Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة الأنفال : الآية ٢
قلبى ، وفاضت عيناىَ، فذاك حينَ يُستجابُ لى(١) .
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى
حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقيُّ فى ((شعب الإيمانِ))، عن السدىِّ فى قولِه:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يريدُ أن
يَظْلِمَ أو يَهُمَّ بمعصيةٍ ، فيقالُ له: اتقِ اللهَ. فَيَجِلُ قلبُه(٢).
وأخرج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتمٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿زَادَتْهُمْ
إِيمَانًا﴾. قال: تصديقًا (٣).
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى
قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال: زادَتْهم خشيةً(٤) .
وأخرج ابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿زَادَتْهُمْ
إِيمَانًا﴾ . قال : الإِيمانُ يَزِيدُ وينقُصُ، وهو قولٌ وعملٌ (٥) .
وأخرَج أبو الشيخ عن سفيانَ بنِ عُيَينةً قال : نطَق القرآنُ بزيادةِ الإِيمانِ
ونقصانِه، قولُه: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فهذه زيادةُ الإيمانِ، وقولُه: ﴿فَزَادَتْهُمْ
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فهذا نُقصانُ الإِيمانِ .
وأخرج ابنُ سعدٍ عن عُميرِ بنِ حبيبٍ بنِ حُباشةَ الصحابيِّ قال: إن الإِيمانَ)
(١) الحكيم الترمذى ٣٧٩/١.
(٢) ابن جرير ٢٩/١١، وابن أبى حاتم ١٦٥٥/٥، والبيهقى (٧٣٧).
(٣) ابن جرير ٢٧/١١، ٢٨، وابن أبى حاتم ١٦٥٦/٥.
(٤) ابن جرير ٢٩/١١، ٣٠، وابن أبى حاتم ١٦٥٦/٥.
(٥) ابن أبى حاتم ١٦٥٦/٥.
(٦ - ٦) سقط من: م.

٢٢
سورة الأنفال : الآية ٢
يَزِيدُ ويَنْقُصُ. فقيل له : وما زيادتُه وما نُقصانُه؟ قال : إذا ذكرنا الله وخَشِيناه
(١
فذلك زيادتُه(٢ ، وإذا غفَلْنا ونسِينا وضيَّعنا فذلك نقصانُه(٢).
وأخرج الحکیمُ الترمذى، ( والبيهقئُ فى (( شعب الإيمانِ ))"، عن عمرَ بنِ
الخطابِ قال: لو وُزِنَ إِيمانُ أبى بكرٍ بإيمانِ أهلِ الأرضِ لرَجَح إيمانُ أبى بكرٍ(4).
قولُه تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ
أُخرَج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن ابنِ عباسٍ فى قوله : ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَّكَّلُونَ﴾. يقولُ: لا تَرْجُون غيرَه(٥) .
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ، وأحمدُ فى ((الزهدِ))، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ أبی
حاتم، والبيهقىُ فى ((شعبِ الإِيمانِ))، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: التوكّلُ على اللهِ
جِماعُ الإِيمانِ(١) .
وأخرَج البيهقىُ عن ابنِ عباسٍ قال: التوكُلُ جِماعُ الإِيمانِ(٧) .
وأخرج ابنُ أبى حاتم من وجهٍ آخرَ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال : التوكَّلُ على اللهِ
نصفُ الإيمانِ(٨).
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) ابن سعد ٤/ ٣٨١.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ص، م.
(٤) الحكيم الترمذى ١/ ٢٨٠، والبيهقى (٣٦).
(٥) ابن جرير ٢٨/١١، وابن أبى حاتم ١٦٥٦/٥.
(٦) ابن أبى شيبة ٥٣٨/١٣، وأحمد ص ١٩، وابن أبى حاتم ١٦٥٦/٥، والبيهقى (١٣٢٣).
(٧) البيهقى (١٣٢٤).
(٨) ابن أبى حاتم ١٦٥٦/٥.

٢٣
سورة الأنفال : الآيتان ٣ ، ٤
قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ الآية.
أخرَج أبو الشيخ عن حسانَ بنِ عطيةً قال : إنَّ الإيمانَ فی کتابِ اللهِ صارإلى
العملِ فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
ءَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ﴾، ثم صيَّرهم إلى العملِ فقال:
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقّاً
قولُه تعالى: ﴿أُوْلَّكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ﴾ .
أخرَج ابنُ جريٍ، وابنُ أبى حاتم، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه : ﴿أُوْلَتِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً﴾. قال: بَرِئوا من الكفرِ(١).
وأخرَج أبو الشيخ عن ابنِ عباس: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّأْ﴾. قال:
خالصًا .
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخِ ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّأْ﴾ . قال: استحقُّوا الإيمانَ بحقٌّ فأحقّه اللهُ لهم(٢) .
وأخرج ابنُ أبى حاتم ، من طريقٍ يحبى بنِ الصُّرَيسِ، عن أبى سِنانٍ قال :
سُئلَ عمرُو بنُ مُرَّةً عن قولِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ﴾. قال: إنما أُنزِل القرآنُ
بلسانِ العربِ، كقولِك : فلانٌ سيِّدٌ حقًّا. وفى القوم سادةٌ ، و:فلانٌ شاعرٌ حقًّا .
وفى القومِ شعراءُ (١) .
(١) ابن جرير ٣٠/١١، ٣١، وابن أبى حاتم ١٦٥٧/٥.
(٢) ابن جرير ١١/ ٣١، وابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥.
(٣) ابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥.

