Indexed OCR Text

Pages 61-80

وأرسل له محمد بن سليمان السرخسي عشرة آلاف درهم فقال أحمد
الرسول محمد السرخسي: جزاه الله خيراً نحن في غنى وسعة وأبى أن
يأخذها، فراجعه فقال: دعنا نكن أعزاء.
معيشة الإمام أحمد:
:
إن طلب العلم والفقه كاد أن يكون متلازماً للفقر، فبقدر ما يصرف
المرء همه وهمته في الطلب والتحصيل ينقص حظّه من الدنيا إلا أن يكون
له مورد غير الكسب الخاص وإذا زاد على ذلك زهد الطبع والقناعة البالغة
فلا تسأل عن ضيق معيشته وإن الطالب المثالي لهذه الأمة وفقيه
الصحابة، أبا هريرة رضي الله عنه يروي لنا من حاله في الطلب ثم فقره
وعوزه، فيما أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب العلم قال باسناده:
قال أبو هريرة رضي الله عنه، إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة،
ولولا آتيان في كتاب الله ما حدثت حديثاً. ثم يتلو ((إن الذين يكتمون
ما أنزلنا من البينات إلى قوله الرحيم».
إن اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا
من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم
رسول الله ** بشِبْع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا
يحفظون .
وكان الإمام أحمد من أولئك المخلصين للطلب والتحصيل، ولم يتفرغ
لتجارة ولا لعمل خاص مستمر، وانما اقتنع باليسير مما كان يأتيه من كراء
دار له ومن عمله بيده أو بيد أهله.
ذكر ابن الجوزي في المناقب :
٦١

كان أحمد رضي الله عنه خلف له أبوه طرز [ أي حوانيت للحياكة،
تحاك فيها الثياب] وداراً يسكنها و کان یکري تلك الطرز ويتعفف بکرائها
عن الناس. ويبدو أنه كان يكري جزء من الدار أيضاً، وإن أجرة هذه
الطرز والدار لم تكن كافية لسد حاجته. كما يظهر مما ذكر محمد بن يونس
البلدي قال: كنت جالساً مع أبي عبد الله فجاءه بعض سكانه بدرهم
ونصف، فلما وقع في يده تركني، وقام فدخل إلى منزله، ورأيت السرور
في وجهه، فظننت أنه كان قد أعدّه لحاجة مُهمّة. ولما لم تكن هذه الغلة
كافية لنفقته كان يخرج إلى اللقاط .
قال أبو جعفر الطرسوسي حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله قال لما
نزل عَلَيّ خرج في اللقاط، فجاء وقد لقط شيئاً يسيراً، فقلت له: قد
أكلتَ أكثر مما قد لقطت، فقال: رأيتُ أمراً استحييت منه رأيتهم
يلقطون، فيقوم الرجل على أربع، وكنتُ أَنْحقُ إذا لقطتُّ.
وقال أبو بكر المروذي. قال لي أبو عبد الله: خرجتُ إلى الثغر على
قدمي، فالتقطنا، وقد رأيت قوماً يفسدون مزارع الناس، لا ينبغي لأحد
أن يدخل مزرعة رجل إلا بإذنه.
وقال اسحاق بن راهويه: كنت أنا وأحمد باليمن عند عبد الرزّاق
وكنتُ أنا فوق الغرفة، وهو أسفل. وكنتُ إذا جئت إلى موضع، اشتريت
جارية، قال: فاطلعت على أن نفقته فنيت، فعرضت عليه. فامتنع.
فقلتُ: إن شئت قرضاً وإن شئت صلة، فأبى، فنظرت فإذا هو ينسج
التكك، ویبیع ويُنفق.
:
وقد تقدم أنه احتاج في بعض أيامه فأكرى نفسه من الحمّالين. وربما
احتاج وأعوزه الفقر، فكان ينسخ الكتب للناس بأجرة فقد سبق أن ذكر
٦٢

