Indexed OCR Text

Pages 1-20

الغَلِكُ
عشت
تأليف
علي بْن عَبد الله بن جَعْفَ السَّعَدْي المَدَينيّ
١٦١ هـ - ٢٣٤ هـ
تحقيق
محمد مصطف الأعظمي
الطبعة الثانيَة
المكتب الإسْلامي

جميع الحقوق محفوظة
١٩٨٠
إن مطبوعات المكتب الاسلامي تطلب مباشرة على عنوانيه
بيروت: ص.ب ٣٧٧١ - ١١ هاتف ٤٥٠٦٣٨ برقيا (اسلاميًا)
دمشق : ص.ب ٨٠٠ هاتف ١١١٦٣٧ برقيًا (اسلامي)
وليس للمكتب أي وكلاء أو متعهدين في بيروت أوأي بلد آخر

علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني
- المؤلف
-
هو حافظ العصر ، وقدوة أرباب هذا الشأن ، علي بن عبد الله
ابن جعفر ابن نجيح السعدي ؛ أبو الحسن ابن المديني مولى عروة بن
عطية السعدي .
) مصادر ترجمته
الإِرشاد للخليلي ١٠٠ - أ. تاريخ أدب العرب لبروكلمان (الترجمة
العربية) ٢٢٠:٣ - ٢٢١. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١١ : ٤٥٩.
التاريخ الكبير للبخاري ٣ / ٢: ٢٨٤. تذكرة الحفاظ للذهبي
٤٢٨ - ٠٤٢٩ تهذيب التهذيب لابن حجر ٧: ٣٤٩ - ٣٥٧ .
تهذيب الكمال للمزي ورقة ٤٩٠ . الجامع للخطيب البغدادي
١٩٥ - أ. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ١/٣ : ١٩٤.
الجمع بين رجال الصحيحين للقيسراني ٣٥٦ .
شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ٢ : ٨١ .
شرح علل الترمذي لابن رجب ٤٨ ق - ٥٠ ق .
طبقات الحنابلة لأبي يعلى الموصلي ١ : ٢٢٦ - ٢٢٧.
طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ١٤٥:٢ - ١٥٠.
فهرست ابن خير الإِشبيلي ٢٢٥ - ٢٢٦. الفهرست لابن النديم ٢٣١
معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ٧١ .
ميزان الاعتدال للذهبي ٣ : ١٣٨ - ١٤١ .
النجوم الزاهرة لتغري بردي ٢ :٢٧٧ .
- ٣ -

ولد بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة من الهجرة النبوية (١).
أسرته : والده .
كان أبوه عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي من المحدثين ، روی
عن عبد الله بن دينار ، والعلاء بن عبد الرحمن ، وأبي الزناد ، وسهيل
ابن أبي صالح، وموسى بن عقبة ، وابن عجلان وغيرهم .
وعنه : ابنه علي ، وإسماعيل بن جعفر بن كثير ، وبشر بن معاذ
العَقَدِي، وعلي بن الجَعد ، وعلي بن حجر ، وقُتيبة بن سعيد ،
وأبو كامل الجَحْدَرِي ، ويحيى بن أيوب المقابِرِي .
قال ابن معين : كان من أهل الحديث، ولكنه بلي في آخر عمره ،
وهو ضعيف بالاتفاق .
مات رحمه الله سنة ١٧٨ من الهجرة (٢).
امه :
يبدو أن أمه كانت عاقلة لبيبة ذكية مسلمة قوية الإِيمان يدل على
ذلك ما يأتي :
غاب علي" غيبة طويلة في رحلاته العلمية ، وترك أمه بالبصرة، وعاد
بعد مدة ، فقرت عین أمه به .
يحدث ابن المديني عن هذه الحادثة ، فيقول : غبت عن البصرة في
مَخْرَجي إلى اليمن - ( قال الراوي : ) أظنه ذكر ثلاث سنين -
وأمي حِيّة، فلما قدِ مْت عليها جعلَتْ تقولُ: يا بُنيّ! فلان" لك
(١) (( تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٥٩.
(٢) لترجمة عبد الله بن جعفر السعدي انظر ((تهذيب التهذيب))
٥ : ١٧٤ : ٠١٧٦
- ٤ -