٢٤
سورة الأنفال : الآية ٤
وأخرج أبو الشيخ عن أبى رَوْقٍ فى قولِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾.
.
قال: كان قومٌ يُسِرُّون الكفرَ ويُظهِرون الإيمانَ، وقومٌ يُسِرُّون الإيمانَ ويُظهِرونه،
فأراد اللَّهُ أن يُميّزَ بينَ هؤلاء، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ حتى انتهَى إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّ﴾ ، الذين يُسِرُّون
قلے
الإيمانَ ويُظهِرونه ، لا هؤلاء الذين يُسِرُون الكفرَ ويُظهِرون الإيمانَ .
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بنٍ مُرَّةً فى قوله : ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقّاً﴾. قال: فضَّلَ بعضَهم على بعضٍ، وكلِّ مؤمنون .
وأخرج الطبرانيُ عن الحارثِ بنِ مالكِ الأنصارىِّ، أنَّه مرَّ برسولِ اللهِ وَلَه،
١٦٣/٣ فقال/ له: ((كيف أصبحتَ يا حارثُ؟)). قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا . قال:
((انظُرْ ما تقولُ، فإنَّ لكلِّ شىءٍ حقيقةً، فمَا حقيقةُ إيمانِك؟)). فقال: عزَفَتْ
نفسِى عن الدنيا ، فَأَسْهَرْتُ ليلى، وأُظْمَأْتُ نهارى، وكأنِّى أَنظُرُ إلى أهلِ الجنةِ
يَتَزاورون فيها، وكأنّى أنظُرُ إلى أهلِ النارِ يتضَاغَون(١) فيها. قال: ((يا حارثُ،
عَرَفْتَ فَالزَمْ)) . ثلاثًا(١) .
قولُه تعالى: ﴿لَّمْ دَرَجَتُ﴾ الآية .
أخرَج ابنُ أبى حاتم عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾. يعنى:
فضائلُ ورحمةٌ(٣) .
(١) يقال: ضغا يضغو ضغوًا وضُغاء. إذا صاح وضَّ. النهاية ٩٢/٣ .
(٢) الطبرانى (٣٣٦٧). وقال الهيثمى: فيه ابن لهيعة ، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه . مجمع الزوائد
٥٧/١. وقال الألبانى فى تعليقه على كتاب الإيمان لابن أبى شيبة ص ٤٣: رواه عبد بن حميد،
والطبرانى ، وأبو نعيم، وغيرهم بسند ضعيف .
(٣) ابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥.

٢٥
سورة الأنفال : الآيات ٤ - ٦
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو الشيخ ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال: أعمالٌ رفيعةٌ(١).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ أبى حاتم ، عن الضخَّاكِ فى قوله: ﴿لَّمْ
دَرَجَثُ﴾. قال : أهلُ الجنةِ بعضُهم فوقَ بعضٍ، فيَرَى الذى هو فوقَ فضْلَه على
الذى هو أسفلَ منه، ولا يَرَى الذى هو أسفلَ أنَّه فُضِّلَ عليه أحدٌّ (٢).
وأخرج ابن أبى حاتم ، وأبو الشيخ، عن ابنٍ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَغْفِرَةُ﴾
قال: بتركِ الذنوبِ ، ﴿وَرِزْقٌّ كَرِيرٌ﴾. قال: الأعمالُ الصالحةُ(٣).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ قال : إذا سَمِعتَ اللهَ
يقولُ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . فهى الجنةُ()) .
قولُه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبِّكَ﴾ الآيتين.
أخرَج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم، " والطبرانىُ، وابنُ مَردُويَه ،
والبيهقىُّ فى ((الدلائلِ))، عن أبى أيوبَ الأنصارىِّ قال: قال لنا
رسولُ اللهِ وَ لَه ونحن بالمدينةِ، وبلَغَه أن عيرَ أبى سفيانَ قد أقبَلَتْ ، فقال :
(( ما تَرَوْن فيها؟ لعل اللهَ يُغَنِّمُناها ويُسَلِّمُنا)). فخرَجنا، فلمَّا سِرْنا يومًا أو
يومين أمَرَنا رسولُ اللهِ وَهِ أَنْ نَتَعادَّ، ففعَلنا، فإذا نحن ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ
(١) ابن جرير ١١/ ٣١، وابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥.
(٢) ابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥.
(٣) ابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥، ١٧٤٢.
(٤) ابن أبى حاتم ١٦٥٨/٥.
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، م.

٢٦
سورة الأنفال : الآيتان ٥، ٦
رجلًا، فأخبَرْنا النبيَّ وَّهَ بِعِدَّتِنا، فسُرَّ بذلك وحمِدَ اللهَ وقال: ((عِدَّةُ
أصحابٍ طالوتَ)). فقال: (( ما تَرَون فى القوم ، فإنَّهم قد أُخبِرُوا
بمخرَجِكم؟)). فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ ، لا واللهِ ما لنا طاقةٌ بقتالِ القومِ ، إنما
خرَجْنا للعيرِ. ثم قال: ((ماتَرَوْن فى قتالِ القومِ؟ )) . فقلنا مثلَ ذلك ، فقال
المِدادُ : لا تَقُولوا كما قال قومُ(١) موسى لموسى: اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إنا
هلهنا قاعدون. فَأَنَزَلَ اللهُ: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِأَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّبِفَنَيْنِ أَنَّهَا
لَكُمْ﴾. فلمَّا وعَدَنا اللهُ إحدى الطائفتين؛ إمَّا القومُ وإِمَّ العِيرُ طابتْ أنفسُنا ،
ثم إنا اجتَمَعْنا مع القومِ فصَفَفْنا، فقال رسولُ اللهِ وَةِ: «اللهمَّ إِنِّى أَنْشُدُك
وعدَك)). فقال ابنُ رَواحةً: يا رسولَ اللهِ ، إِنِّى أريدُ أن أُشيرَ عليك ، ورسولُ
اللهِ أفضلُ (٢ ممن يُشِيرُ) عليه؛ إنَّ اللهَ أجلُ وأعظمُ من أن تَنْشُدَه(٣) وعدّه.
فقال: (( يابنَ رواحةَ، لأَنشُدنَّ اللهَ وعدّه، فإِنَّ اللهَ لا يُخلِفُ الميعادَ)). فَأَخَذَ
قبضةً من الترابِ، فرمَى بها رسولُ اللهِ وَلّ فى وجوهِ القومِ فانهزَمُوا، فَأَنزَل
اللهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾. فَقَتَلْنَا وَأَسَرْنا، فقالَ
عمرُ: يا رسولَ اللهِ، ما أرَى أن يكونَ(٤) لك أسْرَى، فإِنما نحنُ داعُون
مؤلّفُون . فقلنا معشر الأنصارِ : إنما يَحمِلُ عمرَ على ما قال حسدٌ لنا . فنام
رسولُ اللهِ وَ لهثم استَيقَظ، ثم قال: ((ادعُوا لَى عِمَرَ)). فدُعِىَ له، فقال
(١) فى م: ((أصحاب)).
(٢ - ٢) فى الأصل، ح ١: ((من نشير))، وفى ص: ((من يشير))، وفى م: ((من أن نشير)).
(٣) فى الأصل، ص، ف ١، ر ٢، ح ١: ((ينشره).
(٤) فى ح ١، م: ((تكون)).

