Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
أَحَدِهِمْ﴾. يعنى الزوجَ؛ يقومُ بعد الصلاةِ فى المسجدِ فيَحلِفُ أربعَ شهاداتٍ باللهِ
ويقولُ: أَشهَدُ باللهِ الذى لا إلهَ إلا هو أن فلانةَ - يعنى امرأتَه - زانيةٌ،
﴿وَاَلْخَلِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. يعنى على نفسِه، ﴿إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ فى
قولِه، ﴿وَيَدْرَؤُأَ﴾: يدفَعُ الحكامُ عن المرأةِ ﴿ اَلْعَذَابَ﴾. يعنى: الحدَّ ﴿أَن تَشْهَدَ
أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾. يعنى: زوجَها، ﴿لَمِنَ الْكَذِبِينَ﴾. فتقومُ المرأةُ مقامَ
زوجِها فتقولُ أربعَ مرَّاتٍ: أَشهَدُ باللهِ الذى لا إله إلا هو أنى لستُ بزانيةٍ ، وأن
زوجِى لَن الكاذبين، ﴿ وَاَلْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. يعنى: على نفسِها
﴿إِن كَانَ﴾ زوجُها ﴿مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ (١).
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةَ: ﴿ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ
اُلْكَذِبِينَ﴾. قال: فإن هى اعتَرَفَت رُجِمَت، وإن هى أبَت، ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا
اٌلْعَذَابَ﴾. قال: عذابَ الدنيا، ﴿أَن تَشْهَدَ أَرَّبَعَ شَهْدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اُلْكَذِبِينَ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. ثم يُفرَّقُ بينَهما
وتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ .
وأخرج عبدُ الرزاقِ عن عمرَ بنِ الخطابِ قال: لا يجتَمِعُ المُلاعِنان(٢)
(٣)
أبدًا (٣) .
وأخرَج عبدُ الرزاقِ عن علىٍّ ، وابنٍ مسعودٍ ، مثلَه(٤) .
(١) ابن أبى حاتم ٢٥٣٢/٨.
(٢) فى الأصل، ص، ف ١، ر ٢، ح ١، ح٢: ((الملاعنان)).
(٣) عبد الرزاق (١٢٤٣٣).
(٤) عبد الرزاق (١٢٤٣٤، ١٢٤٣٦).

٦٦٢
سورة النور: الآيات ١١ - ٢٦
وأخرج عبدُ الرزاقِ عن الشعبىِّ قال: اللِّعَانُ أعظَمُ من الرَّجْمِ(١).
وأخرج عبدُ الرزاقِ عن سعيدِ بنِ المسيبِ قال: وَجَبَتِ اللعنةُ على
(٢)
أَكْذَبِهِما(٢) .
وأخرَج البزارُ عن جابرٍ قال: ما نزَلت آيَةُ الَّلاعُنِ إلا لكثرةِ السؤالِ(٢).
وأخرَج الخرائطئُ فى ((مكارم الأخلاقِ)) عن أبى هريرةَ قال: لما نزَلت هذه
الآيةُ قال سعدُ بنُ عُبادةَ : لو أنى رأيتُ أهلِى ومعها رجلٌ أنتظِرُ حتى آتِيَ بأربعةٍ ؟!
قال رسولُ اللهِ وَله: ((نعم)). قال: والذى بعثَك بالحقِّ، لو رأيتُه لَعَاجَلْتُه
بالسيفِ . فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا معشر الأنصارِ، اسمَعُوا ما يقولُ سيِّدُكم،
إن سعدًا لغيورٌ، وأنا أغيّرُ منه، واللهُ أغيّرُ مِنِّى)) (٤).
وأخرج ابنُّ ماجه ، وابن حبَّنَ، والحاكمُ ، وابنُ مَرْدُويَه، عن أبى هريرةَ ، أنه
سَمِع النبىَّ وَ لَّ يقولُ حينَ نزلت آيةُ الملاعنةِ: ((أَيُّما امرأةٍ أَدخَلَت على قومٍ ما ليس
منهم فليستْ من اللهِ فى شىءٍ ، ولن يُدخِلَها اللهُ جنتَه، وأُما رجلٍ جَدَ ولدَه
وهو يَنظُرُ إِليه احْتَجَب اللهُ منه يومَ القيامةِ، وفضَحَه على رءوسٍ الخلائقِ من
٥)
الأوَّلين والآخِرِين))(٦).
(١) عبد الرزاق (١٢٤٦٠).
(٢) عبد الرزاق (١٢٤٦١).
(٣) البزار (١٩٩ - كشف). وقال الهيثمى: رجاله ثقات. مجمع الزوائد ١/ ١٥٨.
(٤) أصل الحديث فى مسلم (١٤٩٨).
(٥ - ٥) لیس فی : ص، ف ١، ر ٢، ح ١، ح ٢، م.
(٦) ابن ماجه (٢٧٤٣)، وابن حبان (٤١٠٨)، والحاكم ٢/ ٢٠٢، ٢٠٣ واللفظ له . ضعيف (ضعيف
سنن ابن ماجه - ٦٠١).
1

٦٦٣
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ﴾ الآيات.
٢٥/٥
أخرَج عبدُ الرزاقٍ، وأحمدُ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، والبخارىُّ، ومسلمٌ ، وابنُ
جريرٍ، وابنُ المنذرٍ، وابنُ أبى حاتم، وابنُ مَرْدُويَه، والبيهقىُ فى (( شعبٍ
الإيمانِ))، عن عائشةَ / قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إذا أراد أن يَخْرُجَ سَفَرًا (١)
أقرَع بين أزواجِه، فأَيَّثُّهن خرج سهمُها خرَج بها رسولُ اللهِ بَلَّهِ معه. قالت
عائشةٌ: فأقرَع بيننا فى غزوةٍ غزاها فخرَج سهمِى، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ وَله
بعدَما نزَل الحجابُ، فأنا أُحمَلُ في هودَچِى، وأَنزَلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فرَغْ
رسولُ اللهِ وَّهِ مِن غَزْوَتِه تلك و(١) قفَلَ ودَنَونَا من المدينةِ قافِلين آذَن ليلةً
بالرحيلِ، فَقُمْتُ حين آذَنُوا بالرحيلِ، فمَشَيتُ حتى جاوَزْتُ الجيشَ، فلما
قضيتُ شأنِى أقبَلْتُ إلى رَحْلِى فإذا عِقْدٌ لى من ◌َرْعِ ظَفَارٍ(٢) قد انقَطَع،
فالتَمَسْتُ عِقْدِى، وحبَسَنِى ابْتِغَاؤُه، وأقبل الرّهْطُ الذين كانوا يرحَلُون لى(٤)،
فاحتَمَلُوا هؤدچی فرحلُوه علی بعیری الذی کنتُ ر کِبتُ(٥) ، وهم يحسبون أنی
فيه، وكان [٣١١و] النساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يُتَقِّلْهن(١) اللحمُ، إنما تأكُلُ المرأةُ(٧)
(١) فى م: ((إلى سفر)).
(٢) فى الأصل، ر ٢، ح٢: ((إذ))، وفى ص، ف ١، ح١: ((أو)).
(٣) ليس فى: الأصل. وفى ر ٢، ح ٢: ((ضفارى))، وفى ص، ح١: ((ظفارى))، وفى ف١ :
(أظفارى)). وقيل فيه: جذع ظفارٍ وجزع أظفار. والجزع: الخرز اليمانى. وظفارِ بوزن قطامٍ: اسم
مدينة لحمير باليمن. ينظر النهاية ١/ ٢٦٩، ٣/ ١٥٨، وفتح البارى ٤٥٩/٨.
(٤) فى م: ((بى)). ويرحلون لى: يشدون على البعير أداته. ينظر اللسان (رح ل).
(٥) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((أركبَ)).
(٦) فى الأصل، ر٢: ((يثقلن)).
(٧ - ٧) فى ص، ف ١، ر ٢، ح ١، ح ٢، م: (( نأكل)).