صديق ، وفلان لك عدو ، قال : فقلت لها : مِنْ أين علمتِ يا أمه ؟
قالت : كان فلان وفلان ، فذكرت فيهم يحيى بن سعيد ، يجيئون
مسلمين فيعزوني ويقولون : إِصبري ، فلو قدم عليك سرك الله عز وجل
بما تريْنَ به . فعلمتُ أن هؤلاء محبوك وأصدقاؤك، وفلان وفلان إِذا
جاؤوا يقولون لي : اكتبي إليه ، وضيقي عليه ، واحرجي عليه ليقدم
عليك . هذا أو نحوه (١) .
وهذا ما يبرر مكانة الأم، وما تمتعت به من رجاحة عقل ، وبعد
نظر ، وحسن تقدير للأمور مما ترك أحسن الأثر في تربية ابنها وتنشئته ،
رحمها الله .
طلبه للعلم :
لا نعرف شيئاً عن بدء دراسته بالتحديد ، لکنا نعلم أنه روی عن
والده الذي توفي سنة ١٧٨ هـ كما أنه روى عن حماد بن زيد الذي مات
سنة ١٧٩ هـ (٢).
وقال بعض المحدثين : إنه لما كتب عن حماد بن زيد كان صغيراً ،
ومن المؤكد أنّ عمره كان حينذاك أقل من العشرين .
قال جعفر بن محمد الصائغ : (( اجتمع عفان وابن المديني وأبو
بكر ابن أبي شيبة ، وأحمد بن حنبل ، فقال عفان : ثلاثة يضعفون في
ثلاثة : علي في حماد ، وأحمد في إبراهيم بن سعد ، وأبو بكر في شريك،
فقال علي : وعفان في شعبة .
(١) ((تهذيب الكمال)). ٤٩ - ١ ب؛ أيضا في ((تاريخ بغداد))
١١ : ٠٤٦٢
(٢) ((تهذيب)) ٣: ١١.
-٥ -

قلت ( القائل هو الذهبي ) : هذا منهم على وجه المباسطة ، لأن
هؤلاء من صغار من كتب عن المذكورين))(١) .
ويمكننا القول إذن أن علياً بدأ بدراسة الحديث النبوي وكتابته
في حدود الخامسة عشر من عمره ، وعلى الأغلب فقد بدأ بالتحصيل في
بلده، قبل أن يرتحل إلى الآفاق .
ورحلته - كما يبدو - لم تبدأ إلا بعد وفاة والده بمدة .
رؤياه :
قال أبو قدامة : سمعت علي بن المديني يقول : رأيت فيما يرى
النائم ، كأن الثريا تدلت حتى تناولتها . قال أبو قدامة : فصدق الله
رؤياه، وبلغ في الحديث مبلغاً لم يبلغه أحد، أو لم يبلغه كبير أحد (٢).
رحلاته :
كان لا بد لطالب العلم من الارتحال والتجوال في الآفاق للاستماء
من الشيوخ المنتشرين في كافة البلاد الاسلامية ، جرياً على سنة المحدثين
في طلب الحديث .
وعلى هذا مشى ابن المديني فبدأ برحلاته العلمية ، يقول الخليلي :
خرج الإمام أحمد إلى مكة ، وصحبه علي بن المديني ، ويحيى بن
معين ، ثم خرجوا إلى صنعاء ، ثم رجعوا إلى بلاد العراق : الكوفة
والبصرة وواسط ، ثم خرج أحمد إلى الشام وحده (٣) .
(١) ((مج ان الاعتدال)) ٣: ٨٢.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦١.
(٣) ((الار شاد)) للخليلي ١٠٠ - ١
- ٦ -