٢٧
سورة الأنفال : الآيتان ٦،٥
له: ((إِنَّ اللهَ قد أَنزَلَ علىَّ: ﴿مَا كَانَ لِّ أَنْ يَكُونَ() لَهُ أَسْرَى﴾))
.(٢)
الآية (٢).
وأخرج ابنُ أبى شيبةً فى ((المصنَّفِ))، وابنُ مردُويَه، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ
علقمةَ بنِ وقاصٍ الليثىِّ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: خرَج رسولُ اللهِ ێ إلى بدرٍ ،
حتى إذا كان بالرَّوْحَاء خطَب الناسَ فقال: (( كيفَ تَرَوْن ؟)) . فقال أبو بكر : يا
رسولَ اللهِ ، بلَغَنا أنهم كذا وكذا. ثم خطب الناسَ فقال: ((كيف تَرَوْن؟)).
فقال عمرُ مثلَ قولٍ أبى بكرٍ ، ثم خِطَب الناسَ فقال: ((كيفَ ترون؟)). فقال
سعدُ بنُ معاذٍ : يا رسولَ اللهِ ، إِيَّانا تريدُ؟ فوالذى أكرَمَك وأُنزَلَ عليك الكتابَ ما
سَلَكَتُها قطُّ ولا لى بها علمٌ ، ولئن سِرتَ حتى تأتىَ بَرْكَ الغِمَادِ من ذى يَمَنِ
لتَسيرَنَّ معك، ولا نكوننَّ كالذين قالوا لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا
هلهنا قاعدون . ولكنِ اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا معكم مُتَّبِعون، ولعلَّك أن
تكونَ خرَجْتَ لأمرٍ، وأحدَثَ اللهُ إليك غيرَه ، فانظُرِ الذى أحدثّ اللهُ إليك
فامضٍ له ، فصِلْ حبالَ مَن شئتَ ، واقطعْ حبالَ مَن شئتَ ، وعادِ مَن شئتَ ،
وسالِمْ مَن شئتَ، وخُذْ مِن أموالنا ما شئتَ . فنزَل القرآنُ على قولٍ سعدٍ: ﴿كَمَآ
أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَفِرِينَ﴾. وإنما
(١) فى ص، ر ٢، ح ١، م: ((تكون)). والقراءة بالتاء قرأ بها أبو عمرو، وقرأ الباقون ﴿يكون﴾ بالياء.
ينظر حجة القراءات ص ٣١٣.
(٢) ابن جرير ٤٧/١١ مختصرا، وابن أبى حاتم ١٦٥٩/٥ - ١٦٦١، والطبرانى (٤٠٥٦)، وابن
مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٣/ ٥٥٥، والبيهقى فى الدلائل ٧٣/٣ مختصرا. وقال الهيثمى:
وإسناده حسن. مجمع الزوائد ٦/ ٧٤. وقال محقق معجم الطبرانى الكبير: قلت : ليس بحسن؛ لأن
فى إسناده ابن لهيعة والراوى عنه غير العبادلة .

٢٨
سورة الأنفال : الآيتان ٦،٥
رسولُ اللهِ نَّه يريدُ غَنِيمةً مع أبى سفيانَ، فأحدَثَ اللهُ إليه القتالَ(١).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، وعبدُ بنُّ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبی
حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
بِالْحَقِ﴾. قال: كذلك أخرَجَكَ رِبُّك. إلى قولِه: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ﴾ .
قال : القتالِ(٣).
وأُخرَج "ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن السدىِّ فى قولِه :
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: خروجُ النبيِّ مَّل إلى بدرٍ،
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾. قال: لطلبِ المشركين، ﴿ يُجَدِلُونَكَ فِى
اَلْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ﴾ أنك لا تصنَعُ إلا ما أمَرك اللهُ به، ﴿كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى
الْمَوْتِ﴾ حينَ قيل: هم المشركون(٤) .
١٦٤/٣
وأخرج ابنُّ جريرٍ عن ابنِ عباسٍ قال: لما شاوَر النبىُّ بَه / فى لقاء العدوِّ ،
وقال له سعدُ بنُ عُبادةَ ما قال، وذلك يومَ بدرٍ ، أمَر الناسَ فتَعَبَّوْا للقتالِ ، وأمَرهم
بالشَّوكةِ ، فكَرِه ذلك أهلُ الإِيمانِ ، فأنزل اللهُ: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
بِآلْحَقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أى: كراهيةً للقاءِ المشركين(٥).
وأخرج البزارُ ، وابن المنذرٍ ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه، وابُ عساكر ، عن
(١) ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٥٥، ٣٥٦، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٣/ ٥٥٥.
(٢) ابن جرير ٣٤/١١ - ٣٦، وابن أبى حاتم ١٦٥٩/٥.
(٣ - ٣) ليس فى : الأصل، ص، م.
(٤) ابن جرير ٣٤/١١، ٣٧، ٣٩، وابن أبى حاتم ١٦٥٩/٥، ١٦٦٠.
(٥) ابن جرير ٣٧/١١.
--

٢٩
سورة الأنفال : الآيات ٥ - ٨
عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ قال : نزَلَ الإِسلامُ بالكُرهِ والشّدةِ ، فوجَدْنا خيرَ الخيرِ فى
الكُرِهِ؛ خرَجْنَا معَ النّبِيِّ بَّهِ مِن مَكَّةً، فأسكَتَنَا سَبّخةً(١) بِينَ ظَهْرَانَى حَرَّةٍ(٢)،
فجعَلَ اللهُ لنا فى ذلك العُلا والظَّفَرَ، وخرَجْنا مع رسولِ اللهِ بَّل إلى بدرٍ على
الحالِ التى ذكَّرَ اللهُ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ
يَنْظُرُونَ﴾. فجعَلَ اللهُ لنا فى ذلك العُلا والظَّفَرَ، فوجَدْنا خيرَ الخيرِ فى الكُرِهِ(٣) .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن الزُّهرىِّ(٤) قال: كانَ رجلٌ من أصحابٍ
رسولِ اللهِ وَله يفسّرُ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ خروجَ
رسولِ اللهِ وَلَه إلى العِيرِ ).
قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ الآيتين.
أُخرَج البيهقيُّ فى ((الدلائلِ)) عن ابنِ شهابٍ وموسى بن عقبةً قالا: مكَثَ
رسولُ اللهِ وَِّّ بعدَ قَتْلِ ابنِ الحَضْرمىِّ شَهْرين، ثم أقبَلَ أبو سفيان بن حربٍ فی
عِيرٍ لقريشٍ من الشامٍ ومعه سبعُونَ راكبًا من بطونٍ قريشٍ كلّها ، وفيهم مَخْرَمَةُ بنُ
نَوْفَلٍ، وعمرُو بنُ العاصى، وكانوا تجّارًا بالشام، ومعهم خزائنُ أهلِ مكّةً،
ويقالُ: كانت ◌ِيرُهم ألفَ بعيرٍ، ولم يكُنْ لأحدٍ من قريشٍ أُوقِيَّةٌ فما فوقَها إلا
بعَث بها مع أبى سفيانَ ، إلا محُوَيطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى، فلذلك كان تخلَّفَ عن
بدرٍ فلم يشْهَدْه، فذُكِروا لرسولِ اللهِ وَ لِهِ وأصحابِه، وقد كانتِ الحربُ بينَهم
(١) السّبخَة: أرض ذات ملح ونزّ. اللسان (س ب خ).
(٢) الحرّة: أرض ذات حجارة سود نخرات كأنها أحرقت بالنار. اللسان (ح ر ر).
(٣) البزار (١٠٣٨)، وابن عساكر ٣٢٢/٣٦.
(٤) فى م: ((الزبيرى)).
(٥) ابن جرير ٣٨/١١.

