Indexed OCR Text

Pages 121-140

قيل له : (( أخبركم أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الحسن
السلمي - قراءة عليه وأنت تسمع - في شهر ربيع الأول ، سنة تسع
عشرة وأربعمائة .
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ .
أنبأنا أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقّاق ، بقراءتي عليه في
المحرم سنة أربع وعشرين وأربعمائة .
قال : قال أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي .... ))
وفيما يلي تعريف موجز بكل من رجال هذا الإسناد :
أولاً : أبو طاهر الخشوعي (١):
أ- اسمه ، ونسبه ، وكنيته ، وولادته :
هو الشيخ أبو طاهر ، بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات بن
إبراهيم الدمشقي الخشوعي الأنماطي الرّفّاء الذّهَبِي ، نسبة إلى محلة حجر
الذهب .
ولد في صفر سنة عشر وخمس مائة .
ب- أبرز شيوخه :
سمع من جماعة منهم :
١- هبة الله بن الأكفاني ، وقد أكثر عنه .
(١) انظر ترجمته في: ( النبلاء ٢١/ ٣٥٥، العبر ٣٠٢/٤، البداية والنهاية ١٣ / ٣٢،
النجوم الزاهرة ٥ / ١٨٥، الشذرات ٣٣٥/٤ ) .
١٢١

٢- عبد الكريم بن حمزة ، أبو محمد السلمي .
٣- طاهر بن سهل .
٤- علي بن أحمد بن منصور بن محمد ، أبو الحسن الغساني ، ابن
قُبيس المالكي ، الفقية الدمشقي .
٥- هبة الله بن الخضر بن هبة الله بن أحمد ، أبو محمد ابن طاوس
البغدادي الدمشقي.
٦- جمال الإسلام ، علي بن المسلم بن محمد بن علي ، أبو الحسن
السلمي الدمشقي .
وأجاز له الحريري صاحب المقامات سنة اثنتي عشرة وخمس مائة .
جـ - أبرز تلاميذه :
قال الذهبي : ((وروى الكثير وتفرد ، وتكاثروا عليه)).
وممن حدث عنه :
١- أولاده إبراهيم وعبد العزيز وعبد الله .
٢- عبد القادر الرُهاوي .
٣- أحمد بن يوسف التلّمساني.
٤- فراس ابن العسقلاني .
٥- حفيده بركات بن إبراهيم بن بركات الخشوعي .
٦- علي بن مظفر النّشْمِي.
٧- الخطيب عماد الدين ، عبد الكريم الحَرَستاني .
١٢٢

٠
٨- الشيخ الفقيه اليونيني .
٤- منزلته :
قال الذهبي : الشيخ المحدث ، مسند الشام . وقال أيضاً: وقد
روى كتباً كباراً بالسماع وبالإجازة . (١)
٥ - وفاته :
مات سنة ثمان وتسعين وخمس مائة .
ثانياً : - أبو محمد السلمي : (٢)
أ - اسمه وكنيته ،ونسبه :
هو عبد الكريم بن حمزة بن الخضر بن العباس ، أبو محمد السلمي
الدمشقي .
ب- شيوخه :
لقد سمع من جماعة من أهل العلم ، منهم :
١- أبو القاسم الحنائي .
٢- أبو بكر الخطيب البغدادي .
٣- محمد بن مكي الأزدي .
٤- عبدالدائم بن الحسن الهلالي .
٥- عبد العزيز بن أحمد الكتاني .
(١) سير الأعلام البنلاء ٣٥٥/٢١ .
(٢) ( سير أعلام النبلاء ٦٠٠/١٩) .
١٢٣