ما روى أبو نعيم في الحلية عن علي بن الجهم قال: كان جار فأخرج إلينا
كتاباً فقال: أتعرفون هذا الخط ؟، قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل.
فقلنا له: كيف كتب ذلك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن
تعيينة، فقصدنا أحمد بن حنبل أياماً فلم نره، ثم جئنا إليه، لنسأل عنه.
فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه، والباب
مردود عليه، وإذا عليه خلقان، فقلنا له: يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم
نرك منذ أيام، فقال: سرقت ثيابي، فقلتُ له: معي دنانير، فإن شئت خذ
قرضاً وإن شئت صلة فأبى أن يفعل. فقلت: تكتب لي بأخذه [ كذا في
الكتاب والذي يبدو أن الصواب بأجرة] قال: نعم، فأخرجت ديناراً فأبى
أن يأخذه. وقال: اشتر لي ثوباً واقطعه بنصفين فأومى أنه يأتزر بنصف
ويرتدي بالنصف الآخر، وقال:
جئني ببقيته، ففعلت، وجئت بورق وكاغد، فكتب لي فهذا خطّه.
وكان هناك لمعيشة الإمام مصدر آخر ضعيف أيضاً في بعض
الأحيان، وكان يكون قوته وقوت عياله.
فقد كانت زوجته أم صالح تَغْزل في البيت .
روى ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد قال: قال أبي:
إن كانت والدتك في الغلاء تغزل غزلاً دقيقاً، فتبيع الأستار بدر همين
أقل أو أكثر فكان ذلك قوتنا .
وهذا الدخل المحدود وهو أيضاً غير مستقر، يصوّر لنا مستوى معيشة
الإِمام وأهله في المأكل والملبس، وقد رأينا في صفته وهيئته كيف كان
لباسه .
وأما من حيث المأكل فقد روى لنا صالح ابن الإمام فيما روى عنه
٦٣

ابن أبي حاتم قال:
ربما رأيت أبي رحمه الله يأخذ الكسر فينفض الغبار عنها ثم يُصَيّرها في
قصعة، ويصبُّ عليها ماءاً حتى تبتلّ ثم يأكلها بالملح ما رأيت أبي قط
اشترى رُقّاناً ولا سفرجلاً وشيئاً من الفاكهة إلا أن يكون يشتري بطيخة
فيأكلها بخبز أو عنباً أو تمراً، فأما غير ذلك فما رأيته اشتراه.
وقال أيضاً: كان ربما خبز له فيجعل في فخارة عدساً وشحماً وتمرات
شهرين. فيجيء إلى الصبيان بقصعة. فيصوت ببعضهم. فيدفعه إليهم
فيضحكون، ويأكلون وكثيراً ما يأتدم بالخل.
ووجد الإِمام مرة برداً في أطرافه. فقال: ما أراه إلا من إدامِيْ أكل
الخل والملح.
كرم الإمام وجوده مع ضيق الحال:
روى ابن الجوزي في المناقب عن أبي بكر المروذي قال: كان أبو
عبد الله ربما وأسى من قوته، وجاء أبو سعيد الضریر فشکی فقال له: يا
أبا سعيد ما عندنا إلا هذا الجذع، فجيء بجمال يحمله قال: فأخذت
الجذع فبعته بتسعة دراهم ودانقين.
وعن يحيى بن هلال الوراق قال: جئت إلى محمد بن عبد الله بن نمير
فشكوت إليه، فأخرج إلى أربعة دراهم أو خمسة دراهم وقال: هذا نصف
ما أملك.
--
قال وجئت مرة إلى أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فأخرج إلي
أربعة دراهم وقال: هذه جميع ما أملك.
وعن هارون المستملي قال: لقيت أحمد فقلت: ما عندنا شيء،
٦٤
:

فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
وحتى إنه كان ينفق من طعامه الذي هو أحوج إليه لبعض الدواب
ويؤثره على نفسه رحمة الله عليه.
قال المروذي: كنت مع أبي عبد الله في طريق العسكر فنزلنا منزلاً
فأخرجت رغيفاً ووضعت بين يديه كوز ماء، فإذا بكلب قد جاء. فقام
بحذائه، وجعل يحرك ذنبه، فألقى إليه لقمة، وجعل يأكل ويلتقي إليه لقمة،
فخفت أن يضر بقوته فقمت فصحتُ به لأنحيه من بين يديه، فنظرت إلى
أبي عبد الله قد احمَارّ وتغيّر من الحياء، وقال: دعِه فإن ابن عبّاس قال:
لها نفس سُوءٍ.
عيال الإمام أحمد:
لم يتزوج الإمام أحمد إلا بعد ما بلغ أربعين سنة كما روى المروذي
وأول زوجاته :
عباسة بنت الفضل أم صالح، ولم يولد منها غير ابنه صالح ثم تزوج:
ريحانة وهي أم عبد الله ولم يولد منها غيره وكانت امرأة صالحة ترى
السعادة في رضى زوجها، فلما قَضَّت سبعة أيام قالت للإمام كيف رأيت
يا ابن عم انكرت شيئاً؟ قال: لا إلا أن نّغلك هذه تصر.
وفي رواية أخرى قالت امرأة أحمد لأحمد بعدما دخلت عليه بأيام: هل
تنكر مني شيئاً؟ قال: لا إلا هذه النعل التي تلبسينها ولم تكن على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فباعتها واشترت مقطوعاً فكانت تلبسها وهي أم عبد الله.
٦٥