٣٠
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
قبلَ ذلك، وقتلُ ابنِ الحضْرمىِّ، وأَسْرُ الرَّجُلين؛ عثمانَ والحكم، فلمَّا ذُكِرت
عِيرُ أبى سفيانَ لرسولِ اللهِ وَ لِ بَعَث رسولُ اللهِ وَهِ عدىَّ بِنَ أبى الزَّغباءِ
الأنصارىَّ من بنى غَنْم، وأصلُه من ◌ُهَينةً ، ( ويَشْبَسًا(٢) ، يعنى ابن عمرو، إلى
العِيرِ عينًا له ، فسارًا حتى أَتَّيًا حيًّا من جُهَيْنَةَ" قريبًا من ساحلِ البحرِ، فسألُوهم
عن العِيرِ وعن تجّارٍ قريشٍ، فأخبَرُوهما بخبرِ القومِ، فرجَعا إلى رسولِ اللهِ وَله
فأخبَراه، فاستنفَرَ المسلمين للعيرِ ، وذلك فى رمضانَ .
وقدِمَ أبو سفيانَ على الجُهنِّين وهو متخوّفٌ من رسولِ اللهِ وَله
وأصحابه، فقال : أحِسُوا من محمدٍ . فأخبروه خبر [١٨٣و] الرا کبین؛ عدىِ بنِ
أبى الزَّغباءِ وبَسبَسٍ، وأشاروا له إلى مُناخِهما، فقال أبو سفيانَ: خُذوا من بَعْرِ
بعيرِهما . فقَتَّه فوجَدِ فيه النَّوى ، فقال : هذه علائفُ أهلِ يثربَ ، وهذه عيونُ
محمدٍ وأصحابِهِ. فسارُوا سِراعًا خائفين للطَّلبِ، وبعَثَ أبو سفيانَ رجلاً من
بنى غِفارٍ يقالُ له : ضَعْضُ بنُ عمرٍو إلى قريشٍ : أن انفِرُوا فاحمُوا عِيرَكم من
محمدٍ وأصحابِه؛ فإنَّه قد استنفَر أصحابَه لِيَعرِضُوا لنا .
وكانت عاتكةُ بنتُ عبدِ الطَّلبِ ساكنةٌ بِمِكَّةَ، وهى عمةُ
رسولِ اللهِ بَّه، وكانت مع أخِيها العباسِ بنِ عبدِ المطّلبِ، فرأَت رؤيا قبلَ
بدرٍ وقبلَ قدومٍ ضَعْضمٍ عليهم ، ففزِعتْ منها ، فأرسلت إلى أخيها العباسِ بنِ
عبدِ المطّلبٍ من ليلتِها، فجاءها العباسُ فقالت : رأيتُ الليلةَ رُؤيا قد أشفَقتُ
منها ، وخشِيتُ على قومِك منها الهَلَكةَ . قال : وماذا رأيتٍ ؟ قالت : لن أُحدِّثَك
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى النسخ، ومصدر التخريج: ((بسبس)). وسيأتى صرفها فى الآثر نفسه. وينظر ما تقدم فى ٢/ ٤٩٤.

٣١
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
حتى تعاهِدَنى أنَّك لا تذكُرُها؛ فإنَّهم إن سمِعوها آذَوْنا ، وأسمعُونا ما لا نحبُّ .
فعاهَدَها العباسُ ، فقالت : رأيتُ راكبًا أقبَل من أعلى مكةً على راحلته ، يصبح
بأعلى صوته: (يا لَغُدُرُ) ، اخرجوا فى ليلتين أو ثلاثٍ . فَأقبَلَ يصيحُ حتى دخَلَ
المسجدَ على راحلته، فصاحَ ثلاثَ صيحاتٍ، ومالَ عليه الرجالُ والنساءُ
والصبيانُ ، وفزِعَ له الناسُ أشدَّ الفزعِ، قالت: ثم أُرَاهُ مَثَلَ على ظهرِ الكعبةِ على
راحلتِه، فصاحَ ثلاثَ صيحاتٍ فقال: (يا لَغُدُرُ)، و(يا لَفُجُرُ"، اخرجوا فى
ليلتين أو ثلاثٍ. ثم أُرَاهُ مَثَلَ على ظهرٍ أبى قُبَيْسٍ(٢) كذلك يقولُ: ( يَالَ غُدَرُ،
ويالَ فُجَر٢ُ) . حتى أسمَعَ مَن بينَ الأخشبين (٥) من أهلِ مكّةً، ثم عمَدَ إلى صخرةٍ
فنزَعها مِن أَصلِها، ثم أرسَلَها على أهلِ مكّةً، فأقبلتِ الصخرةُ لها حسٌ شديدٌ ،
حتى إذا كانت عندَ أصلِ الجبلِ ارفَضَّت ، فلا أعلمُ بمكّةً دارًا ولا بيتًا إلا وقد
دخَلَتها فِلْقةٌ مِن تلك الصخرةِ، فقد خشيتُ على قومِك. ففزِعَ العباسُ مِن
رؤياها ، ثم خرَّجَ من عندِها فَلَقِى الوليدَ بنَ عتبةَ بنِ ربيعةً من آخرِ تلك الليلةِ ،
وكان الوليدُ خليلاً للعباسِ، فقصَّ عليه رؤيا عاتكةَ ، وأمَرَه ألَّ يذكُرَها لأحدٍ ،
(١ - ١) فى الأصل، ف ١، ٢، ح١، م، ومصدر التخريج: ((يا آل غدر))، وفى ص: ((يال غدر)).
وضبطه فى النهاية واللسان: ((يا لغُدَرُ))، وضبطه السهيلى بضم الغين والدال، وقال: هكذا هو بضم الغين
والدال جمع غدُور ، ولا تصح رواية من رواه : يا لَغُدَرٍ بفتح الدال مع کسر الراء، ولا فتحها ؛ لأنه لا
ينادى واحدًا، ولأن لام الاستغاثة لا تدخل على مثل هذا البناء فى النداء، وإنما يقول: يا لغُدُرُ. أى: إن
تخلفتم فأنتم غُدُرّ لقومكم . الروض الأنف ١١٦/٥، وينظر اللسان (غ در)، والنهاية ٣٤٥/٣.
(٢ - ٢) فى النسخ، ومصدر التخريج: ((يا آل فجر))، وينظر الحاشية السابقة.
(٣) أبو قبيس: هو الجبل المشرف على مكة ، وجهه إلى قعيقعان ومكة ، بينهما أبو قبيس من شرقيها
وقعيقعان من غربيها. معجم البلدان ١/ ١٠٢.
(٤ - ٤) سقط من: ص. وفى الأصل، ف ١، ٢، ح١، م، ومصدر التخريج: ((يا آل غدر ويا آل فجر)).
(٥) الأخشبان : جبلان ، يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى ، وهما واحد ، أحدهما أبو قبيس ، والآخر
قعيقعان، ويقال: بل هما أبو قبيس والجبل الأحمر. معجم البلدان ١/ ١٦٣.