٦- عبيد الله بن عبد الله الداراني .
جـ- تلاميذه :
حدّث عنه جماعة من أهل العلم منهم :
١- أبو القاسم الحَرَسْتاني .
٢- أبو طاهر الخُشوعي .
٣ - عبد الرحمن الخرفي .
٤- أبو طاهر السِّلَفي ، أحمد بن محمد الأصبهاني الجَرْواني .
٥- أبو القاسم علي بن الحسن ، ابن عساكر الدمشقي .
٦ - إسماعيل الجَنْزَوي .
د- منزلته :
قال الحافظ ابن عساكر : ((كان شيخاً ثقة، مستوراً سهلاً،
قرأت عليه الكثير )). وقال الحافظ الذهبي : ((الشيخ، الثقة، المسند)).
٥- وفاته :
نقل الإمام الذهبي عن الحافظ بن عساكر أنه توفي في ذي القعدة
سنة ست وعشرين وخمس مائة .
ثالثاً: الخطيب البغدادي :- (١)
أ- اسمه ، وكنيته ، ونشأته :
(١) نظر ترجمته في: (الأنساب ٥/ ١٥١، المنتظم ٨ / ٢٦٥، اللباب ٤٥٣/١، تذكرة
الحفاظ ٣/ ١١٣٥، النبلاء ١٨/ ٢٧٠، النجوم الزاهرة ٨٧/٥، طبقات الحفاظ ص
٤٣٤، الشذرات ٣١١/٣/٣، موارد الخطيب لأكرم العمري ص ١١ - ٨٤).
١٢٤

هو أحمد بن علي ثابت بن أحمد بن مهدي أبو بكر الخطيب
البغدادي .
ب- ولادته ، ونشأته :
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة .
وكان أبوه خطيباً بقرية درزيجان ، ومن المعتنين بتلاوة القرآن،
فحضَّ ولده أحمد على السماع والفقه ؛ فسمع وهو ابن إحدى عشرة
سنة ، ورحل إلى البصرة ، وهو ابن عشرين سنة ، وإلى نيسابور وهو
ابن ثلاث وعشرين ، ثم إلى الشام ومكة وغير ذلك .
جـ - أبرز شيوخه :
حدث - رحمه الله - وروى الكثير عن الكبار والصغار ، ومنهم:
١- أبو عمر بن مهدي الفارسي .
٢- أحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي .
٣- حسين بن الحسن الجواليقي .
٤- عبد العزيز بن محمد الستوري .
٥- سعد بن محمد الشيباني.
٦- عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي .
د- تلاميذه :
حدث عنه الكثير من الأئمة -منهم بعض شيوخه -، ومن أبرزهم:
١- أبو بكر البرقاني ، وهو من شيوخه.
١٢٥

٢- أبو نصر بن ما كولا .
٣- هبة الله بن الأكفاني .
٤- المبارك بن الطيُوري .
٥- طاهر بن سهل الإسفراييني .
٦- أبو الحسن علي بن أحمد بن قُبَيْس المالكي .
هـ - ثناء العلماء عليه :
المطالع لترجمته - رحمه الله - يجد ثناءاً وتزكية من كثير من الأئمة
في آثار يطول ذكرها فقد قال أحمد بن صالح الجيلي : «تفقه الخطيب،
وقرأ بالفرات ، وارتحل وقَرُب من رئيس الرؤساء فلما قبض عليه
البساسيري استتر الخطيب ، وخرج إلى صور ، وبها عزّ الدولة أحد
الأجواد فأعطاه مالاً كثيراً ، عمل نّفاً وخمسين مصنّفاً ، وانتهى إليه
الحفظ ، شيَّعه خلق عظيم ، وتصدق بمئتي دينار ، وأوقف كتبه ،
واحترق كثير منها بعده بخمسين سنة)). (١)
وقال ابن ما كولا : ((كان أبو بكر آخر الأعيان ممن شاهدناه
معرفة وحفظاً وإتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله ﴾ وتفنناً في علله
وأسانيده وعلماً بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه ، ولم يكن
للبغداديين بعد أبي الحسن الدارقطني - مثله)). (٢)
(١) ( النبلاء ١٨ / ٢٧٤).
(٢) (النبلاء ١٨ / ٢٧٥ ).
١٢٦

