Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
سورة الكهف : الآية ٨٣
( وبأىّ صبرٍ أُقاسيهم١) ، وبأىِّ لسانٍ أُنَاطِقُهم؟ وكيف لى بأن (٢أفقة لُغاتِهم" .
وبأيِّ سمعٍ أَعِى قَولَهم، وبأّ بصرٍ أَنْفُذُهم ، وبأىِّ حُجَّةٍ أُخَاصِمُهم ، وبأىِّ قلبٍ
أعقِلُ عنهم، وبأىّ حكمةٍ أُدَبِّرُ أمرهم، وبأىِّ قِسْطِ أَعْدِلُ بينَهم، وبأىّ حِلْمٍ
أُصائِرُهم ، وبأىّ معرفةٍ أَفْصِلُ بينَهم ، وبأىِّ علمٍ أُتْقِنُ أمرَهم ، وبأىّ يدٍ(٣) أَشْطُو
عليهم، وبأىِّ رِجْلٍ أَطَؤُهم(٤)، وبأىّ طاقةٍ أُخْصِيهم(٥)، وبأىّ جندٍ أُقَاتِلُهم،
وبأىِّ رِفْقٍ أَسْتَألِفُهم؟ فإنه ليس عندى يا إلهى شىءٌ مما ذكرتُ يُقْرِنُ(١) لهم، ولا
يَقْوَى عليهم، ولا يُطِيقُهم، وأنت الربُّ الرحيمُ الذى لا تُكَلِّفُ نفسًا ( إلا
وُسعَها١)، ولا تُحَمِّلُها إلا طاقتها، ولا تُغْنِتُها ولا تَفْدَحُها(١) بل تَوَّقُها وتَرْحَمُها .
فقال له اللَّهُ عزَّ وجلَّ: إنى سأُطَوِّقُكَ مَا حَمَّلْتُك، أشرحُ لك صدرَك فيسعُ كلِّ ()
شىءٍ، وأشرح لك فهمَّك فتَفْقَهُ كلَّ شىءٍ، وَأَبْسُطُ لك لسانَك فتَنْطِقُ (٩) بكلِّ
شىءٍ، وأفتحُ لك سمعَك فتَعِى كلَّ شيءٍ، وَأَمُدُّ لك بَصَرَك فتَنْفُذُ كلَّ شيءٍ،
(١ - ١) سقط من : م.
(٢ - ٢) فى م: ((أحاربهم)).
(٣) فى الأصل: ((أيد)).
(٤) فى الأصل، ر٢: ((أوطيهم))، وفى ص: ((أوطوهم))، وفى ف١: ((أطيقهم))، وفى ح١ :
((أوطهم))، وفى ح٢: ((أوطأهم)) .
(٥) فى ص، ح١: ((أحصهم))، وفى م: ((أخصمهم)).
(٦ - ٦) يُقْرِن: يقوى . ينظر اللسان (ق رن) .
(٧) فى الأصل، ح٢: ((تقدحها))، وفى ح١: ((يقدمها)).
(٨) فى م: (( لكل)).
(٩) فى ر٢، ح٢: ((فينطق)).
( الدر المنثور ٤١/٩ )

٦٤٢
سورة الكهف : الآية ٨٣
وأُدَّرُ لك أمرَك فيْقِنُ كلَّ شىءٍ، وأُحصى(١) لك فلا يَقُوتُك شىءٌ، وأحفَظُ
عليك فلا يَغْزُبُ عنك(٢) شىءٌ، وَأَشُدُّ لك(٢) ظهرَك فلا يَهُدُّك شىءٌ، وأشُدُّلك
رُ كنَك فلا يَغْلِبُك شىءٌ، وأَشُدُّ لك قلبَك فلا يَرُوعُك شىءٌ ، وأشُّدُّ لك عقلك فلا
يَهُولُك شيءٌ، وَأَبْسُطُ لك يديك فيَشْطُوانِ فوقَ كلِّ شىءٍ، " وأشدُّلك وطأتَك
فتَهُدُّ كلَّ شىءٌٍ) ، وأُنَِّسُك الهَيْبةَ فلا يَؤُومُك(٥) شىءٌ، وَأُسَخِّرُلك النور والظلمةَ
فأجعَلُهما جندًا مِن جنودِك، يَهْدِيك النورُ مِن أمامِك، وتَحُوطُك الظلْمةُ مِن
ورائك .
فلما قيل له ذلك ، انطَلَق يَؤُمُّ الأمةَ التى عندَ مَغْرِبِ الشمسِ ، فلما بلَغَهم
وجَد جَمْعًا وعددًا لا يُخْصِيه إلا اللَّهُ، وقوةً وبأسًا لا يُطِيقُه إلا اللَّهُ، وألسنةٌ
مختلفةٌ، وأمورًا مُشْتَبِهةً، وأهواءٌ مُتشتَّةً(١)، وقلوبًا مُتَفَرّقةً، فلما رأى ذلك
كابَرَهم بالظُلْمةِ ، فضرّب حولَهم ثلاثةَ عساكرَ منها، فأحاطَت بهم مِن كلِّ
مكانٍ(٧)، وحاشَتهم(٨) حتى جمَعتهم(٩) فى مكانٍ واحدٍ، ثم دخَل عليهم
بالنورِ، فدَعاهم إلى اللَّهِ وعبادتِه، فمنهم مَن آمَن له (١٢) ، ومنهم مَن صَدَّ عنه،
(١) فى م: ((أحصر)).
(٢) فى الأصل، ص، ف ١، ر٢، ح١: ((عليك)).
(٣) سقط من : م .
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥) فى الأصل، ص، ف١، ح١، م: ((يروعك)).
(٦) فى م: ((مشتتة)).
(٧) فى ص، ف١، ح١، م: ((جانب)).
(٨) فى ح١: ((حاستهم))، وفى م: ((حاشدهم)).
(٩) فى م: ((جمعهم)).