٦٦٤
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
العُلْقَةَ(١) من الطعام، فلم يَستَنْكِرِ القومُ خِفَّةَ الهودج حين رفَعُوه، وكنتُ جاريةٌ
حديثةَ السّنِّ، فبعثُوا الجمَلَ فسارُوا، فوجَدْتُ عِقْدِى بعدَما استَمَوَّ(٢) الجيشُ،
فجِثْتُ مِنازِلَهم، وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فأثَمْتُ (١ منزِلِى الذى كنتُ به
فظننتُ أنهم سيَفْقِدُونی فیَرْجِعُون إلىّ.
فِبَيْنَا (٤) أنا جالسةٌ فى منزِلِى غلَبَتْنِى عينى فنِمْتُ، وكان صفوانُ بنُ المُغَطَّل
الشُلَمِىُّ ثم الذَّكْوَانِىُّ من وراءِ الجيشِ فادَّلَجَ(٥)، فأصبَحَ عندَ منزِلِى فرأى سوادَ
إنسانٍ نائم ، فأَتانِ فعَرَفَنِى حِينَ رآنِى، وكان يَرانى قبلَ الحجابِ ، فاستَنْقَظْتُ
باسترجاعِه حين عرَفَى فخَمَّرْتُ وجهِى بجِلْتَابِى، واللهِ ما كلَّمَنى كلمةً(١)، ولا
سمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه حتى أناخَ راحِلَته فوَطِئَ على يَدَيْها ) ، فَرَكِبُها
فانطَلَقَ يَقودُ بى الراحلةَ حتى أتَيْنَا الجيشَ بعدَ ما نَزلُوا مُوغِرين فى نَحْرِ الظهيرةِ(٨)،
فهلَك فىَّ من هلك .
وكان الذى تَوَلَّى الإفكَ عبدُ اللهِ بنُ أبيِّ ابنُ سلولَ، فَقَدِمْنا المدينةَ
فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا ، والناسُ يُفِيضُون فى قولٍ أصحابٍ الإفكِ لا أشغُرُ
(١) العُلقة : ما يُبلَّغ به. اللسان (ع ل ق).
(٢) استمرَّ الجيش: ذهب ماضيًا، وهو استفعل من (من). فتح البارى ٨/ ٤٦٠.
(٣) فى ص، ح١: ((فيممت))، وفى ف١: ((فتيممت)). وكلهم بمعنى قصدت. ينظر اللسان: ((أم م)).
(٤) فى الأصل، ح١: ((فبينما)).
(٥) ليس فى : الأصل. وادَّلج: سار من آخر الليل. اللسان (د ل ج).
(٦) بعده فى: ص، ف ١، م: ((واحدة)).
(٧) فى حاشية ح٢: ((يدها)). ووطىء على يدها: أى ليكون أسهل لركوبها ولا يحتاج إلى مسها عند
ركوبها . فتح البارى ٨/ ٤٦٣.
(٨) الموغر: النازل فى وقت الوغرة، وهى شدة الحر، ونحر الظهيرة : وقت القائلة وشدة الحر. صحيح
مسلم بشرح النووى ١٧/ ١٠٥.

٦٦٥
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
بشىءٍ من ذلك، وهو يَرِيثُنِى فى وجَعِى أنى لا أعرِفُ من رسولِ اللهِ وَّةِ اللُّطْفَ
الذى كنتُ أرى منه حين أشتَكِى، إنما يدخُلُ علىَّ فَيُسَلِّمُ ثم يقولُ: ((كيف
تَبِكُم؟)) ثم يَنصرِفُ. فذاك الذى يَرِيثُنِى، ولا أشعُرُ بالشرِّ حتى خرَجْتُ بعدَ
ما نَقِهْتُ وخَرَجَتْ معى أمّ مِسْطَحِ قِبَلَ المَنَاصِعِ(١)، وهو مُتَبَرَّزُنا، وكنا لا نَخرُجُ
إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبلَ أن نَتَخِذَ الكُتُفَ قريبًا من بيوتِنَا، وأمرنا أمرُ العربِ
الأَوَلِ فِى التّبْرُزِ قِبَلَ الغائطِ ؛ فكنا نَتَأَذَّى بالكُتُفِ أن نَتَّخِذَها عندَ بيوتِنا،
ء
فانطَلَقْتُ أنا وأمّ مِسْطَحِ، فَأَقْبَلْتُ أنا وأُّ مِسْطَحِ قِبَلَ بيتى قد فرغنا(٢) من
شأنِنا(٤)، فعَثَّرَت أمُّ مِشْطَح فى مِرْطِها(٥) فقالت: تَعِسَ مِسْطَحْ. فقلتُ لها :
بِئْسَ ما قُلْتِ، أَتَسْبِين رجلًا شهِدَ بدرًا! قالت: أى هَنَتَاهُ(١)، أوَلَمْ تسمَعِى ما
قال ؟! قلتُ : وما قال؟ فأخبَرَتْنِى بقولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدْتُ مرضًا على مرضِى.
فلما رجَعْتُ إلى بيتِى ودخَلَ علىَّ رسولُ اللهِ وَالرِ فسلّم ثم قال: (( كيف
تِيكُم؟)) . فقلتُ: أَتَأْذَنُ لى أن آتِىَ أَبوَىَّ؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريدُ أن أَسْتَثْقِنَ
الخبرَ من قِبَلِهما. قالت: فَأَذِنَ لى رسولُ اللهِ بِهِ، فَجِئْتُ أبوىَّ، فقلتُ لأَمِّى:
يا أُمَّتَاه ما يَتَحَدَّثُ الناسُ؟ قالت: يا بُنَّةُ هَوِّنِى عليكِ، فواللهِ لقَلَّمَا كانت امرأةٌ
(١) فى ح ١، ح٢: ((بالبشر)).
(٢) المناصع: قيل: المواضع التى تتخلّى فيها النساء لبول ولحاجة، وقيل: موضع بالمدينة، وقيل: المجالس،
وقيل : صعيد أفيح خارج المدينة . ينظر معجم البلدان ٤ / ٦٤٩، ٦٥٠، وفتح البارى ٨/ ٤٦٥.
(٣) فى ص، ف ١، ح١: ((أشرعنا)).
(٤) فى م: (( ثيابنا)).
(٥) المرط : كساء من خز أو صوف أو كتان ، وقيل: هو الثوب الأخضر . اللسان (م ر ط).
(٦) هنتاه: أى هذه، وقيل: امرأة. وقيل: بلهى. كأنها نسبتها إلى قلة المعرفة بمكايد الناس . فتح البارى
٨/ ٠٤٦٦