٣٢
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
فذكَرَها الوليدُ لأبيه عتبةَ ، وذكَرَها عتبةُ لأخيه شيبةً ، فارتفَعَ الحديثُ حتى بلَغَ أبا
جهلٍ بنَ هشامٍ ، واستفاضَ فى أهلٍ مكّةً.
فلما أصبَحُوا غدًا العباسُ يطوفُ بالبيتِ ، فوجَدَ فى المسجدِ أبا جهلٍ،
وعتبةَ وشيبةَ ابنَىْ ربيعةً، وأميةَ وأُبيّ (١) ابنَىْ خلَفٍ، وَزَمْعَةَ بنَ الأسودِ، وأبا
البَخْترىِّ فى نفرٍ من قريشٍ يتحدَّثون، فلما نظَرُوا إلى العباسِ ناداه أبو جهلٍ : يا أبا
الفضلِ إذا قضَيتَ طوافَك فهلُمَّ إلينا. فلمَّا قضَى طوافَه جاءَ فجلَسَ إليهم ، فقال
١٦٥/٣ / له أبو جهل: ما رؤيا رأَتْها عاتكةُ؟ فقال: ما رأَتْ من شىءٍ. فقال أبو جهلٍ:
أما رضيتُم یا بنى هاشم بكذب الرجالِ حتی جئتُمونا بکذِبِ النساءِ ؟ إنا وإيا كم
كَفَرَسی رهانٍ، فاستبَقْنا " المجدَ منذُ حين٢ٍ)، فلما تحاكَّتِ الرُّكَبُ قلتُم: منَّا
نبىٌّ. فما بقِىَ إلا أن تقولُوا: منَّا نبيّةٌ. فما أعلمُ فى قريش أهلَ بيتٍ أكذَبَ امرأةً
ولا رجلًاً(٢) منكم. وآذاهُ أشدَّ الأذى، وقال أبو جهلِ: زعَمتْ عاتكةُ أنَّ
الراكبَ قال: اخرجوا فى ليلتين أو ثلاثٍ. فلو قد مضَتْ هذه الثلاثُ تبيَّتْ
قريشٌ كذِبَكم، وكتَبنا سجِلاً أنَّكم أكذَبُ أهلِ بيتٍ فى العربِ رجلاً وامرأةً ،
أما رضيتمُ يا بنى قُصَيِّ أن ذهَبتم بالحِجابةِ، والنَّدوةِ، والسِّقايةِ، واللواءِ،
والرِّفادةِ، حتى جئتُمونا بنبىٍّ منكم؟! فقال العبّاسُ: هل أنتَ مُنتهٍ؟ فإنَّ
(١) فى النسخ، ومصدر التخريج: ((أبى))، والصواب ما أثبت ، فالعلم الموصوف بابن يمنع من التنوين فى
حالة إفراد لفظة (ابن)) ، أما إذا ثنيت أو جمعت فإن العلم ينون . ينظر النحو الوافى ١/ ٤٤، ٤٥.
(٢ - ٢) فى ص: ((إلى الحمد)).
(٣) فى الأصل، ح ١، م: ((رجل)).

٣٣
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
الكذبَ فيك وفى١) أهل بيتك. فقالَ مَن حضَرَهما: ما كنتَ يا أبا الفضل
جهولاً (" ولا خرِقًا). ولقِىَ العباسُ من عاتكةً فيما أفْشَى عليها من رؤياها أذىً
شدیدًا .
فلما كان مساءُ الليلةِ الثالثةِ من" الليلةِ التى رأتْ عاتكةُ فيها الرؤيا،
جاءَهم الراكبُ الذى بعَثَ أبو سفيانَ، وهو ضَعْضَمُ بنُ عمرٍو الغِفارىُّ، فصاح
وقال : يا آلَ غالبٍ بِنِ فِهْرٍ ، انفِرُوا فقد خرَجَ محمدٌ وأهلُ يثربَ يعترِضُون لأبى
سفيانَ، فأحرِزُوا(٤) ◌ِيرَكم. ففَزِعتْ قريشٌ أشدَّ الفزع، وأشفقُوا مِن رؤيا
عاتكةَ. وقال العبَّاسُ: هذا زعَمتم كذا، وكذَّبَ عاتكةَ. فنفرُوا على كلِّ
صعبٍ وذَلولٍ . وقال أبو جهلٍ: أَيظُنُّ محمدٌ أنْ يصيبَ مثلَ ما أصابَ
بنخلةَ(٥)؟! سيعلمُ أنمنعُ عيرَنا أم لا. فخرَجوا بخمسينَ وتسعِمائةِ مقاتلٍ،
وساقُوا مائةً فرسٍ، ولم يتركوا كارهًا للخروج يظنُّون أَنَّه فى صَغْوٍ()
محمدٍ وأصحابِهِ، ولا مسلمًا يعلمُون إسلامَه، ولا أحدًا من بنى هاشم -
إلا مَن لا يَتَّهمونَ - إلا أشخَصُوه معهم، فكان مَمَّن أشخَصُوا العباسُ
(١ - ١) فى الأصل، م: ((منك ومن)).
(٢ - ٢) سقط من : م.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ف ١، م.
(٤) أحرز الشئ: إذا حفظه وضمه إليه وصانه عن الأخذ. النهاية ١/ ٣٦٦.
(٥) نخلة: موضع بين مكة والطائف . وقد قتل فيه عمرو بن الحضرمى ؛ قتله عبد الله بن جحش فى سرية
بعثها النبى صلى الله عليه وسلم، وهى التى أشار إليها أبو جهل فى كلامه. ينظر اللسان (ن خ ل)،
والبداية والنهاية ٣٦/٥ - ٤٤.
(٦) فى الأصل، ر ٢، ح ١، م: ((قهر))، وفى ف ١: ((حصر)). والصَّغْو: الميل. يقال: صغا إليه يصغى
ويصغو صَغْوًا وصُغُوًّا وصغًا: مال . اللسان (ص غ و).
( الدر المنثور ٣/٧ )