٦٤٣
سورة الكهف : الآية ٨٣
فِعَمَد إلى الذين تَوَلَّوا عنه فأدخَل عليهم الظُّلْمَةَ، فدخَلَت فى أَفْوَاهِهم وأُثُوفِهِمْ(١)
وآذانِهم وأجوافِهم، ودخَلَت فى بُيُوتِهم ودُورِهم ، وغَشِيتْهم مِن فوقِهم ومِن
تحتهم ومِن كلِّ جانبٍ منهم، فمَاجُوا فيها وَّروا ، فلما أَشْفَقُوا أن يَهْلِكوا فيها
عَجُوا إليه (١) بصوتٍ واحدٍ، فكشَفها(٢) عنهم وأخَذهم عَنْوَةً، فدخَلوا فى
دعوتِه، فَنَّ مِن أَهلِ المغربِ(٤) أَتَمًا عظيمةٌ، فجعَلهم جندًا واحدًا، ثم انطلق
بهم يقودُهم والظلمةُ تسوقُهم من خلفهم وتَحُوشُهم(٥) مِن حولِهم ، والنورُ أمامَه
يقودُه ويَدُلُّه، وهو يسيرُ فى ناحيةِ الأرضِ اليُمْنَى، وهو يريدُ الأُمَّةَ التى فى قُطْرِ
الأرضِ الأيمنِ التى يقالُ لها : هاويلُ .
وسخَّر اللَّهُ له(٦) يدَه وقلبَه ورأيَه وعقلَهُ(١٧) ونظرَه وائِمارَه، فلا يُخْطِئُّ إذا
ائْتَمَر ، وإذا عمِل عملاً أتقَنه، فانطَلَق يقودُ تلك الأمم وهى تَنْبَعُه، فإذا انتھی إلى
بحرٍ أو مَخاضَةٍ ، بنَى سُفْنًا مِن ألواح صِغارٍ أمثالِ النِّعالِ (٨) ، فنظَمها فى ساعةٍ
واحدةٍ ، ثم حمَل فيها جميعَ مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنودِ ، فإذا قطَع
الأنهار والبحارَ فَتَقها ، ثم دفَع إلى كلِّ إنسانٍ لَوحًا فلا تَكْرِثُه (٩) حَمْلُه، فلم يَزَلْ
(١) فى ص، ف ١، ٢، ح١، ح٢: ((أنفهم)).
(٢) ليس فى : الأصل .
(٣) فى م: (( فكشف )).
(٤) فى الأصل: (( الغرب)).
(٥) فى الأصل: ((توحشهم))، وفى ح٢، م: (( تحرسهم)).
(٦) سقط من: ص، ف ١، ح١، م.
(٧) سقط من: ف ١، م، وفى ح١ (( قلبه)).
(٨) فى النسخ: ((البغال)). والمثبت من مصدرى التخريج .
(٩) فى الأصل، ر٢، ح٢: ((يكبره))، وفى ح١، م: ((يكربه)). وكرّثه الأمرُ والغم يكرِثه ويكوّثه كرثا :
ساءه واشتد عليه ، وبلغ منه المشقة ، كأكرثه . التاج (ك ر ث) .

٦٤٤
سورة الكهف : الآية ٨٣
ذلك دَأْبَه حتى انتهى إلى هاويلَ، فعمِل فيهم كعملِه فى ناسكِ ، فلما فرَغ منهم
مضَى على وجهِه فى ناحيةِ الأرضِ اليُمْنَى ، حتى انتهَى إلى منسكِ عندَ مَطْلِعِ
الشمسٍ ، فعمِل فيها وَنَّد منها جنودًا كفعله فى الأمّتين اللتين قبلها(١) ، ثم كوّ
مُقْبِلًا فى ناحيةِ الأرضِ الیُشرى وهو يريدُ تاويلَ ، وهى الأُمَّةُ التى بچیالِ هاويلَ ،
وهما مُتقابِلتان، بينَهما عَرْضُ الأرضِ كلُّه(٢) ، فلما بلَغَها عمِل فيها وجَنَّد
منها(٢) كفعلِه فيما قبلَها، فلما فرغ منها عطَف منها إلى الأمم التى فى وَسَطِ
الأرضِ ، مِن الجنِّ وسائرِ الناسِ(٤) ويأجوج ومأجوجَ.
فلما كان فى بعضِ الطريقِ مما يلى مُنْقَطَعَ أرضِ التّركِ نحوّ المشرقِ ، قالت
له أمةٌ مِن الإِنسِ صالحةٌ: يا ذا القرنَين، إن بينَ هذَين الجبلَين خَلْقًا مِن خلقِ اللَّهِ
كثيرًا، فيهم مُشابهةٌ مِن الإنسِ، وهم أَشْباهُ(*) البهائم(٢)، يأكُلون العُشْبَ،
ويَفْتَرِسون الدوابَّ والوَحْشَ كما يَفْتَرِسُها السّباعُ، ويأكُلون خَشاشَ (١) الأرضِ
كلِّها؛ مِن الحَّاتِ والعقاربِ وكلِّ ذى رُوح مما خلق اللَّهُ فى الأرضِ ، وليس للَّهِ
خَلْقٌ يَنْمِى (٨) نماءَهم فى العامِ الواحدِ، ولا يزدادُ كزيادتِهم، ولا يَكْتُوُ ككَثْرَتِهم،
(١) فى النسخ: ((قبلهما)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٢) فى م: ((كلها)).
(٣) فى الأصل: (( جنودا فيها)).
(٤) فى ص، ف ١، ر٢، ح١، ح٢، م: ((الإنس)).
(٥) فى الأصل: ((مثل)).
(٦) بعده فى م: (( وهم)) .
(٧) فى الأصل، ص، ح٢، ف١: ((قشاب))، وفى ر٢: ((قساب))، وفى ح١: ((خشاب)).
والخشاش : هوام الأرض وحشراتها ودوابها وما أشبهها . اللسان (خ ش ش).
(٨) فى م: ((ينمو)). وهما بمعنّى.

٦٤٥
سورة الكهف : الآية ٨٣
:
فإن كانت لهم مدةٌ(١) على ما تَرى(١٢) مِن نَمائِهم وزيادتِهم، فلا شكَّ أنهم سيَملَفُون
الأرضَ ويُجْلُون أهلَها ، ويَظْهَرونَ عليها فيُفْسِدون فيها، وليست تُمُ بنا سنةٌ منذُ
جَاوَرْناهم(٣) إلا ونحن نَتَوقَّعُهم وننتظِرُ أن يَطْلُعَ علينا(٤) أوائِلُهم مِن هذَين الجبلين:
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَّْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ سَنَّا﴾. قال: ﴿مَا مَكَّنِّ ◌ِيهِ
رَبِى خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ / أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾: (أعِدُوا لَىْ) الصخورَ ٢٤٤/٤
والحديدَ والنُّحاسَ حتى أَرْتادَ بلادَهم، وأعلمَ علمَهم ، وأَقِيسَ ما بينَ جبلَيهم .
ثم انطلَق يَؤُمُّهم حتى دَفَعْ إليهم وتَوسَّط بلادهم، فإذا هم على مقدارٍ
واحدٍ ، أَنْتاهم وذَكَرُهم ، يَبْلُغُ(١) طولُ الواحدِ منهم مثلَ نصفِ الرجلِ المربوعِ
مِنَّ، لهم مَخالِيبُ فى مواضع الأظفارِ مِن أيدينا، و(٧) أنيابٌ وأَضْراسٌ كأضْراسٍ
السّباعِ وأنيابِها، وأَخْناكٌ كأَخْناكِ الإبلِ قوةً، يُسْمَعُ لها (1) حركةٌ إذا أكَلَ
كحركةٍ() الجِرَّةِ(١) مِن الإبلِ، أو كفَضْمٍ(١١) البغلِ(١٢) المُسِنِّ، أو الفرسِ
(١) فى م: ((كثرة)).
(٢) فی م: ( یری)).
(٣) بعده فى ص، ف١، ر٢، م، والعظمة: ((ورأيناهم)). والمثبت موافق لما فى ابن جرير.
(٤) فى الأصل، ص، ف١، ر٢، ح١، ح٢: ((إلينا)).
(٥ - ٥) فى م: ((اغدو إلى)).
(٦) فى ص، ف ١، م: ((مبلغ)).
(٧) بعده فى م: ((لهم )) .
(٨) فى الأصل، ص، ف١، ح١، ح٢، م: ((له)).
(٩) فى ف١، ح١، ح٢: ((كحرة)).
(١٠) الجرة : ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه . النهاية ٢٥٩/١.
(١١) فى الأصل، ح٢: ((كعظم)).
(١٢) فى م، ونسخه من ابن جرير: ((الفحل)).