وقال أبو علي البرداني: ((لعل الخطيب لم ير مثل نفسه)). (١)
وقال الإمام الذهبي: ((الإمام الأوحد العلامة المفتي الحافظ محدث
الوقت)) (٢).
هـ : وفاته :
روي عن مكي الرُّمَلي أنه قال: (( مرض الخطيب في نصف
رمضان إلى أن اشتد الحال به غرة ذي الحجة ، وأوصى إلى ابن خيرون،
ووقف كتبه على يده وفرق جميع أمواله في وجوه البر وعلى المحدثين،
وتوفي في رابع ساعة من يوم الاثنين سابع ذي الحجة من سنة ثلاث
وستين - أي بعد أربعمائة - ثم أخرج بُكرة يوم الثلاثاء ، وعبروا به
إلى الجانب الغربي ، وحضره القضاة والأشراف والخلق .
وتقدم في الإمامة أبو الحسين بن المهتدي بالله ، فكبر عليه أربعاً،
ودفن بجنب قبر بِشر الحافي)). (٣)
رابعاً : أبو طاهر الدقّاق : (٤)
أ- اسمه ونسبه :
هو حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق ، أبو طاهر البغدادي .
(١) ( تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٣٨).
(٢) ( النبلاء ١٨ / ٢٧٠ ).
(٣) ( سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٨٦ ) .
(٤) انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد ١٨٤/٨، ١٨٥، العبر٣/ ١٥٥، الشذرات ٢٢٧/٣).
١٢٧

ب- ولادته :
ولد سنة ست وستين وثلاثمائة .
جـ - شيوخه :
سمع من جماعة من العلماء ، منهم :
١- أبو الحسين بن المظفر .
٢- أبو الحسن الدار قطني .
٣- أبو حفص بن شاهين .
٤- أبو بكر الخطيب البغدادي .
د - ثناء العلماء عليه :
قال البرقاني : (( ما اجتمعت قط مع حمزة بن محمد ففارقته إلا بفائدة
علم)) (١). وقال الخطيب ((كتبنا عنه، وكان صدوقاً فَهماً
عارفاً) . (٢)
هـ - وفاته :
قال الخطيب : ((مات سنة أربع وعشرين وأربعمائة)).
(١) ( تاريخ بغداد ١٨٤/٨).
(٢) ( تاريخ بغداد ١٨٤/٨, ١٨٥).
١٢٨

المبحث الثالث :
وجه إخراج مسلم عن بعض الضعفاء دون نزول
حديثهم عنده عن درجة الصحيح ، ومدى عناية أبي
مسعود بذلك في كتاب الأجوبة .
١٢٩

:
#
.
. +
1
4

٦
المبحث الثالث: وجه إخراج مسلم عن بعض الضعفاء دون
نزول حديثهم عنده عن درجة الصحيح ، ومدى عناية أبي
مسعود بذلك في كتاب الأجوبة :
مما تناوله الحافظ أبو مسعود الدمشقي في هذا الكتاب الإجابة عما
أُشكله الحافظ الدارقطني على مسلم في روايته عن بعض من نسبوا إلى
الضعف ، ولكنه اختصر فاقتصر على ثلاثة منهم وفيما يلي إشارة مجملة
في الاعتذار عن مسلم - رحمه الله - في ذلك .
لقد تلقّت الأمة صحيح مسلم بالقبول ، وأجمع أهلُ العلم على
صحة أحاديثه ، واتفقوا على إفادتها العلم ، وقد صرح كثير من الأئمة
بذلك :
١ - قال الأستاذ أبو إسحق إبراهيم بن محمد الإسفراييني
(ت٤١٨ هـ ): (( أهل الصنعة مجمعون على أنّ الأخبار التي اشتمل
عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع ، وإن حصل الخلاف
في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها)) (١) يعني أنه لا يؤثّر ذلك
على صحة متونها.
٢- وقال الامام الحافظ عثمان بن عبد الرحمن ، ابن الصلاح
(ت ٦٤٣) : (( جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب ؛ فهو
(١) (النكت علي بن الصلاح ٣٧٧/١، فتح المغيث ٤٧/١، توجيه النظر ١٢٥ ).
١٣١