وسبق الحديث عن رحلته الطويلة ، ويبدو أنه قام بها بعد أن كبر
قليلاً ، إذ كان صنف مسنداً على الأطراف مستقصى قبل سفره ،
قال علي متحدثاً عن تلك الرحلة : كنت صنفت المسند على الطرف
مستقصى ، وكتبته في قراطيس ، وصيرته في قمطر كبير ، وخلفته في
المنزل ، وغبت هذه الغيبة ، فلما قدمت ذهبت يوماً لأطالع ما كنت كتبت
قال : فحركت القمطر ، فإِذا هي ثقيلة رزينة بخلاف ما كانت ، ففتحتها
فإذا الأرضة قد خالطت الكتب ، فصارت طيناً ، فلم أنشط بعد
لجمعه))(١) .
مؤلفاته :
لقد كان علي" من كبار أئمة الحديث، انعقد الإجماع على جلالته ،
وإمامته، وله التصانيف الحسان (٢) التي بلغت نحواً من مائتي مصنف(٣)
أورد ابن النديم بعض مؤلفاته : (٤)
له :
کتاب المسند بعلله .
كتاب المدلسين .
كتاب الضعفاء .
كتاب العلل .
كتاب الأسماء والكنى .
كتاب الأشربة .
(١) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦٢.
(٢) السبكي، ((الطبقات الكبرى)) ١٤٥:٢.
(٣) ((الميزان)) ٣: ١٤١، ((النجوم الزاهرة)) ٢: ٢٧٧.
(٤) ((الفهرست)) ٢٣١.
- ٧ -

کتاب التنزيل .
وذكر ابن خير في ((فهرسته))(١) ضمن مروياته: (( كتاب الطبقات
لعلي بن المديني جزأين)» .
ولا أعلم أحداً فاق الحاكم النيسابوري رحمه الله في ذكر مؤلفات
ابن المديني .
قال الحاكم : (٢)
هذه أسامي مصنفات علي بن المديني :
١ - كتاب الأسامي والكنى ثمانية أجزاء.
٢ - كتاب الضعفاء عشرة أجزاء.
٣ - كتاب المدلسين خمسة أجزاء.
- كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم جزء.
٤
- كتاب الطبقات عشرة أجزاء .
- كتاب من روى عن رجل لم يره جزء.
٦
٧ - علل المسند ثلاثون جزءاً.
٨ - كتاب العلل لإسماعيل القاضي أربعة عشر جزءاً.
٩ - علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءاً.
١٠ - كتاب من لا يحتج بحديثه ولا يسقط جزءان .
١١ - كتاب الكنى خمسة أجزاء.
١٢ - كتاب الوهم والخطأ خمسة أجزاء.
١٣ - كتاب قبائل العرب عشرة أجزاء .
(١) ((فهرست ابن خير الاشبيلي)) ٢٢٥.
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) ٧١ - ٧٢؛ أنظر أيضاً ((الجامع))
للخطيب البغدادي ١٩٥ - أ؛ و(( شرح علل الترمذي )) لابن رجب ٤٨ ب،
- العليمي، ((المنهج الأحمد)) ١: ٩٧ - ٩٩
- ٨ ٣