٦٤٦
سورة الكهف : الآية ٨٣
القوىِّ، وهم هُلْبٌ(١)، عليهم مِن الشَّعَرِ فى أجسادهم ما يُوارِیھم وما يَتَّقُون بهمِن
الحَّ والبَرْدِ إذا أصابَهم، ولكلِّ واحدٍ منهم(٢) أُذُنانِ عظيمتان؛ إحداهما وَبِرَةٌ
ظَهْرُها وبَطْنُها، والأَخْرِى زَغِبَةٌ(٢) ظَهْرُها وبَطْنُها، تَسَعانِه إذا لِبِسهما، يلبَسُ
إحداهما ویفترشُ الأخرى، ویتصیفُ فى إحداهما ويَشْتُو فى الأخرى ، ولیس
منهم ذَكَرٌ ولا أنثى إلا وقد عرَف أجلَه الذى يموتُ فيه ويَنْقَطِعُ(٢) عُمُرُه، وذلك
أنه لا يموتُ مَيِّتْ مِن ذُكُورِهم حتى يخرجَ مِن صُلْبِهِ ألفُ ولدٍ ، ولا تموتُ الأُنْثى
حتى يخرُجَ مِن رَحِمِها ألفُ ولدٍ ، فإذا كان ذلك أيقَن بالموتٍ وتَهَيّاً له، وهم
يُؤْزَقون التِّنِّينَ فى زمانِ الربيعِ، ويَسْتَمْطِرونه إذا تَحَيَُّوه، كما يُشْتَمْطَرُ الغيثُ
لحينِهِ ، فيُقْذَفون منه كلَّ سنةٍ بواحدٍ ، فيأكُلونه عامَهم كلَّه إلى مثلِها مِن قابلٍ،
3
فيُغْنِيهم(١) على كثرتِهم ونمائِهم(٧)، فإذا أَمْطِروا أَخْصَبوا، وعاشوا وسمِنوا ،
ورُئى أثرُه عليهم، فدَرَّتْ عليهم الإناثُ، وشَبِقَتُ(١) منهم الذكورُ، وإذا
(١) فى ص، ف ١، ح١، م: ((صلب)).
(٢) فى ح٢: ((منهما)).
(٣) زغبة: من الزغب ، وهو صغار الشعر والريش ولينه. التاج (ز غ ب).
(٤) فى ص، م: (( منقطع)).
(٥) فى ص: ((البنين)). والتنين: ضرب من الحيات من أعظمها كأكبر ما يكون منها. اللسان (ت ن ن).
(٦) فى النسخ: ((فيعينهم)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٧) فى م: (( ما هم فيه )) .
(٨) فى م: ((سهئوا)).
(٩) فى الأصل، ح٢، والعظمة: ((شبعت))، وفى ف ١، ح١: ((سبقت)). والشبق: شدة
الغلمة وطلب النكاح ؛ والغلمة هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل وغيرهما . النهاية ٤٤١/٢،
٣٨٢/٣.

٦٤٧
سورة الكهف : الآية ٨٣
أَخْطأهم هَزَلوا وأجدَبوا(١)، وجَفَرت منهم الذكورُ، وأحالَتِ الإناثُ(٢)، وتَيِّيَّن
أثرُ ذلك عليهم، وهم يَتَداعَون تَداعِىَ الحَمَامِ، ويَعْرُون عَوِىَّ(٣) الذئابِ(٤)،
وَيَتَسافَدون(٥) حيثُما التقَوا تَسافُدَ البهائمِ .
ثم لما عايَن ذلك منهم ذو القرنين ، انصرَف إلى ما بينَ الصَّدَفَين ، فقاسَ ما
بينَهما وهو (١) فى مُنْقَطَع أرضِ التُّوكِ مما يلى الشمسَ، فوجَد بُعدَ ما بينَهما مائَةً
فرسخ ، فلما أنشَأ فى عملِه حفَر له أُسًّا(٧) حتى بلَغ الماءَ، ثم جعَل عرضَه خمسينَ
فرسخًا ، وجعَل حَشْوَه الصخورَ ، وطينه النُّحاسَ ، يُذَابُ ثم يُصَبُّ عليه ، فصار
كأنه عِرْقٌ مِن جبلِ تحتَ الأرضِ، ثم عَلَاه وشَرَّفَه بزُيَرِ الحديدِ والنُّحاسِ المُذَابِ،
وجعَل خلالَه عِزْقًا مِن نُحاس أصفرَ، فصار كأنه بردٌ مُحَبٌَّ مِن صُفْرةِ النحاسِ
وحُمْرتِه وسوادِ الحديدِ، فلما فرغ منه وأحكمه ، انطلَق عامدًا إلى جماعةِ الإنسِ
والجنِّ، فبينما هو يسيرُ إذ دفَع إلى أمةٍ صالحةٍ يَهْدُون بالحقِّ وبه يَعْدِلون ، فوجَد
أمةً مُقْسِطَةً يَقْسِمون (٨) بالسَّويَّةِ، ويحكمون بالعدلِ ، ويَتآسَون(١) ويتراحمون ،
(١) فى ص، ر٢: ((أجذبوا))، وفى ف١، م: ((أحدثوا))، وفى ح٢: ((جدبوا)).
(٢) جفر الرجل : إذا انقطع عن الجماع، وأحالت الإناث: إذا لم تحمل. ينظر اللسان (ج ف ر، ح ول).
(٣) عند ابن جرير: ((عواء)).
(٤) فى الأصل: ((الكلاب والذئاب))، وعند ابن جرير وأبى الشيخ: ((الكلاب))، وفى نسختين من ابن
جرير كالمثبت
(٥) سفد الذكر على الأنثى: نزا، ويقال للسباع والطيور، ويكنى به عن الجماع. ينظر التاج (س فى د).
(٦) فى ص، ف١، ح١، ح٢، م: (( هى )) .
(٧) فى الأصل، ر٢، ح٢، م: ((أساسا))، وفى ص: ((أسسا)). والأس هو الأساس.
(٨) فى م: ((يقتسمون)).
(٩) فى ح٢: ((يتساوون)).