٣٤
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
ابنُ عبدِ المطّلبِ ، ونوفلُ بنُ الحارثِ ، وطالبُ ابنُ أبى طالبٍ، وعقيلُ بنُ أبى
طالبٍ فی آخرین .
فهنالك يقولُ طالبُ بنُ أبى طالبٍ(١) :
إِمَّا يخرُجَنَّ طالبْ
مِقْتَبٍ من هذه المقَانِبُ(٢)
فى نفَرٍ مُقَاتلٍ يُحاربْ
وليكنِ المسلوبَ غيرَ السَّالبْ
والرَّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ
فسارُوا حتى نزَلُوا الْجُحْفةَ(٢)، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماءِ ، وفيهم رجلٌ
من بنى المطّلبِ بنِ عبدِ مَنَافٍ ، يقالُ له: جُهَيْمُ بنُ الصَّلتِ بنِ مَخْرَمَةً(٢). فَوَضَعَ
بُجهَيْمُ رأسَه فأعْفَى (٥)، ثم فزِع فقال لأصحابِه : هل رأيتُم الفارسَ الذى وقَفَ
علىَّ آنفًا؟ فقالوا: لا ، إِنَّك مجنونٌ. فقال: قد وقَفَ علىَّ فارسٌ آنفًا فقال: قُتِل
أبو جهلٍ ، وُتبةُ ، وشيبةُ، وَزَمْعَةُ ، وأبو البَخْتَرِىِّ، وَأُميَّةُ بنُ خلفٍ . فعدَّ أشرافًا
مِن كفارٍ قريشٍ، فقال له أصحابُه: إنما لعِب بك الشَّيطانُ . ورُفِع حديثُ جُهَيمٍ
(١) الأبيات فى الأغانى ٤/ ١٨٣، وابن جرير ٤٣٩/٢.
(٢) المقْتَب: الجماعة من الخيل مقدار ثلاثمائة أو نحوها - شرح غريب السير ٣٤/٢، ٣٥.
(٣) الجحفة : قرية على طريق المدينة من مكة ، على اثنين وثمانين ميلا من مكة ، وهى ميقات أهل الشام .
معجم البلدان ٢/ ٣٥، والتاج (ج ح ف).
(٤) بعده فى ص: ((لها))، وفى ر ٢: (( بها)).
(٥) أغفى : نام قليلا. الوسيط (غ ف و).

٣٥
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
إلى أبى جهلٍ فقال: قد جئتُم بكذِبٍ بنى(١) المطَّلبِ مع كذِبٍ بنى هاشمٍ،
سَتَرَوْنَ غدًا مَن يُقْتَلُ.
ثم ذُكرَ لرسولِ اللهِ وَ له عيرُ قريشٍ، جاءتْ من الشامِ وفيها أبو سفيانَ بنُ
حربٍ ، ومَخْرَمةُ بنُ نَوْفَلٍ ، وعمرُو بنُ العاصى ، وجماعةٌ مِن قريشٍ، فخرَج
إليهم رسولُ اللهِ وَلَّ، فسلَك حينَ خرَج إلى بدرٍ على نَقْبٍ بنى دينارٍ (١،
ورجَعَ حينَ رجَعَ من ثَنِيَّةِ الوَداع(٢)، فَتَفَر رسولُ اللهِ نَِّ حِينَ نفَرَ ومعَه
ثلاثمائةٍ وستةً(٤) عشَرَ رجلاً - وفى روايةِ ابنِ فُلَيْح: ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ
رجلاً، وأبطأَ عنه كثيرٌ من أصحابِه وتربَّصُوا، وكانت أوَّلَ وقْعةٍ أعزَّ اللهُ
فيها الإسلامَ .
فخرَج فى رمضانَ على رأسٍ ثمانيةَ عشَرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينةَ ، ومعه
المسلمون لا يريدون إلا العيرَ، فسلَك على نَقْبٍ بنى دينارٍ ، والمسلمون غيرُ
مُقْوِين(٥) من الظّهرِ، إنمَّا خرَجُوا على النواضح٢١ ، يعتقِبُ النفرُ منهم على
البعيرِ الواحدِ، وكان زَميلُ رسولِ اللهِ إِ لّهِ علىَّ بن أبى طالبٍ، ومَوْثَدَ بنَ أبى
(١) بعده فى الأصل: ((عبد)).
(٢) بنو دينار: بطن من الأنصار، وهو دينار بن النجار بن ثعلبة . التاج (د ن ر).
(٣) ثنية الوداع: ثنية مشرفة على المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. معجم البلدان ١/ ٩٣٧.
(٤) فى الأصل، ص، م: ((سبعة)) .
(٥) فى الأصل، ص، ف ١، ر ٢، ح ١: ((مقرين)، وفى م: ((معدين)). والمثبت من مصدر التخريج.
ومقوون : كاملو أداة الحرب . اللسان (ق و ی).
(٦) النواضح من الإبل: التى يستقى عليها . اللسان (ن ض ح).
(٧) فى م: ((الرجل)).