١٤ - كتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان خمسة أجزاء.
١٥ - كتاب التاريخ عشرة أجزاء.
١٦ - كتاب العرض على المحدث جزءان.
١٧ - كتاب من حدث ثم رجع عنه جزءان .
١٨ - كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال خمسة أجزاء.
١٩ - سؤالاته ليحيى جزءان .
٢٠ - كتاب الثقات والمثبتين عشرة أجزاء.
٢١ - كتاب اختلاف الحديث خمسة أجزاء.
٢٢ - كتاب الأسامي الشاذة ثلاثة أجزاء.
٢٣ - كتاب الأشربة ثلاثة أجزاء .
٢٤ - كتاب تفسير غريب الحديث خمسة أجزاء .
٢٥ - كتاب الإخوة والأخوات ثلاثة أجزاء .
٢٦ - كتاب من يعرف باسمه دون اسم أبيه جزءان .
٢٧ - كتاب من يعرف باللقب جزء .
٢٨ - كتاب العلل المتفرقة ثلاثون جزءاً.
٢٩ - كتاب مذاهب المحدثين جزءان .
قال أبو بكر : وجميع هذه الكتب قد انقرضت ، ولم نقف على
شيء منها إلا على أربعة أو خمسة فحسب ، ولعمري إن في انقراضها
ذهاب علوم جمة، وانقطاع فوائد ضخمة (١). ويضاف إلى هذه القائمة:
العلل الكبير (٢)
أسباب النزول (٣)
(١) ((جامع الخطيب)) ١١٩٥ ونقل العليمي في المنهج الاحمد١: ٩٧
- ٩٩ القائمة بكاملها بدون الايعارز.
(٢) ((تهذيب)) ٥ : ٢٧.
(٣) ((الاتقان)) ١ : ٨٢ .
- ٩ -

ابن المديني وعدم مداهنته في الجرح والتعديل
كان أبوه عبد الله بن جعفر ضعيفاً في الحديث ، فكان علي لا يحدث
عن أبيه ، حتى قال الناس : علي يعق ، فلما كان بآخره حدث عنه .
ويبدو أنه بالرغم من روايته لم يقو مركزه ، قال عبد الله الأهوازي:
سمعت أصحابنا يقولون : حدث علي عن أبيه ثم قال : وفي حديث
الشيخ ما فيه . وقال الحاكم : حدثونا عن قتيبة قال : دخلت بغداد
واجتمع الناس وفيهم أحمد وعلي ، فقلت : حدثنا عبد الله بن جعفر .
فقام حدث من المجلس ، فقال : ياأبا رجاء ، ابنه عليه ساخط حتى
يرضى عليه .
وقال ابن حبان : سئل علي عن أبيه فقال : سلو غيري ، فأعادوا
فأطرق ، ثم رفع رأسه فقال : هو الدين .
وهناك رواية واحدة في تاريخ بخارى - عن صالح بن محمد قال :
سمعت علي بن المديني يقول: (( أبي صدوق، وهو أحب إليّ من
الدراوردي )) (١) .
ويبدو أن هذا الكلام ليس بمحفوظ ، إِذ أجمع النقلة عن ابن
المديني على تضعيف والده ، وتضعيفه لوالده يعطينا فكرة واضحة عن
صلابته في الجرح والتعديل .
منزلة ابن المديني عند معاصريه :
مما لا شك فيه أن ابن المديني كان المنتهى إليه في معرفة علل
(١) هذا الكلام كله منقول بالاختصار عن ((تهذيب التهذيب)) ٥ :
١٧٤- ١٧٦ ٠
- ١٠ -

الحديث النبوي ، مع كمال المعرفة بنقد الرجال ، وسعة الحفظ ، والتبحر
في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه (١) .
وقال الخطيب البغدادي : كان علي بن المديني فيلسوف هذه
الصنعة وطبيبها ، ولسان طائفة الحديث وخطيبها ، رحمه الله وأكرم
مثواه لديه (٢) .
وقد ذاع صيته في حياته ، وليس من السهل أن يحوز العالم
إعجاب العلماء المعاصرين ، وقد خضع لعلمه كافة معاصريه ، وما ظنك
برجل يبقى مستلقياً ، والإمام أحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين
عن يساره وهو يملي عليهما (٣) .
والذي يقول عنه البخاري: ــ وهو البخاري - (( ما استصغرت
نفسي عند أحد إلا عندابن المديني)) (٤).
وكان الإمام أحمد لا يسميه ، وإنما يكنيه أبا الحسن تبجيلاً
له (٥) .
وقال عنه ابن مهدي : علي ابن المديني أعلم الناس بحديث رسول
الله صلی الله عليه وسلم (٦) .
وقال يحيى القطان : يلومونني في حب علي بن المديني وأنا أتعلم
منه (٧).
(١) أنظر ((ميزان الاعتدال)) ٣: ١٤١.
(٢) (( الجامع)) ١١٩٥.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٦٣.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٦٣؛ ((شرح العلل)) لابن رجب ١٤٨،
((تذكرة الحفاظ)) ٤٢٨.
(٥) ((الجرح والتعديل)) للرازي ٣، ١: ١٩٤. أنظر أيضاً ((تاريخ
بغداد)» ١١ : ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٦) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٦٠؛ ((تذكرة الحفاظ)) ٤٢٨.
(٧) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٦٠.
- ١١ -