٦٤٨
سورة الكهف : الآية ٨٣
حالُهم واحدةٌ، وكلمتُهم واحدةٌ ، وأخلاقُهم مُشْتَبِهَةٌ، وطريقتُهم مستقيمةٌ ،
وقلوبُهم مؤتلفةٌ، وسيرتُهم مستويةٌ، وقبورُهم بأبوابٍ ثبيوتهم، وليس على
يُيُوتِهم أبوابٌ ، وليس عليهم أمراءُ، وليس بينَهم قُضاةٌ ، وليس فيهم أغنياءُ ولا
ملوكٌ ولا أشرافٌ، ولا يَتفاوتُون ولا يَتفاضَلون، ولا يَتنازَعون ولا یَسْتَبُّون ولا
يَقْتَتِلون، ولا يَفْخَطون ولا يُجْرَدون(١)، ولا تُصِيئُهم الآفاتُ التى تصيبُ الناسَ،
وهم أطولُ الناسِ أعمارًا، وليس فيهم مسكينٌ ولا فقيرٌ ولا فَظُّ ولا غليظٌ .
فلما رأى ذلك ذو القرنين مِن أمرِهم أُعجِب منهم وقال لهم : أخبرونى أيُّها
القومُ خبرَ كم ، فإنى قد أحصَيتُ الأرضَ كلَّها؛ بَرَّها وبحرّها ، وشرقَها وغربَها ،
ونورَها وظُلْمتَها ، فلم أجِدْ فيها أحدًا مثلَكم ، فأخبرونى خبرَ كم. قالوا : نعم،
فسَلْنا عما تريدُ . قال : أخبرونى ما بالُ قبورٍ كم على أبوابٍ بُيُوتِكم؟ قالوا : عمدًا
فَعَلنا ذلك ، لئلا ننسى الموتَ ولا يخرُجَ ذكْرُه مِن قلوبنا . قال: فما بالُ بيوتِكم
ليس عليها أبوابٌ؟ قالوا: ليس فينا مُتَّهَمّ وليس فينا إلا أمينٌ مؤتمنٌّ. قال: فما.
بالُكم ليس عليكم أمراءُ ؟ قالوا: "لا نتَظَالمُ). قال: فما بالُكم ليس
بينَكم حُكَّامٌ؟ قالوا : لا نختصِمُ. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياءُ؟ قالوا : لا
نتكاثر. "قال: فما بالكم ليس فيكم ملوكٌ؟ قالوا: لا نتكابرُ". قال: فما
بالُكم ليس فيكم أشرافٌ؟ قالوا : لا نَتنافَسُ . قال: فما بالكم لا تَتفاضلون ولا
تَتفاوتون؟ قالوا: مِن قِبل أنَّا مُتواصِلون مُتراحِمون. قال: فما بالكم لا تَتَنازَعون
(١) فى م: ((يحردون)). وجردت الأرض فهى مجرودة: إذا أكل الجراد نبتها. التاج (ج ر د).
(٢ - ٢) فى م: ((ليس فينا مظالم)).
(٣ - ٣) سقط من : م .

٦٤٩
: سورة الكهف : الآية ٨٣
ولا تَخْتَلِفون؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَلْفَّةِ قُلُوبِنا وصلاح ذاتِ بَيْنِنا. قال: فما بالُكم لا
تَسْتَبُّون ولا تَقْتَتلون؟ قالوا: مِن قِبَلِ أنَّا غَلَيْنا [٢٧٤ظ] طبائعَنا بالعزمِ، وسُشْنا
أَنفُسَنا بالأحلام(١) . قال: فما بالُ كلمتِكم واحدةً، وطريقتِكم مستقيمةً ؟
قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا لا نتكاذَبُ ولا نتخادَعُ، "فلا يَغْتَابُ بعضُنا بعضًا). قال:
فأخبِرونى مِن أين تَشابَهَت قلوبُكم، واعتدَلَت سيرتُكم؟ قالوا: صَحَّتْ
صُدُورُنا ، فنزَع اللَّهُ بذلك الغِلَّ والحسدَ مِن قلوبنا . قال: فما بالكم ليس فيكم
مسکیٹ ولا فقير؟ قالوا : مِن قِبَلِ أَنَّا نَقْسِمُ بالسّوِيَّةِ . قال : فما بالكم لیس فیکم
فَظّ ولا غليظٌ ؟ قالوا: مِن قِبَلِ الذُّلِّ والتواضعِ. قال: فما بالكم جُعِلْتُم أطولَ
الناسِ أعمارًا؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا نتعاطَى الحَقَّ ونَحكُمُ بالعدلِ . قال : فما بالُكُم
لا تَفْحَطون؟ قالوا: لا نَعْفُلُ عن الاستغفارِ. قال: فما بالُكم لا تُجْرَدون؟ قالوا :
مِن قِبَلِ أَنَّا وَطَّنَا أنفسَنا للبلاءِ منذُ كُنَّا، وأحببناه وحَرَصْنا عليه فعُرِّينَا منه. قال:
فما بالُكم لا تُصِيبُكم الآفاتُ كما تُصِيبُ الناسَ ؟ قالوا : لا نتوكّلُ على غيرِ
اللَّهِ ، ولا نعمَلُ بأَنْواءِ النجوم. قال: /حدِّثونى، أهكذا وجَدْتُم آباءَ كم يفعَلون؟ ٢٤٥/٤
قالوا: نعم، وجَدْنا آباءَنا يرحَمون مساكينَهم، ويُواسُون فقراءَهم، ويَعْفُون
عمَّن ظَلَمَهم، ويُخْسِنون ("إلى مَن٣) أساء إليهم، ويَحْلُمون عمَّن(٤) جهِل
عليهم، ويَسْتغفِرون لمن سَبَّهم، ويَصِلون أرحامَهم، ويَرُدُّون أماناتِهم،
ويحفظون وقتَهم لصلاتِهم، ويُوفُون بعُهُودِهم(٢) ، ويَصْدُقون فى مواعيدِهم،
(١) فى م: ((بالحلم)).
(٢ - ٢) فى الأصل: (( ولم يغتب بعضنا)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((لمن)).
(٤) فى م: ((على من)).
(٥) فى الأصل: (( بعهدهم)).

٦٥٠
سورة الكهف : الآية ٨٣
ولا يرغَبون عن أَكْفائِهم، ولا يَسْتَنْكِفون عن أقاربهم، فأصلَح اللَّهُ بذلك
أمرَهم، وحفِظهم به ما كانوا أحياءً، وكان حقًّا عليه(١) أن يَخْلُفَهم فى تَرِكَتِهم.
فقال لهم ذو القرنين: لو كنتُ مُقِيمًا لأَقَمْتُ فيكم، ولكنى لم أُومَوْ بالإقامةِ (٢).
وأخرج ابن أبى حاتم ، وأبو الشيخ ، عن أبى جعفرٍ محمدِ بنِ علىِّ بنِ الحسين
ابنِ علىّ بنِ أبى طالبٍ قال: كان لذى القرنَين صديقٌ مِن الملائكةِ يقالُ له :
زرافيلُ(٣). وكان لا يزالُ يتعاهَدُه بالسلام، فقال له ذو القرنين: يا زرافيلُ(٣)، هل
تعلمُ شيئًا يزيدُ فى طولِ العُمْرُ لنَزْدادَ شكرًا وعبادةً؟ قال: ما لى بذلك من"
علمٍ، ولكن سأسألُ لك عن ذلك فى السماءِ. فعرَج زرافيلُ() إلى السماءِ،
فَلَبِث ما شاء اللَّهُ أَن يَلْبَثَ ثم هَبَط، فقال: إنى قدُ(٥) سألتُ عما سألتَنى عنه،
فَأُخْبِرْتُ أن للَّهِ عَيْنًا فى ظلمةٍ ، هى أشدُّ بياضًا من اللَّبَنِ، وأُحلَى مِن الشَّهْدِ ، مَن
شرِب منها شَرْبةً لم يَمُتْ حتى يكونَ هو الذى يسألُ اللَّهَ الموتَ. قال: فجمَع ذو
القرنَين علماءَ الأرضِ إليه، فقال: هل تعلمون أن للَّهِ عَيْنًا فى ظُلْمةٍ؟ فقالوا : ما
نعلمُ ذلك . فقام إليه رجلٌ شابٌّ فقال: وما حاجتُك إليها(٢) أيُّها الملكُ؟ قال: لى
فيها(٧) حاجةٌ . قال: فإنى أعلمُ مكانَها . قال: ومِن أين علِمتَ مكانَها؟ قال:
قرأتُ وصيةَ آدمَ عليه السلامُ فوجَدتُ فيها: إن للَّهِ عَيْنَا خلفَ مَطْلِعِ الشمسِ فى
(١) سقط من: ف١. وفى ح٢: ((عليهم).
(٢) أبو الشيخ (٩٧٢).
(٣) فى ح٢: ((زراقيل)).
(٤) سقط من : م .
(٥) سقط من : ح٢، م.
(٦) فى ح٢: ((بها)).
(٧) فى م: ((بها)).