مقطوع بصحته والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر وهكذا ما
حكم البخاري بصحته في كتابه ؛ وذلك لأنّ الأمة تلّقت ذلك بالقبول،
سوى من لا يُعتدّ بخلافه ووفاقه في الإجماع)) (١).
وقال أيضاً : (( وهذا القسم - أي الذي اتفق عليه البخاري
ومسلم - جميعه مقطوع بصحته ، والعلم اليقيني النظري واقع به خلافاً
لمن نفي ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظّنّ، وإنما تلقته الأمة
بالقبول ؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظنِّ والظنّ قد يُخطيء .
وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّاً ثم بان لي أنّ المذهب الذي
اخترناه أولاً هو الصحيح، لأن ظنّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء ،
والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ، ولهذا كان الإجماعُ الُبْتَنَى على
الاجتهاد حجة مقطوعاً بها ، وأكثر إجماعات العملاء كذلك .
وهذه نكتة نفيسة نافعة ، ومن فوائدها القول بأنّ ما انفرد به
البخاري أو مسلم مندرج في قَبيل ما يُقطع بصحته ؛ لتلقي الأمة كلّ
واحد من كتابيهما بالقبول .. سوى أحرف يسيرة تكلّم عليها بعض
أهل النقد من الحفّاظ كالدارقطني وغيره ، وهي معروفة عند أهل هذا
الشأن، والله أعلم)) (٢).
(١) ( صيانة صحيح مسلم ٨٥ ).
(٢) (مقدمة ابن الصلاح ضمن التقييد والإيضاح ص ٤١، ٤٢).
١٣٢

ومتقرّر أنّ الاستثناء الوارد في آخر كلامه إنما هو استثناء من
الإجماع وإفادة العلم اليقيني ، وليس هو استثناء من الصحة ، كما
سيتضح قريباً بإذن الله .
٣- وقد تابع الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ابن
الصلاح على ما ذكره هنا ، وقرّره ، ورد على المخالف فيه وأجاب
على اعتراضه ، ونقل عن الحافظ الإمام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد
بن عبد الحليم ، ابن تيمية الحراني (ت٧٢٨هـ ) أنّ ما صار إليه ابن
الصلاح هو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف ، وهو الذي
ذكره جمهور المُصنفين في أصول الفقه من أهل المذاهب الأربعة ، وهو
قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم ، وهو مذهب أهل الحديث
قاطبة (١) .
ومع ما لهذا الكتاب الجليل من المرتبة العالية ، والمكانة العظيمة
من حيث الصحة وتلقي الأمة له بالقبول ؛ لم يسلم هذا الكتاب من
النقد ؛ إذ قد أبى الله عز وجل أن تكون عصمة لغير كتابه ، ولكن
ينبغي أن يوضع هذا النقد موضعه ولا يتجاوز به حده ، وهو غير
مؤثّر على صحة أحاديث الكتاب ، عند أهل هذا الشأن ، وقد
أجابو! عن ذلك وذكروا وَجْهَهُ عند مسلم، وقد سبقت الإشارة إلى
جانب منه فيما يتعلق بتتبع الأحاديث ، عند المقارنة ، بين أجوبة أبي
(١) (النكت على ابن الصلاح ١/ ٣٧١ - ٣٨٠).
١٣٣