٣٦
سورة الأنفال : الآ يتان ٧ ، ٨
منَدِ الغَنَویَّ حلیفَ حمزةَ ، فهم معه لیس معهم إلا بعیرٌ واحدٌ ، فسارُوا ، حتى
إِذا كانوا بعِرْقِ الظُّئْبَةِ(١) لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامةً ، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه
نفرٌّ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَ لَهَ، فسألُوه عن أبى سفيانَ فقال: لا عِلمَ لى به .
فلمَّا يَكِسُوا مِن خبرِهِ قالوا(٢) له: سلِّم على النبيِّ وَلِ. قال: وفيكم
رسولُ اللهِ؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابى: أنتَ
رسولُ اللهِ كما تقولُ؟ قال: ((نعم)). قال: إنْ كنتَ رسولَ اللهِ كما تزعُمُ
فحدِّثنى بما فى بطنٍ ناقتى هذه؟ فغضِب رجلٌ من الأنصارِ ثم ١ مِن بنى عبدٍ
الأشهل يقالُ له : سلمةُ بنُ سلامةَ بنِ وقشٍ. فقال الأعرابيّ: وقَعْتَ على ناقتك
فحمَلتْ منك. فَكَرِه رسولُ اللهِ نَِِّّ ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أفحشَ ، فأعرَضَ
عنه، ثم سار رسولُ اللهِ وَ لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرةٍ قريشٍ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أشيرُوا علينا فى أمرِنا ومسيرِنا)). فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ
اللهِ ، أنا أعلمُ الناسِ بمسافةِ الأرضِ، أَخْبَرِنا عدىُ بنُ أبى الزَّغباءِ أَنَّ العِيرَ كانت
١٦٦/٣ بوادِى كذا وكذا، فكأنا وإياهم فرسا رهانٍ إلى بدرٍ. / ثم قال: ((أشيروا علىَّ)).
فقال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللهِ ، إنها قريشٌ وِزُّها، واللهِ ما ذَلَّت منذُ
عزَّت ، ولا آمَنَتْ منذُ كَفَرت، واللـهِ لتُقاتِلَتَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعدِدْ(٤) له
عُدَّتَه. فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((أَشِيروا علىَّ)). فقال المِقِدادُ بنُ عمرٍو: إنا لا
نقولُ لك كما قال أصحابُ موسى : اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا هلهنا قاعدون .
(١) عرق الظبية: موضع بين مكة والمدينة. معجم البلدان ٥٧٤/٣، ٦٥٢.
(٢) فى النسخ: ((فقالوا)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) ليس فى : الأصل، ص، ح ١، م.
(٤) فى الأصل: ((أعد)).

٣٧
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
ولكن اذهَبْ أنت وربّك فقاتِلا إنَّا معكم متَِّعون. فقال رسولُ اللهِ وَّ:
((أشِيروا علىَّ)). فلما رأى سعدُ بنُ معاذٍ كثرةَ استشارةِ النبيِّ وَلِّ أصحابَه
فيُشيرون فيَرجِعُ إلى المشورةِ ، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصارَ شَفَقًا ألَّ يُستَحْوَذوا
معه على ما يريدُ من أمرِهِ ، فقال سعدُ بنُ معاذٍ : لعلك يا رسولَ اللهِ تخشى ألَّ
تكونَ الأنصارُ يريدون مواساتَك، ولا يرَؤْنها حقًّا عليهم إلّا بأن یرَوْا عدوًّا فى
بيوتِهم وأولادِهم ونسائِهم، وإنى أقولُ عن الأنصارِ وأُجيبُ عنهم يا رسولَ اللهِ ،
فاظعَنْ حيثُ شئْتَ ، وخُذْ من أموالنا ما شئتَ ، ثم أعطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منَّا
أحبُّ إلينا مما ترَكتَ ، وما ائتمَرْتَ من أمرٍ فَأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فواللهِ لو سِرْتَ
حتى تبلغَ البَوْكَ(١) من غِمْدٍ(١) ذى يمنِ لَسِْنا معك. فلما قال ذلك سعدٌ ، قال
رسولُ اللهِ وَلِّ: «سِيروا على اسم اللهِ، فإنى قد رأيتُ مَصارِعَ القومِ)). فعمَد
لبدر .
وخفَض أبو سفيانَ فَلَصِق بساحلِ البحرِ، وكتب إلى قريشِ حينَ خالَف
مسيرَ رسولِ اللهِ وَلّره، ورأى أنَّه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما
خرَجُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أَحرِزَ لكم. فَلَقِيَهم هذا الخبرُ بالجُحْفَةِ ، فقال أبو
جهلٍ: واللهِ لا نرجعُ حتى نَقْدَمَ بدرًا، فنُقيمَ بها، ونُطعمَ مَن حضَرَنا من
العربِ؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فَكَرِه ذلك الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ ، فأحبّ أن
يرجِعوا وأشار عليهم بالرجعةِ ، فأبَوْا وعصَوْا، وأخَذَتهم حميَّةُ الجاهليةِ ، فلما
يئِسَ الأُخنسُ من رجوع قريشٍ أَكَبَّ على بنى زُهْرةَ فأطاعوه فرجعوا ، فلم يشهَدْ
(١) فى الأصل، ص، ح ١، م: ((البركة)).
(٢) سقط من: م. وبرك بالكسر ويفتح، والغماد بالكسر والضم؛ واختلفوا فى مكانه، فقيل: هو
باليمن. وقيل: وراء مكة بخمس ليال ، بينها وبين اليمن مما يلى البحر. التاج (ب ر ك).

٣٨
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
أحدٌ منهم بدرًا، واعْتَبطُوا(١) برأي الأخنسِ وتبرّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا
حتى مات ، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَ فيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهلٍ
وقال : واللهِ لا تُفارِقُنا هذه العصابةُ حتى نرجعَ .
وسار رسولُ اللهِ نَّهِ حتى نزَل أدنى شىءٍ من بدرٍ ، ثم بعَث علىَّ بن أبى
طالبٍ ، والزبيرَ بنَ العوَّامِ وبَْبَسًا الأنصارىَّ، فى عصابةٍ من أصحابِه فقال لهم :
((اندفِعوا إلى هذه الظّرابِ(١))، وهى فى ناحيةٍ بدرٍ، ((فإنى أرجو أن تجدُوا الخبرَ
عندَ القَلِيبِ(٣) الذى يلى(٤) الظّرابَ)). فانطلَقوا متوشّحِى السيوفِ، فوجَدوا
وارِدَ قريشٍ عندَ القَلِيبِ الذى ذكَر رسولُ اللهِ وَله، فأخذوا غلامين؛ أحدُهما
لبنى الحجاج أسودُ(٥)، والآخرُ لأبى العاصى يقالُ له: أسلَمُ ، وأفلَت أصحابُهما
قِبَلَ قريشٍ، فأقبلوا بهما حتى أتَوا بهما رسولَ اللهِ وَ لَه وهو فى مَعرِشِه دونَ الماءِ،
فجعَلوا يسألون العَبدَينِ عن أبى سفيانَ وأصحابِهِ ، لا يرَوْن إلا أنهما لهم ، فطَفِقا
يُحدِّثانِهم عن قريشٍ ومَن خرَج منهم وعن رءُوسِهم فيكذّبونهما، وهم أكرَهُ
شىءٍ للذى يُخبرانِهم(١) ، وكانوا يطمعون بأبى سفيانَ وأصحابِه ويكرّهون
قريشًا، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ قائمًا يصلِّى يسمعُ ويرَى الذى يصنعون
بالعبدَينِ ، فجعَل العبدان إذا أذلَقُوهما بالضربِ يقولان : نعم ، هذا أبو سفيانَ .
والرّكبُ كما قال اللهُ تعالى: ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. قال اللهُ: ﴿إِذْ أَنْتُم
(١) اغتبط: فرح بالنعمة . اللسان (غ ب ط).
(٢) الظراب: الجبال الصغار، واحدها: ظَرِب. النهاية ٣ /١٥٦.
(٣) القليب : البئر ما كانت ، والقليب: البئر قبل أن تطوى، فإذا طويت فهى الطَِّىُّ. التاج (ق ل ب).
(٤) فى الأصل: ((على))، وفى ر ٢: ((فى))، وفى م: ((يعلى)).
(٥) فى ف ١: ((الأسود))، وفى ر ٢، م: ((بن الأسود)).
(٦) فى م: (( يخبرانه)) .