سراريه :
قال الخلال حدثنا زهير بن صالح قال: لما توفيت أم عبد الله، اشترى
محُسن. فولدت له منه أم علي واسمها زينب ثم ولد الحسن والحسين توأماً
وماقا بالقرب من ولادتهما. ثم ولدت الحسن ومحمداً فعاشا حتى صارا من
"السن إلى نحو الأربعين ثم ولدت بعدهما سعيداً.
ذكر ابن الجوزي الزوجتين المذكورتين أم صالح وأم عبد الله وهذه
الجارية ثم قال:
ما عرفنا أن أحمد رضي الله عنه تزوج سوى المرأتين اللتين ذكرناهما
ولا تسرّى إلا بهذه الجارية واسمها حسن إلا أن ابن المنادى ذكر في
كتاب فضائل أحمد أن أحمد استأذن أهله أن يتسرى طلباً للإتباع فأذنت
له، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها ريحانة استناناً برسول الله (خل
فعلى هذا یکون قد اشتری جاریتین وتکون إحداهما في حياة زوجته.
وضعف الذهبي في تاريخه قول ابن المنادى هذا.
أولاد الإمام أحمد:
١ - صالح وهو أكبر أولاده كنيته أبو الفضل ولد سنة ٢٣٠ وتوفي في
رمضان سنة ٢٦٥، بأصفهان.
٢ - عبد الله وتأتي ترجمته منفصلة.
٣ - الحسن بن أحمد عاش نحو أربعين سنة.
٤ - محمد بن أحمد عاش نحو أربعين سنة.
٥ - سعید بن أحمد .
٦ - زينب بنت أحمد وقد كبرت وبلغت الزواج.
٧ - ذكرت له بنت آخر فاطمة بنت أحمد.
٦٦
:

فيه خلق القرآن ومخمسة الإمام أحمد رحمه الله
إن أبرز الأمور في حياة الإمام أحمد موقفُه التبيل الشجاع في فتنة
القول بخلق القرآن. فتنة عمياء هوجاء هبَّت سمومها في عهد الخليفة .
العباسي مأمون. وإن كانت جراثيمها قديمة وجذورها عميقة، فإن حلقاتها
تتصل باليهودية الحاقدة الحانقة على الإسلام والمسلمين.
وغُذِيت هذه الفتنة بالفلسفة اليونانية والرومانية التي تُرجمت بجميع
◌ُبْئها ودرّنها وشر کیاتها ووثنیاتها.
ولو اقتصرت الترجمة على علوم الطب والعلوم الإنسانية الأخرى
واستفاد منها المسلمون في أمور دنياهم لكان أمراً محموداً، فإن ديننا دين
فطرة يأمرنا ألا ننسى أنصباءنا من الدنيا.
ولكن يُحدثنا التاريخ أن الترجمة اشتملت بل استوعبت أفكار الفلسفة
الباطلة المتعلقة بالعقيدة وذات الباري جَلّ وعَزّ وصفاته أيضاً، مما لا
حاجة فيها للمسلمين وقد بينها رسولنا# أوضح بيان وفهمها الرعيل
الأول من هذه الأمة فهماً واضحاً من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا
تكييف ولا تعطيل أمُرُّوها على ظاهرها. وهل تجد منهم أحداً ولو كان
أعرب الأعراب وأغرق الناس في البداوة أشكلت عليه آيات الأسماء
الصفات؟ لا وكلا.
وللمسلمين في كل زمان ومكان مندوحةٌ في فهم أصحاب
٦٧

المصطفى مخ لهذا الدين الحنيف عقيدة وسلوكاً ولن يصلح آخر هذه الأمة
إلا بما صلح به أولها.
ولما دخلت الأفكار الفاسدة أحدثت فيهم انكار الصفات كُلياً أو
جزئياً أو تأويلها أو تعطيلها مع شكوك وشبهاتٍ أخرى. كما حدث
التجهم والإعتزال والأشعرية كعقيدة.
وبالحملة أصل هذه المقالة الخبيثة هو التأثر باليهودية المغذَّاة بالفلسفة
والسفسطة الكافرة. تصل جذورها باليهود الذين كانوا في عهد النبي
وكانوا يقولون بخلق التوراة.
قال ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة ٢٤٠ :
وفيها توفى القاضي أبو عبد الله أحمد بن دُؤاد في المجرم بعد ابنه أبي
الوليد بعشرين يوماً، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من
مذاهب المعتزلة وأخذ ذلك عن بشر المريسي وأخذه بشر من الجهم بن
صفوان، وأخذهِ جَهْم من الجَعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن
سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه.
وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سَحَرّ النبي ◌َ ، وكان
لبيد يقول: بخلق التوراة، وأول من صنّف في ذلك طالوت، وكان
زنديقاً، فأفشى الزندقة (١) .
ورجال هذه السلسلة الزائفة يهود أو من أصل يهود، وأما بشر بن
غياث المريسي الذي تولى كبر هذه الفتنة في وقته وكان عين الجهمية
ورأسهم وعالمهم في عصره فقد كان أبوه يهودياً.
(١) الكامل ٧: ٧٥.
٦٨

روى الخطيب في تاريخه عن اسحاق بن ابراهيم الملقب بلؤلؤ،
الصدوق الثقة قال: مررتُ بالطريق فإذا بشر المرّيسي والناس عليه
مجتمعون. فمر يهودي، فأنا سمعته يقول:
لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبو علينا الثورة يعي أن أباه كان
يهودياً (١).
وقال العجلي في ثقاته :
بشر المريسي عليه لعنة الله مرة واحدة، شيخ قصير دميم المنظر، وسخ
الثياب، وافر الشعر، أشبه شيء باليهود، وكان أبوه يهودياً، صباغاً بالكوفة
في سوق المراضع. ثم قال: ((لا يرحمه الله فلقد كان فاسقاً)) (٢).
وقال المروذي سمعت أبا عبد الله وذكر المريسي فقال: كان أبوه
يهودياً، أي شيء تراه يكون (٣).
وملخص الفتنة والمحنة أن المأمون الخليفة العباسي كان قد استحوذ
عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق وزيّنوا له القول بخلق
القرآن ونفى الصفات عن الله عز وجل.
قال البيهقي: لم يكن في الخلفاء قبله في بني أمية وبني العباس خليفة
إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما وُلِّي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء
فحملوه على ذلك، وزيّنوا له، واتفق خروجه إلى طرطوس لغزو الروم،
فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب صاحب الشرطة،
بأمره أن يدعوا الناس إلى القول بخلق القرآن. واتفق له ذلك في آخر
عمره قبل موته بشهور من سنة ٢١٨.
(١) تاريخ بغداد ٥٨:٧.
(٢) ثقات العجل ٢٤٧:١ -٢٤٨.
(٣) سيرة أعلام النبلاء ٢٠١:١٠، الميزان ٣٢٣:١.
٦٩

فلما وصله الكتاب، استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى
ذلك، فامتنعوا فتهدّدهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم
مكرهين. واستمر على الإمتناع الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح،
فحملا على بعير مَحمّلٍ واحد مقيد بين متعادلين.
فلما كان ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من مُبَّادهم. يقال
له جابر بن مُمر فسلّم على الإمام وقال له:
يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شُؤماً عليهم، وإنك رأس الناس
اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيحيبوا، فتحمل أوزارهم يوم
القيامة. وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنه ما بينك وبين
الجنة إلا أن تقتل. وإنك إن لم تقتل تمُت، إن عِشْتَ عِشت حميداً.
قال الإمام: وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الإمتناع.
فلما اقتربا من جيش الخلافة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح
· دموعه بطرف ثوبه ويقول :
يَعِزُّ عليَّ يا أبا عبد الله أن المأمون قد سَلّ سيفاً لم يُسلَّه قبل ذلك،
وأنه يُقسم بقرابته من رسول الله : لئن لم تجبهُ إلى القول بخلق القرآن
ليقتلك بذلك السيف.
قال: فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورَمَقَ بطرفه إلى السماء وقال:
سيدي غرّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل.
اللهم فإن يكن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته.
قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل.
قال أحمد: ففرحنا، ثم جاء الخير بأن المعتصم قد ولي الخلافة وقد
٧٠

انضم إليه أحمد ابن أبي دُؤاد، وأن الأمر شديدٌ فرُدِدنا إلى بغداد في سفينة مع
بعض الأساري، ونالني منهم أذى كثير. ومات محمد بن نوح في الطريق
فصلى عليه أحمد.
فلما رجع إلى بغداد دخلها في رمضان فأودع في السجن نحواً من ثمانية
وعشرين شهراً. يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه.
ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم.
فلما أدخل على المعتصم زادوه في القيد.
قال الإمام: فلم استطع أن أمشي بها فربطتها في التِكَّة وحَمَلتُها
بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها فكدت أن اسقط على وجهي من
ثقل القيود، وليس معي أحد يُمسكني، فسلّم الله حتى جئنا دار المعتصم.
فأدخلت في بيت وأغلق عليّ وليس عندي سراج فأردت الوضوء، فمددت
يدي فإذا إناء فيه ماء، فتوضأت، ثم قُمتُ ولا أعرف القبلة، فلما
أصبحت إذاً أنا على القبلة ولله الحمد .
ثم دُعيتُ، فأدخِلتُ على المعتصم، فلما نظر إليَّ وعنده ابن أبي دُؤاد
قال: أليس قد زعمتُم أنه حدث السِنّ، وهذا شيخ مكهل.
فلما دنوتُ منه وسلَّمت عليه قال لي: أدنُه فلم يزل يُدنيني حتى قربتُ
منه، ثم قال: إجلس، فجلستُ وقد اثقلني الحديد فمكثت ساعة ثم قلت :
يا أمير المؤمنين إلامَ دعا إليه ابنُ عمَّك رسول الله وَ هَ؟ قال: إلى شهادة
أن لا إله إلا الله. قلت فإني أشهد أن لا إله إلا الله، ثم ذكرتُ له حديث
ابن عباس في وفد عبد القيس. ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسول
الله عليه. قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه.
ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي، لم أتعرض
٧١

إليك. ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت:
الله أكبر هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن كلِّمه.
وجرت مناظرات طويلة. فقال ابنُ أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين
ضال مُضِل مبتدع وهنا قضاتك والفقهاء فسَلهُم. فقال لهم: ما تقولون
فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم احضروه في اليوم الثاني وناظروه ثم
في اليوم الثالث. وفي ذلك كلَّه يعلو صوته عليهم وتغلب حجته حُجَجهم
فإِذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد وكان من أجهلهم بالعلم
والكلام. وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا
ينكرون الآثار، ويردُّون الإحتجاج بها، وفي أثناء ذلك كله يتعطّف به
الخليفة، ويقول :
يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصّتي ومِمَّن يطأ بساطي،
فيقول الإمام:
يا أمير المؤمنين يأتولي بآية من كتاب الله أو سُنّةٍ عن رسول الله ومثله
حتی أجیبهم إليها .
فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا
أمير المؤمنين: هذا كافرٌ ضال، مُضِل. وقال له اسحاق بن ابراهيم نائب
بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلَّي سبيله ويغلب
خليفتين، فعند ذلك حَمِي، واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكةُ وهو يظن
أنهم على شيءٍ.
قال الإمام أحمد فعند ذلك قال لي: لعنك الله طمعتُ فيك أن تجيبني،
ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه.
٧٢

قال الإمام: فأخذت وسُحِبت وُلِعتُ وجيء بالعقابين (١) والسياط
وأنا أنظر وكان معي شعرات من شعر النبي ◌ّ مَصرورة في ثوبي.
فجردوني منه وصرتُ بين العقابين فقلت: يا أمير المؤمنين، الله الله، إن
رسول الله به قال: لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا
بإحدى ثلاث وتلوتُ الحديث. وأن رسول الله وَّ قال: أمرت أن أقاتل
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم
وأموالهم. فبم تستحل دمي ولم آت شيئاً من هذا؟
يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك فكأنه
أمسك. ثم لم يزالوا به يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل، كافر.
فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقِمتُ عليه وأمرني بعضهم أن
آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي، وجيء بالضرابين
ومعهم السياط. فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له: يعني المعتصم:
شُدّ قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك
فضربوني أسواطاً فأغمي عليّ وذهب عقلي مراراً فإذا سكن الضرب يعود
عليّ عقلي. وقام المعتصم إليّ يدعوني إلى قولهم. فلم أجبه، وجعلوا
يقولون: ويحك، الخليفةُ على رأسك، فلم أقبَلْ، وأعاد والضربَ ثم عاد
إلَيَّ، فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إليّ الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما
قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحسَّ بالضرب
وأرعَبَه ذلك من أمري، وأمرني فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من
بيت. وقد أطلقت الأقياد من رجلي وكان ذلك في اليوم العشرين من
رمضان من سنة إحدى وعشرين ومأتين.
وكان جملة ما ضرب نيفاً وثلاثين سوطاً وقيل: ثمانين سوطاً ولكن
(١) العقابان: خشبتان يشج (أي يَمُدّ) الرجل الجلدُ بينهما .
٧٣

كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً (١) ..
ويقول أشاباض أحد الجلادين: ضربتُ أحمد بن حنبل ثمانين سوطاً ،
لو ضربته فیلا لهدمته (٢).
وذكر أبو العرب التميمي في كتاب المحن عن أبي عمران موسى بن
الحسن البغدادي الصقلي (٣) قال: حضرت أمر أحمد بن محمد بن حنبل.
إذ أحضر (المعتصم) أحمد وأمر الجلادين، فعلقوه بين السماء
والأرض، ووقّف له ستين جلاداً ثلاثين ناحية وثلاثين ناحية .. فقام.
إليه المعتصم فقال: ويحك يا أحمد إني أسأل الله أن لا يبتليني بك. ما
تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق فأمر به
فضرب. ثم سأله، فأعاد قوله الأول كلام الله فأمر فأعادوا عليه الضرب،
ثم قام إليه فناشده الله في نفسه وأمر بمسورتين (٤) فوضعتا تحت رجليه،
فكان معلّقاً بين السماء والأرض، ثم سأله المعتصم عن القرآن، فقال له:
كلام الله وكلام الله غير مخلوق. فقال له رجل من الجلادين: يا أمير.
المؤمنين إن أردت ضربته سوطين أقتله فيها، فضربه سوطين شق منهما
خصريه وسالت أمعاءه. فأمر به فأخرج من الحديد وشد بثوب تام وصاح
الناس والعامة، وخرج الجلادون، فقالوا مات أحمد وذكروا للعامة أنهم
أخرجو من رجليه الحديد وهو على وجهه، ثم خرج أبو اسحاق عدو الله من
القصر وابن أبي دؤاد الزنديق في موكب عظيم فحالت العامة بين أبي
اسحاق وبين الجسر حتى خاف على نفسه وأسمعوه ما يكذّره (٥).
(١) تاريخ ابن كثير ببعض الإختصار ٣٣١:١٠-٠٣٣٥
(٢) المنهج الأحمد ٤١:١.
(٣) ترجمه في تاريخ بغداد ٤٦:١٣ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
(٤): المسورة متكأ من أدم.
(٥) كتاب المحن ٤٣٩ - ٤٤٠ تحقيق يحيى الجبوري طبعة دار الغرب الإسلامي ١٤٠٣.
٧٤

ولما حمل الإمام من دار الخلافة إلى دار اسحاق بن ابراهيم وهو صائم
اتوه بسويق ليفطر من الضعف، فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين
حضرت صلاة الظهر صلى معهم والدم في ثوبه، فقال له ابن سماعة
القاضي، وصليت في دمك؟ فقال له أحمد: قد صلى عمر وجُرحُه يثعب
دماً فسكت
قلت : إن الصلاة التي صلاها الإمام في دمائه لهي أفضل إن شاء الله
عند الله بآلاف الدرجات من صلواتهم بطهاراتهم الظاهرة الكاملة، لأن
صلواتهم مشوبة بالبدع وفساد العقيدة وأما صلاة الإمام فهي خالصة من
أي شائبة يُزينها الوسام الكريم بالجراحات الله وفي سبيل الله. وهذا الدم
الشريف الذي سأل منه لوجه الله يأتي يوم القيامة إن شاء الله. اللون
لون الدم والريح ريح المسك يرفع الله به درجاته عنده.
ولما رجع الإمام إلى منزل إسحاق بن ابراهيم صاحب الشرطة جاءه
الجرايحي، فقطع لحماً ميتاً من جسده وجعل يداويه، والنائب في كل وقت
يسأل عنه، لأن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندماً كثيراً وجعل
يسأل النائب عنه، والنائب يستعلم خبره، فلما عوفى فرح المعتصم
والمسلمون بذلك.
ولما سار الإِمام بعد برئه إلى منزله لزم منزله ولم يزل كذلك مدة خلافة
المعتصم. وكذلك في أيام ابنه الواثق فلما ولى المتوكل على الله الخلافة
استبشر الناس بخلافته فإنه كان محباً للسنة وأهلها ورفع المحنة عن الناس
وكتب إلى الآفاق: لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن. وأكرم الإمام
إكراماً بالغاً. حتى إنه كتب إلى نائبه ببغداد أن يحمل إليه الإمام فاعتذر
الإمام ثم عزم عليه أنه يحب أن يأنس بقربه وبالنظر إليه وحصول البركة
من دعائه فسار إليه الإمام وهو عليل في بعض بنيه. فأنزله منزلاً كريماً في
٧٥