مسعود وما ألف في موضوعه ، وهنا مزيد إيضاح فيما يتعلق برواية
مسلم عن بعض من نسب إلى الضعف .
فقد ذكر الحافظ ابن الصلاح أنّ قوماً عابوا على مسلم - رحمه
الله - روايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين
في الطبقة الثانية عند مسلم ، مّمن ليسوا من شرط الصحيح ، قال :
((والجواب أنّ ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها)) ثم ذكرها (١)
وقال الإمام يحيى بن شرف النووي ( المتوفي ٦٧٦ هـ): ((ولا عيب
عليه في ذلك بعد جوابه من أوجه ... )) (٢).
وقال الحافظ محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤ هـ ): ((أما
إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نُسبوا إلى نوع من الضعف
فظاهر ، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حَدّاً يردّ به حديثهم)) (٣).
وقد نص الإمام مسلم نفسه على وجه إخراجه لبعض من نُسبوا
إلى الضعف .
وذکر بعض الأئمة وجوهاً أخرى استنبطوها من مسلکه وتما
تقرر لديهم من قواعد علم الحديث ومن ذلك ما يلي :
١- طروء الضَّعف على الراوي بعد سماع مسلم منه وإثبات
حديثه في صحيحه ، حيث أخذه عنه في زمان سداده واستقامته ، وهذا
(١) انظر : ( صيانة صحيح مسلم ص ٩٦ ).
(٢) انظر: ( صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢٤ ).
(٣) ( شروط الأئمة الخمسة ص ٧٠ )
١٣٤

الوجه قد صرّح به مسلم حين عابوا عليه إدخال أحمد بن عبد الرحمن
ابن وهب (١). في صحيحه ، فقال: ((إنما نقموا عليه بعد خروجي من
مصر)).(٢).
٢- أن يكون متنُ الحديث صحيحاً ثابتاً ، مشهوراً لدى أهل
الشأن ، ويكون الإمام مسلم قد رواه من طريق الثقات بنزول ،
ورواه من طريق ذلك الذي نُسب إلى شيء من الضعف بعُلُوّ ،
فيكتفي الإمام مسلم بذكر حديث من علا إسناده ، ولا يطوّل بإضافة
النازل ، مكتفياً بمعرفة أهل الصنعة لذلك .
ومعلوم أنّ هذا لا يؤثّر على صحة متن الحديث ، وهذا الوجه
أيضاً قد نص عليه مسلم - رحمه الله - حين عُوتِب على إدخال حديث
أسباط بن نصر ، وقَطَن بن نُسَير ، وأحمد بن عيسى المصري، فقال:
(إنما أدخلت من حديث أسْباط وقَطَن وأحمد ما قد رواه الثقات عن
شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إليّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية
أوثق منهم بنزول ، فأقتصر على ذلك ، وأصل الحديث معروف من
رواية الثقات)) (٣) .
(١) صدوق تغير بأخرة، أخرج له مسلم، ت ٢٦٤، ( التقريب ٨٢ ).
(٢) رواه عنه ابن الصلاح في ( الصيانة ص ٨) وانظر ( سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥٦٨).
(٣) رواه عنه الحازمي في ( شروط الأئمة الخمسة ص ٧٥ ) وابن الصلاح في الصيانة
ص ٩٩ ) وانظر: ( سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥٧١ )، وسيأتي تفصيل الكلام عليهم في
آخر الكتاب ص ٣٢٩ .
١٣٥