٦٦٦
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
قطُّ وضِيئةٌ عند رجلٍ يُحِبُّها ولها ضرائرُ إلا أكثَوْنَ عليها . فقلتُ : سبحانَ اللهِ ،
ولقد تَحَدَّثَ الناسُ بهذا؟! فَكَيْتُ تلك اللَّيلةَ حتى أصبَحْتُ لا يَرَقاً لى دمعٌ ، ولا
أكتَحِلُ بنومِ، ثم أصبَحْتُ أبكِى. ودعا رسولُ اللهِ نَّهِ علىَّ بن أبى طالبٍ،
وأسامةَ بنَ زيدٍ ، حين استَلْبَثَ(١) الوحى يَستَأْمِرُهما فى فِراقِ أهلِه، فأما أسامةُ
فأشارَ على رسولِ اللهِ وَلِّ بالذى يعلَمُ من براءةِ أهلِه، والذى يعلَمُ لهم فى نفسِه
من الوُدِّ فقال: يا رسولَ اللهِ ، أَهلُك، وما نعلَمُ إلا خيرًا. وأما علىَّ بن أبى طالبٍ
فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألٍ
الجاريةَ تَصْدُقْك. فدعا رسولُ اللهِ وَ لَه بَرِيرَةَ فقال: ((أى بَرِيرَةُ، هل رأيتٍ من
شىءٍ يَرِيكِ؟ )) قالت بَرِيرَةُ: لا والذى بعَثَك بالحقِّ، إن رأيتُ عليها أمرًا
أَغْمِصُه(٢) أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنامُ عن عجينِ أهلِها فتَأْتِى الداچِنُ
فتأكُلُه .
فقام رسولُ اللهِ وَّهِ فَاسْتَغْذَرَ يومَئذٍ من عبدِ اللهِ بنِ أَتَىِّ فقال وهو على
المنبر: ((يا معشر المسلمين، من يَعْذِرُنی من رجُلٍ قد بلغنى أذاه فى أهلِ بیتی ؟
فواللهِ ما علِمْتُ على(٢) أهلِى إلا خيرًا، ولقد ذكَرُوا رجلًا ما علِمْتُ عليه إلا
خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلِى إلا معى)). فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصارىُّ فقال:
يا رسولَ اللهِ، أنا أعذِرُك منه، إن كان من الأوسِ ضَرَبْنا(٤) عنقَه، وإن كان من
(١) استلبث الوحى: بالرفع، طال لبث نزوله، وبالنصب أى استبطأ النبى صلى الله عليه وسلم نزوله .
فتح البارى ٤٦٨/٨.
(٢) أغمصه : أعيبه، وأطعن به. النهاية ٣٨٦/٣.
(٣) فى الأصل: ((فى )).
(٤) فى ص، ف ١، ر ٢، ح ١، ح ٢، م: ((ضربت)). وقال الحافظ: فى رواية صالح بن كيسان : =

٦٦٧
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
إخوانِنا من (١) الخزرَجَ أَمَرْتَنَا ففعَلْنا أمرَك. فقام سعدُ بنُ عبادةَ، وهو سيِّدُ الخزرَجِ،
وكان قبلَ ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيّةُ، فقال لسعدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ
اللهِ ، ما تَقْتُلُه ولا تقدِرُ على قتلِه. فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو (١) ابنُ عمِّ سعدٍ،
فقال لسعدِ بنِ عبادةَ: كَذَبْتَ لعمرُ اللهِ ، لَنَقْتُلَنَّه، فإنك منافِقٌ تُجَادِلُ عن
المنافقين. فتَثاورَ الحَّانِ الأُوسُ والخزْرَجُ، حتى هَمُّوا أن يَقتَيِلُوا ورسولُ اللهِ وَّه
قائِمٌ على المنيرِ، فلم يزَلْ رسولُ اللهِ وَلَهِ يُخَفِّضُهم حتى سكتُوا / وسكَتَ .
فمكثتُ(٢) يومى ذلك لا يرقأُلى دمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومِ ، فأصبَحَ أبواىَ عندِى،
وقد بكيتُ لَيْلَتَيْن ويومًا لا أكتحِلُ بنومٍ ، ولا يرقأُ لى دمعٌ، وأبواىَ يَظُنَّانِ أن
البكاءَ فالِقِّ كبدِى. فبينما هما جالسان عندى وأنا أبكِى، فاستَأْذَنتْ علىَّ امرأةٌ
من الأنصارِ ، فَأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكِى معى ، فبينًا نحن على ذلك دخَل علينا
رسولُ اللهِ مَّهِ فِسلَّم(٤) ثم جلَسَ، ولم يَجلِسْ عندى منذُ قيلَ فيَّ ما قيل قبلَها ،
وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحَى إليه فى شأنِى بشىءٍ، فَتَشَهَّدَ حينَ جلَسَ ثم قال: ((أما
بعدُ يا عائشةُ ، فإِنه بلَغَنى عنك كذا وكذا، فإن كنتٍ بريئةً فسَيُبَرَُّك اللهُ، وإن
كنتٍ أْلَمْتِ بذنبٍ فاستغفرِى الله وتوبِى إليه ؛ فإن العبدَ إذا اعترف بذنبه ثم تاب
تابَ اللهُ عليه)). فلما قضَى رسولُ اللهِ وَّهِ مِقالته قَلَصَ دمعِى(٥) حتى ما أُحِشُ
٢٦/٥
= ((ضربت)) بضم المثناة ، وإنما قال ذلك لأنه كان سيدهم فجزم بأن حکمه فیهم نافذ. فتح البارى
٤٧٢/٨.
(١) بعده فى ص، م: (بنى)).
(٢) فى الأصل، ح٢: ((كان)).
(٣) فى ص، م: ((فبكيت)).
(٤) سقط من: ص، ف ١، ر ٢، ح ١، م.
(٥) قلص دمعى : استمسك نزوله فانقطع، قال القرطبى : سببه أن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد
الدمع لفرط حرارة المصيبة . فتح البارى ٨/ ٤٧٥.

٦٦٨
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
منه قَطْرَةٌ، فقلتُ لأبى: أجِبْ رسولَ اللهِ وَِّ. قال: واللهِ ما أدرِى ما أقولُ
لرسولِ اللهِ وَ لَه! فقلتُ لأمّى: أجِبِى رسولَ اللهِ وَلَهِ. قالت (١): ما أدرِى ما
أقولُ لرسولِ اللهِ وَّيهِ! فقلتُ وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآنِ:
إنى واللهِ لقد علِمْتُ أنكم سمِعْتم هذا الحديثَ حتى استقَرّ فى أنفسكم وصَدَّقْتم
به، فَئِنْ قلتُ لكم: إِنِّى بريئةٌ. واللهُ يعلَمُ أنى بريئةٌ، لا تُصَدِّقُونِى، ولَئِن
اعتَرَفْتُ لكم بأمرٍ ، واللهُ يعلَمُ أنى منه بريئةٌ ، لَتُصَدِّقُنِّى، واللهِ لا أَجِدُ لى ولكم
مَثَلًا إلا قولَ أبى يوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
[يوسف: ١٨].
ثم تَحَوَّلْتُ فاضْطَجَعْتُ على فراشِى ، وأنا حينئذٍ أعلمُ أنى بريئةٌ ، وأن اللهَ
مُتَرِّئَى بِبَراءتى، ولكن واللهِ ما كنتُ أَظُرُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ فى شأنِى وَحْيًا يُتْلَى،
ولَشَأْنِى فى نفسِى كان أحقرَ من أن يتكلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ يُتْلَى، ولكن كنتُ أرجو
أن يرَى رسولُ اللهِ وٍَّ(١ فى النومِ رُؤْيَا يُرِّثُنَى اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رامٍ(١)
رسولُ اللهِ وَّهِ مَجْلِسَه ولا خرَجَ أحدٌ من أهلِ البيتِ حتى أُنزِلَ عليه، فأخَذَه ما
كان يأخذُه من البُّرَحَاءِ(٤) عند الوحي حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه مثلُ الجُمانِ (٥) من
العَرَقِ ، وهو فى يومٍ شاتٍ ، من ثِقَلِ القولِ الذى أُنزِلَ عليه ، فلما سُرِّىَ عن رسولٍ
اللهِ وَّ سُرِّىَ عنه وهو يضحَكُ، فكان أوَّلَ كلمةٍ تكلُّم بها أن قالَ : «أبشِرِی یا
عائشةُ ، أمّا اللهُ فقد برَكِ)). فقالت أُمِّى: قومِى إليه . فقلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه ولا
(١) بعده فى ص، ف ١، ر ٢، ح ١، م: ((والله)).
(٢ - ٢) سقط من : م.
(٣) مارام : ما فارق . فتح البارى ٤٧٦/٨.
(٤) البرجاء : شدة الكرب من ثقل الوحى. النهاية ١/ ١١٣.
(٥) الجمان : اللؤلؤ الصغار، وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ. النهاية ٣٠١/١ . .