٣٩
سورة الأنفال : الآيتان ٧ ، ٨
بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ
تَوَاعَدُثُّمْ لَاَخْتَلَفْتُمْ فِ اَلْمِيعَدِّ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.
[الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدَانِ: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم .
كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيانَ. ترَكوهما، فلما رأى رسولُ اللهِ وَه
صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاتِه وقال: ((ماذا أخبَراكم؟)). قالوا: أخبرَانا أن
قريشًا قد جاءت . قال: ((فإنهما قد صدَقا، واللهِ إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا ،
وتترُكونهما إذا كذَبا، خرجت قريشٌ لتُحرِزَ رَكْبَها وخافوكم عليهم)». ثم دعا
رسولُ اللهِ وَّهِ العبدَينِ فسألهما. فأخبَراه بقريشٍ وقالا: لا علمَ لنا بأبى
سفيانَ. فسأَلَهما رسولُ اللهِ وَلَّ: ((كم القومُ؟)). قالا: لا ندرى، واللهِ هم
كثيرٌ. فزعموا أن رسولَ اللهِ وَ لَّه قال: ((من أطعَمَهم أمسٍ؟)). فسمَّيًا رجلاً من
القومِ، قال: ((كم نخَر لهم؟)). قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: ((فمن أطعَمهم أولَ
أمسٍ؟)). فسمَّيًا رجلاً آخرَ من القومِ، قال: ((كم نخَر لهم؟)). قالا: تسعًا.
فزعَموا أن رسولَ اللهِ وَ لَّه قال: «القومُ ما بينَ التسعِمائةِ والأَلفِ)). يعتبرُ ذلك
بتسعٍ جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينخرونها يومًا، فقام رسولُ اللهِ وَّلَه فقال:
(( أشيروا علىّ فى المنزلِ (١))). فقام الحُبَابُ بنُ المنذرِ، أحدُ بنى سَلِمةً ، فقال: يا
رسولَ اللهِ ، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها ، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرفتُها
كثيرةَ الماءِ عذبةٌ ، فتنزِلَ إليها، وتَشْبِقَ القومَ إليها، ونُغَوّرَ(٢) ما سِواها. فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((سِيروا، فإن الله قد وعَدكم إحدى الطائفتين أنها / لكم)). فوقَع ١٦٧/٣
(١) فى الأصل، ص، ح ١، م: ((المسير)).
(٢) قال الخشنى : من رواه بالغين فمعناه: نذهبه وندفنه، ومن رواه بالعين فمعناه: نفسده . شرح غريب
السير ٣٥/٢.

٤٠
سورة الأنفال : الآ يتان ٧ ، ٨
فى قلوبِ ناسٍ كثيرٍ الخوفُ، وكان فيهم شىءٌ من تخاذلٍ من تخويفِ الشيطانِ .
فسار رسولُ اللهِ وَّهِ والمسلمون مسابِقين إلى الماءِ، وسار المشركون
سِراعًا يريدون الماءَ، فأنزل اللهُ عليهم فى تلك الليلةِ مطرًا واحدًا (١) ؛ فكان على
المشركين بلاءً شديدًا منَعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً(٢) خفيفةً ، لَّد
لهم المسيرَ والمنزلَ وكانت بطحاءَ، فسبَق المسلمون إلى الماءِ فنزَلوا عليه شَطرَ
الليلِ، فاقتَحَم القومُ فى القليبِ فماحُوها(٢) حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا
عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياهِ، وقال رسولُ اللهِ وَلّ: ((هذه مَصارِعُهم
إن شاء اللهُ بالغداةِ)). وأَنزَل اللهُ: (إذ يَغْشَاكُم النُّعاسُ أَمَنَةً منه ويُنَزِّلُ عليكم من
السماءِ ماءٌ لِيُطَهِّرَ كم به ويُذهبَ عنكم رِجْزَ الشيطانِ وليَرِبِطَ على قلوبِكم ويُثَبَّتَ
به الأقدامَ)(٤). ثم صفَّ رسولُ اللهِ وَلَّ على الحِياضِ، فلما طلَع المشركون
قال رسولُ اللهِ وَله: ((اللهمَّ هذه قريشٌ قد جاءت بَخَيَلائِها وفخرِها، تُحادُّك
وتكذِّبُ رسولَك، اللهمّ إنى أسألُك ما وعَدتَنِى)). ورسولُ اللهِ وَّهِ ممسكٌ
بِعَضُدٍ أبى بكرٍ يقولُ: ((اللهم إنى أسألُك ما وعَدْتَنَى)). فقال أبو بكرٍ : أبشِرْ،
فوالذى نفسى بيدِه ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله
واستغاثوه، فاستجاب اللهُ لنبيِّه وللمسلمين .
وأقبَل المشركون ومعهم إبليسُ فى صورةٍ سُرَاقَةَ بنِ مُجُعْشُمِ المُدلجِىِّ
(١) فى ر ٢، ح ١: ((واجدا)).
(٢) الدِّيمة : المطر يطول زمانه فى سكون . الوسيط (د وم).
(٣) فى الأصل: ((فماجوها)). والميح: أن يدخل البئر فيملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها. اللسان (م ی ح).
(٤) قراءة : (إذ يَغْشَاكم النعاسُ) هى قراءة ابن كثير وأبو عمرو ، وقرأ نافع وأبو جعفر بضم الياء وسكون
الغين وكسر الشين وياء بعدها ، والنعاس بالنصب ، والباقون بضم الياء وفتح الغين وكسر الشين مشددة
وبياء بعدها ونصب النعاس. النشر ٢٠٧/٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٤٢.