٦٥١
سورة الكهف : الآية ٨٣
ظُلْمةٍ ، ماؤها أشدُّ بياضًا مِن اللبنِ، وأُحلَى مِن الشَّهْدِ، مَن شرِب منها شَرْبةً لم
يُتْ حتى يكونَ هو الذى يسألُ اللَّهَ الموتَ.
فسارَ ذو القرنين مِن موضعِه الذى كان فيه ثِنْتَی عشْرَةَ سنةً حتى انتهى إلى
مَطْلِعِ الشمسِ ، ثم عسكر وجمَع العلماءَ، فقال : إنى أريدُ أن أسلُكَ هذه الظلمةَ
بكم . فقالوا: إنا نُعِيذُك باللّهِ أن تسلُكَ بنا(١) مَسْلَكًا لم يَسْلُكْه أحدٌ مِن بنى آدمَ
قَطُ قبلَك. قال: لا(٢) بُدَّ أن أسلُكَها. قالوا: إنا نُعِيذُك باللَّهِ أن تسلُكَ بنا هذه
الظلمةَ ، فإِنا لا نأمَنُ أَن يَنْفَتِقَ علينا منها (٢) أمرٌ يكونُ فيه فسادُ الأرضِ. قال :
لا (٤) بُدَّ من أن أسلُكَها. قالوا: فشأنَك. فسألهم: أَىُّ الدوابٌ أبصرُ؟ قالوا :
الخيلُ . قال: فأىُّ الخيل أبصرُ؟ قالوا: الإناثُ. قال: فأىُّ الإناثِ أبصرُ؟ قالوا :
الأبكارُ. فانتقَى ستةً آلافٍ فرسٍ أنثى بِكْرٍ ، ثم انتَخَب مِن عسكرِه ستةً آلافٍ
رجلٍ، فدفَع إلى كلِّ رجلٍ منهم فرسًا، ووَلَّى الْخَضِرَ منها على ألفَى(٥) فارسٍ (٦)،
ثم جعَله على مُقَدِّمتِه ، ثم قال: سِرْ أمامى. فقال له الخضرُ: أيُّها الملكُ ، إنى
لستُ آمَنُّ هذه الأمةَ الضلالَ، فَيَتَفَرَّقَ الناسُ عنِّى(٢) . فدفَع إليه خَرَزةً حمراءَ،
فقال: إذا تَفرَّق الناسُ عنك(٨) فارم هذه الخَرَزةَ، فإنها ستُضِىءُ لك وتُصوَّتُ
(١) سقط من : م .
(٢) فى ص، ف ١، ح١، ح٢: ((ما))، وفى حاشيه ح٢: ((لابد)).
(٣) فى ف١، ح١، م: ((بها)).
(٤) فى الأصل، ص، ف ١، ح١، ح٢: (( ما)).
(٥) فى ص: ((ألف)).
(٦) فى الأصل، ح٢: ((فرس)).
(٧) فى ص، ف ١، ر٢، ح١، م: ((منى)).
(٨) سقط من: ف ١، ح١، م.

٦٥٢
سورة الكهف : الآية ٨٣
حتى (١) يجتمعَ(٢) إليك أهلُ الضلالِ. واسْتَخْلَف على الناسِ خليفةً ، وأمره أن
يُقِيمَ فى عسكرِهِ ثِنْتِى عشْرَةَ سنةً، فإن هو رجَع إلى ذلك، وإلا أمَر الناسَ
فتفرَّقوا(١) فى بُلدانِهم. ثم أمَر الخَضرَ فسارَ أمامَه، فكان الخضرُ إذا أتاه ذو القرنَين
رحَل مِن منزله ونزَل ذو القرنين فى منزل الخضر الذى كان فيه ، فبينا اخضر يسيرُ
فى تلك الظلمةِ إذ تَفرَّق الناسُ عنه، فطَرح الخَرَزةَ مِن يدِه، فإذا هى على شَفيرٍ
العينِ ، والعينُ فى وادٍ ، فأضاء له ما حولَ البئرِ، فنزَل الخضرُ، ونزَع ثيابَه ، ودخَل
العينَ فشرِب منها، واغتَسل ثم خرَج، فجمَع عليه ثيابَه، ثم أخَذ الخَرزةَ
وركِب، وخالَفه ذو القرنين فى غيرِ الطريقِ الذى أخذ فيه الخضرُ. فساروا فى
تلك الظلمةِ فى مقدارٍ ستٍّ ليالٍ وأيامِهن، ولم تَكُنْ ظلمةٌ كظلمةِ الليلِ ، إنما
كانت ظلمةً كهيئةٍ ضَبابٍ، حتى (٢) خرَجوا إلى أرضٍ ذاتٍ نورٍ، ليس فيها
شمس ولا قمر ولا نجم(®) ، فعسكر، ثم نزَل الناسُ ثم ركب ذو القرنين وحده،
فسار حتى انتهى إلى قصرٍ طولُه فرسخٌ فى فرسخِ ، فدخَل القصرَ ، فإذا هو بعمودٍ
على حافَتى القصرِ، وإذا طائرٌ مذمومٌ، بأنفِه سلسلةٌ مُعَلَّقةٌ ، فى ذلك العمودِ شبهُ
الخُطَّافِ ، أو قريبٌ مِن الْخُطَّافِ ، فقال له الطيرُ: مَن أنت؟ قال أنا ذو القرنَين.
قال له الطيرُ: يا ذا القرنين، أمَا كَفاك ما وراءَك حتى تناولتَ الظلمةَ؟ أَنْبِشْنى يا ذا
(١) فى ص: ((حين)).
(٢) فى م: ((تجمع)).
(٣) فى ص، ف ١، ح١: ((فيتفرقوا))، وفى م: ((أن يتفرقوا)).
(٤) بعده فى الأصل: ((إذا)).
(٥) بعده فى ص، ف١، ح١: ((يجرى).
:

٦٥٣
سورة الكهف : الآية ٨٣
القرنَين . قال: سَلْ. قال: هل كَثُر بنيانٌ مِن الجِصِّ والآجُرٌّ فى الناسِ ؟ قال :
نعم . فانتفَخ الطيرُ حتى سَدَّثُلُثَ ما بينَ الحائطَين. ثم قال : يا ذا القرنين، أَنْبِشْنى.
قال : سَلْ. قال: هل كَثُرت المعازفُ فى الناسِ؟ قال: نعم. فانتَفَخ حتى سَدَّ
ثُلُثَى ما بينَ الحائطَين، ثم قال: يا ذا القرنين، أَنْبِشْنِى. قال: سَلْ. قال: هل
كَثُرت شهاداتُ الزورِ فى الناسِ؟ قال: نعم. فانتَفخ حتى سَدَّ ما بينَ الحائطَين ،
واجثُتَّ(١) ذو القرنَين منه فَرَقًا، قال له الطيرُ: يا ذا القرنين، لا تَخَفْ، أَنْبِثْنِى.
قال : سَلْ. قال: هل ترَك الناسُ شهادة أن لا إلهَ إلا اللّهُ؟ قال: لا. (٢فانضمّ
ثالثًا (٢)، قال : يا ذا القرنين، أَنْبِئْنِى. قال: سَلْ". قال: هل ترَك الناسُ الغسلَ مِن
الجَنَابةِ؟ قال: لا. قال: فانضَمَّ ثُلُثًا (٤). قال: يا ذا القرنَين، أَتْبِقْنِى. قال: سَلْ.
قال : هل ترَك الناسُ المكتوبةَ ؟ قال : لا . فانضَمّ الطير حتى عاد كما كان، ثم
قال : يا ذا القرنين ، انطلِقْ إلى تلك الدرجةِ فاصْعَدْها، فإنك ستَلْقَى مَن تسألُه
ويُخْبِرُك. /فسارَ حتى انتهى إلى درجةٍ مدرجةٍ، فصعِد عليها ، فإذا هو بسطحِ
ممدودٍ لا يُرَى طَرَفاه، وإذا رجلٌ شابٌّ قائمٌ شاخِصٌ ببصرِه إلى السماءِ، واضعّ
يدَه على فمِه، قد قدَّم رِجْلًا وأخّرٍ أُخْرى، فسَلَّم عليه(٥) ذو القرنين، فردَّ عليه
السلامَ، ثم قال له : مَن أنت؟ قال: أنا ذو القرنين. قال: يا ذا القرنين، أمَا كَفاك
٢٤٦/٤
(١) فى م: ((اجث)). واجتث: أى فزع منه وخاف. ينظر النهاية ٢٣٩/١.
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) فى ص: ((ثلث))، وفى ح٢: (( ثلثاه)).
(٤) فى ص: (( ثلث))، وفى م: (( ثلثاه)).
(٥) بعده فى ح ٢: ((فرد عليه)).

٦٥٤
سورة الكهف : الآية ٨٣
ما وراءَك حتى قطَعْتَ الظُّلْمَةَ ووصَلْتَ إلىّ؟ قال: ومَن أنت ؟ قال : أنا صاحبُ
الصورِ، قد قدَّمْتُ رِجْلًاً وأخَرتُ أخرَى، ووَضَعْتُ الصُّورَ على فمى، وأنا
شاخِصٌ ببصرى (١) أنتظرُ أَمرَ رِّى. ثم تناوَل حجرًا فدفَعه، فقال (١) : انصرِفْ،
فإن هذا الحجرَ سيُخْبِرُك بتأويل ما أردتَ. فانصرّف ذو القرنين حتى أَتَّى
عسكره، فنزَل وجمع إليه العلماءَ، فحدّثهم بحديثِ القصرِ ، وحديثِ العمودِ ،
وحديثٍ (١) الطيرِ، وما قال له وما رَدَّ عليه، وحديثِ صاحبِ الصورِ ، وأنه قد
دفع إلیه هذا الحجر وقال : إنه سيُخْبِرُنی(٤) بتأويل ما جئتُ به ، فأخبرونى عن
هذا الحجرِ، ما هو ؟ وأىُّ شىءٍ أراد بهذا؟ قال: فدَعَوا بميزانٍ، ووُضِع حجرُ
صاحبِ الصورِ فى إحدى الكِفَّتين، ووُضِع حجرٌ مثلُه فى الكِفَّةِ الأخْرَى فرجع
به ، ثم وُضِع معه حجرٌ آخرُ فرح به ، ثم وُضِع عشرةُ أحجارٍ فرجَح بها ، ثم
وُضِع مائةُ حجرٍ فرجَح بها ، حتى وضَع ألفَ حجرٍ فرجَح بها ، فقال ذو القرنين :
هل عندَ أحدٍ منكم فى هذا الحجرِ مِن علم (١) ؟ قال، والخَضِرُ قاعدٌ بحِيالِهِ لا
يتكلَّمُ ، فقال له: يا خَضِرُ، هل عندَك فى هذا الحجرِ مِن علم؟ قال: نعم. قال :
فما هو ؟ قال الخَضِرُ: أَيُّها المَلِكُ، إن اللَّهَ ابتَلى العالِمَ بالعالِم، وابتَلى الناسَ
بعضَهم ببعضِ ، وإن اللَّهَ ابْتَلاكَ بى، وابْتَلانى بك. فقال له ذو القرنَين: ما أراك
(١) بعده فى م: ((إلى السماء)).
(٢) فى ح١: (( ثم)).
(٣) سقط من: ص، ف ١، ر٢، ح١، ح٢، م.
(٤) فى ح٢: (( سيخبرك)).
(٥) فى الأصل: ((إليه)) .
(٦ - ٦) سقط من : م .
(٧) بعده فى الأصل: ((قال: نعم)).

٦٥٥
سورة الكهف : الآية ٨٣
إلا قد ظفِرْتَ بالأمرِ الذى جئتُ أَطْلُبُه. قال له الخضرُ: قد كان ذاك(١). قال:
فأنبقْنى. فَأَخَذ الميزانَ ووضَع حجرَ صاحبٍ الصورِ فى إحدَى الكِفَّتَين، ووضَع
فى الكِفَّةِ الأُخْرَى حجرًا، وأخَذ قبضةً مِن ترابٍ ، فوضَعها مع الحجرِ ، ثم رفَع
الميزانَ ، فرجَح الحجرُ الذى معه الترابُ على حجرِ صاحبِ الصورِ، فقالت
العلماءُ: سبحانَ(٢) ربّنا، وضَعْناه ("مع ألف٣ٍ) حجرٍ (+ فشال بها)، ووضَع
الخضرُ معه حجرًا واحدًا وقبضةً مِن ترابٍ فشال(٥) به. فقال له (٦) ذو القرنين:
أخبِرْنى بتأويلٍ هذا. قال: أُخْبِرُك، إنك مُكِّنْتَ مِن مشرقٍ(٧) الأرضِ ومغربها،
فلم يَكْفِك ذلك حتى تناولتَ الظُّلْمَةَ حتى وصلتَ إلى صاحبِ الصورِ ، وإنه لا
يملأُ عينَك إلا الترابُ . قال : صدَقتَ .
ورحَل ذو القرنين، فرجَع فى الظُّلْمةِ راجعًا، فجعَلوا يسمَعون خَشْخَشَةً
تحتَ سَنابِكِ خَيْلِهِم، فقالوا: أيُّها الملكُ، ما هذه الخشخشةُ التى نسمعُ تحتَ
سَنابكِ خيلِنا ؟ قال: مَن أخَذ منه ندِم، ومَن ترَكه ندِم. فأخَذَت منه طائفةٌ ،
وترَكت طائفةٌ ، فلما برزوا به إلى الضوءِ نظَروا(4)، فإذا هو الزبرجدُ ، فندِمِ الآخِذُ
(١) فى ص، ف١، ح١، م: ((ذلك)).
(٢) بعده فى م: (( الله )).
(٣ - ٣) فى الأصل، ح٢، ر٢: ((بألف)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فسابها))، وفى م: ((فمال لها)). وشال الميزان: ارتفعت إحدى كفتيه . اللسان
(ش ول) .
(٥) فى الأصل، ح١: ((فسال))، وفى م: ((فمال)).
(٦) ليس فى : الأصل ، ح٢ .
(٧) فى الأصل: (( مشارق)).
(٨) فى ر٢ : ((فنظروا)).