٦٦٩
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
أحمَدُ إلا اللهَ الذى أَنزَل براءَتى، وأَنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلِفْكِ عُصْبَةٌ
مِنْكُمْ﴾ العشرَ الآياتِ كلَّها .
فلما أَنزَل اللهُ هذا فى براءتِى قال أبو بكرٍ ، وكان ينفِقُ على مِسْطَح بن أَثَاثَةَ
لقرابته منه وفَقْرِه : واللهِ لا أَنفِقُ على مِسْطَح شيئًا أبدًا بعدَ الذى قال لعائشةً ما
قال. فأَنزَل اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِى الْقُرْبَى
وَالْمَسَكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿رَّحِيمٌ﴾. قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ ، إنى أُحِبُّ أَن يَغْفِرَ
اللهُ لى. فَرَجَعَ إلى مِشْطَح النفقةَ التى كان يُنفِقُ عليه وقال: واللهِ لا أَنزِعُها منه
أبدًا. قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ وَ لَه يسألُ زينبَ بنت جحشٍ عن أمرِى
فقال: ((يا زينبُ، ماذا عَلِمْتِ أو رأيتٍ؟)). فقالت: يا رسولَ اللهِ، أَحْمِى
سَمْعِى وبصرِى، ما عَلِمْتُ إلا خيرًا. قالت: وهى التى كانت تُسامِينِى(١) من
أزواجِ رسولِ اللهِ وَّهِ فِعصَمَها اللهُ بالوَرَعِ، وطَفِقَتْ أُختُها حَمْنَةُ تحارِبُ لها
فهلَكَت فى مَنْ هلَك من أصحابِ الإفكِ (١) .
وأخرَج البخارىُّ، والترمذىُّ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وابنُ مَرْدُويَه،
عن عائشةَ قالت: لما ذُكِرَ من شأنِى الذى ذُكِرَ، وما عَلِمْتُ به، قام رسولُ اللهِ
وَ لَهُ فِيَّ خطيبًا، فَتَشَهَّدَ فحمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه ثم قال: ((أما بعدُ، أشيرُوا علىَّ
فى أناسٍ أَبْنُوا(١٢) أهلِى، وائمُ اللهِ ما علِمْتُ على أهلى من سُوءٍ، وأَبْنُوهم بمن واللهِ
(١) أى: تعالينى، من السمو وهو العلو والارتفاع، أى تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبى وَ الله ما
أطلب ، أو تعتقد أن الذى لها عنده مثل الذى لى عنده. فتح البارى ٤٧٨/٨.
(٢) عبد الرزاق (٩٧٤٨)، وأحمد ٤٠٤/٤٢ - ٤١٢ (٢٥٦٢٣)، والبخارى (٤٧٥٠)، ومسلم
(٢٧٧٠)، وابن جرير ١٩٧/١٧ - ٢٠٤، وابن أبى حاتم ٢٥٣٩/٨ - ٢٥٤٣، والبيهقى (٧٠٢٨).
(٣) فى هامش ح٢: ((أى اتهموا)). وينظر النهاية ١/ ١٧.

٦٧٠
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
ما عَلِمْتُ عليه من سُوءٍ قطُّ ، ولا يَدخُلُ بيتى قطُّ إلا وأنا حاضِرٌ، ولا غِبْتُ فى
سفرٍ إلا غاب معى )). فقام سعدُ بنُ معاذٍ فقال: اْذَنْ لى يا رسولَ اللهِ أن
أضربَ (١) أعناقهم. وقام رجلٌ من بنى الخزرج، وكانت أمّ حسانَ بنِ ثابتٍ من
رهطِ ذلك الرجلِ ، فقال: كَذَبْتَ ، أما واللهِ أنْ(٢) لو كانوا من الأُوسِ ما أَحْيَبْتَ
أن تَضْرِبَ أعناقَهم. حتى كاد أن يكونَ بين الأوسِ والخزرج شرٌّ فى المسجدِ ، وما
علِمْتُ .
فلما كان مساءُ ذلك اليومِ خرَجْتُ لبعضٍ حاجتِى، ومعِى أُمّ مِشْطَح
فَعَثَرَت وقالت : تَعِسَ مِسْطَحْ. فقلت: أْ أَمّ، تَسْبِّينَ ابنك ؟! فسَكَتَتْ، ثم
عَثَرَت الثانيةَ فقالت: تَعِسَ مِسْطَعٌ . فقلتُ لها: أْ أمّ، تَسُبِّين ابنَك؟ ثم عَثَرَت
الثالثةَ فقالت: تَعِسَ مِسْطَحْ. فانتَهَرْتُها، فقالت: واللهِ ما(٢) أَسُبُه إلا فيكِ.
فقلتُ : فى أىِّ شأنى؟! (" فبَقَرتْ لى" الحديثَ، فقلتُ: وقد كان هذا! قالت:
نعم واللهِ . فرَجَعْتُ إلى بيتى كأنَّ الذى خَرَجْتُ له لا أُجِدُ منه قليلًا ولا كثيرًا،
وُعِكْتُ فقلتُ لرسولِ اللهِ وَلِّ: أُرسِلْنِى إلى بيتِ أبى. فأرسَل معى الغلامَ،
فدَخَلْتُ الدارَ فوجَدْتُ أَمَّ رُومانَ فى السُّفْلِ، وأبا بكرٍ فوقَ البيتِ يقرَأُ، فقالت
أُمِّى(٥) : ما جاء بكِ يا بُنَّةُ ؟ فأخبرتُها، وذَكَوْتُ لها الحديثَ ، وإذا هو لم يَلُغْ
(١) فى ص: ((تضرب))، وفى ف ١، ر ٢، ح ١، ح ٢، وصحيح البخارى، وتفسير ابن جرير: ((نضرب)).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((لم)).
(٤ - ٤) فى الأصل، ر ٢، ح٢: ((فبقرت إلىّ))، وفى ص: ((فقرأت لى))، وفى ف ١، م: ((فقرت
لى)). وبقرت لى الحديث: أى فتحته وكشفته. النهاية ١٤٥/١.
(٥) فى ر ٢، ح٢: ((أم رومان)).
م