وهذا قريب مّما ذكره الحافظ أبو حاتم محمد بن حبّان البُستِي
(ت ٣٥٤هـ) في مقدمة صحيحه، حيث قال: ((فإذا صحّ عندي
خبر من رواية مُدَلّس أنّه بيّن السماع فيه ، لا أبالي أن أذكره من غير
بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر)) (١) .
٣- أن يكون إخراجه لحديث الراوي الذي نُسب إلى نوع من
الضعف مبنيا على الانتقاء من حديثه، حيث تيقّن صحة حديثه ذاك
الذي أخرجه له في صحيحه وزالت الشبهة حوله ، وليس ذلك حكماً
منه لصحة أحاديث ذلك الراوي ، وإنما هو حكم بصحة ما أخرج له
منها فقط ، لهذا قال الحافظ بن الصلاح : (( إنّ من حكم لشخص
بمجرّد رواية مسلم عنه في صحيحه أنه من شرط الصحيح عند مسلم
فقد غفل وأخطأ ، بل يتوقف على النظر في أنه كيف روى عنه ، وعلى
أي وجه روى عنه))(٢).
وقد سبق ابن الصلاح إلى تقرير ذلك بعض العلماء :
فقد ذكر الحافظ محمد بن طاهر المقدِسي (ت ٥٠٧هـ ) (( أنّ
مسلماً أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في
نفسه ، أخرج مسلم أحادثهم بإزالة الشبهة .. )) (٣)، ثم ذكر جماعة
(١) الإحسان بترتيب صحيح ابن حيان ١٢٣/١)، وانظر ( تنبيه المسلم ١٦).
(٢) ( صيانة صحيح مسلم ص ١٠٠)
(٣) شروط الأئمة الستة ١٨، ١٩.
١٣٦

منهم ، وقال (١) : ((فلمّا تُكُلّم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك
البخاري إخراج حديثهم معتمداً عليهم (٢) تَحَرّيا ، وأخرج مسلم
أحاديثهم بإزالة الشبهة ، ومثال ذلك أن سهيل بن أبي صالح (٣) تُكُلّم
في سماعه من أبيه فقيل : صحيفة ، فترك البخاري هذا الأصل ، واستغنى
عنه بغيره من أصحاب أبيه ، ومسلم اعتمد عليه لَمّا سبَرَ أحاديثه فوجده
مرة يحدث عن عبد الله بن دينار عن أبيه ، مرة عن الأعمش عن أبيه ،
ومرة يحدث عن أخيه بأحاديث فاتته من أبيه ؛ فصحّ عنده أنه سمع من
أبيه ، إذ لو كان سماعه صحيفة لكان يروي هذه الأحاديث مثل تلك
الأخر ... )).
وقال الحافظ محمد بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ): (( ...
وعلى هذا يُعتَذَرُ لمسلم في إخراجه حديث حماد بن سَلَمة ، فإنه لم يخرج
إلا رواياته عن المشهورين نحو ثابت البُنَاني وأيوب السَّختياني ، وذلك
لكثرة ملازمته ثابتاً وطول صحبته إيّاه حتى بقيت صحيفة ثابت على
ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط ، وأما حديثه
(١) شروط الأئمة الستة ١٨، ١٩.
(٢) أي لم يخرج لهم في الأصول ، وقد أخرج لبعضهم في الشواهد والمتابعات ، مثل
سهيل بن أبي صالح الآتي ذكره في تتمة كلام المقدسي ، وانظر ( هدي الساري ٤٠٨ ).
(٣) صدوق تغير حفظه بأخرة ، روى له البخاري مقرونا وتعليقاً، والباقون (التقريب
٢٥٩) . .
١٣٧

عن آحاد البصريين فإن مسلماً لم يخرج منها شيئاً ؛ لكثرة ما يوجد في
رواياته عنهم من الغرائب ، وذلك لقلة ممارسته لحديثهم .
وعلى هذا ينبغي أن يُسبْرَ حال الشخص في الرواية بعد ثبوت
عدالته فمهما حصل الفهمُ بحال الراوي على النحو المذكور ، وكان
الراوي محتوياً على الشرائط المذكورة تَعَيَّنَ إخراجُ حديثه منفرداً كان به
أو مشاركاً)) (١).
وذكر الحافظ ابن حجر نحو هذا مختصراً نقلاً عن أبي عبد الله
الحاكم ( ت ٤٠٥ هـ ) (٢).
٤ - أن يكون الراوي ثقةً عند الإمام مسلم ضعيفاً عند غيره ،
فلا يُقبل ذلك الجرح منه إلا مع بيان سببه لمعارضته لتعديل هذا
الإمام، ولم يرد جرح مفسَّر ، أو وَرَد واطلع عليه الإمام مسلم وتبيّن
عدّم صحته .
قال الحافظ ابن الصلاح في أثناء إجابته لمن عاب على مسلم
الإخراج عن الضعفاء : ((والجواب أنّ ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه
معها ، أحدها : أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ،
ولا يقال إنّ الجرح مقدّم على التعديل ، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛
لأنّ الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسَّر السبب فإنه
(١) ( شروط الأئمة الخمسة ص ٦٠، ٦١).
(٢) نظر : ( هدي الساري ٣٩٩).
١٣٨

