Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً قال! وقد استعملَهُ هو في كثير من كتبه(١)، ومنها: "هَمْعُ الهوامع "(٢). وقال الفيروز آبادي(٣): ((والعِلَّةُ - بالكسر -: المَرَضُ، عَلَّ يَعِلُّ واعْتَلَّ وأَعَلَّهُ اللهُ تعالى؛ فهو مُعَلٌّ وعَلِيلٌ، ولا تقل: مَعْلولٌ، والمتكلِّمون يقولونها، ولستُ منه على ثَلَج)). اهـ. فكأنه متوقّف فيها، مائلٌ إلى تخطئتها . والفيروز آبادي في هذا متابع لابن سِيده الذي نقلَ (٤) استعمالَ الزَّجَّاجِ لها في بحر المتقارِبِ من العَروض، ثم قال: ((وأَرَى هذا إنما هو على طَرْحِ الزائد؛ كأنه جاء على ((عُلَّ))، وإنْ لم يُلْفَظْ به، وإلا فلا وجه له، والمتكلِّمون يَسْتعملون لفظةَ ((المَعْلول)» في هذا كثيرًا، وبالجملةِ فلستُ منها على ثقةٍ ولا ثَلَج؛ لأنَّ المعروف إنما هو: أَعَلَّهُ اللهُ، فهو مُعَلٌّ، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ على ما ذهَبَ إليه سيبَوَيْهِ مِنْ قولهم: ((مَجْنونٌ ومَسْلولٌ))؛ مِنْ أنه جاء على جَنَنْتُهُ وسَلَلْتُهُ، وإنْ لم يُستعملا في الكلام؛ استُغني عنهما بـ((أَفْعَلْتُ)). اهـ. وخلاصةُ ما تقدَّم من كلام هؤلاء الأَئمَّة: أنَّ المَرَضَ يقالُ من (١) انظر مثلاً: "تدريب الراوي" (٨٤/١ و٤١٤)، و"الدر المنثور" (٣٠٢/٤)، و "شرح النسائي" (١٢٨/٨). (٢) (٣٢٧/٢). (٣) في "القاموس المحيط" (٢١/٤). (٤) في "المحكم" (٤٦/١). ٤٢ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً الْمُقَدِّمَةُ الرباعي فقط: ((أَعَلَّهُ))، فهو ((مُعَلٌّ))، ولا يقالُ من الثلاثي: ((عُلَّ)) أو ((عَلَّهُ))، فهو (مَعْلول)) إلا في الشُّرْبِ فقطْ؛ كما في قولٍ كعب بن زُهَيْر رَُ في قصيدتِهِ المشهورة ((بانت سعاد))(١): تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْم إذا ابتسَمَتْ كأنَّه مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلولُ (٢) وما ذكره هؤلاءِ الأَئِمَّةُ مُتَعَقَّبٌ بأنه وقَعَ في كلامِ كثيرٍ ممَّن يُوثَقُ به مِنْ أهلِ العلم والعربية : فهذا الخليلُ بنُ أحمد الفَراهِيدي شيخُ سِيبوَيْهِ استعمَلَ لفظَ ((المَعْلول)) من العِلَّة في علم العَروض الذي اخترعَهُ، وهذا معروفٌ ومشهورٌ في كتب العَروضيين في بابِ الزِّحافات والعلل، ونقله أيضًا ابنُ سيِّد الناسِ في "سيرته"(٣). وهذا أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ استعمَلَ لفظَ («المَعْلول)» في المتقارب (١) "ديوان كعب بن زهير" بتحقيق وشرح د.محمد يوسف نجم، القصيدة (٢٣) (ص٨٤). وانظر "القول المستجاد، في بيان صحَّة قصيدة بانت سعاد" للشيخ إسماعيل الأنصاري كثّفٌ . (٢) تَجْلو: تكشفُ وتُظهِر. العوارِضُ: الأسنانُ ما بَعْدَ الثَّنايا. ذي ظَلْم: يعني الثَّغْر، والظّلْمُ: الماء الذي يجري على الأسنان، فتراه من شدَّة صفائه وشِدَّة رقَّتها وبياضها. مُنْهَلِ: سُقِيَ النَّهَلَ؛ وهو الشَّرْبة الأولى. الرَّاح: الخَمْرة. مَعْلول: سُقِيَ العَلَلَ؛ وهو الشُّرْب الثاني. ومعنى البيت: إذا ما ابتسمَتْ كشَفَتْ عن أسنانٍ بيضاء مُنَضَّدة كأنها سُقيت من خمرة عتيقة مَرَّةً بعد أخرى. انظر حاشية البغدادي على "شرح بانت سعاد لابن هشام" بتحقیق نظيف محرّم خواجه (٤٠٤/١-٤٧٤). (٣) ذكره الشهاب الخفاجي في "حاشيته على درة الغواص" (ص٥٨٨). ٤٣ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً من بحور العَروض، وهو مِنَ العِلَّة؛ كما تقدَّم نقله عن ابن سِيدَه. وهذا ابنُ القُوطِيَّة يقول(١): ((عُلَّ الإنسانُ عِلَّةً: مَرِضَ، وعَلَلْتُهُ بِالشَّرَابِ عَلَّا وعَلَلاً: سقيتُهُ بعد نَهَلٍ)). وكذلك ذكَرَ ((عُلَّ) من العِلَّةِ كُلٌّ من السَّرَقُسْطي(٢)، وابن