٦٧١
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
منها مثلَ ما بَلَغ منى (١)، فقالت: يا بُنَّةُ، خَفِّضِى(٢) عليك الشأنَ؛ فإنه واللهِ
لقَلَّما كانت امرأةٌ حسناءُ عند رجلٍ يُحِبُّها لها ضرائرُ إلا حسَدنها وقيل " فيها .
قلتُ: وقد علِمَ به أبى؟ قالت: نعم. قلتُ: ورسولُ اللهِ / وَالتر؟ قالت: نعم. ٢٧/٥
فاستَعْبَرْتُ وبَكَيْتُ ، فسَمِعَ أبو بكرٍ صوتى ، وهو فوقَ البيتِ يقرأُ ، فنزَل فقال
لأُمّى : ما شأنُها ؟ قالت : بَلَغَها الذى ذُكِرَ من شأنِها. ففاضت عيناه وقال :
أقسَمْتُ عليكِ أى بُنَّةُ إلا رجَعْتِ إلى بيتِك. فَرَجَعْتُ .
ولقد جاء رسولُ اللهِ وَّ بيتى فسأَل عنِّى خادمِى(٤) فقالت: لا واللهِ ما
عِلِمْتُ عليها عيْبًا إلا أنها كانت تَرْقُدُ حتى [٣١١ظ] تدخُلَ الشاةُ فَتَأْكُلَ خميرَها
أو عجِينَها. وانتهرَها بعضُ أصحابِه فقال: اصدُقِى رسولَ اللهِ وَالِ. حتى
أسقَطُوا لها به (٥) ، فقالت: سبحانَ اللهِ! ما علِمْتُ عليها إلا ما يعلَمُ الصائِغُ على
تِبْرِ الذهبِ الأحمرِ. وبلغ الأمرُ(١) إلى ذلك الرجُلِ الذى قيل له فقال: سبحانَ
اللهِ ، واللهِ ما كَشَفْتُ كَنَفَ(٧) أُنثَى قطُّ. قالت عائشةُ: فقُتِلَ شهيدًا فى سبيلٍ
اللهِ .
قالت: وأصبح أبواىَ عندِى فلم يزالا حتى دخَلَ علىَّ رسولُ اللهِ وَلَه ،
(١) فى حاشية ح٢: ((أى فى الهم والألم)).
(٢) فى ص، ف ١، ح ١، م، وسنن الترمذى: ((خففى)) .
(٣) فى الأصل، وتفسير ابن جرير: ((قلن )).
(٤) كذا فى النسخ، والخادم مذكر ومؤنث . اللسان (خ د م).
(٥) أسقطوا لها به : أى سبوها وقالوا لها من سقط الكلام وهو رديئه . اللسان (س ق ط).
(٦) سقط من: ص، م. وفى ف١: (( ذلك)).
(٧) كنف أنثى : أى ثوبها الذى يسترها، وهو كناية عن عدم جماع النساء جميعهن ومخالطتهن.
صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١١٤.

٦٧٢
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
وقد صلَّى العصرَ ، ثم دخَل وقد اكتَنَفَنِى أبواىَ عن يَمِينِى وعن شمالِى، فحمِدَ
اللهَ وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعدُ يا عائشةُ، إن كنتِ قارَفْتِ سُوءًا أو ظَلَمْتِ
فتُوبِى إلى اللهِ؛ فإن اللهَ يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه )) . قالت: وقد جاءت امرأةٌ من
الأنصارِ فهى جالِسَةٌ بالبابِ ، فقلتُ : ألا تَسْتَحِى من هذه المرأةِ أن تَذكُرَ شيئًا؟!
فوَعَظَ رسولُ اللهِ وَّةِ، فَالْتَفَتُّ إلى أبى فقلتُ: أَجِبْه. قال: ماذا أقولُ؟ فالتفتُّ
إلى أُمِّى فقلتُ: أَجِيبِيه . قالت : أقولُ ماذا؟ فلما لم يُجِيبَاه تَشَهَّدْتُ فحمِدْتُ
اللهَ وأثْنَيْتُ عليه، ثم قلتُ: أما بعدُ ، فواللهِ لئنْ قلتُ لكم: إنى لم أَفعَلْ. واللهُ
يشهَدُ إنى لصادقةٌ ، ما ذاك بنافِعِى عندَ كم وقد تكلَّمْتُم به وأَشْرِبَتْه قلوبُكم ، وإن
قلتُ: إنى فعَلْتُ. واللهُ يعلَمُ أنى لم أفعَلْ، لَتَقُولُنَّ: قد باءَتْ به على
نفسِها. وإنى واللهِ ما أجِدُ لى ولكم مثلاً - والْتَمَسْتُ اسمَ يعقوبَ فلم
أقدِرْ عليه - إلا أبا يوسُفَ حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى
ـے
مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
وَأَنْزِل على رسولِ اللهِ وَّهِ مِن ساعتِهِ، فَسَكَتْنَا فِرُفِعَ (١) عنه، وإنى لَأَتَيْئُنُ
السرورَ فى وجهِهِ وهو يَمْسَحُ جَبِينَه ويقولُ: ((أبْشِرِى يا عائشةُ، فقد أَنزَلَ اللهُ
براءتَكِ)). قالت: وقد كنتُ أشدَّ ما (٢) كنتُ غضبًا، فقال لى أبواىَ: قومِى
إليه . فقلتُ : واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمَدُه ولا أحمَدُ كما، ولكن أحمَدُ اللهَ الذى
أنزل براءتى، لقد سَمِعْتموه فما أنكَرُوه ولا غَيَّوُموه . وكانت عائشةُ تقولُ: أما
زينبُ ابنةُ جَحْشٍ فَعَصَمَها اللهُ لدينِها(٢) ؛ فلم تَقُلْ إلا خيرًا، وأما أختُها حَمْنَةُ
(١) بعده فى الأصل: ((رأسه)).
(٢) فى النسخ: ((مما)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) فى ص، ف ١، ح ١، م، وصحيح البخارى: ((بدينها)).

٦٧٣
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
فهلَكَتْ فِى مَنْ هلَك. وكان الذى "تكلّم فيه) مِشْطَعْ، وحسانُ بنُ ثابتٍ ،
والمنافقُ عبدُ اللهِ بنُ أَتَىِّ، وهو الذى كان يَسْتَوْشِيهِ(١) وَيَجْمَعُه، وهو الذى كان
تَوَلَّى كِبْرَه منهم هو وحَمْنَةُ. قالت: فحلَفَ أبو بكرٍ أَلَّا يَنفَعَ مِسْطَحًا بنافعةٍ أبدًا ،
فأنزل اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾. يعنِى أبا بكرٍ، ﴿ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُّأْ
أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسِكِينَ﴾. يعنى مِسْطَخًا. إلى قولِه: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾. قال أبو بكرٍ: بلى، واللَّهِ يا ربَّنا إنا لتُحبُّ أن تغفرَ )
لنا. وعاد له بما كان يُصنَعُ(٤) .
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ ، وأحمدُ ، والبخارىُّ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ مَرْدُويَه ،
عن أمِّ رُومانَ قالت: بينا أنا عندَ عائشةَ إذ دَخَلَت عليها امرأةٌ (°من الأنصارِْ)
فقالت : فَعَلَ اللهُ بابيِها وفعَلَ. فقالت عائشةُ: ولم ؟ قالت: إنه كان فى مَنْ
حدَّثَ الحديثَ . قالت عائشةُ: وأىُّ حديثٍ ؟ قالت : كذا وكذا. قالت : وقد
بلَغ ذاك رسولَ اللهِ وَ لِّ؟! قالت: نعم. قلتُ: وبلَغ أبا بكرٍ ؟! قالت : نعم.
فخَّرَّتْ عائشةُ مَغْشِيًّا عليها، فما أفاقَت إلا وعليها حُمَّى بنافِضِ(١)، فقُمتُ
فدثَّرتُها(٧)، وجاء النبىُ نَّهِ فقال: (( ما شأنُ هذه؟)). قلتُ: يا رسولَ اللهِ،
(١ - ١) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((تكلم فيها))، وفى ر ٢، وصحيح البخارى: ((يتكلم فيه)).
(٢) يستوشى الحديث : يستخرجه بالبحث عنه. النهاية ٥/ ١٩٠.
(٣ - ٣) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((إنا نحب أن يغفر)).
(٤) البخارى (٤٧٥٧) معلقًا، و(٧٣٧٠) مختصرًا، والترمذى (٣١٨٠)، وابن جرير ٢٠٦/١٧ -
٢٠٩، وابن أبى حاتم ٢٥٤٤/٨، ٢٥٤٥، وابن مردويه - كما فى فتح البارى ٨ / ٤٥٦.
(٥ - ٥) سقط من : م.
(٦) بنافض: برعدة شديدة. النهاية ٩٧/٥.
(٧) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((فزبرتها)).
( الدر المنثور ٤٣/١٠ )