لا يعمل به ، ويحتمل أيضاً أن يكون ذلك فيما بيّن الجارح فيه السبب
واستبان مسلم بطلانه)) (١) .
وذكر الحافظ أحمد بن علي ، الخطيب البغدادي : أنّ ما احتج به
البخاري ومسلم وغيرهما من جماعة عُلم الطعن فيهم من غيرهم محمولُ
على أنّه لم يثبت الطعنُ المؤثّر مُفَسَّرَ السبب (٢).
وقال ابن دقيق العيد (ت٧٠٢ هـ ): ((وهذا معنى لم يحصل لغير
من خُرّج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل
من ذكر فيهما))(٣).
وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي (ت ٦١١ هـ )
في الرجل يُخَرَّج له في واحد من الصحيحين ((هذا جاز القنطرة))، قال
تلميذه ابن دقيق بعد أن نقل هذا القول عنه : (( يعني بذلك أنه لا يلتفت
إلى ما قيل فيه ، وهكذا نعتقد، وبه نقول ، ولا تخرج عنه إلا ببيان
شاف وحجة ظاهرة ، تزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدّمناه من
اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن
لوازم ذلك تعديل رواتهما )) (٤)
(١) (صيانة صحيح مسلم ص ٩٦)، وانظر (صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢٥).
(٢) (الاقتراح ص ٣٢٧ ).
(٣) انظر: ( الاقتراح ص ٣٢٧ )
(٤) (الاقتراح ص ٥٥) وانظر: ( هدي الساري ٣٨٤، الموقظة ص ٨٠ ).
١٣٩

وقال الحافظ ابن حجر: (( ينبغي لكلّ مُنصف أن يعلم أنّ تخريج
صاحب الصحيح لأي راوٍ كان ، مقتضٍ لعدالته عنده ، وصحة ضبطه ،
وعدم غفلته ، لا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على
تسمية الكتابين بالصحيحين ، وهذا معنى لم يحصل بغير من خُرِّجَ عنه
في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما)) (١).
ومعلوم أن تقرير هؤلاء الأئمة ينبغي أن يحمل على من أخرج له
الشيخان في الأصول ، أما من أخرجا له أو أحدهما في المتابعات
والشواهد والتعليقات فإنّ متن حديثه صحيح لاعتضاده بالأصول ، أمّا
الراوي في نفسه فقد يكون فيه ضعف ، فينبغي عدم الإطلاق في تعديل
جميع الرواة عندهما حتى يُعلم الوجه الذي أخرجا له به، كما ذكر
الحافظ بن الصلاح .
ومن نتائج هذا المبحث القول بأن الحديث الصحيح له مراتب ،
وأنّ ما أودعه الإمام مسلم في كتابه من الصحيح له درجات متفاوتة
، وإن كان جميعه داخلاً في دائرة الحديث الصحيح ، قال الحافظ محمد
بن أحمد الذهبي : (( من أخرج له الشيخان على قسمين :
أحدهما : ما احتجّا به في الأصول .
وثانيهما : من خرّجا له متابعة وشهادة واعتباراً .
(١) (هدي الساري ٣٨٤).
١٤٠