٦٥٦
سورة الكهف : الآية ٨٣
ألَّ يكونَ ازدادَ(١)، وندِم التاركُ أَلَّ يكونَ أخَذُ (١). فقال النبىُ وَ: ((رحِم اللَّهُ
أخى ذا القرنين، دخَل الظُّلْمَةَ وخرَج منها زاهدًا ، أما إنه لو خرج منها راغبًا لمَا تَرَك
منها حجرًا إلا أخرَجه)). قال رسولُ اللّهِ وَله: «فأقامَ بدُومةِ الجَنْدلِ ، فعبد اللَّهَ
فيها حتى ماتَ )) .
ولفظُ أبى الشيخ: قال أبو جعفرٍ: إن رسولَ اللّهِ وَ لَ قال: ((رحِم اللَّهُ أخى
ذا القرنین ، لو ظفر بالزَّبوجدِ فی مهداه ما ترك منه شيئًا حتى يُخْرِجَه إلى الناسِ ؛
لأنه كان راغبًا فى الدنيا، ولكنه ظفر به وهو زاهِدٌ فى الدنيا لا حاجةً له فيها))(٢).
وأخرج ابنُ إسحاقَ ، والفِزيائىُ، وابنُ أبى الدنيا فى كتابٍ ((مَن عاشَ بعدَ
الموتِ))، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، مِن طرقٍ عن علىٍّ بن أبى طالبٍ ، أنه سُئِل
عن ذى القرنَين فقال: كان عبدًا أحبَّ اللَّهَ فأحَبَّه، وناصَح اللَّهَ فناصَحَه(٣)،
فبعثه إلى قومٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، فدعاهم إلى اللَّهِ وإلى الإسلام، فضربوه على قَرْنِه
الأيمنِ فمات، فأمسَكه اللَّهُ ما شاء ثم بعثه، فأرسَله إلى أُمَّةٍ أُخْرى يَدْعُوهم إلى
اللَّهِ وإلى الإسلام(٤) ، فضرَبوه على قَزْنِهِ الأيسرِ فمات، فأمسكه اللَّهُ ما شاء ثم
بعثه، فسخّر له السحاب وخێّره فیه ، فاختار صعبه علی ذلولِه، وصعبُه الذى لا
يُخْطِئُ ، وبسط له النورَ، ومَدَّ له الأسبابَ، وجعَل الليلَ والنهارَ [٢٧٥ و] عليه
(١) بعده فى ح ٢: (( منه)).
(٢) أبو الشيخ (٩٧٣، ٩٧٤). وسقط منه ذكر أبى جعفر والراوى عنه، وفى طبعة دار العاصمة (٩٦٦)،
عن أبى جعفر - وهو محمد بن على بن الحسين - عن أبيه - وهو على بن الحسين زين العابدين.
(٣) فى ص، ح١: ((فنصحه)).
(٤) بعده فى الأصل: ((ففعل)).
(٥) فى الأصل: ((يضر)).

٦٥٧
سورة الكهف : الآية ٨٣
سواءً، فبذلك بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربها .
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ، عن عكرمةَ ، أن ذا القرنين لما بلَغ الجبلَ
الذى يقالُ له : قافٌ . ناداه مَلَكٌ مِن الجبلِ: أيُّها الخاطِئُ ابنَ الخاطئِّ، جئتَ حيثُ
لم يَجِئْ أحدٌ(١) قبلَك، ولا يَجِىءُ أحدٌ بعدَك. فأجابَه ذو القرنين: وأين أنا؟ قال
له الملَكُ: أنت فى الأرضِ السابعةِ. فقال له (١) ذو القرنين: ما يُنْجِينى؟ قال:
يُنْجِيك اليقينُ. فقال ذو القرنَين: اللهمَّ ارْزُقْنى يقينًا. فأنجاه اللَّهُ . قال له الملَكُ:
إنك ستأتى إلى قومٍ لتَبْنِىَ(١) لهم سدًّا، فإذا أنت بَيْتَه وفرَغْتَ منه، فلا تُحدِّثْ
نفسَك أنك بنيْتَه بحولٍ منك أو قوةٍ ، فيُسَلِّطَ اللَّهُ على بُنيانِك أُضْعفَ خَلْقِهِ
فيَهْدِمَه. ثم قال له ذو القرنَين: ما هذا الجبلُ ؟ فقال(٤) له: قافٌ. وهو أخضرُ،
والسماءُ بيضاءُ، وإنما خُضْرَتُها مِن هذا الجبلِ، وهذا الجبلُ أمّ الجبالِ كلِّها(٢)،
والجبالُ كلُّها مِن عُرُوقِه(٥)، فإذا أراد اللَّهُ أن يُزَلْزِلَ قريةً حَرَّك منه ◌ِزْقًا. ثم إن
الملَكَ ناوَله ◌ُنْقودًا مِن عنبٍ ، وقال له : حَبَّةٌ تُزْوِيك، وحَبَّةٌ تُشْبِعُك، وكلما
أخذْتَ منه(٦) حَّةٌ عادَت مكانهَا حَبَّةٌ. ثم خرج من عندِه، فجاء البنيانَ الذى
أراد اللهُ، فقالوا له: / ﴿يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِنَّ بَأْجُوَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾. إلى ٢٤٧/٤
قولِه: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمُ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ .
(١) بعده فى ص، ر٢، م: ((من)).
(٢) سقط من: ص، ف ١، ر٢، ح١، ح٢، م.
(٣) فى م: ((فتبنى)).
(٤) بعده فى ص، ف١، ح١: ((هذا جبل يقال))، وفى م: ((هذا الجبل الذى يقال)).
(٥) فى ص، ح١: ((عروقها)).
(٦) فى ص، ح١، ح٢: ((منها)).
( الدر المنثور ٤٢/٩ )