٦٧٤
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
أَخَذَتْها حُمَّى بنَافِضِ. قال: ((فلعلَّه من حديثٍ تُحُدِّثَ به؟)). قالت: واستَوَتْ
عائشةُ قاعدةً فقالت: واللهِ لئن حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِى، ولئن اعتَذَرْتُ إليكم لا
تَعْذِرُونِى، فَمَثَلِى ومَثَلُكم كمَثَلٍ يعقوبَ وبَينِيه: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾. وخرَج رسولُ اللهِ وَ لّهِ، فأنزل اللهُ عُذْرَها، فَرَجَع رسولُ اللهِ نَّه
معه أبو بكرٍ فدخَلَ فقال: (( يا عائشةُ، إن الله قد أَنزَل عُذرَك)). فقالت: بِحَمْدٍ
اللهِ لا بحمدِك. فقال لها أبو بكرٍ: أَتَقُولِين هذا لرسولِ اللهِ وَِِّّ؟!
قالت : نعم. قالت: وكان فى مَن حدَّث الحديثَ رجلٌ كان يَعولُه أبو
بكرٍ، فحلَف أبو بكرٍ أن لا يَصِلَه فأنزل اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال أبو بكرٍ: بلى. فوصَله) .
وأخرَج البزارُ، وابنُ مَرْدُويَه، بسندٍ حسنٍ، عن أبى هريرةَ قال : كان رسولُ
اللهِ وَلِّ إذا أرادَ سَفَرًا أقرَع بين نسائِه، فأصابَ عائشةَ القرعةُ فى غزوةٍ بنى
الْمُصْطَلِقِ، فلما كان فى جوفِ اللَّيلِ انطَلَقَتْ عائشةُ لحاجتِها(٢) فانْحَلَّت
قِلادَتُها ، فَذَهَبَتْ فى طلبِها، وكان مِسْطَحْ يَتِيمًا لأبى بكرٍ وفى عيالِهِ، فلما
رجَعَتْ عائشةُ لم تَرَ العَشْكَرَ، وكان صفوانُ بنُ المُغَطَّلِ السّلَمِىُّ يَتَخَلَّفُ عن
الناسٍ، فَيُصِيبُ القَدَحَ والجِرَابَ والإِدَاوَةَ(٢) فيَحمِلُه، فنظَرَ فإذا عائشةُ، فغطَّ
وجهَه عنها ، ثم أَذْنَى بعيرَه منها، فانتَهَى إلى العَشْكَرِ فقالوا قَولًا ، وقالوا فيه :
(١ - ١) ليس فى : الأصل.
والحديث عند أحمد ٦٢٨/٤٤ - ٦٣١ (٢٧٠٧٠، ٢٧٠٧١)، والبخارى (٣٣٨٨، ٤١٤٣،
٤٦٩١، ٤٧٥١) .
(٢) فى ص، ف ١، م: ((لحاجة)).
(٣) الإدارة: إناء صغير من جلد. النهاية ٣٣/١.

٦٧٥
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
قال: ثم ذكَرَ الحديثَ حتى انتهَى: وكان رسولُ اللهِ وَ لِ يَجِىءُ فيقومُ على
البابِ فيقولُ: ((كيف تِيكُم؟)). حتى جاء يومًا فقال: ((ابْشِرِی یا عائشةُ، قد
أنزل الله ◌ُذرك)) . فقالت: /بحمد الله لا بحمدك . واُنْزِلَ فى ذلك عشر آياتٍ :
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. فحدَّ رسولُ اللهِ وَةِ مِسْطَحًا وحَمْنَةً
.(١)
وحسانَ(١) .
٢٨/٥
وأخرج ابنُ مَرْدُويَهُ (١) عن ابنِ عباس، أن النبيَّ وَّلِ كان إذا سافَر جاء ببعضٍ
نسائِه، وسافَرَ بعائشةً وكان لها هَوْدَجٌ، وكان الهودجُ له رجالٌ يَحمِلُونه
ويَضْعُونَه، فعرَّسَ رسولُ اللهِ وَلّهِ وأصحابُه، وخرَجَت عائشةُ للحاجةِ
فباعَدَتْ، فلم يُعلَمْ بها، فاستَثِقَظ النبيُّ وَّهِ، والناسُ قد ارتَحَلُوا، وجاء الذین
يحمِلُون الهَوْدَجَ فَحَمَلُوه لا يَعلَمُون إلا أنها فيه، فسارُوا، وأقبَلَتْ عائشةٌ
فَوَجَدَت النبيَّ وَ له والناسَ قد ارتَحَلُوا، فجَلَسَت مكانَها، فاستَثْقَظ رجلٌ من
الأنصارِ يقالُ له : صفوانُ بنُ الْمُعَطَّل . وكان لا يَقرَبُ النساءَ، فتَقَرَّبَ منها ومعه
بعيرٌ له، فلما رآها - وكان قد عَرَفَها وهى صغيرةٌ - قال : أمُّ المؤمنين ! ولَوَى
وجهَه، وحمَلَها، ثم أخَذ بخِطامِ الجمَلِ، وأقبَل يَقودُه حتى لَحِقَ الناسَ. والنبىُّ
وَّ قد نزَل وفقَد عائشةَ، فأكثرُوا القولَ، وبلَغ ذلك النبىَّ وَلِّ فشقَّ عليه
حتى اعتَزَلَها، واستشَارَ فيها زِيدَ بنَ ثابتٍ وغيرَه، فقال: يا رسولَ اللهِ ،
دَعْها لعلَّ اللهَ أن يُحْدِثَ لكَ(٢) فيها. فقال علىُّ بن أبى طالبٍ: النساءُ
(١) البزار (٢٦٦٣ - كشف). وقال الهيثمى: رواه البزار وفيه محمد بن عمرو وهو حسن الحديث ،
وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد ٩/ ٢٤٠.
(٢) بعده فى ص، ف ١، ح ١، م: (( بسنده) .
(٣) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((أمره )).