القَطَّاعِ(٣) . وإذا صَحَّ مجيءُ الثلاثيّ بمعنى العِلَّة والمرض، صَحَّ اشتقاق ((مَعْلول)) منه قياسًا بلا خلاف عند الصرفيين؛ تقول: قُتِلَ زيدٌ، فهو مقتولٌ، وضُرِبَ، فهو مضروبٌ، وعُلِمَ الأَمرُ، فهو معلوم، وهكذا. وكلٌّ من ابن القُوطِية والسَّرَقُسْطي وابن القَطَّاع ذكَرَ الفعلَ الثلاثيَّ في المَرَضِ والشُّرْب، فيكونُ ((مَعْلولٌ)) بمعنى: مريض به عِلَّة، وبمعنى : مَنْ شَرِبَ مرَّة بعد مرَّة. وذكَرَ ذلك أيضًا محمَّد بن المستنير المعروفُ بقُطْرُب تلميذُ سيبوَيْهِ في كتابه "فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ"، واللَّبْلي؛ على ما نقله الزركشي (٤) عنهما. وكذلك الجَوْهَري(٥) حين قال: ((عُلَّ الشَّيْءُ، فهو مَعْلولٌ»: (١) في كتابه "الأفعال" (ص١٧ و ١٨٧)، وانظر حاشية الشهاب الخفاجي على "درة الغواص " (ص٥٨٨). (٢) في كتابه "الأفعال" (٢٠٧/١). (٣) في كتابه "الأفعال" (٣٨٦/٢). (٤) في "نكته على ابن الصلاح" (٢٠٦/١). (٥) في "الصحاح" (٧٧٤/٥). ٤٤ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً الْمُقَدِّمَةُ فقولُهُ: ((الشيء)): دليلٌ على أنه يريدُ العِلَّةَ بمعنى المَرَض، لا بمعنى الشُّرْب، وإلا لقال: ((عُلَّ الإنسانُ أو الحَيَوان))، والله أعلم. وقد ذكَرَ الزركشيُّ(١) كلامَ ابنِ الصلاحِ، والحَرِیري، وابنٍ سِيدَه، ثم تعقّبَهم بقوله : ((الصوابُ أنه يجوز أن يقال: ((عَلَّهُ)) فهو ((مَعْلول))؛ من العِلَّة والاعتلال، إلا أنه قليلٌ، ومنهم مَنْ نَصَّ على أنه فِعْلٌ ثلاثي))، ثم ذكر كلام ابن القوطية وغيره. وإلى الجوازِ أيضًا ذهَبَ ابنُ هِشَام في شَرْحه لقصيدة ((بانتْ سُعَاد))(٢). وقال الفَيُّومي(٣): ((عُلَّ الإنسانُ - بالبناء للمفعول - : مَرِضَ، ومنهم من يبنيه للفاعل، من بابٍ ضَرَبَ؛ فيكونُ المتعدِّي مِنْ بابٍ قتَلَ، فهو ((عليلٌ))، و((العِلَّةُ)): المَرَضُ الشاغلُ، والجمع: ((عِلَل))، مثلُ: سِدْرةٍ، وسِدَرٍ، و((أَعَلَّه اللهُ))، فهو ((مَعْلول))، قيل : من النوادر التي جاءتْ على غير قياس، وليس كذلك؛ فإنه من تداخُل اللغتين(٤)، والأصل: ((أَعَلَّه الله))، فـ((عُلَّ))، فهو ((مَعْلول))، أو مِنْ ((عَلَّهُ)) فيكون على القياس. وجاء ((مُعَلٌّ)) على القياس، لكنَّه قليل الاستعمال، و((اعْتَلّ)): إذا مَرِضَ)). (١) في "النكت" (٢٠٤/١-٢٠٦). (٢) انظر حاشية البغدادي على "شرح بانت سعاد لابن هشام" (٤٦٠/١). (٣) في "المصباح المنير" (ص٤٢٦). (٤) انظر في تداخل اللغتين: "الخصائص" لابن جني (٣٧٤/١ - ٣٩١). ٤٥ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً وتعقّب الشهابُ الخَفَاجِيُّ(١) الحَرِيريَّ في إنكاره قولهم: ((مَعْلول)) بقوله : ((هذا هو المعروفُ في اللغة، لکنَّ ما أنكره وقَعَ في کلام کثیر ممَّن يوثق به من العلماء؛ كالمحدِّثين، والعَروضيين، والأصوليين))، ثم ذكر كلام ابنِ سِيدَه المتقدِّم، ونَقْلَهُ عن أبي إسحاق الزَّجَّاج، كما أورَدَ كلامَ ابن الصلاح والنووي، ثم قال: ((وقال ابنُ سيِّد الناس في " سيرته ": إنه يُستعمَل ((مَعْلول)) من الإعلال أيضًا؛ كما يقول الخليلُ في العَروض، وقد حكاه ابن القُوطِيَّة، ولم يعرفْهُ ابن سِيدَه ... وحكى السَّرَقُسْطي: أَبْرَزْتُهُ بمعنى أَظْهَرْتُهُ، فهو مَبْروز، ولا يقال: بَرَزْتُهُ، وأَعَلَّهُ اللهُ، فهو عَليل، وربما جاء مَعْلولٌ ومَسْقُومٌ قليلاً)). اهـ. وقد استعمَلَ لفظَ ((مَعْلول)) بمعنى المَرِيض وضدّ الصحيح: كثيرٌ ممَّن يوثق بهم في اللغة - سوى مَنْ تقدَّم ذكره منهم - كالإمام الشافعي(٢)، وابنِ جِنِّيْ(٣)، وابنِ السَّرَّاجِ (٤)، والرُّمَّاني(٥)، والْمُطَرِّزي(٦)، وابنِ هشام(٧)، والزَّبِيدي(٨)، وغيرهم. (١) في "حاشيته على درة الغواص" (ص٥٨٨). (٢) في "الأم" (١٥٦/٣). (٣) في "الخصائص" (١٥٥/١ و١٧٤ و١٧٧)، و(١٧٢/٢)، و"سر صناعة الإعراب" (١/ ٢٥٢). (٤) في "الأصول في النحو" (١٨٧/٢). (٥) في "الحدود" (ص٦٧ و ٨٥). (٦) في "المغرب" (٨٠/٢). (٧) في "شرح شذور الذهب" (ص٢٤١ و ٢٤٢). (٨) في "تاج العروس" (٣١٨/٥). . ٤٧ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا يُعَرِّفُ علماءُ الحديث العِلَّةَ: بأنها أسبابٌ غامضةٌ خَفيَّةٌ قادحةٌ في صِحَّةِ الحديث، مع أنَّ الظاهرَ السلامةُ منها. ويعرِّفون الحديثَ المعلول : بأنه الذي اظُلِعَ فيه على عِلَّةٍ تَقْدَحُ في صِحَته، مع أنَّ الظاهرَ السلامةُ منها(١). وعرَّفه الحافظُ العراقي (٢) مَرَّةً بنحو هذا التعريف، ونقَلَ البِقَاعِي (٣) عنه تعريفًا آخَرَ قال فيه: ((والمعلَّلُ خبرٌ ظاهرُهُ السلامةُ، اظُلِعَ فيه بعد التفتيش على قادح)»، وهذا التعريفُ اختاره الحافظ السخاوي(٤)، ولم يَنْسُبه إلى أحد، وهو الذي رجَّحه الدكتور همام سعيد(٥)؛ لأنه تعريف جامعٌ مانع كما قال. ولِكَيْ تَتَحقَّقَ العِلَّةُ - على كلا التعريفين - لابُدَّ فيها من شرطين: أ - الغُمُوض والخَفَاء. (١) انظر "معرفة علوم الحديث" لابن الصلاح (٥٠٢/١ - التقييد)، و "المنهل الروي" لابن جماعة (ص٥٢)، و"الشذا الفياح" للأبناسي (٢٠٢/١)، و"المقنع" لابن الملقن (٢١٢/١)، و"النكت على ابن الصلاح" (٧١٠/٢)، و"فتح المغيث" للسخاوي (٢٦٠/١)، و "تدريب الراوي " للسيوطي (٤٠٨/١). (٢) في "شرح الألفية" (ص١٠٤). (٣) في "النكت الوفيّة، بشرح الألفية" (ص١٠٥/ حاشية "شرح الألفية" للعراقي). (٤) في "فتح المغيث" (٢٦١/١). (٥) في مقدمة تحقيقه لـ "شرح العلل" لابن رجب (٢٢/١-٢٣). ٤٨ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اضْطِلَاحًا الْمُقَدِّمَةُ ب - القَدْحُ في صحّة الحديث. أما الغُمُوضُ والخَفَاءِ: فإنَّ مَنْ ينظُرُ في طعونِ أهلِ العلم بالحديثِ في الأحاديثِ التي يضعِّفونها، يجدُ أنهم يُعِلُّونَ الحديث بأحد سببين : ١) إما سَقْط في الإسناد. ٢) أو طعن في الراوي(١). وربَّما كان السقطُ أو الطعنُ في الراوي واضحًا جليًّا يدركه كلُّ أحد(٢)، وربَّما كان خفيًّا لا يدركُهُ إلا الجهابذةُ(٣)، وقد يُدْرِكه غيرهم - (١) كما في "النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (٤٩٣/١-٤٩٤)، و "فتح المغيث" (١١٥/١-١١٦). (٢) كما لو كان الحديث مرسلاً، أو معضَلاً، أو معلَّقًا، أو في سنده رجل مثَّهم، أو ضعيف ... أو غير ذلك من الأسباب الظاهرة. (٣) كالحديث الذي كشف عِلَّتَهُ أبو حاتم الرازي تَخْلُهُ، ونقَلَ ذلك عنه ابنه عبدالرحمن في "العلل" (١٩٥٧) فقال: وسمعتُ أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن رَاهُوْيَه، عن بَقِيَّة؛ قال: حدثني أبو وَهْب الأَسَدِي؛ قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر؛ قال: ((لا تَحْمَدوا إسلامَ امرئٍ حتى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رأيه)». قال أبي: هذا الحديثُ له علَّ قلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا؛ روى هذا الحديثَ عبيدالله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فَرْوَةً، عنِ نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ◌َّهِ، وعبيدُاللهِ بنُ عمرو كنيته: أبو وَهْب، وهو أَسَدِي، فكأنَّ بَقِيَّة بن الوليد كنَّى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أَسَد؛ لكيلا يُفْطَنَ به، حتى إذا ترَكَ إسحاقَ بنَ أبي فَرْوَة من الوسط لا يُهتدى له، وكان بَقِيَّةُ من أفعل الناس لهذا، وأما ما قال إسحاقُ في روايته عن بَقِيَّةِ، عن أبي وَهْب: ((حدثنا