (أحدهما): أي أحد المقبورين وقوله: (فكان) الفاء واقعة في
جواب أما، و(كان) أي: من عادة ذلك المذكور، وهو قوله: (لا يستنزه) وفي
رواية: ((لا يستتر)) من بوله. والاستتار: استفعال من الستر، قيل المراد به:
كشف العورة وعدم سترها، وهذا الوجه ضعيف لكونه يجعل علة العذاب كشف
العورة، والأحاديث تدل على أن علة العذاب: التهاون بالبول وعدم التحفظ
مما يصيب الثوب أو البدن منه، والتهاون بالطهارة يسبب فساد الصلاة، ولهذا
جاء في حديث الدارقطني: ((تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه))،
ولابن خزيمة من حديث أبي هريرة وصححه: ((أكثر عذاب القبر من البول)).
وإذا كان سبب العذاب كشف العورة؛ لم يبق لذكر البول فائدة في تخصيصه
بسبب العذاب، ولا شك أن السياق يدل على أن البول له خصوصية في
السبب، ويدل على ذلك قصة الإسرائيلي التي تقدم ذكرها، ورواية المصنف
(يستنزه) أي: يتحفظ، وهي تدل على أن الوعيد على عدم التحفظ من البول
وقوله: (يمشي بالنميمة) فعيلة من: نمّ الحديث ينُمه بالضم وينِمه بالكسر،
وقيل: الضم في المتعدي والكسر في اللازم، وهي: نقل الحديث من شخص
إلى آخر بقصد الإفساد والفتنة، ويقال لفاعلها: نمام وقتات، وكلُّ ورد في
الحديث، والغالب أن فاعل ذلك يخفيه، ويقال لوسوسة الصوت والكلام:
نميمة؛ إذا كان خفياً. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه:
كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم
عليك الهوى قد نمَّ لو نفع النُّ
ونمَّ علیك الكاشحون وقبلهم
فرتب على هذا الفعل الذميم عذاب القبر، لما فيه من توليد الفتنة والشر

كتاب الطهارة
١٧٩
ب ٢٧ / ح ٣١
بين الناس، ولهذا وجب تكذيبه إذا لم يكن لمصلحة شرعية كما يأتي إن
شاء الله، قال تعالى: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ﴾ الآية.
وقوله: (ثم دعا) تقدم الكلام على ثم في حديث رقم ٤، ودعا: أي
طلب، والباء في قوله: (بعسيب) إما لتضمين دعا معنى أمر، أو لأن طلبه من
أحد من أصحابه أمر له، أي: أمر بإحضار عسيب، والعسيب: جريدة النخل
التي نزع خوصها، قال الشاعر:
وقل لها مني على بعد دارها قنا النخل أو يهدي إليك عسيب
وقال امرؤ القيس :
لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يماني
وعسيب: اسم جبل بعينه، كما في قوله أيضاً :
ما أقام عسيب
وإني مقيم
أجارتنا إن الخطوب تنوب
ويقال لعظم الذنب وظهر القدم وشق في الجبل. وقوله: (رطب) أي:
أخضر، صفة لعسيب وهو ضد اليابس، وقوله: (فشقه) الفاء هي التي يسميها
بعض النحويين الفصيحة لأنها تدل على محذوف، أي فأُتي به فشقه، والباء
زائدة أي: قسمه على نصفين وقوله: (فغرز) أي نصب وثبّت في الأرض على
كل من القبرين أحد النصفين المذكورين. وقوله (لعله) تقدم الكلام على
((لعل))، والهاء للعذاب أي: العذاب المدلول عليه بقوله (يعذبان .. ). وقوله:
(يخفف عنهما) أي عن المقبورين، وقوله: (ما لم ييبسا): ما مصدرية ظرفية أي
مدة كون النصفين لم ييبسا، ويحتمل أن الضمير في (لعل)) ضمير الشأن. وقد
اختلف العلماء في وجه ذلك، فقيل: إنما فعل ذلك لأن الرطب من النبات
يسبّح، فتسبيحه يكون سبباً لتخفيف العذاب عن صاحبي القبرين، وقائل هذه
المقالة يستدل بها على أن الميت ينتفع بالذكر عنده وقراءة القرآن له، وهذا
الوجه ضعيف. أما أولاً: فلأن التسبيح من الجماد لا يخص الأخضر، بل
اليابس وغيره يسبّح على وجه الله أعلم به، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن
شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِّدِهِ﴾ فشمل اليابس والأخضر وثانياً: أنه لو كان الأمر كذلك؛
لكان هذا الفعل على كل مقبور سنة ليحصل له هذا الفضل الحاصل من تسبيح
الأخضر، وعدم نقل ذلك عنه ولا عن أحد من أصحابه وهم أحرص الناس

ب ٢٧ / ح ٣١
١٨٠
كتاب الطهارة
على الخير إلا في هذه المرة، أو ما ورد في حديث جابر الطويل في آخر
مسلم، وكلاهما محمول على الخصوصية. وأما قراءة القرآن على الميت
فسيأتي الكلام عليها إن شاء - الله تعالى -. والصحيح في التعليل لهذا الفعل:
أنه ◌ّ ر شفع لهذين المقبورين فخفف الله عنهما، وجعل مدة التخفيف عليهما
تنتهي بيبس الجريدتين، والله أعلم. ولا يمنع ذلك كون (لعل) في الأصل
للترجي والتوقع، لأنها إذا كانت من الله تعالى في مقام الإطماع كانت واجبة
الوقوع، وهكذا هنا الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا بوعد من الله له.
ما روي عن بريدة ربه من أنه وصى أن يجعل على قبره جريدة؛ فهو
فعل صحابي فيما فيه مجال للرأي، ولم يصح ذلك عن أحد منهم غيره. وقد
تقرر في الأصول أن قول الصحابي فيما فيه مجال للرأي؛ لا يعطى حكم
الرفع، وهذا من قبيل ذلك والله أعلم.
الأحكام والفوائد
الحديث دليل ظاهر على إثبات عذاب القبر، كما دلت أحاديث أخر على
.. .
إثبات نعيمه، فهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. وفيه
معجزة ظاهرة للنبي وَلهر حيث أطلعه الله على حال المقبورين وسبب عذابهما،
والظاهر أنهما مسلمان، ويدل على ذلك تعليل العذاب بالأمرين المذكورين،
لأنهما لو كانا كافرين لكان عذابهما لكفرهما، وذلك يدل على أن القصة كانت
بالمدينة، وكون ابن عباس حضر ذلك يدل على تأخر القصة، وعند ابن ماجه:
(بقبرين جديدين)) وهو يدفع رواية الشك كما في البخاري: ((من حيطان المدينة
أو مكة)). وفيه أن التهاون بالمعاصي لا ينبغي للمسلم، وفيه قبح هاتين
الخصلتين وأنهما يسببان عذاب القبر، وفيه حرص النبي ◌َّ على الخير،
وشفاعته لهما تدل على أنهما مسلمان. قلت: وقد يقال إن شفاعته لهما لا
تستلزم ذلك، ويكون من باب الخصوصية لتظهر هذه المعجزة، ولينبّه أصحابه
على عظم إثم هذين الفعلين، وقد فعل به مثل هذا الفعل كما ثبت في حديث
جابر الطويل في آخر صحيح مسلم. لكن يشكل عليه النهي عن الشفاعة
للمشركين، وقد يجاب باحتمال أنهما كان ممن مات على شريعة موسى أو
عيسى قبل التبديل أو غيرهما من الشرائع، لأن الحكم عليهما بالإسلام يبعده