٦٧٦
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
كثيرٌ. وخرَجَتْ عائشةُ ليلةٌ تَمْشِى فى نساءٍ، فَعَثَرَت أمُّ مِسْطَحِ فقالت :
تَعِسَ مِسْطَحْ. قالت عائشةُ: بئسَ ما قُلْتِ. فقالت: إنك لا تدِى ما
يقولُ. فأخبرتْها، فسَقَطَتْ عائشةُ مَغْشِيًّا عليها، ثم أنزل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
جَاءُو بِآلْإِفْكِ﴾ الآياتِ.
وكان أبو بكرٍ يُعطِى مِسْطَحًا ويَصِلُه ويَبَرُّه، فحلَفَ أبو بكرٍ لا يعطيه،
فنَزَل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الآية. فَأَمَرِه النبيُّ وَلِ أَن يَأْتِيَها
ويُبَشِّرَها، فجاء أبو بكرٍ فأخبرَها بعُذرِها وما أنزل اللهُ فيها، فقالت (١): لا
بحمدِك ، ولا بحمدٍ صاحبك(٢).
وأخرج الطبرانىُ، وابنُ مَرْدُويَهُ(١) ، عن ابنٍ(٤) عمرَ قال: كان رسولُ اللهِ
حَدِّ إذا أرادَ سَفَرًا أقرَع بين نسائِه ثلاثًا(٥)، فمن أصابَتْه (١) القرعةُ خرَج بها معه،
فلما غزا بنى المُصْطَلِقِ، أقرَع بينهن فأصابَت عائشةَ وأُمَّ سَلَمَةً فخرَج بهما معه،
فلما كانوا فى بعضِ الطريقِ، مال رَحْلُ أمِّ سَلَمَةَ ، فأناخُوا بعيرَها ليُصلِحُوا
رَحْلَها ، وكانت عائشةُ تُريدُ قضاءً حاجةٍ ، فلما أبرَكُوا إِلَهم قالت عائشةُ :
فقلتُ فى نفسِى: إلى ما يُصْلَحُ رَحْلُ أمِّ سَلَمَةَ أَقضِى حاجَتِى . قالت: فنزَلْتُ من
٤
(١) بعده فى ص، ف ١، ح ١، م: ((بحمد الله)).
(٢) ابن مردويه - كما فى فتح البارى ٤٥٧/٨.
(٣) بعده فى ص، ف ١، ح١: ((بسند))، وفى م: ((بسنده)).
(٤) سقط من : ص، م.
(٥) فى ص، ف ١، ح ١، والطبرانى: ((أثلاثًا)).
(٦) فى الأصل: ((أصابتها)).

٦٧٧
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
الهَوْدَجِ، ولم يَعْلَمُوا بِنُزُولِى، فَأَتَيْتُ جَوْبةٌ(١) فانقَطَعَتْ قِلَادَتِى فاحتَبَسْتُ فى
جمعِها ونظامِها ، وبَعَث القومُ إِبلَهم ومَضَوا، وظنُّوا أنى فى الهودج، فخرَجْتُ
ولم أرَ أحدًا، فاتَّبعتُهم حتى أُعْبَيْتُ، فقلتُ فى نفسِى: إن القومَ سَيَفْقِدُونِى
فيرْجِعُون فى طلبِى ، فقمتُ على بعضِ الطريقِ ، فمرَّبى صفوانُ بنُ المُعَطَّلِ وكان
سأَل النبيَّ ◌َِّ أن يجعَلَه على الساقةِ فجعَلَه، وكان إذا رَحَلَ الناسُ قام يُصَلِى ثم
اتََّعهم، فما سقَطَ منهم من شىءٍ حمَلَه حتى يأْتِىَ به أصحابه . قالت عائشةٌ :
فلما مرّبى ظنَّ أنى رجُلٌ فقال: يا نَومَانُ ، قُم فإن الناسَ قد مَضَوا . فقلتُ: إنى
لستُ رجلًا، أنا عائشةُ. فقال: إنا للهِ وإنا إليه راجِعُون. ثم أناخ بعيرَه فعقَلَ
يَدَيْهِ، ثم ولَّى عَنِّى فقال: يا أُمَّه ، قومِى فاركَبِى، فإذا ركِئْتِ فَآَذِنِينِى. قالت :
فرَكِبْتُ فجاء حتى حَلَّ العِقَالَ، ثم بعَثَ جمَلَه فأخَذَ بخِطام الجمَلِ . قال ابنُ(١)
عمرَ: فما كلَّمَها كلامًا حتى أتى بها رسولَ اللهِ نَّهِ، فقال عبدُ اللهِ بنُ أَتَىِّ ابنُ
سلولَ المنافقُ(٢) : فَجَرَ بها ورَبِّ الكعبةِ. وأعانَه على ذلك حسانُ بنُ ثابتٍ ،
ومِسْطَحُ بِنُ أَثَاثَة، وحَمْنَةُ، وشاع ذلك فى العَشْكَرٍ، فبلغ ذلك النبيَّ وَّل،
فكان فى قلبِ النبىِّ وَّ مما قالوا حتى رجَعوا إلى المدينةِ، وأشاع عبدُ اللهِ بنُ أبيّ
هذا الحديثَ فى المدينةِ، واشتدَّ ذلك على رسولِ اللهِ وَلَه. قالت
عائشةُ: فَدَخَلَتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَحٍ فرَأَتْنى وأنا أريدُ المَذْهَبَ(٤) فحَمَلَتْ
(١) فى الأصل ص، ف ١، ر ٢، ح١: ((حوبة))، وفى م: ((خربة)). وفى هامش ح ٢: ((الجوبة،
بالجيم: حفرة مستديرة واسعة)). وينظر النهاية ١/ ٣١٠.
(٢) سقط من : ص، م.
(٣) ليس فى: الأصل. وفى ص، ف ١، ح ١، م: ((للناس)).
(٤) المذهب : الموضع الذى يتغوط فيه . النهاية ٢ / ١٧٣.

٦٧٨
سورة النور: الآيات ١١ - ٢٦
معى السَّطْلَ وفيه ماءٌ، فَوَقَعَ السَّطْلُ منها فقالت : تَعِسَ مِسْطَحْ. قالت لها
عائشةُ: سبحانَ اللهِ ، تَسْبِّين رجلًا من أهلِ بدرٍ وهو ابنُك؟ قالت لها أمّ مِسْطَحِ :
إنه سالَ بكِ الشَّيْلُ وأنتِ لا تَدْرِين ! وأخبَرَتْها بالخبرِ. قالت: فلما أخبرتنى
أَخَذَتْنى الحُثَّى ( فتقلَّصَ ما) كان ولم أجِدِ المذهبَ.
قالت عائشةُ: وقد كنتُ أرى من النبيِّ وَ لَّهِ قبلَ ذلك جَفْوَةً ولم أدرٍ من
أى شىءٍ هو، فلما حدَّثَْنِى أَم مِسْطَح عَلِمْتُ أن جفوةَ رسولِ اللهِ وَهِ" كانت
لما أخبر تنى أم مسطح، فقلتُ للنبىِّ وَّه١ِ: أَتَأْذَنُ لى أن أذهَبَ إلى أهلِى؟ قال:
((اذهَبِى)). فخرَجت عائشةُ حتى أتَتْ أباها(٢) فقال لها: ما لكِ ؟ قالت :
أخرَجَنِى رسولُ اللهِ وَلِّ من بيتِهِ. قال لها أبو بكرٍ: فأخرَجكِ رسولُ اللهِ
مَله " وآويَكِ أنا؟! واللهِ لا آوِيك حتى يَأْمُرَ(٥) رسولُ اللهِ وَهـ فأمره
رسولُ اللهِ وَ لَّهِ أَن يَؤْوِيّها، فقال لها أبو بكرٍ : واللهِ ما قيلَ لنا هذا فى الجاهليةِ
قطّ ، فكيف وقد أعزَّنَا اللهُ بالإسلام ؟ فبَكَتْ عائشةُ، وأَمّها أمّ رُومان ، وأبو
بكرٍ، وعبدُ الرحمنِ، وبكى معهم أهلُ الدارِ .
وبلغ ذلك النبىَّ وَله، فصعد المنبرَ فحمِد / الله وأثنى عليه فقال: ((أيها
الناسُ من يَعِذِرُنى مَمَّن (١) يُؤْذِينِى؟)). فقام إليه سعدُ بنُ معاذٍ فسلَّ سيفَه وقال:
٢٩/٥
(١ - ١) فى ص، ف ١، ح ٢، م: ((بنافض مما)).
(٢ - ٢) سقط من: ص. وفى م: ((من ذاك فلما دخل على قلت)).
(٣) فى ح٢: (( أهلها)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((وأنا آويك))، وفى م: ((من بيته وآويك أنا)).
(٥) فى الأصل: (( يأذن لى )).
(٦) فى الأصل، ر ٢، ح٢: ((فيمن)).