نافع))، فهو وَهَمِّ، غير أن وجهه عندي: أن إسحاق لعلَّه حفظ عن بَقِيَّة هذا الحديثَ ولمَّا يَفْطَنْ لِمَا عَمِلَ بَقِيَّةُ؛ مِنْ تركه إسحاقَ من الوسط، وتكنيتِهِ عُبَيْدَاللهِ بنَ عَمْرٍو، فلم يفتقدْ لفظَ بَقِيَّة في قوله: (( حدثنا نافع))، أو ( عن نافع )). اهـ. ٤٩ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا بجمعِ طرقِ الحديث(١)، وتُبُّع الاختلاف، ومعرفةٍ طريقةِ أهلِ الحديث بالترجيحِ وقرائنه، لكنَّ هذا لا يُخْرِجُهُ عن كونه خفيًّا. ويبدو أنَّ العلماء الذين عرَّفوا العِلَّةَ بالتعريف السابق حرَّروه - كما قال الحافظ ابن حجر(٢) - من كلام الحاكم(٣)؛ فإنه قال: ((وإنَّما يعلَّل الحديثُ مِنْ أوجُهٍ ليس للجَرْحِ فيها مَدْخَل، فإنَّ حديثَ المجروح ساقطٌ واهٍ، وعلَّةُ الحديث تكثُرُ في أحاديثِ الثِّقات، أنْ يحدِّثوا بحديثٍ له علة، فيخفَى عليهم عِلْمُهُ، فيصيرَ الحديثُ معلولاً، والحُجَّةُ فيه عندنا الحفظُ والفَهْمُ والمعرفةُ لا غير)). قال ابن حَجَرٍ عَقِبَ ذكره لكلام الحاكم هذا : ((فعلى هذا لا يسمَّى الحديثُ المنقطعُ - مثلاً - معلولاً، ولا الحديثُ الذي راويه مجهولٌ أو مُضَعَّفٌ معلولاً، وإنما يسمى معلولاً إذا آل أمره إلى شيء مِنْ ذلك، مع كونِهِ ظاهرَ السَّلَامةِ مِنْ ذلك، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ زعَمَ أنَّ المعلولَ يَشْمَلُ كلَّ مردود)». (١) وأمثلته كثيرة في أبواب العلل؛ كالحديث الذي رواه أبو معمر الْمُقْعَد عبدالله بن عمرو، عن عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب السَّخْتياني، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ عَقَّ عن الحسن والحسين كبشَيْنِ. وخالفه وُهَيب بن خالد، وإسماعيل بن عُلَيّة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وحماد ابن زيد، وغيرهم، فَرَوَوْه عن أيوب، عن عكرمة، عن النبيِّ وَ ﴿ مرسلاً، ليس فيه ذكر لابن عباس. انظر "العلل" لابن أبي حاتم (١٦٣١)، و"المنتقى" لابن الجارود (٩١٢). (٢) في "النكت" (٧١٠/٢). (٣) في "معرفة علوم الحديث" (ص١١٢- ١١٣). ٦٠ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا وكان ابنُ الصلاح قد قال(١): ((ثم اعلَمْ أنه قد يُظْلَقُ اسمُ العِلَّةِ على غيرِ ما ذكرناه من باقي الأسبابِ القادحةِ في الحديث، المُخْرِجةِ له مِنْ حال الصحّة إلى حال الضعف، المانعةِ مِنَ العمل به على ما هو مقتضى لفظِ العِلَّةِ في الأصل؛ ولذلك نَجِدُ في كتب عللِ الحديثِ الكثيرَ من الجَرْح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحوِ ذلك من أنواع الجرح، وسمَّى الترمذي النَّسْخَ عِلَّةً من عِلَلِ الحديثِ(٢). ثُمَّ إنَّ بعضَهم أطلَقَ اسم العِلَّة على ما ليس بقادح مِنْ وجوه الخلاف؛ نحو (١) في "معرفة علوم الحديث" (٥٢٣/١). (٢) ذكر الترمذي في "العلل الصغير" (٣٢٣/١ - ٣٢٤/ شرح ابن رجب) حديثَ ابن عباس في الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مرض، وحديثَ معاوية في قتل شارب الخمر في الرابعة، ثم قال: ((وقد بيَّنَّا علَّةَ الحديثين جميعًا في هذا الكتاب))، فعقّب الحافظ ابن رجب على هذه العبارة في " شرحه" بقوله: ((فإنما بيَّن ما قد يُسْتَدَلُّ به للنسخ، لا أنه بيَّن ضعف إسنادهما)). ونجد في كتب العلل الأخرى ذِكْرَ بعض الأحاديث الصحيحة التي لا علَّة لها، ولم تذكر إلا لبيان النَّسْخ، ومن ذلك: كتاب "العلل" لابن أبي حاتم، ففي المسألة (١١٤) يقول عبدالرحمن بن أبي حاتم: ((وسمعت أبي وذكر الأحاديث المروية في ((الماء من الماء)) - حديث هشام بن عروة؛ يعني: عن أبيه، عن أبي أيوب، عن أُبيِّ بن كعب، عن النبي ◌َّهِ وحديث شعبة، عن