٦٥٨
سورة الكهف : الآية ٨٣
قال عكرمةُ : هم منسكٌ ، وناسكٌ، وتاويلُ ، وراحيلُ. وقال أبو سعيدٍ :
هم خمسةٌ وعشرون قبيلةً مِن وراءٍ يأجوج ومأجوجَ .
وأخرج الحاكمُ عن معاويةً قال: ملَك الأرضَ أربعةٌ ؛ سليمانُ، وذو
القرنَين، ورجلٌ مِن أهلِ حُلْوانَ، ورجلٌ آخَرُ. فقيل له: الخَضِرُ؟ قال: لا(١).
وأخرج ابنُ أبى حاتم ، وابنُ عساكرَ، عن مجاهدٍ قال : إن ذا القرنين ملَك
الأرضَ كلَّها إلا بِلْقِيسَ صاحبةَ مأرِبَ، فإنَّ ذا القرنين كان يَلْبَسُ ثيابَ
المساكينِ، ثم يدخُلُ المدائنَ، فينظُرُ مِن عَوْرتِها(٢) قبلَ أن يَقْتُلَ(٣) أهلَها،
فَأُخْبِرَت بذلك بِلْقِيسُ، فبعثتْ رسولًا ينظُرُ منه(٤) فيُصَوِّرُ لها صورته فى مُلْكِه(٥)
حينَ يَفْعُدُ(١)، وصورتَه فى ثيابِ المساكين، ثم جعَلَت كلَّ يومٍ تُطْعِمُ المساكينَ
وتجمَعُهم، فجاءها رسولُها بصورتِه(٢)، فجعَلَت إحدى صورتَيه تليها،
والأُخْرِى على بابِ الأُسطوانةِ(٨) ، فكانت تُطْعِمُ المساكينَ كلَّ يومٍ، فإذا فرغوا
عرَضتْهم واحدًا واحدًا فيَخْرُجون، حتى جاء ذو القرنين فى ثيابٍ المساکینِ،
فدخَل مدينتَها ، ثم جلس مع المساكين إلى طعامِها ، فَقَرَّبَت إليهم الطعامَ ، فلما
فرغوا أخرجتْهم واحدًا واحدًا ، وهی تنظُرُ إلی صورته فى ثيابِ المساکینِ، حتى
(١) الحاكم ٥٨٩/٢ .
(٢) العَورات جمع العَوْرة: وهى الخلل فى الثغر وغيره كالحرب . التاج (ع ور).
(٣) فى الأصل، ح٢: ((يقبل على))، وفى مصدر التخريج: ((يقاتل)).
(٤) فى م: ((إليه)).
(٥) فى ر٢، ح٢: ((ملك)).
(٦) فى الأصل: ((يعقد))، وفى ر٢ : (( يقصد )).
(٧) فى م: ((فى صورته)).
(٨) فى ص، ف١، ٢، ح١، ح٢: ((الأسطوان)).
.

٦٥٩
سورة الكهف : الاية ٨٣
مرَّ ذو القرنين، فنظَرت إلى صورتِه فقالت: أَجْلِسوا هذا وأَخْرِجوا مَن بَقِى مِن
المساكين. فقال لها: لِمَ أْلَسْتِينى وإنما أنا مسكينٌ ؟ قالت : لا ، أنتَ ذو
القرنَين ، هذه صورتُك فى ثيابِ المساكينِ، واللهِ لا تُفارِقُنى حتى تكتُبَ لى أمانًا
بُلْكى أو أضرِبَ عُنُقَك. فلما رأى ذلك كتَب لها أمانًا، فلم يَنْجُ منه أحدٌ ()
(٢)
غيرها (٢) .
وأخرج ابن أبى حاتم عن وهبٍ بنِ مُنَّهِ قال: مَلَك ذو القرنين ثِنتَىْ عشْرَةَ
سنةً .
وأخرج ابن أبى حاتم ، وأبو الشيخ فى ((العظمة))، عن عبيدِ ١ اللهِ بن أبى
جعفرٍ قال : كان ذو القرنين فى بعضٍ مسيرِه، فمَرَّ بقومٍ قبورُهم على أبوابٍ
◌ُيُوتِهم ، وإذا ثيابُهم لونٌ واحدٌ ، وإذا هم رجالٌ كلُّهم ليس فيهم امرأةٌ ، فَتَوسَّم
(٤)
رجلًا منهم فقال له : لقد رأيتُ شيئًا ما رأيتُه(٥) فى شىءٍ من مَسِيری . قال : وما
هو؟ قال(١) : فوصَف له ما رأى منهم . قال(٢) : أما هذه القبورُ على أبوابنا، فإنا
جعلناها موعظةً لقلوبنا ؛ تَخْطِر علی قلبٍ أحدِنا () الدنيا ، فيخرجُ فیرَى القبورَ ،
(١ - ١) فى ف ١، ح١: ((منه))، وفى م: ((أحد منه)).
(٢) ابن عساكر ٦٨/٦٩.
(٣) فى ح٢ (عبد)).
(٤) فى ص: (( توهم)).
(٥) فى م: ((رأيت)).
(٦) ليس فى : الأصل ، م .
(٧) فى الأصل، ص، ف ١، ر٢، ح١، م: ((قالوا)).
(٨) فى ح٢: ((أحد منا حب)).

٦٦٠
سورة الكهف : الآية ٨٣
ويرجعُ إلى نفسِه فيقولُ : إلى هذا المصيرُ، وإليها صار مَن كان قبلى . وأما هذه
الثيابُ ، فإنه لا يكادُ الرجلُ مِنَّا يلبَسُ ثيابًا أحسنَ من صاحبِه إلا رأى له به (١)
فضلًا على جليسِه . وأما قولُك: رجالٌ كلُّكم ليس معكم نساءٌ. فَلَعَمْرِى لقد
خُلِقْنا مِن ذكرٍ وأنثى، ولكنَّ هذا القلبَ لا يُشغَلُ(٢) بشىءٍ إلا اشتَغَل(٢) به،
فجعَلْنا نساءَنا وذُرِّيتنا فى قريةٍ قريبةٍ()، فإذا أراد الرجلُ(٥) مِن أهلِه ما يريدُ الرجلُ
أتاها ، فكان معها الليلةَ والليلتين، ثم يرجِعُ إلى ما هلهنا ؛ لأنَّا خَلَوْنا هلهنا
للعبادةِ . فقال: ما كنتُ لأَعِظَكم بشىءٍ أفضلَ مما وعَظْتُم به (٦) أنفسكم، سَلْنى
ما شئتَ. قال: مَن أنت؟ قال: أنا(٧) ذو القرنين. قال: ما أسألُك وأنت لا تملِكُ
لى شيئًا! قال: وكيف وقد (آتانىَ اللهُ مِن كلِّ شيءٍ سببًا؟ قال: لا تقدر على
أن تأتيَنى بما لم يُقَدَّرْ لى، ولا تَصْرِفَ عنِّى ما قُدِّر لى(٤).
وأخرج البيهقئ فی ( شعب الإيمانِ )» عن وهپٍ بنِ مُنبّه قال : لما بلَغ ذو
القرنَين مَطْلِعَ الشمسِ قال له مَلَكُها: يا ذا القرنين، صِفْ لىَ الناسَ. قال : إِن
مُحادَثْتَكِ مَن لا يعقِلُ بمنزلةٍ مَن يضَعُ الموائدَ لأُهلِ القبورِ ، ومُحادَثْتَك مَن لا يَعْقِلُ
(١) فى م: ((بذلك)).
(٢) فى الأصل: (( يشتغل)) .
(٣) فى ص: ((انشغل))، وفى م: ((شغل)).
(٤) ليس فى: الأصل. وفى ح٢: ((ونحن فى قرية)).
(٥) بعده فى ح٢: ((منا)).
(٦) ليس فى: الأصل ، ر٢ ، ح٢ .
(٧) ليس فى : الأصل .
(٨ - ٨) فى ح٢: ((أتيت)).
(٩) أبو الشيخ (٩٦١).