٦٧٩
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
يا رسولَ اللهِ أنا أَعذِرُك منه، إن يكنْ من الأوسِ أَتَيْتُك برأسِه، وإن یکن من
الخزرَجَ أَمَرْتَنا بأمرِك فيه . فقام سعدُ بنُ عبادةَ فقال: كَذَبْتَ ، واللهِ ما تَقْدِرُ على
قتلِهِ، إنما طَلَبَنَا بِذُخُولٍ (١) كانت بيننا وبينَكم فى الجاهليةِ. فقال هذا: "قال
الأوسُ. وقال هذا: قال الخزرَجُ . فاضْطَرِبُوا بالنعالِ والحجارةِ وتَلاطَمُوا ، فقام
أُسَيْدُ بنُ حضيرٍ فقال: فيم الكلامُ؟ هذا(٢) رسولُ اللهِ يَأْمُرُنا بأمرِه فينفُذُ(٤) عن
رَعْمِ أَنفٍ من رَغِمَ . ونزَل جبريلُ وهو على المنبرِ ، فلما سُرِّىَ عنه تلا عليهم ما نزَل
به جبريلُ: ﴿وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩]. إلى آخرٍ
الآياتِ، فصاح الناسُ: رَضِينا بما أنزل اللهُ. وقام بعضُهم إلى بعضٍ فتلازَمُوا
وتَصالحواْ)، فنزَلَ النبىُّ وَلِّ عن المنبرِ، وانتظَرَ " الوحىَ فى عائشةَ، فَبَعَثَ النبيُّ
منَّ إلى علىٌّ بن أبى طالبٍ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، وَبَرِيرَةً، وكان إذا أراد أن يَستَشِيرَ
فى أمرِ أهلِه لم يَعْدُ عليًّا، وأسامةً (١) بعدَ موتِ أبيه زيدٍ. فقال لعلىٍّ: ((ما تقولُ فى
عائشةَ فقد أهَمَّنِى ما قال الناسُ؟)) قال له : يا رسولَ اللهِ ، قد قال الناسُ وقد حلَّ
لك طلاقُها. وقال لأسامةَ: ((ما تقولُ أنت؟)) قال: سبحانَ اللهِ ما يَحِلُّ لنا أن
نَتَكَلَّم بهذا، سبحانَكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ. فقال لبَرِيرَةً: [٣١٢و] (( ما تقولين يا
(١) الذحول: جمع ذحل، وهو التِّرَةُ والعداوة . اللسان (ذح ل).
(٢ - ٢) فى م، والطبرانى: ((ياللأوس وقال هذا: يا للخزرج)).
(٣) بعده فى ص، ف ١، ح١: (( يا)).
(٤) فى ص: ((فتفقده)). وفى ف ١، ح١: ((فننفذه))، وفى م: ((فنفعله)).
(٥ - ٥) فى ص، م: ((وتلازموا وتصايحوا)) وفى ف ١: ((وتلازموا وتصافحوا)). وفى ح١: ((وتلاوموا
وتصايحوا)).
(٦) فى ص، ف ١، ح ١، م: ((أبطأ )).
(٧) بعده فى م: (( بن زيد)).

٦٨٠
سورة النور : الآيات ١١ - ٢٦
بَرِيرَةُ؟)) قالت: واللهِ يا رسولَ اللهِ ما عَلِمْتُ على أهلِك إلا خيرًا، إلا أنها امرأةٌ
نَقُومٌ تنامُ(١) حتى تَجِىءَ الداجِنُ فتأكُلَ عجينَها، وإن كان شىءٌ من هذا
لَيُخْبِرَنَّك اللهُ.
فخرَج النبىُِّ نَّهِ حتى أتى منزِلَ أبى بكرٍ، فدخَلَ عليها فقال لها:
((يا عائشةُ، إن كنتِ فعَلْتِ هذا الأمرَ فقُولِى لى حتى أستغفِرَ اللهَ لك)).
فقالت : واللهِ لا أستَغْفِرُ اللهَ منه أبدًا، إن كنتُ قد فعَلْتُه(٢) فلا غفَرَ اللهُ
لى، وما أجِدُ مثَلِى ومَثَلَكم إلا مثلَ أبى يوسُفَ - وذهَب اسمُ يعقوبَ
من الأسفِ - قال: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَقِّ وَحُزْنِّ إِلَى الَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ
اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]. فبينا رسولُ اللهِ وَهِ يُّكَلِّمُها إذ نزَل
جبريلُ بالوحِي فَأَخَذَتِ النبىَّ وَِّنَفْسَةٌ، فسُرِّىَ وهو يَتَبَسَمُ فقال: ((يا عائشةُ،
إن الله قد أَنزَل عُذْرَكِ)). فقالت: بحمدِ اللهِ لا بحمدِكَ . فتلا عليها سورةً النورِ
إلى الموضِعِ الذى انتهى "خبرُها و٣° مُذرُها وبَراءَتُها، فقال رسولُ اللهِ وَله:
((قومِى إلى البيتِ)). فقامَتْ .
وخرّج رسولُ اللهِ وَّ لَه إلى المسجدِ فدعا أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ، فجَمَعَ الناسَ
ثم تلا عليهم ما أنزل اللهُ من البراءةِ لعائشةً ، وبعَثَ إلى عبدِ الله بن أتىٍ ، فچیءَبه
ء
فضَرَبَه النبيُّ وَِّ حَدَّيْن، وبعَثَ إلى حسانَ ومِسْطَح وحَمْنَةَ، فضُرِبُوا ضربًا
وجيعًا، ووجَأُ) فى رقابهم. قال ابنُ عمرَ: إِنما ضرَبَ رسولُ اللهِ وَلَِّ عبدَ اللهِ
(١) بعده فى الأصل: (( عن عجين أهلها )) .
(٢) فى الأصل، ر ٢، ح٢: ((فعلت)).
(٣ - ٣) فى ص: ((و))، وفى م: ((إليه)).
(٤) وجأ فى عنقه : ضربه . اللسان (وج أ) .