الحكم، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌ّ﴿ في الماء من الماء - فقال: هو منسوخٌ، نَسَخَهُ حديث سهل بن سعد عن أبيّ بن كعب )). وقال أيضًا في (٢٤٦): ((وسمعتُ أبي يقول: حديث ابن مسعود في التَّطبيق منسوخ؛ لأن في حديث ابن إدريس - عن عاصم بن كُلَيب، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن عَلْقَمَة، عن عبدالله؛ أن النبي ◌َّ طَبَّق -: ثم أُخْبِرَ سعد، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل، ثم أُمرنا بهذا؛ يعني بوضع اليدين على الركبتين )). وانظر تعقيب الحافظ ابن حجر الآتي على كلام ابن الصلاح. ؛ ٥١ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اضْطِلَاحًا إرسالٍ مَنْ أرسَلَ الحديثَ الذي أسنده الثقةُ الضابط ... )). وحاول الحافظُ ابن حجر التوفيقَ بين ما يقعُ في كلام بعض أهل العلم، وبين ما حقَّقه ابن الصلاح، فقال(١): ((مرادُه بذلك: أنَّ ما حقَّقه مِنْ تعريفِ المعلول قد يقع في كلامهم ما يخالفُهُ، وطريقُ التوفيق بين ما حقَّقه المصنّف وبين ما يقعُ في كلامهم: أنَّ اسم العِلَّة إذا أُظْلِقَ على حديثٍ لا يلزَمُ منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة، خفيَّةً أو واضحة؛ ولهذا قال الحاكم : وإنما يُعَلُّ الحديثُ مِنْ أوجهٍ ليس فيها للجَرْحِ مَدْخَل. وأما قوله: ((وسمَّى الترمذيُّ النسخَ عِلَّةً)): هو من تتمَّة هذا التنبيه؛ وذلك أنَّ مرادَ الترمذي: أنَّ الحديثَ المنسوخَ - مع صحَّته إسنادًا ومتنا - طرَّأَ عليه ما أوجَبَ عدمَ العملِ به(٢) - وهو الناسخُ - ولا يلزم مِنْ ذلك أنْ يُسَمَّى المنسوخُ معلولاً اصطلاحًا كما قرَّرته، والله أعلم)). وما ذكره الحافظ ابن حجر تَّفُ - من أنَّ اسمَ العِلَّة إذا أُطلِقَ على (١) في "النكت" (٧٧١/٢). (٢) سبق ابنَ حجر إلى هذا كلٌّ من الزركشي والعراقي: قال الزركشي في "النكت" (٢١٥/٢): «لعل الترمذي يريد أنه عِلَّةٌ في العمل بالحديث، لا أنه علة في صحته؛ لاشتمالِ الصحيحِ على أحاديثَ منسوخةٍ )). ونحوه كلام العراقي في "شرح الألفية" (ص١٠٨)، وانظر كلام الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "ألفية السيوطي " (ص٥٩ - ٦٠). ٥٢ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اضْطِلَاحًا الْمُقَدِّمَةُ حديثٍ لا يلزم منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة، خفيَّةً أو واضحة -: اجتهادٌ منه مخالِفٌ لما عليه عملُ أئمَّة الحديث، فكتُبُ العللِ التي صنَّفها الأئمَّة فيها توسُعٌ في ذِكْرِ كلِّ ما يُعَلُّ به الحديثُ، وجَعْلِ ذلك في أبوابِ العِلَلِ التي يُرَدُّ بها الحديث(١)، حتى سمَّى ابن الجوزي كتابه : "العلل المتناهية"، وهي عللٌ ظاهرة كما لا يخفى على كل مَنْ طالعه، ولم نَجِدْ أحدًا منهم ذكر هذا الذي قاله الحافظ ابن حجر. وعليه : فالذي يظهر جوازُ إطلاق اسم العِلَّةِ على كلِّ قادحٍ في الحديث، سواءٌ كان ظاهرًا أو خَفِيًّا، في السند أو في المتن، وجوازٌ تسمية الحديث الذي وجدت فيه العِلَّة: مَعْلولاً، أو مُعَلًّا، غيرَ أنَّ استعمالها في العِلَّةِ الخفيَّة أجودُ بعد أن استقرَّ الاصطلاحُ على ذلك عند كثير من أهلِ الحديث بعد ابن الصلاح، والله أعلم. وأما القدحُ في صحَّة الحديث : فَيُفْهَمُ منه أنَّ مِنَ العلل ما لا (١) مثال ذلك: قول ابن أبي حاتم في "العلل" (١٠٢): ((وسألت أبي عن حديثٍ رواه عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه: أنَّ عليًّا انكسرَتْ إحدى زنديه، فأمره النبي ◌َ﴿ أن يمسحَ على الجبائر ؟ فقال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له، وعمرو بن خالد متروك الحديث)). فوجود عمرو بن خالد في إسناد هذا الحديث علَّة ظاهرة يدركها كل أحد، ومع ذلك عدَّه أبو حاتم معلولاً، وأدرجه ابنه في كتاب "العلل"، ومثل هذا كثير جِدًّا عنده وعند غيره. ٥٣ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اضْطِلَاحًا يقدح في صحَّة الحديث، ويَعْنُونَ به متنَ الحديث، وأمَّا قَدْحُهَا في ذلك الإسنادٍ خاصّةً فلا اعتراضَ علیه. قال ابن الصلاح(١): ((ثم قد تقع العِلَّةُ في إسنادِ الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه. ثم ما يَقَعُ في الإسنادِ قد يَقْدَحُ في صِحَّةٍ الإسنادِ والمتن جميعًا؛ كما في التعليلِ بالإرسال والوقف، وقد يقدحُ في صحَّة الإسناد خاصَّةً من غير قدح في صحَّة المتن. فمن أمثلة ما وقعتِ العِلَّةُ في إسناده من غير قدح في المتن : ما رواه الثقة يعلى بن عُبَيد، عن سفيان الثَّوْري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ◌ََّ قال: ((البَيِّعَانِ بالخِيَار ... ))، الحديث(٢). فهذا إسناد متصلٌ بنقل العدل عن العدل، وهو معلَّل غير صحيح، والمَتْنُ على كلِّ حالٍ صحيحٌ. والعِلَّةُ في قوله: ((عن عمرو بن دينار))، إنما هو: ((عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر))، هكذا رواه الأئمّة مِنْ أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يعلى بن عبيد، وعَدَلَ عن عبدالله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقة)). (١) في "معرفة علوم الحديث" (٥٠٣/١). (٢) أخرجه الخليلي في "الإرشاد" (٣٤١/١ رقم ٧٢) فقال: حدثنا القاسم بن علقمة، حدثنا ابن أبي حاتم؛ حدثنا المنذر بن شاذان؛ حدثنا يعلى بن عبيد؛ حدثنا سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيِّي ◌َّهِ: («البَيِّعَانِ بالخِيَار، وكلُّ بَيِّعَين لا بيعَ بينهما، حتى يتفرَّقا، إلا بيعَ الخِيار))، وهذا خطأ وقع على يعلى بن عبيد، وهو ثقة متفق عليه، والصواب فيه: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفیان عنه، عن عبد الله بن دينار. اهـ. ٥٤ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا الْمُقَدِّمَةُ وللحافظ ابن حجر رأيٌ في العِلَّة الإسنادية، ذكر فيه أنها لا تَقْدَحُ - أحيانًا - حتى في الإسناد نفسه : قال ◌َّهُ(١): ((إذا وقعتِ العِلَّةُ في الإسناد قد تَقْدَحُ، وقد لا تقدَحُ، وإذا قدَحَتْ فقد تخصُّهُ، وقد تستلزمُ القدحَ في المتن، وكذا القولُ في المَثْنِ سواء. فالأقسام على هذا ستة (٢): ١ - فمثال ما وقعت العِلَّة في الإسناد ولم تقدح مطلقًا: ما يوجد مثلاً من حديثٍ مُدَلِّسٍ بالعنعنة؛ فإنَّ ذلك عِلَّةٌ توجبُ التوقُّفَ عن قَبوله، فإذا وُجد من طريق أخرى قد صُرِّح فيها بالسماع؛ تبيَّن أنَّ العِلَّة غیرُ قادحة. وكذا إذا اختُلِفَ في الإسنادٍ على بعضٍ رواته؛ فإنَّ ظاهرَ ذلك يوجب التوقُّف عنه، فإنْ أمكنَ الجمعُ بينها على طريقِ أهلِ الحديث بالقرائنِ التي تَحُفُّ الإسنادَ، تبيَّنَ أنَّ تلك العِلََّ غيرُ قادحة (٣). ٢ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّةُ فیه في الإسنادٍ وتقدحُ فیه دون المتن : ما مثَّلَ به المصنِّفُ من إبدالِ رَاوٍ ثقةٍ براوٍ ثقة، وهو بِقِسْمِ المقلوبِ أليقُ؛ فإنْ أُبْدِلَ راوٍ ضعيفٌ براوٍ ثقة، وتبيَّن الوَهَمُ فيه، استلزَمَ القَّدْحَ (١) في "النكت" (٧٤٦/٢-٧٤٧). (٢) أي: بناءً على ما سبق، وأما التمثيل فوقع لخمسة. (٣) ما مثَّل به الحافظ ابن حجر لهذا القسم لا يُسَمَّ علة، فلا يُسَلَّم بأن العلة لا تقدح مطلقًا . ٥٥ الْمُقَدِّمَةُ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا في المتن أيضًا، إنْ لم يكنْ له طريقٌ أخرى صحيحة. ومِنْ أغمضٍ ذلك أنْ يكونَ الضعيفُ موافقًا للثقةِ في نعته. ومثالُ ذلك ما