غاية التعظيم والتكريم وكتب الخليفة لأهله وأولاده كل شهر بأربعة آلاف
درهم فمانع أبو عبد الله الخليفة فقال الخليفة لابد من ذلك وما هذا إلا
لولدك فأمسك أبو عبد الله عن الممانعة ثم أخذ يلوم أهله وعمه.
وبعد أيام انصرف الإمام فدخل بغداد مختفياً وكان الخليفة يوفد إليه
في أمور يُشاورُه فيها ويستشيره في أشياء تقع له (١).
ولما ارتفعت عنه المحنة واستبدل الله بها، اعتراف فضله لدى الخاصة
والعامة. بل والخليفة يسمع لمشورته وارشاده وأمكن الله الإمام من أعدائه
الذين تسبّبُوا له الإيذاء هل انتقم من أحد؟ كلا ولاً يرجى من رجل طبعه
الله على الحلم والزهد واحتساب الأجر عند الله، أن يطلب الإنتقام من
أحد .
ولما استدْعاه المتوكل وقارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب
عظيم فسلم على الإمام فرد عليه السلام وقال له الوصيف. قد أمكنك الله
من عدوك ابن أبي دؤاد فلم يرد عليه جواباً ولا نجد ذكراً أن الإمام انتقم
منه أو أراد ذلك قط .
وكذلك جعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة و کان يتلو في ذلك.
قوله تعالى، وليعفوا أو ليصفحوا الآية ويقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك
المسلم بسببك وقد قال تعالى: فمن عفا وأصلح فأصلح على الله إنه لا يحب
الظالمين.
قال حنبل: سمعته يقول: كل من ذكرني في حِلّ إلا مبتدع وقد
جعلت أبا اسحاق يعني المعتصم في حلّ.
(١) رسالة صالح بن أحمد والبداية والنهاية ٣٣٨:١٠ وما بعدها ومناقب أحمد ٣٠٨ وما
بعدها .
: ٧٦

وفي رواية ابن عبد الله عن أبيه: قال: وجّه إلى الواثق أن أجعل
المعتصم في حل من ضربه إياي فقلتُ ما خرجت من داره حتى جعلته في
حلِّ وذكرت قول النبي#: لا يقوم يوم القيامة إلا من عفا فعفوت عنه.
ولا يرجى من إمام السنة إلا هذا الموقف النبيل لا يُضمر حقداً على
أحدٍ لنفسه في حين أن أتباعه كانوا يريدون اثارته في بعض الأيام ولكنه
لم يحد عن المنهج القويم قيد شعرة.
قال حنبل بن اسحاق ابن عم الإمام في كتاب المحنة:
لما أظهر الواثق هذه المقالة، وضرب عليها وحبس جاء نفر إلى أبي
عبد الله من فقهاء أهل بغداد منهم بكر بن عبد الله وإبراهيم بن علي
المنجي، وفضل بن عاصم وغيرهم فأتوا أبا عبد الله فدخلت عليه
فاستأذنت لهم، فدخلوا عليه. فقالوا له: يا أبا عبد الله، هذا الأمر قد فشا
وتفاقم، وهذا الرجل يفعل ويفعل، وقد أظهر ما أظهر، ونحن نخافه على
أكثر من هذا وذكروا له أن ابن أبي دؤاد عزم على أن يأمر المعلمين بتعليم
الصبيان، في الكتاب مع القرآن، القرآن كذا وكذا، فقال لهم أبو
عبد الله: فماذا تريدون؟ قالوا: اتيناك لنشاورك فيما نريد، قال: فماذا
تريدون؟ قالوا: ألا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم أبو عبد الله ساعة
حتى قال لهم: فماذا يضرهم إن لم يتم هذا الأمر، أليس قد صرتم من ذلك
إلى المكروه؟ عليكم النكرة بقلوبكم ولا تخرجوا يدا من طاعة ولا تشقوا
عصا المسلمين معكم ولا تسفكو دماء كم ودماء المسلمين انظروا في عاقبة
أمركم. ولا تعجلوا واصبروا حتى يستريح بَرّكم أو يستراح من فاجركم
ودار بينهم في ذلك كلام كثير لم احفظه، واحتج عليهم أبو عبد الله لهذا،
(١) البداية والنهاية ٣٣٨:١٠.
٧٧

فقال بعضهم: إنا نخاف على أولادنا إذا أظهر هذا لم يعرفوا غيره ويمحو
الله الإسلام ویدرس، فقال أبو عبد الله: کلا إن الله عز وجل ناصر دينه
وإن هذا الأمر له رب ينصره، وإن الإسلام عزيز منيع.
فخرجوا من عند أبي عبد الله ولم يجيهم إلى شيء مما عزموا عليه (١)
وكانت محنة الإمام أحمد وخروجه منها صابراً محتسباً بعد هذا الإيذاء
الشديد. أمراً أكرم الله وشرف به هذا الإمام واختصّ به من دونٍ أقرانه.
وجعلها الله كلمة باقية في عقبه، فاجتمعت كلمتهم في الثناء عليه لهذا
الموقف الجليل وبرزت شخصيته علماً وعلامة للسنة وأهلها، قال الإمام
البخاري: لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد
الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني اسرائيل لكان أحدوثة.
وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة وأبو بكر يوم الردة وعمر يوم
السقيفة، وعثمان يوم الذار وعلى يوم الجمل وصفين.
وقال قتيبة: مات سفيان الثوري ومات الورع ومات الشافعي وماتت
السُنّن ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع وإن أحمد بن حنبل قام في
الأمة مقام النبوة قال البيهقي يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في
ذات الله.
وقال بشر الحافي، أدخل أحمد في الكير فخرج ذهباً أحمر.
وقال بن المعلي الرقي: من الله على هذه الأمة بأربعة بالشافعي فهم
الأحاديث وفرها وبيّن مجملها من مفصلها والخاص والعام والناسخ
والمنسوخ وبأبي عبيد بيّن غريبها. ويحيى بن معين نفي الكذب عن
(١) أنظر مفاتيح الفقه الحنبلي ٢٤٧:١ وتاريخ الإسلام للذهبي جزء ترجمة الإمام في طلائع
مسند أحمد ٠١٠٥:١
٧٨

الأحاديث. وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة لولا هؤلاء الأربعة لهلك
الناس .
وقال ابن حبان: أغاث الله به أمة محمد ، وذلك أنه ثبت في المحنة
وبذل نفسه لله حتى ضرب بالسياط للقتل فعصمه الله تعالى عن الكفر
وجعله علماً يقتدي به وملجأ يلجأ إليه (١).
* - أثر المحنة على المجتمع:
العاقبة للمتقين، فالمحنة التي اكتوى بنارها أهل الحديث وعلى رأسهم
الإمام أحمد. استبدلت بالمِنْحَة من عند الله تعالى فبدل أن كانوا في وقت
ما في امتهان وامتحان جاء الوقت فصارت الكلمة لهم وأكرموا اكراماً
بالغاً وأفل نجم المعتزلة الذين كانواقد استحوذوا من قبل على السلطان
واستعملوا القوة لإيذاء أهل السنة ومنعهم من رواية روايات الصفات
والرؤية وأمثالها .
فقد استقدم المتوكل المحدثين إلى سامُراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم
وأمرهم أن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية وجلس أبو بكر بن أبي شيبة
في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس. وجلس أخوه
عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وتوفر
دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه، والتعظيم له، حتى قال
قائلهم ..
الخلفاء الثلاثة أبو بكر الصديق في قتل أهل الردّة وعمر بن عبد
العزيز في رد المظالم، والمتوكل في احياء السنة واماتة التجهم (٢).
(١) أنظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.
(٢) مفاتيح الفقه الحنبلي ١: ٢٣٠ وهو عن تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٤٦.
٧٩

وعكس هذا انقلب الأمر على رؤس الاعتزال ودارت الدائرة عليهم.
فقد ذكر المسعودي في حوادث سنة ٢٣٩ أنه سخط (المتوكل) على
أحمد بن دؤاد وولده أبي الوليد محمد بن أحمد، وكان على القضاء، وأخذ من
أبي الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجوهراً بأربعين ألف دينار،
وحضر إلى بغداد، وقد كان أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فلج بعد موت :
عدوه ابن الزيات بسبعة وأربعين يوماً .
وذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ٢٣٧ وفيها غضب المتوكل
على أحمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه وحبس ابنه أبا الوليد ،.
وسائر أولاده فحمل أبا الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجواهر
قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف درهم،
وأشهد عليهم جميعاً ببيع أملاكهم (١).
* - عتاب الإمام أحمد على الذين أجابوا في المحنة:
كان الإمام أحمد يرجو ويطلب من أصحابه الذين لهم مكانة معروفة
بين الناس علماً وديانة: أن لا يُسارعوا في التقية وأن لا يوافقوا في القول
بخلق القرآن. وكان يرى أنهم لو صبروا كان عند الدولة لهم اعتبار وما
سارعت في تنفيذ ما أراد المعتزلة منها، فلما تسارعوا في استعمال التقيّة
ويقي الإمام وقليل من الآخرين الذين ليست لهم كبير مكانة في الشعب
هانّ على الدولة أن تأخذهم بحجة أن جمهور العلماء والفقهاء معها كما
صارت موافقتهم سبباً لزلزلة أفكار العامة واضطرابها أيضاً ..
وكان نقمة الإمام بالأخص على أولئك الذين لم يدخلوا في المحنة ولم
(١) الكامل ٥٩:٧ .
٨٠