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : انتهى العلم إلى أربعة، أبو بكر
ابن أبي شيبة أسردهم له ،وأحمد بن حنبل أفقههم فيه ، وعلي بن المديني
أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له (١) .
وقيل لأبي داود: عليّ أعلم أم أحمد؟ قال: علي أعلم باختلاف
الحديث من أحمد (٢) .
وقال النسائي: كأن علي بن المديني خلق لهذا الشأن(٣).
وقال أبو حاتم الرازي : كان علي بن المديني علماً في الناس في
معرفة الحديث والعلل (٤) .
علي ابن المديني وطبعه :
قال ابن معين : كان علي بن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة ، وإِذا
ذهب إلى البصرة أظهر التشيع (٥) :
وهذه الحادثة تلقي بعض الأضواء على جانب من جوانب شخصيته
فمدينة الكوفة معروفة بتشيعها ، كما أن البصرة مشهورة بميولها
العثمانية ، فكان علي يخالف نزعات هاتين المدينتين المتنافستين بإظهاره
السنة في محل التشيع ، وإظهار التشيع في موطن النصب قاصداً - على
الأغلب - تخفيف حدة غلواء الفريقين .
(١) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦٥.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٦٤؛ ((تذكرة الحفاظ)) ٤٢٨.
(٣) ((تذكرة الحفاظ)) ٤٢٨.
(٤) ((الجرح والتعديل)) للرازي ٣ / ١: ١٩٤؛ ((شرح علل
الترمذي )) ٤٨ - ١.
(٥) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٦٣؛ ((ميزان الاعتدال)) ٣: ١٣٩.
- ١٢ -

ابن المديني وفتنة خلق القرآن :
"عن العباس بن عبد العظيم العنبري، قال: ((دخلت على عليّ بن
المديني يوماً ، فرأيته واجماً معموماً ، فقلت: ما شأنك ؟ قال: رؤيا رأيتها.
قال : قلت : وما هي؟
قال : رأيت كأني أخطب على منبر داود النبي صلى الله عليه وسلم.
قال : فقلت : خيراً رأيت . انك تخطب على منبر نبي .
فقال : لو رأيت كأني أخطب على منبر أيوب كان خيراً لي، لأن
أيوب بُلي في بدنه ، وداود فتن في دينه ، وأخشى أن افتن في ديني ،
فكان ماكان))(١) . أي فكان ماكان من انزلاقه في فتنة خلق القرآن.
في الربع الأول من القرن الثالث الهجري كانت فتنة عارمة في الأمة
الإسلامية تدعوا إلى اعتقاد أن القرآن مخلوق ، وكان الحكم بكل
سطوته وجبروته وجلاديه في صف هذه الفتنة، وعامة المسلمين والخيار من
علماء المسلمين في الصف الآخر ، وامتحن العلماء في هذه الفتنة امتحاناً
شديداً فعذب من عذب ، وقتل من قتل ، وثبت بعضهم ، وضعف بعضهم
الآخر عن ذلك ، لأن النفوس ليست كلها على درجة واحدة من التحمل
والثبات في الشدائد ، بل قد يثبت بعضها حتى النهاية ، فإِما النصر وإما
الشهادة،وقد يثبت بعضها، لكنه لا يستطيع البقاء على هذا الثبات، فينتهي
به إِلى التسليم ، على أن هذا التسليم غالباً مايكون في الظاهر ، والباطن
مطمئن بالإيمان .
ومثل هذه المواقف المختلفة ، قد كانت لها أمثلة في الصدر الأول
حين عذب الصحابة في الله ، فثبت بلال ، وتظاهر عمار ببعض الموافقة
(١) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦٥ - ٤٦٦.
- ١٣ -

بلسانه ، ثم جاء فزعاً إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : كيف
تجد قلبك ؟
قال : مطمئن بالإِيمان فقال له : فإن عادوا فعد .
وهذه منازل كثيرة تتفاوت فيها النفوس .
وموقف علي بن المديني كان من النوع الثاني ، فقد قال عن نفسه:
- لم أجد بدأ من متابعتهم ، لأني جلست في بيت مظلم ثمانية
أشهر ، وفي رجلي قيد ثمانية أمنان حتى خفت على بصري(١).
وقال : قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى (٢) .
وقال : خِفت القتل ولو أني ضربت سوطاً لمت(٣).
والذي يبدو من النصوص السابقة أنه كان ضعيف التحمّل، نحيل
الجسم، ليس معه من القوة الجسمية ما يعينه على تحمل التعذيب، ولذلك
ظهر منه ماظهر في قوله بخلق القرآن وتزلفه لابن أبي دؤاد. فقد ذكر
أنه كان يأمر بالشطب على أحاديث ابن حنبل ليرضي بذلك ابن أبيدؤاد
وكان يفعل مثله ابن أبي دؤاد ، ويأمر بالضرب على أحاديث الأصمعي
الذي كان قد تكلم في ابن المديني(٤).
وكان ابن المديني يكني ابن أبي دؤاد أباعبد الله ، وربما توهم
الناس أنه يقصد به الإمام بن حنبل(٥) .
بعض التهم الموجهة إلى ابن المديني وتبرئة ساحته منه :
ذكر الحسين بن فهم عن أبيه حديثاً (1) مفاده، أن ابن أبي دؤاد
(١) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٧١.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦٩.
(٣) ((ميزان الاعتدال)) ٣: ١٤١.
(٤) ((تاريخ بغداد)، ١١ : ٤٧٠ - ٤٧١ .
(٥) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٧٠.
(٦) انظر ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦٦ - ٤٦٧.
- ١٤ -

حرض المعتصم ليسأل الإِمام أحمد عن رؤية الله تعالى في الآخرة، مستدلا
بأن العين لاتقع إلا على محدود والله تعالى لا يحد .
فروی الإمام حديثاً فقال : ( حدثني محمد بن جعفر غندر ، حدثنا
شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن
عبد الله البجلي قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أربع عشرة
من الشهر ، فنظر إلى البدر ، فقال : أما إنكم سترون ربكم كما ترون
هذا البدر لاتضامون في رؤيته )) فقال لابن أبي دؤاد : ماعندك في هذا؟
قال : انظر في إِسناد هذا الحديث ، فوجه ابن أبي دؤاد إلى علي بن
المديني - وهو ببغداد مملق ما يقدر على درهم - فأحضره فما كلمه
بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم ، وقال له : هذه وصلك بها أمير
المؤمنين ، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه ، وكان له رزق
سنتين ، ثم قال له : يا أبا الحسن ، حديث جرير بن عبد الله في الرؤية
ماهو ؟ قال : صحيح ، قال : فهل عندك فيه شيء ؟
قال : يعفيني القاضي من هذا .
قال : يا أبا الحسن هذه حاجة الدهر ، ثم أمر له بشاب وطيب
ومركب بسرجه ولجامه ، ولم يزل حتى قال له : في هذا الإسناد من
لا يعول عليه ولا على ما يرويه ، وهو قيس بن أبي حازم ، إنما كان أعرابياً
بوالا على عقبيه .
فاحتج ابن أبي دؤادبهذا الكلام في مجلس المعتصم في اليوم الثاني.
قال ابن حنبل حين سمع هذا الكلام : علمت أنه من عمل علي بن
المديني . فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضربه .
وتصدى الخطيب للرد على هذه الفرية قائلاً: ((لقد نزه الله
تعالى علياً عن قول ذلك ، لأن أهل الأثر ومنهم علي بن المديني مجتمعون
- ١٥ -

على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم ، ومن الناحية الثانية - ولهذا
القول وزنه - لم يحك أحد ممن ساق خبر محنة الإِمام أحمد أنه نوظر في
حديث الرؤية، فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم محفوظا، فأحسب
أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الحديث وعزا
ذلك إِلى ابن المديني والله أعلم))(١).
ولعل الذي فعله عليّ هو مجرد الإجابة والتردد على ابن أبي دؤاد
فقط، خوفا من شره، ودفعا عن كثير ممن خفف عنهم العذاب بوساطته(٢)
فزيد على ذلك تُهم" أخرى نسبت إليه .
ولذا اقتصر الذهبي في المآخد عليه بهذا القدر فقط (٣).
ومما يؤكد ذلك ثناء العلماء عليه وعذرهم له : ــ كان ابن معين
يقول : هو رجل خاف ، فقال ماعليه .
ولو أنّ ابن رجب لم يرض بهذا الاعتذار فقال : ولو اقتصر
ماذكره ابن معین لعذر ، لكن حاله كما وصفنا (٤).
وقال ابن أبي حاتم الرازي : (( ترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل
ما كان منه في المحنة ، وكان أبي يروي عنه، لنزوعه عما كان منه)) (٥) .
وقال الذهبي: (( مناقب هذا الإِمام جمة ، لولا ما كدرها بتعلقه
بشيء من مسألة القرآن ، وتردده إلى أحمد بن أبي دؤاد إلا أنه تنصل
وندم، وكفّر من يقول بخلق القرآن فالله يرحمه ، ويغفر له (٦) .
(١) ((تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٦٧.
(٢) (( تاريخ بغداد)) ١١ : ٤٧١.
(٣))) تذكرة الحفاظ ((: ٢٨}.
(٤) ((شرح علل الترمذي)) ٤٩ - ١.
(٥) ((الجرح والتعديل)) ١٩٤:١/٣.
(٦) (( تذكرة الحفاظ)) ٤٢٨.
- ١٦ -

وقال السبكي : والصحيح عندنا أنه إنما أجاب خشية السيف(١).
وقال محمد بن عبد الله بن عمار . والذي لا نشك فيه إطلاقاً أنه قال
ما قال خوفاً من البطش ، لأنه وجد نفسه لا يقوى عليه .(٢)
وصنيع البخاري يدل على ثقته التامة في علي بن المديني إذ أخرج
عنه ثلاثمائة حديث وثلاثة أحاديث(٣) .
وكفى بهذا تبرئة، وفخراً وتوثيقا وتعديلا.
خلاصة القول إذن في عقيدة ابن المديني في القرآن أنه كان صحيح
العقيدة ، وما قاله عن خلق القرآن إِنما كان بدافع الخوف من القتل فقد
قال لعلي بن الحسين بن الوليد حين ودعه: (( بلغ أصحابنا عني أن القوم
كفار ضلال، ولم أجد بداً من متابعتهم)) (٤).
وإن كان هذا تلميحاً ، فهناك تصريح عنه بذلك ، قال محمد بن
عثمان بن أبي شيبة : سمعت علي بن المديني يقول : - قبل موته بشهرين -
من قال : القرآن مخلوق فهو كافر (٥) .
رحمه الله وسامحه بمنه وكرمه .
وفاته :
مات ابن المديني يوم الاثنين ليومين بقيا من ذي القعدة سنة أربع
(١) ((طبقات الشافعية)) للسبكي ٢ : ١٤٧.
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ٣: ١٤١ .
(٣) (تهذيب التهذيب)) ٧: ٣٥٧.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٤١١: ٤٧١.
(٥) (( شرح علل الترمذي)) لابن رجب ٤٩ - أ، و((ميزان الاعتدال))
٣: ١٤١ وسؤالات محمد بن أبي شيبة لابن المديني ٢٢٣ - أ وانظر أيضا
(( العلم الشامخ)) للمقبلي ٣٠٤.
- ١٧ -
العلل م - ٢

وثلاثين ومائتين بعسكر (١).
رحمه الله رحمة واسعة وسامحه بمنه وكرمه وأسكنه فسيح جناته.
(١) ((تاريخ بغداد)) ١١: ٤٧٣؛ القيسراني الجمع بين رجال
الصحيحين ٣٥٦، البخاري، ((التاريخ الكبير)٢/٣: ٢٨٤.
ونقل الخطيب في وفاته قولا آخر وهو سنة ٢٣٥ .
وذكر الخليلي في ((الارشاد)) ١٠٠ - أ وفاته في عام ٢٣٨؛ كما ورد
في الفهرست لابن النديم ٢٣١ : أنه مات بسامرا عام ٢٥٨ وهو تصحيف
بین .
- ١٨ -

نسختنا؛ وصفها، وصحة نسبتها إلى المؤلف :
هذه المخطوطة فريدة في بابها ، وهي ضمن مجموعة مسجلة تحت
رقم (٦٢٤) في مكتبة سلطان أحمد الثالث باستانبول .
وذكر الأستاذ فؤاد سز كين هذه الرسالة في كتابه :
Geschichte Des Arabischen Schrifttum
Band I. Z. 108
كما ورد ذكرها في فهرس المخطوطات المصورة بجامعة الدول العربية
المجلد الثاني رقم (٧٤٣).
تقع هذه الرسالة في ٢٥٥ د - ٢٦٨ ومسطرتها خمسة وعشرون
سطراً في كل صحيفة .
نسخها أبو بكر بن علي بن اسماعيل الأنصاري سنة سبعمائة وثمان
وعشرين من الهجرة النبوية ، كما هو مكتوب في نهاية المجلد .
عملي في الكتاب :
١ - إثبات صحة نسبة المخطوطة إِلى المؤلف :
أول عمل قمت به هو دراسة إسناد النسخة إلى المؤلف لإثبات صحة
نسبة هذه المخطوطة إلى ابن المديني ، وكانت النتيجة مرضية ، كما
تتضح بعد قليل .
٢ - تحقيق نص الكتاب :
بما أنه لا يعرف للكتاب نسخة أخرى ، وكانت النسخة - وهي
الوحيدة - سقيمة إلى حد كبير ، خالية عن الإعجام أحيانا ، لذلك عمل
تحقيق نص الكتاب - وهو الهدف الأساسي من تحقيق المخطوطات -
- ١٩ -

لم يكن سهلا ميسراً . ولكي أطمئن على صحة النص ، قمت بمراجعة.
النصوص في مظانها من كتب الحديث والتفسير والتراجم وغير ذلك ،
وتمكنت - بحمد الله - من إرجاع النصوص إما إلى مصادرها أو الى
من نقل عن ابن المديني. وتمكنت من فضل الله بملء بعض البياض
الموجود في أصل النسخة .
٣ - تخريج الأحاديث الواردة في الرسالة :
لقد قمت بتخريج الأحاديث الواردة في الرسالة ، وما فاتني إلا
شيء قليل ، ولو أن الأمر كان معقدا ، إِذ يذكر ابن المديني كثيراً ما طرف
الحديث أو جزءا منه فقط .
ولم أنكلم عن الأحاديث تصحيحاً أو تضعيفاً، لأن هذه المهمة قام
بها امام أئمة الجرح والتعديل ابن المديني نفسه ، فكفانا مؤنة الكلام .
صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف :
نجد في بداية المخطوطة الإسناد التالي :
قال : أخبرنا الشيخان الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد
أحمد السّلفي الأصفهاني ، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى في
كتابهما إليّ .
قالا : أنا أبو الحسن علي بن مشرف بن مسلم الأنماطي من أصل
سماعه قال الحافظ أبو طاهر : وأخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين
- ٢٠ -