وقَعَ لأبي أسامةَ حَمَّادِ بنِ أُسَامةَ الكُوفيِّ أحدٍ الثقاتِ، عن عبدالرحمنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابر، وهو مِنْ ثقاتِ الشاميِّين، قَدِمَ الكوفةَ، فكتَبَ عنه أهلُهَا، ولم يَسْمَعْ منه أبو أسامة، ثم قَدِمَ بعد ذلك الكوفةَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ تَمِيم، وهو مِنْ ضعفاء الشاميِّين، فَسَمِعَ منه أبو أسامة، وسأله عَنِ اسمه فقال : عبدالرحمن بن يزيد، فظَنَّ أبو أسامة أنه ابنُ جابر، فصار يحدِّث عنه وينسُبُهُ مِنْ قِبَلِ نفسه، فيقولُ: حدَّثنا عبدُالرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابر، فوَقَعَتِ المناكيرُ في روايةٍ أبي أسامة، عن ابن جابر، وهما ثقتان ؛ فلم يَفْطَنْ لذلك إلا أهلُ النقد، فميَّزوا ذلك، ونَصُّوا عليه؛ كالبخاريِّ وأبي حاتمٍ وغيرِ واحد. ٣ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّة في المتنِ دون الإِسناد، ولا تَقْدَحُ فيهما : ما وقَعَ من اختلافِ ألفاظٍ كثيرةٍ من أحاديثِ الصحيحَيْنِ إذا أمكَنَ رَدُّ الجميع إلى معنَى واحدٍ ؛ فإنَّ القَدْحَ ينتفي عنها ... ٤ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّةُ فيه في المَثْن، واستلْزَمَتِ القَدْحَ في الإِسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه(١)، يكونُ خطأً(٢)، والمرادُ (١) انظر أمثلتَهُ في السَّبَبِ الثالثَ عشَرَ مِنْ أسبابِ العَّة (ص١٣٩) من هذه المقدِّمة. (٢) كذا العبارة في الكتاب، والظاهر أن المعنى: فيكون ظَنُّهُ خطأً . ٥٦ تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا الْمُقَدِّمَةُ بلفظِ الحديثِ غيرُ ذلك ؛ فإنَّ ذلك يَسْتلزِمُ القَدْحَ في الراوي، فيعلِّلُ الإِسنادَ. ٥ - ومثالُ ما وقَعَتِ العِلَّةُ في المتنِ دون الإِسناد : ما ذَكَرَهُ المصنِّفُ من أحدِ الألفاظِ الواردةِ في حديث أنس ◌َظُه، وهي قوله : (( لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا))؛ فإنَّ أصلَ الحديثِ في الصحيحَيْنِ؛ فلفظُ البخاريِّ: ((كانوا يَفْتَتِحون بالحمدُ للهِ رَبِّ العالمين )». ولفظُ مسلم في روايةٍ له : نَفْيُ الجهرِ، وفي روايةٍ أخرى نفيُ القراءةِ، وقد تكلّم شيخُنَا (١) على هذا الموضع بما لا مَزِيدَ في الحُسْنِ عليه، إلا أنَّ فيه مواضعَ تحتاجُ إلى التنبيهِ عليها ... )) إلى آخِرِ كلامِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ . (١) يعني: الحافظ العراقي. ٥٧ الْمُقَدِّمَةُ أَسْبَابُ الْعِلَّةِ فِي الحَدِيثِ أَسْبَابُ الْعِلَّةِ فِي الحَدِيثِ تقدَّم أنَّ العِلَّة تطلق على الأسبابِ الظاهرة والخَفِيَّةِ التي تقدَحُ في صحةِ الحديث، وأنها في مُجْمَلِها تعود إلى سببين : أ - السَّقْط في الإسناد. ب - الطَّعْن في الراوي. فكلُّ عِلَّة يُعَلُّ بها الحديثُ داخلٌ في أحد هذين السبَيْنِ ولا بُدَّ، غيرَ أنَّ السَبَبَ قد يكون ظاهرًا يدركه كلُّ أحد، وقد يكون خفيًّا لا يدركه إلا الجهابذة، وقد يدركه غيرهم بجمع طرقِ الحديث، وتتبُّع الاختلافِ، ومعرفةِ طريقةٍ أهل الحديث بالترجيح وقرائنِهِ؛ كما تقدَّم بیانه. وليس من مقصودنا هنا ذِكْرُ هذه العلل، سواءٌ كانتْ ظاهرةً أو خَفِيَّة، ولكنْ محاولةُ جَمْع الأسبابِ التي نشأَتْ عنها هذه العلل. ولم نَجِدْ أحدًا من الأئمَّة جمَعَ هذه الأسباب، أو تحدَّث عنها مجتمعةً، سوى أقوالٍ منثورة في كتب الرجال، وبعضٍ كتبٍ علوم الحديثِ، وأمثلةٍ في كتب العلل؛ يمكنُ جمعها منها . وكان قَصَبُ السَّبْقِ في هذا للدكتور همام سعيد في مقدمة تحقيقه لـ " شرح علل الترمذي " لابن رجب. وتتميَّزُ دراستنا لأسباب العلة هنا، من دراسته، بتهذيب وزيادات، ٥٨ أَسْبَابُ الْعِلَّةِ فِي الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ مع الشرح والتمثيل، والفرقُ بيِّن واضح لكلِّ من يوازن بينهما. وتقدَّم أنَّ عِلْمَ العللِ مبنيٌّ على أوهام الثقات، وذكرنا(١) قولَ شيخ الإسلام ابن تيميّة كَذَفُ: ((وكما أنهم يَسْتشهدون ويَعْتبرون بحديثٍ الذي فيه سوءُ حفظ، فإنَّهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه غَلِطَ فيها، بأمورٍ يَسْتدلُّون بها، ويُسَمُّون هذا: "عِلْمَ علل الحديث"، وهو مِنْ أشرف علومهم؛ بحيثُ يكون الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إِمَّا بسببٍ ظاهرٍ أو خفيٍ)). ولذا ستكونُ هذه الأسبابُ مشمولةً بهذا السبب الأساس، وهو ((أوهام الثقات))، ومندرجةً تحته، ومآلها إليه؛ لأنه السبب الذي تكون به العِلَّةُ غامضةً خَفِيَّة - في الغالب - وإنْ شئتَ فقل: إنها صُوَرٌ لهذا السبب الرئيس، أو أسبابٌ لوقوعه. أما الأسبابُ التي تكون بها العِلَّة ظاهرة جلِيّة فليستْ من مقصودنا هنا؛ كما ذكرنا سابقًا . والثقاتُ يتفاوتون في الحفظ والإتقان، بالإضافةِ للأسباب المُعِينة لهم على بلوغ الدرجاتِ العُلْيا من استقامةِ الحديث: فمنهم ثقاتٌ ضابطون، جبالٌ في الحفظ والإتقان، هيَّأ اللهُ لهم من الأسبابِ ما جعلهم أئمَّةً في هذا الفن، يَشْهَدُ لهم به القاصي والداني. (١) (ص ١٥). ٥٩ الْمُقَدِّمَةُ أَسْبَابُ الْعِلَّةِ فِي الحَدِيثِ ومنهم ثقاتٌ لهم مشاركةٌ في الحفظ والإتقان، لكنَّهم لم يبلغوا مكانةَ الطبقة السابقة. ومنهم ثقاتٌ لهم أوهامٌ وأخطاءٌ عَرَفها الأئمَّةُ وميَّزوها، فهم يقصِّرون في الحفظ عن الطبقة السابقة. وبين أفراد كُلِّ طبقةٍ تفاضُلٌ وتَمايُزٌ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء . يقولُ الإمام مسلم بن الحجّاج(١) وهو يتحدَّث عن الحفاظ، ووقوعِ الوَهَمِ منهم : ((فمنهم الحافظُ المتقنُ الحِفْظِ المتوقِّي لما يلزمُ توقِيه فيه، ومنهم المتساهِلُ الْمُشِيبُ حفظَهُ بتوهُم يتوهَّمه، أو تلقيٍ يُلَقَّنه مِنْ غيره، فيخلطُهُ بحفظه ثم لا يميِّزُهُ عن أدائه إلى غيره، ومنهم مَنْ هَمُّهُ حفظُ متونِ الأحاديث دون أسانيدها، فيتهاوَنُ بحفظِ الأثر؛ يتخرَّصُها مِنْ بُعْدٍ، فيحيلُهَا بالتوقُّم على قوم غير الذين أُدِّيَ إليه عنهم، وكلُّ ما قلنا مِنْ هذا في رواة الحديثِ ونُقَّالِ الأخبار فهو موجودٌ مستفیضٌ. ومما ذكَرْتُ لك مِنْ منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقلٍ خبرٍ وحاملٍ أثرٍ من السلف الماضين إلى زماننا - وإنْ كان مِنْ أحفَظِ الناسِ وأشدِّهم توقّيًا وإتقانًا لِمَا يَحْفَظُ ويَنْقُلُ - إلا الغلَطُ والسَّهْوُ ممكنٌ في حفظه ونقله، فكيف بِمَنْ وصفتُ لك؟!)). اهـ. (١) في "التمييز" (ص ١٧٠). ٦٠ أَسْبَابُ الْعِلَّةِ فِي الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ وهذه الأوهامُ التي تقع مِنْ هؤلاءِ الثقاتِ تقعُ بأسباب؛ ستكونُ هي موضوعَ بحثنا هنا؛ لأنها هي أسبابُ وقوع العِلَّة، وهي على الإجمال : ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ. ٢- النِّسْيَانُ. ٣- التَّوَقِّي والإِحْتِرَازُ. ٤- أَخْذُ الحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ. ٥- كَسَلُ الرَّاوِي. ٦- التَّصْحِيفُ. ٧- انْتِقَالُ البَصَرِ. ٨- التَّفَرُّدُ. ٩- التّدلیسُ. ١٠- سُلُوكُ الْجَادَّةِ. ١١- التَّلْقِينُ. ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ. ١٣ - اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى. ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّيُوخِ بِسِیَاقٍ وَاحِدٍ . ١٥- مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ.