Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة المائدة : الآيتان ٧٨ ، ٧٩
وأخرج ابنُ ماجه عن عائشةَ قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَهِ يقولُ: ((مُرُوا
بالمعروفِ وانْهَوْا عن المنكرِ قبلَ أن تَدْعُوا فلا يُسْتَجابُ لكم)) (١).
وأخرج مسلمٌ، وأبو داودَ ، والترمذىُّ، والنسائىُّ، وابن ماجه، عن أبى
سعيد الخدرىِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَن رَأى منكم مُنْكَرًا فلُغَيِّرْه بيدِه ،
فإن لم يَسْتَطِعْ فبلسانِه ، فإن لم يستطعْ فبقَلْبِهِ، وذلك أضعفُ الإِيمانِ))(٢).
وأخرج أحمدُ عن / عَدِىٌّ بنِ عُمَيرةَ: سمِعتُ رسولَ اللّهِ فَلَه يقولُ: ((إن اللَّهَ ٣٠٢/٢
لا يُعَذِّبُ العامَّةً بعمل الخاصة حتی یَرَؤًا المنکرَ بینَ ظَهْرانتهم ، وهم قادرون على
أن يُتْكِروه ("فلا ينكروه٣)، فإذا فعلوا ذلك عَذَّب اللَّهُ الخاصةَ والعامةَ))(٤).
وأخرج الخطيبُ فى ((رواةِ مالكِ))، مِن طريقٍ أَبِى سَلَمَةً ، عن أبيه، عن
النبيِّ وَّهِ قال: (( والذى نفسُ محمدٍ بيدِه لِيَخْرُ جَنَّ مِن أَمتى أناسٌ مِن قبورِهم
فى صورةِ القِرَدةِ والخنازيرِ، دَاهَنُوا أهلَ المعاصى، سَكَتوا عن نَهْيِهم وهم
يَسْتطيعون)).
وأخرَج الحكيمُ الترمذىُّ عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((إذا
عَظَّمَت أَمتى الدنيا تُزِعَت منها هَيْبةُ الإسلامِ، وإذا تَرَكَت الأمرَ بالمعروفِ والنَّهْىَ
عن المنكرِ محُرِمَت بركةَ الوحى، وإذا تَسَابَتْ أَمتى سقَطَت مِن عينِ اللَّهِ))(٥).
(١) ابن ماجه (٤٠٠٤). حسن (صحيح سنن ابن ماجه - ٣٢٣٥).
(٢) مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠، ٤٣٤٠)، والترمذى (٢١٧٢)، والنسائى (٥٠٢٣)، وابن
ماجه ( ١٢٧٥، ٤٠١٣).
(٣ - ٣) سقط من م، وفى الأصل، ص، ب ١، ف ٢: ((ينكرونه)).
(٤) أحمد ٢٥٨/٢٩ (١٧٧٢٠). وقال محققوه: حسن لغيره .
(٥) الحكيم الترمذى ٢/ ٢٧٠. وضعفه الألبانى فى السلسلة الضعيفة (٢٥٧٨).
( الدر المنثور ٢٦/٥ )

٤٠٢
سورة المائدة : الآيتان ٧٨، ٧٩
وأخرج الطبرانىُ عن ابنِ عباسٍ قال: قيل: يا رسولَ اللَّهِ ، أَتَهْلِكُ القريةُ فيهم
الصالِحون؟ قال: ((نعم)). فقيل: لِمَ(١) يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((بتَهاونِهم
وشُكُوتِهم عن معاصى اللَّهِ عزَّ وجلَّ ))(٢).
وأخرج الطبرانىُّ عن أبى موسى الأشعرىِّ، عن النبيِّ وَّ قال: ((إن مَن
كان قبلَكم مِن بنى إسرائيلَ إذا عمِل العاملُ فيهم الخطيئةَ فتَهاه النَّاهِى
تَعْذِيرًا(٢) ، فإذا كان مِن الغدِ جالَسَه وَواكَلَه وشارَبَه، كأنه لم يَرَه على خطيئةٍ
بالأمسِ، فلما رأى اللَّهُ تعالى ذلك منهم ضرّب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ،
ولعَنهم على لسانِ داودَ وعيسى ابنِ مريمَ، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ﴾. والذى نفسُ محمدٍ بيدِه ، لَتَأْمُوُنَّ بالمعروفِ، ولَتَنْهَؤُنَّ(٤) عن
المنكرِ، ولتأخُذُنَّ على يدِ المُسِىءِ ، ولتَأْطِرُنَّه على الحقِّ أَطْرًا، أو ليَضْرِبَنَّ اللَّهُ
بقلوبٍ بعضِكم على بعضٍ، ويَلْعَنُكم كما لَعَنهم)) (٥).
وأخرَج الديلمىُّ عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا اسْتَغْنَى النساءُ
بالنساءِ، والرجالُ بالرجالِ ، فَبَشِّرهم بريحِ حمراءَ تخرُجُ مِن قِبَلِ المشرقِ،
فيُمْسَخُ بعضُهم٢، ويُخْسَفُ ببعضٍ، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
(١) سقط من: م.
(٢) الطبرانى (١١٧٠٢). وقال الهيثمى: وفيه يحيى بن يعلى الأسلمى وهو ضعيف. مجمع
الزوائد ٢٦٨/٧.
(٣) فى م: (( تعزيرا)).
(٤) فى م: ((لتنهُنّ)).
(٥) الطبرانى - كما فى مجمع الزوائد ٢٦٩/٧ . وقال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح .
(٦) فى م: ((ببعضهم)).

٤٠٣
سورة المائدة : الآيتان ٨٠، ٨١
يَعْتَدُونَ﴾))(١).
قولُه تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ الآية .
أخرج ابنُ أبى حاتم، وأبو الشيخِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله : ﴿لَبِئْسَ مَا
فَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: ما أَمَرَتْهم".
وأخرج ابنُ أبى حاتم، والخرائطىُ فى ((مساوئ الأخلاقِ ))، وابنُ مَردویَه،
والبيهقىُّ فى ((الشعبٍ)) وضَعَّفه، عن حذيفةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال: (( يا معشرَ
المسلمين، إياكم والزِّنى، فإِن فيه سِتَّ خصالٍ، ثلاثٌ فى الدنيا وثلاثٌ فى
الآخرةِ؛ فأمَّا التى فى الدنيا، (فذَهابُ البهاءِ"، ودوامُ الفقرِ، وقِصَرُ العُمُرِ، وأما
التى فى الآخرةِ، فسَخَطُ اللَّهِ، وسُوءُ(٤) الحسابِ، والخلودُ فى النارِ)). ثم تَلا
رسولُ اللّهِ وَله: ((﴿لَبِتْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي
اٌلْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ﴾))(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية.
أخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرٍ ، وابنُ أبى حاتمٍ، وأبو
الشيخ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيّ وَمَآَ
(١) الديلمى (١٢٩٦).
(٢) ابن أبى حاتم ١١٨٢/٤ (٦٦٦٧).
(٣ - ٣) فى م: ((قد طاب إليها)).
(٤) فى الأصل، ص، ف٢، م: ((طول)).
(٥) ابن أبى حاتم ١١٨٣/٤ (٦٦٦٨)، والخرائطى (٤٨٢)، وابن مردويه - کما فى تفسير ابن كثير
١٥٦/٣ - والبيهقى (٥٤٧٥). وقال ابن كثير: وهذا حديث ضعيف على كل حال .
۔
- -

٤٠٤
سورة المائدة : الآيات ٨١ - ٨٤
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. "قال: المنافقون١).
قولُه تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ﴾.
أخرَج أبو الشيخ، وابنُ مَرْدُويه، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله:
(( ما خَلا يهودىٌّ بمسلم إلا هَمَّ بقَتْلِهِ)). وفى لفظٍ: ((إلّا حَدَّث نفسَه بقَتْلِهِ))(١).
قولُه تعالى: ﴿﴿ وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾ الآيات.
أخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو
الشيخ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَى﴾. قال: هم الوفدُ الذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابِه
مِن أرضِ الحبشةِ().
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن عطاءٍ قال: ما ذكَر اللَّهُ به النصارى من خيرٍ، فإنما
يُرادُ به النجاشىُ وأصحابُه (٥).
وأخرج أبو الشيخ عن عطاءٍ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَوَدَّةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَكَرَىَّ﴾. قال: هم ناسٌ مِن الحبشةِ، آمَنوا إذ جاءَتْهم
مُهاجِرةُ المؤمنين ، فذلك لهم .
(١ - ١) فى م: ((الآية)).
والأثر عند ابن جرير ٥٩٣/٨، وابن أبى حاتم ١١٨٣/٤ (٦٦٦٩).
(٢) ابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ١٥٨/٣. وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدًّا. وأخرجه
ابن حبان فی ترجمة : یحیی بن عبيد الله بن موهب ، وقال : کان من خیار عباد الله ، یروى عن أبيه ما لا
أصل له . المجروحين ١٢١/٣ - ١٢٣، وينظر كشف الخفا ١٨٧/٢.
(٣) ابن جرير ٨/ ٥٩٥، وابن أبى حاتم ١١٨٣/٤ عقب الأثر (٦٦٦٩).
(٤ - ٤) سقط من: م .
(٥) ابن أبى حاتم ١١٨٣/٤ (٦٦٧٠).

٤٠٥
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
وأخرَج النسائىُّ، وابنُ جريرٍ ، وابنُّ المنذرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، والطبرانىُ ، وأبو
الشيخِ ، وابنُ مَردُويه ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ قال: نزلت هذه الآيةُ فى النَّجاشىِّ
وأصحابِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾(١).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، وابنُ أبى حاتم ، وأبو نعيمٍ فى ((الحلية))، والواحدىُّ،
مِن طريقٍ ابنِ شهابٍ قال : أخبرنى سعيدُ بنُّ المسيَّبِ ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ
ابنِ الحارث بن هشامٍ، وعروةُ بنُ الزبيرِ قالوا: بعَث رسولُ اللّهِ وَِّ عمرو بن أميةَ
الضَّعْرِىَّ وكتب معه كتابًا إلى النَّجاشيّ، فقَدِم على النجاشىِّ، فقَرَأ كتابَ
رسولِ اللَّهِ وَ له، ثم دَعا جعفر بن أبى طالبٍ والمهاجرين معه، وأرسَل النجاشىُّ
إلى الوُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فجمَعهم، ثم أمرَ جعفرَ بنَ أبى طالبٍ أن يَقْرَأَ عليهم
القرآنَ، فقرَأ عليهم سورةَ ((مريمَ))، فَآمَنوا بالقرآنِ ، وفاضَت أعينُهم مِن الدمع،
(أ)
وهم الذين أَنزِل فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾ إلى قولِهِ: ﴿مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾
٩
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، (وابنُ جريرٍ"، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتمٍ، وأبو
الشيخِ، وابنُ مَرْدُويه، عن سعيد بن جبيرٍ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
قِيّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: هم رُسُلُ النجاشىِّ الذين أرسَل بإسلامِه وإسلامِ
قومِه، كانوا سبعين رجلاً، اختارهم مِن قومِه، الخَّرَ فالخَّرَ، فى الفقهِ والسّنِّ -
وفى لفظٍ: بعَثُ مِن خيارٍ أصحابِه إلى رسولِ اللهِ وَ لَِّ ثلاثين رجلاً - فلما أتَوا
٣٠٣/٢
(١) النسائى فى الكبرى (١١١٤٨)، وابن جرير ٦٠٢/٨، وابن أبى حاتم ١١٨٥/٤ (٦٦٨٠)،
والطبرانى (٢٥٨ - قطعة من الجزء ١٣).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٤٩/١٤، وابن أبى حاتم ١١٨٥/٤ (٦٦٧٨)، وأبو نعيم ١١٧/١،
والواحدى ص ١٥١.
(٣ - ٣) سقط من : م .

٤٠٦
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
رسولَ اللَّهِ وَهِ دخَلوا عليه، فقرَأ عليهم سورةَ ((يس))، فبَكُوا حينَ سمِعوا
القرآنَ، وعرَفوا أنه الحقُّ، فأَنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيِسِينَ
وَرُهْبَانًا﴾ الآية. ونزلت هذه الآيةُ فيهم أيضًا: ﴿ الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾(١)
[ القصص : ٥٢ - ٥٤] .
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، وأبو الشيخ ، عن عُروةَ قال: كانوا يَرَون أن هذه الآيةَ
نزَلَت فى النجاشىِّ: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ (٢ تَرَكَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
اُلَّمْعِ ﴾ (١).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، والطبرانىُ ، وأبو الشيخ، وابنُ مردويه ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾. قال: إنهم كانوا نوَّاتين - يعنى
مَلَّاحِين - قدِموا مع جعفر بن أبى طالبٍ من الحَبَشِ، فلما قرَأْ عليهم رسولُ اللَّهِ وَهُ
القرآنَ آمَنوا وفاضَت أعينُهم، فقال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إذا رجَعْتُم إلى أرضِكم انْتَقَلْتم
عن دينكم )). فقالوا: لن نَتْقَلِبَ عن دينِنا. فأنزل اللَّهُ ذلك مِن قولهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ
مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾(٤).
وأخرج أبو الشيخ عن قتادةَ قال: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزلت فى الذين أقبلوا
(١) ابن جرير ٦٠٠/٨، وابن أبى حاتم ١١٨٤/٤ (٦٦٧٣)، وابن مردويه - كما فى تخريج أحاديث
الكشاف ٤١٦/١.
(٢ - ٢) سقط من : م.
(٣) ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٤٨، ٣٤٩.
(٤) الطبرانى (١٢٤٥٥)، وفى الأوسط (٤٦٣٩). وقال الهيثمى: فيه العباس بن الفضل الأنصارى
وهو ضعيف. مجمع الزوائد ٧/ ١٨.

٤٠٧
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
مع جعفرٍ مِن أرضِ الحبشةِ، وكان جعفرٌ لَحِقٍ بالحبشةِ هو وأربعون معه مِن
قريشٍ، وخمسون مِن الأشْعَرِيِّين، منهم أربعةٌ مِن عَكُّ (١) ، أكبرُهم أبو عامٍ
الأشْعَرىُّ، وأصغرُهم عامرٌ، فذُكر لنا أن قريشًا بَعَثوا فى طَلَبِهِم عمرو بنَ
العاصى، وعُمارةَ بنَ الوليدِ، فأتوا النَّجاشِيَّ فقالوا : إن هؤلاء قد أفسَدوا دينَ
قومِهم . فأرسَل إليهم فجاءوا، فسألَهم فقالوا: بعَث اللهُ فينا نبيًّا كما بعَث فى
الأَمم قبلَنا ، يَدعونا إلى اللـهِ وحدَه، ويأمُرُنا بالمعروفِ، ويَنْهَانا عن المنكرِ، ويأمُرُنا
بالصِّلَةِ ، ويَنْهانا عن القطيعةِ ، ويأمُرُنا بالوفاءِ ، ويَنْهانا عن التَّكْثِ ، وإن قومَنا بَغَوا
علينا، وأخرَجونا حينَ صَدَّقْناه وَآمَنًا به ، فلم تَجِدْ أحدًا نَلْجَأُ إليه غيرَك. فقال
معروفًا . فقال عمرٌو وصاحبُه: إنهم يقولون فى عيسى غيرَ الذى تقولُ . قال : وما
تقولون فى عيسى؟ قالوا: نشهَدُ أنه عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وكلمةُ اللَّهِ ورُوحُه ، وأنه
ولدَته عذراءُ بَثُولٌ. قال: ما أخْطَأْتم . ثم قال لعمرٍو وأصحابِه : لولا أنكما أقبَلْتُما
فى جِوارى لفعَلْتُ بكما وفعلتُ. وذُكِر لنا أن جعفرًا وأصحابَه إذ أقبَلوا جاء
أولئك معهم، فآمَنوا بمحمدٍ بَلَه، فقال قائلٌ: لو قد رَجَعوا إلى أرضِهم لَحِقوا
بدينهم. فحُدِّثْنا أنه قدِم مع جعفرٍ سبعون منهم، فلما قرَأ عليهم نبىُ اللَّهِ وَه
فَاضَت أعينُهم .
وأخرج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن السدىِّ قال: بعَث النجاشىُ () إلى
رسولِ اللَّهِ وَِّ اثنى عشَرَ رجلًا؛ سبعةً قِسِّيسينَ وخمسةً رهبانًا ، ينظُرون إليه
ويسألونه، فلما لَقُوه فقرَأَ عليهم ما أنزل اللَّهُ بَكُوا وَآمَنوا، فأنزل اللَّهُ فيهم:
(١) عك: قبيلة يمنية. معجم البلدان ٣/ ٧٠٦.
(٢) سقط من: م.

٤٠٨
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية (١).
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وابنُ مَرْدُويه ، عن ابنِ عباسٍ قال : كان
رسولُ اللَّهِ وَلّهِ وهو بمكةَ يخافُ على أصحابِهِ مِن المشركين، فبعَثْ جعفرَ بنَ
أبى طالبٍ وابنَ مسعودٍ وعثمانَ بنَ مظعونٍ فى رهطٍ مِن أصحابِه إلى النَّجاشىِّ
ملكِ الحبشةِ ، فلما بلَغ المشركين بعَثوا عمرو بنَ العاصى فى رَهْطٍ منهم ، ذكروا
أنهم سَبَقُوا أصحاب النبيِّ وَّ إلى النجاشيّ، فقالوا: إنه قد خرَج فينا رجلٌ سَقَّه
عقولَ قريشٍ وأحلامَها، زعَم أنه نبيٌّ، وإنه بَعَث إليك رَهْطًا ليُفْسِدوا عليك
قومَك، فأَحْبَيْنا أن نَأْتِيَك ونُخْبِرَك خبرَهم. قال: إن جاءُونى نظَرتُ فيما
يقولون. فلما قَدِم أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَله، فأتَوا إلى بابِ النجاشيّ فقالوا:
استأذِنْ لأولياءِ اللَّهِ. فقال: ائْذَنْ لهم، فمرحبًا بأولياءِ اللَّهِ . فلما دخَلوا عليه
سَلَّموا، فقال الرّهْطُ مِن المشركين: ألم تَرَ أيُّها الملكُ أنَّا صَدَقْناك، وأنهم لم
يُحَيُّوكُ بتحيتك التى تُحَّْا بها. فقال لهم: ما يَمْتَعُكم أن تُونى بتَحِيَّتِى؟ قالوا : إنا
حَيَيناك بتحيةِ أهلِ الجنة وتحية الملائكةِ . فقال لهم : ما يقولُ صاحِبکم فی عیسى
وأمّه ؟ قالوا : يقولُ: عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وكلمةٌ مِن اللَّهِ وروحٌ منه، أَلْقَاها إلى
مريمَ . ويقولُ فى مريمَ : [١٤١ظ] إنها العذراءُ الطَّةُ البَتُولُ. قال: فأخَذ عودًا مِن
الأرضِ فقال: ما زادَ عيسى وأمُّه على ما قال صاحِبُكم هذا العودَ. فَكَرِه
المشركون قولَه، وتَغَيَّر له وُجُوهُهم، فقال: هل تَقْرُون شيئًا مما أَنزِل عليكم ؟
قالوا: نعم. قال: فاقْرُوا. فقَرُوا وحولَه القِسِّيسون والرُّهْبانُ وسائرُ النصارى،
فجعَلت طائفةٌ مِن القِسِّيسين والرُّهْبانِ كلَّما قَرءُوا آيَةً انحَدَرَت دموعُهم مما عرَفوا
(١) ابن جرير ٥٩٦/٨، ٦٠١، وابن أبى حاتم ١١٨٤/٤ (٦٦٧٥).

٤٠٩
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
مِن الحقِّ، قال اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبُونَ (٨) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا
عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾(١).
وأخرج الطبرانىُ عن سلمانَ فى إسلامِه قال: لِمَّا قَدِمِ النبيُّ وَهِ المدينةَ
صنَعتُ طعامًا فجئتُ به، فقال: (( ما هذا؟)) قلتُ: صَدَقةٌ. فقال لأصحابِهِ :
((كُلوا)). ولم يأكُلْ، ثم إنى رجَعْتُ حتى جَمَعتُ طعامًا ، فأتيتُه به، فقال : ((ما
هذا؟)) قلتُ: هَدِيَّةٌ. فأكَل وقال / لأصحابِهِ: ((كُلُوا)). قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ،
أُخْبِرنى عن النصارى. قال: ((لا خيرَ فيهم، ولا فى مَن أحَبَّهم». فقُمْتُ وأنا
مُثْقَلٌ. فأنزل اللَّهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ﴾ حتى
بلَغ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. فأرسَل إِلىَّ رسولُ اللَّهِ وَّهِ فقال لى: ((يا سَلْمانُ ،
إن أصحابَك هؤلاء الذين ذكَر اللَّهُ))(٢).
٣٠٤/٢
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ، وأبو الشيخ، عن قتادةً فى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً﴾ الآية. قال: أناسٌ مِن أهلِ الكتابِ كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ
مما جاء به عيسى، يؤمنون به ويَنْتَهُون إليه، فلما بعَث اللَّهُ محمدًا وَلِّ صَدَّقوه
وآمنوا به، وعرَفوا ما جاء به مِن الحقِّ أنه مِن اللَّهِ، فأثْنَى عليهم بما تَسْمَعون .
وأخرج أبو عبيدٍ فى ((فضائلِه))، وابنُ أبى شيبةً فى ((مسندِه))، وعبدُ بنُ
حميدٍ، والبخارىُّ فى ((تاريخِه))، والحارثُ بنُ أبى أسامةَ فى ((مسندِه))،
والحكيمُ الترمذىُّ فى ((نوادر الأصولِ))، والبزارُ، وابنُ أبى داودَ، وابنُ
(١) ابن جرير ٥٩٥/٨، ٥٩٦، وابن أبى حاتم ١١٨٤/٤ (٦٦٧٧) مختصرا .
(٢) الطبرانى (٦١٢١).

٤١٠
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
٠٫٥٠
الأنبارىِّ، فى ((المصاحفِ))، وابنُ المنذرِ، وابنُ أبى حاتم ، والطبرانىُ، وابنُ مَرْدُويه،
عن سلمانَ، أنه سُئل عن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ فِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال:
الُّهْبانُ الذين فى الصوامع، نزلت على رسولِ اللَّهِ بَّهِ: (ذلك بأنَّ منهم صِدِّيقين
ورُهبانًا). ولفظُ البزارِ: دع القسّيسين، أَقْرَأْنِى رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ( ذلك بأن منهم
صدِّيقين)(١). ولفظُ الحكيم الترمذىِّ: قرَأْتُ على النبيِّ وَله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ فأقْرَأنى: (((ذلك بأن منهم صِدِّيقين))) (١).
وأخرج البيهقيُّ فى ((الدلائلِ)) عن سلمانَ قال: كنتُ يتيمًا مِن رَامَهُزُمُزَ،
وكان ابنُ دِهْقَانِ رَامَهُزْمُزَ يختلفُ إلى مُعلِّم يعلِّمُه، فلَزِمتُه لأكونَ فى كَنَفِه ،
وكان لى أَخْ أكبرُ مِنِّى، وكان مُسْتَغْنِيًّا فى نفسِه، وكنتُ غلامًا فقيرًا ، فكان إذا
قامَ مِن مجلسِه تَفَرَّقَ مَن يُحَفِّظُه ، فإذا تَفرَّقوا خرَج فتَقَنَّع بثوبِهِ ، ثم صَعِد الجبلَ ،
فكان يفعلُ ذلك غيرَ مَرَّةٍ مُتَنَكَّرًا ، قال : فقلتُ : أما إنك تفعلُ كذا وكذا ، فلِمَ لا
تذهَبُ بى معك؟ قال: أنت غلام ، وأخافُ أن يظهرَ منك شىءٌ. قال: قلتُ :
لا تَخَفْ. قال: فإن فى هذا الجبلِ قومًا فى برطِيلٍ(١، لهم عبادةٌ وصلاحٌ،
يَذْكُرون اللَّهَ عزَّ وجلَّ، ويذكُرون الآخرةَ، يزعمون أنَّا عَبَدَةُ النِيرانِ، وعَبَدةُ
الأوثانِ ، وأَنَّا على غيرٍ دينٍ . قلتُ : فاذهَبْ بى معك إليهم . قال: لا أقدِرُ على
ذلك حتى أُسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ فِيَعْلمَ أبى ، فَيَقْتُلَ القومَ،
فِيَجْرِىَ هَلاكُهم على يَدَىَّ. قال: قلتُ: لم يظهَرْ منِّى ذلك. فاسْتأمَرّهم فقال:
(١) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٢) أبو عبيدص ١٧٠، والبخارى ٨/ ١١٦، والحارث بن أبى أسامة (٧٠٩ - بغية)، والحكيم الترمذى ١/
٨٢، والبزار (٢٥٣٧)، وابن أبى داود ص ١٠٣، وابن أبى حاتم ١١٨٣/٤ (٦٦٧١، ٦٦٧٢،
٦٦٧٥)، والطبرانى (٦١٧٥)، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ١٥٨/٣. وقال الهيثمى: وفيه
یحیی الحمانی ونصير بن زياد ، وكلاهما ضعيف . مجمع الزوائد ٧/ ١٧.
(٣) البرطيل: حجر عظيم مستطيل. اللسان (برطل).

٤١١
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
غلامٌ عندى يتيمٌ ، فَأَحِبُّ أن يأْتِيَكم ويسمعَ كلامَكم. قالوا : إن كنتَ تَثِقُ به .
قال: أرجو ألا يجىءَ منه إلا ما أُحِبُ. قالوا: فجئْ به . فقال لى: قد استأذَنْتُ
القومَ أَن تَّجِىءَ معى ، فإذا كانت الساعةُ التى رأيتَنى أخرجُ فيها فأَتِنِى ، ولا يعلمُ
بك أحدٌ ، فإنَّ أبى إن علِمٍ قَتَلَهم . قال: فلمَّا كانت الساعةُ التى يخرُجُ تَّبِعْتُه،
فصَعِد الجبلَ ، فانْتَهَينا إليهم، فإذا هم فى بِرْطِيلِهم - قال علىٍّ: وأراه قال: هم
ءِ
ستةٌ أو سبعةٌ - قال: وكأنَّ الروحَ قد خرَجت منهم مِن العبادةِ ، يصومُون النهارَ،
ويقومُون الليلَ، يأْكُلون الشجرَ وما وجَدوا، فَقَعَدْنا إليهم، فَأَثْنَى ابنُ الدِّهْقانِ
علىَّ خيرًا، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا اللَّهَ، وأَثْنَوا عليه، وذكروا مَن مَضَى مِن الرسلِ
والأنبياءِ، حتى خَلَصوا إلى عيسى ابن مريمَ ، قالوا: بعَثه اللَّهُ، ووُلد بغيرِ ذَكَرٍ ،
بعثه اللَّهُ رسولًا، وسخَّر له ما كان يفعلُ مِن إحياء الموتى، وخَلْقِ الطيرِ ، وإبراءِ
الأعمى والأبرصِ ، فكفَر به قومٌ وتَبِعه قومٌ ، وإنما كان عبدَ اللَّهِ ورسولَه ، ابْتَلَى به
خلقَه . قال: وقالوا قبلَ ذلك: يا غلامُ ، إن لك ربًّا، وإن لك معادًا، وإن بينَ
يَدَيْك جنةً ونارًا ، إليهما تَصِيرُ، وإن هؤلاء القومَ الذين يعبدون النيرانَ أهلُ كفرٍ
وضلالةٍ، لا يَرْضَى اللهُ بما يَصْنَعون، وليسوا على دينٍ. فلما حَضَرت الساعةُ
التى ينصرفُ فيها الغلامُ انصَرَف وانصَرَفْتُ معه، ثم غَدَوْنا إليهم ، فقالوا مثلَ
ذلك وأحسنَ، فَلَزِمْتُهم، فقالوا: يا سلمانُ ، إنك غلامٌ، وإنك لا تستطيعُ أن
تصنعَ كما نصنعُ، فَكُلْ واشرَبْ ، وصَلِّ ونَمْ. قال: فاطَّلَع الملكُ على صنيعٍ
ابنِهِ، فرَكِب الخيلَ حتى أتاهم فى بِرْطِيلِهم، فقال: يا هؤلاءِ، قد جاوَرْ تُمونى
فأَحْسَنْتُ جوارَ كم ، ولم تَرَوْا مِنِّى سُوءًا ، فعَمَدْتم إلى ابنى فَأَفْسَدْ تُموه علىَّ، قد
أَجُلْتُكم ثلاثًا ؛ فإن قَدَرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحْرَقْتُ عليكم يزطِيلكم هذا،

٤١٢
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
فالْحَقُوا ببلادٍ كم ، فإنى أُكرَهُ أن يكونَ منى إليكم سُوءٌ . قالوا : نعم، ما تَعَمَّدنا
مَساءَتَك ، ولا أرَدْنا إلا الخيرَ . فَكَفَّ ابنُه عن إثْيانِهم ، فقلتُ له : اتَّقِ اللَّهَ ، فإنك
تعرِفُ أن هذا الدينَ دينُ اللَّهِ ، وإن أباك ونحن على غيرِ دينٍ ، إنما هم عَبَدةُ النيرانِ
لا يَعْرِفون اللهَ، فلا تَبِعْ آخرِتَك بدُنْيا غيرِك. قال: یا سَلْمانُ، هو كما تقولُ،
وإنما أتخلَّفُ عن القومِ بُقْيَا عليهم ، إن اتَّبَعْتُ القومَ يطلُبُنى أبى فى الخيلِ، وقد
جَزِعٍ مِن إِثْيانى إياهم حتى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أن الحقَّ فى أيدِيهم . قلتُ : أنت
أعلمُ . ثم لَقِيتُ أخى فعَرَضْتُ عليه، فقال: أنا مُشْتَغِلٌ بنفسى فى طلبِ المعيشةِ.
فأتَيْتُهم فى اليومِ الذى أرادوا أن يَوْتَحِلوا فيه ، فقالوا : يا سلمانُ، قد كُنَّا نَحْذَرُ،
فكان ما رأيتَ ، اتَّقِ اللَّهَ واعلمْ أن الدينَ ما أَوْصَيناك به، وإن هؤلاء عبدةٌ
النيرانِ ، لا يَعْرِفون الله ولا يذكُرونه، فلا يَحْدَعَنَّك أحدٌ عن ذلك. قلتُ : ما
٣٠٥/٢ أنا /بمُفارٍقِكم. قالوا: إنك لا تَقْدِرُ على أن تكونَ معنا، نحن نصومُ النهارَ،
ونقومُ الليلَ، ونأكُلُ الشجرَ وما أَصَبْنا، وأنت لا تستطيعُ ذلك . قال : قلتُ : لا
أُفارقُكم . قالوا: أنت أعلمُ ، قد أعلمناك حالَنا ، فإذا أبيْتَ فاطلُبْ أحدًا يكونُ
معك ، واحمِلْ معك شيئًا تأکُلُه، فإنك لا تستطيعُ ما نستطيعُ نحن. قال :
ففَعَلْتُ ولَقِيتُ أُخِى، فَعَرَضْتُ عليه، فأَتَى، فَأَتَيِّتُهم فتَحَمَّلوا، فكانوا يَمْشون
وأمشِى معهم، فرَزَقَنَا اللَّهُ السلامةَ حتى قدِمنا المَوْصِلَ ، فَأَتَيْنا بِيعةً بالمَوْصِلِ ، فلما
دَخلوا حَفَوا بهم وقالوا : أين كنتم؟ قالوا: كُنَّا فى بلادٍ لا يذكُرون اللَّهَ، بها عبدةٌ
نيرانٍ فطَرَدُونا، فقَدِمْنا عليكم . فلما كان بعدُ قالوا: يا سَلْمانُ ، إن هلهنا قومًا
فى هذه الجبالِ هم أهلُ دينٍ ، وإنما نريدُ لقاءَهم ، فكُنْ أنت هلهنا مع هؤلاء ، فإنهم
أهلُ دينٍ وسَتَرَى منهم ما تحِبُّ . قلتُ : ما أنا بُفارٍقِكم . قال: وأَوْصَوا بى أهلَ

٤١٣
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
البِيعةِ ، فقال أهلُ البِيعةِ: أَقِمْ معنا، فإنه لا يُعجزُك شيءٌ يسَعُنا. قلتُ : ما أنا
بمُفارِقِكم . فخرجوا وأنا معهم ، فأصبحنا بين جبالٍ ، فإذا صخرةٌ وماءٌ كثيرٌ فى
جِرارٍ وخبزٌ كثيرٌ، فقَعَدْنا عندَ الصخرةِ، فلما طَلَعَت الشمسُ خرَجوا مِن بينِ
تلك الجبالِ ، يخرجُ رجلٌ رجلٌ مِن مكانِه، كأنَّ الأرواحَ انْتُزِعَت منهم، حتى
گثروا ، فرَبوا بهم وحَفَوا وقالوا : این کُم، لم نَرَ کم ؟ قالوا : كُنَّا فى بلادٍ لا
يذكُرون اسمَ اللَّهِ ، فيها عَبَدةُ النيرانٍ ، وكُنَّا نعبْدُ اللَّهَ فيها فطَرَدونا . فقالوا : ما
هذا الغلامُ؟ قالوا: فطَفِقوا يُثْنُونَ علىّ، وقالوا : صَحِبَنا مِن تلك البلادِ ، فلم نَرَ
منه إلا خيرًا. قال: فواللَّهِ إنهم لكذا إذ طَلَع عليهم رجلٌ مِن كهفٍ ؛ رجلٌ
طُوالٌ، فجاء حتى سَلَّم وجلَس ، فَحِفَوا به وعَظَّموه أصحابى الذين كنتُ معهم
وأحْدَقوا به ، فقال لهم: أين كنتُم؟ فأخبروه ، فقال: ما هذا الغلامُ معكم؟ فأثْنَوا
علىَّ خيرًا وأخبروه باتّباعى إياهم، ولم أرَ مِثْلَ إِنْظامِهم إياه، فحَمِد اللَّهَ وأَثْنَى
عليه، ثم ذكّر مَن أرسَل اللَّهُ مِن رُسُلِه وأنبيائِه، وما لَقُوا ، وما صُنِع بهم، حتى
ذكَر مولدَ عيسى ابن مريمَ ، وأنه وُلِد بغيرٍ ذَكرٍ ، فبعثه اللَّهُ رسولًا ، وأجرَى على
يدَيه إحياء الموتى، وإبراءَ الأعمى والأبرصِ، وأنه يخلُقُ مِن الطين كهيئةِ الطيرِ
فينفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنِ اللَّهِ ، وأنزل عليه الإنجيلَ، وعلَّمه التوراةَ، وبعَثه
رسولًا إلى بنى إسرائيلَ، فكفَر به قومٌ ، وَآمَن به قومٌ ، وذكر بعضَ ما لَقِی عیسی
ابنُّ مريمَ ، وأنه كان عبدًا أنعَم اللهُ عليه ، فشكر ذلك له ، ورَضِى عنه ، حتى قَبَضه
اللَّهُ، وهو يَعِظُهم ويقولُ: اتَّقوا اللَّهَ والزَموا ما جاء به عيسى، ولا تُخالِفوا
فيُخَالَفَ بكم. ثم قال: مَن أراد أن يأخُذَ مِن هذا شيئًا فليَأْخُذْ. فجعَل الرجلُ
يقومُ فيأْخُذُ الجَّةَ مِن الماءِ والطعامِ والشىءٍ، فقام إليه أصحابى الذين جئتُ

٤١٤
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
معهم ، فسَلَّموا عليه وعَظَّموه ، فقال لهم: الزَموا هذا الدينَ وإياكم أن تَفَرَّقُوا،
واسْتَوصُوا بهذا الغلامِ خيرًا. وقال لى: يا غلامُ، هذا دينُ اللَّهِ الذى تسمعُنى
أقولُه، وما سِواه هو الكفرُ. قال : قلتُ: ما أُفارِقُك. قال : إنك لن تستطيع أن
تكونَ معى ، إنى لا أُخرُجُ مِن كَهْفى هذا إلا كلَّ يومِ أحَدٍ ، لا تقدِرُ على الكينونةِ
معى. قال : وأقبَل على أصحابِهِ، فقالوا: يا غلام، إنك لا تستطيع أن تكونَ
معه . قلتُ : ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا غلامُ، فإنى أَعْلِمُك الآنَ أنى أدخُلُ هذا
الكهفَ ولا أخرجُ منه إلى الأحدِ الآخرِ ، وأنت أعلمُ . قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك .
قال له أصحابُه : يا فلانُ، هذا غلامٌ ونخافُ عليه. قال: قال لى: أنت أعلمُ .
قلت: إنى لا أُفَارِقُك. فبكَى أصحابى الأوَّلون الذين كنتُ معهم عندَ فراقِهم
إِيَّى. فقال: خُذْ مِن هذا الطعام ما تَرى أنه يَكْفِيك إلى الأحدِ الآخرِ، وخُذْمِن
هذا الماءِ ما تَكْتَفى به . ففعلتُ وتفرَّقوا ، وذهَب كلُّ إنسانٍ إلى مكانِه الذى يكونُ
فيه ، وتَبِعتُه حتى دخَل الكهفَ فى الجبلِ، فقال: ضَعْ ما معك وكُلْ واشرَبْ .
وقام يُصَلِّى ، فقُمْتُ معه أُصلِّى. قال: فانْفَتَل إلىَّ وقال: إنك لا تستطيع هذا،
ولكن صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ففعلتُ، فما رأيتُه نائمًا ولا طاعمًا إلا راكعًا
وساجدًا إلى الأحدِ الآخرِ، فلما أصْبَحنا قال: خُذْ جَرَّتَك هذه وانطلِقْ.
فخرَجْتُ معه أتْبَعُه حتى انتَهَينا إلى الصخرةِ، وإذا [١٤٢و] هم قد خَرَجوا مِن
تلك الجبال ، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه ، فقعدوا وجادَ فی حدیثِهِ
نحوَ المرةِ الأولى، فقال: الزَّموا هذا الدينَ ولا تَفَرَّقوا، واتَّقُوا اللَّهَ ، واعلموا أن
عيسى ابن مريمَ كان عبدَ اللهِ ، أنعَم اللهُ عليه. ثم ذكَرُونى فقالوا: يا فلانُ،
كيف وجَدْتَ هذا الغلامَ؟ فأثْنَى علىَّ وقال خيرًا. فحَمِدوا اللَّهَ، وإذا خبرٌ كثيرٌ

٤١٥
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
وماءٌ فأخذوا، وجعَل الرجلُ يأخُذُ بقَدْرِ ما يَكْتَفى به، ففعلتُ ، وتَفَرَّقوا فى تلك
الجبالِ، ورجع إلى كهفِه ورَجَعْتُ معه، فَلَبِثَ ما شاء اللَّهُ، يخرجُ فى كلِّ يومٍ
أحدٍ ويخرجون معه، ويُوصِیھم بما کان يُوصِیھم به، فخرج فی أحدٍ ، فلما
اجتمعوا حمِد اللَّهَ ووَعَظَهم وقال مثلَ ما كان يقولُ لهم، ثم قال لهم آخِرَ
ذلك: يا هؤلاء، إنى قد كَبِرَ سِنِّى، وَقَّ عَظْمى، واقْتَرَب أَجَلى ، وإنه لا عهدَ
لى بهذا البيتِ منذُ كذا وكذا، ولا بُدَّ لى مِن إتيانِه، فاسْتَوصُوا بهذا الغلامِ
خيرًا ، وإنى رأيتُه لا بأس به . فجزِع القومُ، فما رأیتُ مثلَ جَزَعهم ، وقالوا : يا
أبا فلانٍ، أنت / كبيرٌ، وأنت وحدَك، ولا نأمنُ أن يُصِيبَك الشىءُ، ولسنا ٣٠٦/٢
أحوجَ ما كُنَّا إليك. قال: لا تُراجِعونى، لابدَّ لى مِن إتيانِهِ، ولكن اسْتَوصُوا
بهذا الغلامِ خيرًا، وافعَلوا وافعلوا. قال: قلتُ: ما أنا بمُغارِقِك. قال : يا
سلمانُ ، قد رأيتَ حالى وما كنتُ عليه، وليس هذا كذلك ، إنما أَمْشِى ، أصومُ
النهارَ، وأقومُ الليلَ، ولا أستطيعُ أن أحمِلَ معى زادًا ولا غيرَه، ولا تقدِرُ على
هذا . قال : قلتُ : ما أنا بمُفارِقِك. قال : أنت أعلمُ. قالوا : يا أبا فلانٍ ، إِنا
نخافُ عليك وعلى هذا الغلام. قال: هو أعلمُ، قد أعْلَمتُه الحالةَ ، وقد رأى ما
كان قبلَ هذا. قلتُ : لا أُفارِقُك. قال: فَكَوا ووَدَّعوه، وقال لهم : اتَّقُوا اللَّهَ
وكونوا على ما أوصيتُكم به، فإن أعِشْ فلعلى أرجعُ إليكم، وإن أَمُتْ فإن اللَّهَ
حىّ لا يموتُ. فسَلَّم عليهم وخرَج وخرَجْتُ معه ، وقال لى : احمِلْ معك مِن
هذا الخبزِ شيئًا تأكُلُه. فخرَج وخرَجْتُ معه، يمشى وأَتبعُه يذكرُ اللَّهَ، ولا
يلتفتُ ولا يقفُ على شىءٍ، حتى إذا أمسَى قال: يا سلمانُ، صَلِّ أنت ونَمْ،
و ◌ُلْ واشرَبْ . ثم قام هو يُصلِّی ، إلى أن انتھی إلى بيت المقدسِ، و کان لا يرفعُ

٤١٦
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
طَرْفَه إلى السماءِ إذا أمسى ، حتى انتَهَينا إلى بيتِ المقدسِ، وإذا على البابِ
مُقْعَدٌ، قال: يا عبدَ اللَّهِ، قد ترَى حالى، فتَصَدَّقْ علىَّ بشىءٍ. فلم يَلْتِفِتْ
إليه ، ودخَل المسجدَ ودخَلتُ معه، فجعَل يَتَبَّعُ أمكنةً مِن المسجدِ يصلِّى فيها ،
ثم قال : يا سلمانُ ، إنى لم أنَمْ منذُ كذا وكذا، ولم أجِدْ طعمَ نومٍ ، فإن أنت
جعلتَ لى أن توقِظَنى إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا نحْتُ ؛ فإنى أحبُّ أن أنامَ فى
هذا المسجدِ ، وإلا لم أَمْ. قال: قلتُ: فإنى أفعلُ. قال: فانظُرْ إذا بلَغ الظلّ
مكان كذا وكذا ، فَأَيْقِظْنى إذا غَلَبَتنى عينى. فنامَ ، فقلتُ فى نفسى : هذا لم
يَنَمْ منذُ كذا وكذا ، وقد رأيتُ بعضَ ذلك، لأَدَعَتَّه ينامُ حتى يَشْتَفِىَ مِن النومِ .
وكان فيما يمشِى وأنا معه، يُقْبِلُ علىَّ، فيَعِظُنى ويُخْبِرُنى أن لى ربًّا، وأن بينَ
يدَىَّ جنةً ونارًا وحسابًا، ويُعْلِمُنى بذلك ويُذَكِّرُنى نحوَ ما كان يذكِّرُ القومَ يومَ
الأحدِ ، حتى قال - فيما يقولُ لى - : يا سلمانُ ، إِن اللَّهَ تعالى سوف يبعثُ
رسولاً اسمُه أحمدُ ، يخرجُ بِتِهَامةً - وكان رجلاً أعجمًّا لا يُحْسِنُ أن يقولَ:
تِهامَةُ . ولا: محمدٌ - علامتُه أنه يأكلُ الهديةَ، ولا يأكُلُ الصدقةَ، بينَ كَتِفَيه
خاتمٌ، وهذا زَمانُه الذى يخرُجُ فيه قد تَقارَبَ، فأما أنا فإنى شيخٌ كبيرٌ ولا
أحسَبْنِى أَدْرِكُه، فإن أَدْرَ كْتَه أنت فصَدِّقْه واتَّبِعِه . قلتُ : وإن أمَرَنى بتركِ دينِك
وما أنت عليه؟ قال: وإن أمَرك، فإن الحقَّ فيما يَجِىءُ به، ورِضا الرحمن فيما
قال . فلم يَمْضٍ إِلا يسيرٌ حتى اسْتَئِقَظ فَزِعًا يذكُرُ اللَّهَ، فقال : ياسلمانُ ، مضَى
الفَىْءُ مِن هذا المكانِ ولم أذكُرِ اللَّهَ، أين ما جعلتَ لى على نفسِك ؟ قال:
قلتُ : أَخْبَرْتَنى أنك لم تَنَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعضَ ذلك، فأحْيَبْتُ أن
تَشْتَفِىَ مِن النومِ. فحمِد اللَّهَ، وقامَ فخرَج فتَبِعْتُه، فقال المُفْعَدُ: يا عبدَ اللَّهِ،

٤١٧
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
دخَلْتَ فسألتُك فلم تُعْطِنِى، وخرَجْتَ فسألتُك فلم تُعْطِنِى . فقام ينظُرُ هل بَرَى
أحدًا ، فلم يَرَه ، فدَنا منه فقال: ناوِلْنى يدَك. فناوَلَه، فقال: قُمْ باسم اللَّهِ . فقامَ
كأنه نَشِط من عِقالٍ، صحيحًا لا عيبَ فيه، فخلّى عن يدِه، فانطَلَق ذاهبًا ،
وكان لا يَلْوِى على أحدٍ ، ولا يقومُ عليه، فقال لىَ المُفْعَدُ: يا غلامُ، احمِلْ
على ثيابى حتى انطلقَ وأُبشّر أهلی . فحمَلْتُ عليه ثيابه، وانطلق لا يلوى علىّ ،
فخرَجْتُ فى إِثْرِهِ أَطْلُه، وكلما سألتُ عنه قالوا : أمامَك . حتى لَقِينى الركبُ
مِن كَلْبٍ، فسألتُهم، فلما سَمِعوا لُغَتِى أناخَ رجلٌ منهم بعيرَه، فحمَلنى
فجعلنی خلفه حتى أَُّوا بی بلادهم .
قال: فباعونى ، فاشْتَرَتْنى امرأةٌ مِن الأنصارِ، فجعَلَتْنى فى حائطِ لها،
وقدِمِ رسولُ اللهِ وَّةِ، فَأَخْبِرْتُ به، فأخَذْتُ شيئًا مِن تمرٍ حائطى، فجعلتُه على
شىءٍ ، ثم أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عندَه أُناسًا ، وإذا أبوبكرٍ أقربُ القومِ منه، فوَضَعْتُهُ بينَ
يدَيه، فقال: ((ما هذا؟)). قلتُ: صَدَقةٌ. فقال للقوم: ((كُلُوا)). ولم يأكُلْ
هو ، ثم لَبِثْتُ ما شاء اللهُ، ثم أخذتُ مثلَ ذلك، فجعَلْتُه على شىءٍ ، ثم أَتَيْتُه ،
فَوَجَدْتُ عندَه أَناسًا، وإذا أبو بكرٍ أقربُ القومِ منه، فوَضَعْتُه بينَ يدَيه ، فقال :
((ما هذا؟)). قُلتُ: هَدِيَّةٌ. قال: ((باسم اللَّهِ)). فأكّل وأكَّل القومُ . قال : قلتُ
فى نفسى : هذه مِنِ آياتِه، كان صاحبى رجلاً أعجميًّا لم يُحْسِنْ أن يقولَ:
تهامةُ ، قال: تِهْمةُ. وقال: أحمدُ . فدُرْتُ خلفَه، فقَطِن لى فَأَرْخَى ثوبَه ، فإذا
الخاتمُ فى ناحيةِ كتفه الأيسرٍ ، فَتَبَنْتُه، ثم دُرْتُ حتى ◌َلَسْتُ بِينَ يدَيه، فقلتُ:
أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ . قال: ((مَن أنت؟)). قلتُ: مملوكٌ.
فحدَّثْتُه بحديثى وحديثِ الرجلِ الذى كنتُ معه، وما أمَرنى به، قال: ((لمن
( الدر المنثور ٢٧/٥ )

٤١٨
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤
أنت؟)). قلتُ : لامرأةٍ مِن الأنصارِ، جعَلَتْنى فى حائطٍ لها. قال: ((يا أبا بكرٍ )).
قال: لَيك. قال: ((اشْتَرِه)). قال: فاشْتَرانى أبو بكرٍ، فَأَعْتَقَنى، فلبثتُ ما شاء اللهُ
أن أَلْبَثَ ، ثم أَتَيْتُه ، فسَلَّمتُ عليه، وقَعَدتُ بينَ يدَيه، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، ما
تقولُ فى دينِ النصارى؟ قال: ((لا خيرَ فيهم ولا فى دينهم)). فدَخَلنى أمرٌ عظيمٌ،
فقلتُ فى نفسى : هذا الذى كنتُ معه، ورأيتُ منه ما رأيتُ، أَخَذ بيدِ المُفْعَدِ فأقامَه
اللَّهُ على يدَيه ، لا خيرَ فى هؤلاء ولا فى دينهم ! فانْصرفْتُ وفى نفسى ما شاء اللهُ،
فأنزل اللهُ بعدُ على النبيِّ ◌َّهِ: ﴿ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ
٣٠٧/٢ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فقال النبيُّ وَّةِ: / ((علىَّ بسلمانَ)). فأتانى
الرسولُ فدعانى وأنا خائفٌ، فجئتُ حتى قعَدْتُ بينَ يديه، فقرَأ: (( بسمِ اللهِ
الرحمن الرحيم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ فِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبُونَ﴾)) إلى آخرِ الآيةِ. فقال: ((يا سلمانُ، أولئك الذين كنتَ معهم
وصاحبُك، لم يكونوا نصارى، إنما كانوا مسلمين)). فقلتُ: يا رسولَ اللهِ،
فوالذي بعثك بالحقِّ ، لقد أَمَرَنی باتِّباعِك ، فقلتُ له : وإن أمرنى بتركِ دينك وما
أنت عليه، فأتْرُكُه؟ قال: نعم، فاتْرُكْه، فإِنَّ الحقَ وما يحِبُّ اللهُ فيما يأمرُكَ(١).
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن الحسنِ فى قوله: ﴿قِيسِينَ﴾. قال :
علماؤُهم(٢) .
وأخرج ابنُّ جريرٍ عن ابنِ زيدٍ قال: القِسيسون عُبَّادُهم (١) .
(١) البيهقى ٨٢/٢ - ٩٢. وقال الذهبى: هذا حديث جيد الإسناد حكم الحاكم بصحته. السير ٥٣٢/١.
(٢) ابن أبى حاتم ١١٨٤/٤ (٦٦٧٤).
(٣) ابن جرير ٥٩٨/٨.

٤١٩
سورة المائدة : الآيات ٨٢ - ٨٤ ، ٨٧
وأخرج ابنُّ جريرٍ عن ابنِ إسحاقَ قال: سألتُ الزهرىَّ عن هذه الآياتِ(١).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ . وقولِه :
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمَا﴾ [ الفرقان: ٦٣]. قال: ما زلْتُ أَسمَعُ
علماءَنا يقولون : نزَلت فى النجاشىِّ وأصحابِه(٢) .
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ المنذرٍ ، وابنُ أبى حاتمٍ، والحاكمُ وصحَّحه ، وابنُ
مردُوبِهِ، مِن طرقٍ(٢)، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ .
قال: أمةِ محمدٍ وَّله. وفى لفظٍ قال: يَعْنون بالشاهدِين محمدًاً وَهِ وَأَمْتَه؛
أنهم قد شَهِدوا له أنه قد بلَّغ، وشَهِدوا للرسلِ(٤) أنهم قد بلَّغوا(٥).
وأخرج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن ابنٍ زيدٍ فى قوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ
يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اُلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾. قال: القومُ الصالحون رسولُ اللهِ وَه
"وأصحابُهٌ) .
قولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾
(٧)
الآيتين(٢) .
(١) فى م: ((الآية)).
(٢) ابن جرير ٦٠٢/٨.
(٣) فى الأصل: ((طريق)).
(٤) فى الأصل، ص، ف ٢، م: ((للمرسلين)).
(٥) ابن جرير ٦٠٣/٨، وابن أبى حاتم ١١٨٥/٤ (٦٦٨١، ٦٦٨٢)، والحاكم ٣١٣/٢.
(٦ - ٦) ليس فى: الأصل، ف ٢، وبعده فى م: ((رضى الله عنهم)).
والأثر عند ابن جرير ٦٠٥/٨، وابن أبى حاتم ١١٨٦/٤ (٦٦٨٣).
(٧) فى الأصل: ((الآية)).

٤٢٠
سورة المائدة : الآية ٨٧
أخرَج الترمذىُّ وحسَّنه، وابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، وابنُ عدیٍّ فی
((الكاملِ))، والطبرانىُ، وابنُ مردُويَه، عن ابنِ عباسٍ، أن رجلًا أتَى النبىَّمنَه
فقال: يا رسولَ اللهِ ، إنى إذا أكلْتُ اللَّحمَ انتشوْتُ للنساءِ، وأخَذْنى شهوتى،
وإنى حرَّمْتُ علىَّ(١) اللَّحمَ. فَنزَلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيَِّتِ مَّ
. ((
أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾
وأخرج ابنُ جريٍ ، وابنُ أبى حاتم، وابنُ مردُويَه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه :
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: نَزَلَت هذه
الآيةُ فى رهطٍ مِن الصحابةِ قالوا: نقطَعُ مذاكيرَنا، ونتركُ شهواتِ الدنيا ،
ونَسيحُ فى الأرضِ كما يفعلُ الرهبانُ. فَبَلَغ ذلك النبىَّ وَِّ، فَأَرْسَل إليهم فذكَر
لهم ذلك، فقالوا: نعم. فقال النبيُّ وَلقوله: ((لكنى أصومُ وأفطِرُ، وأُصلِّى وأنامُ ،
وأنكِحُ النساءَ، فمَن أَخَذ بسنَتَى فهو منِّى، ومَن لم يأخُذْ بسَّتَى فليس منى))(١).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وأبو داودَ فى ((مراسيلِه))، وابنُ جريرٍ ، عن أبى مالك
فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾. قال:
نزلت فى عثمانَ بن مظعونٍ وأصحابهِ؛ كانوا حرَّموا على أنفسِهم كثيرًا مِن
الشهواتِ والنساءِ، وهمَّ بعضُهم أن يقطَعَ ذكرَه، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ(٤) .
(١) ليس فى : الأصل .
(٢) الترمذى (٣٠٥٤)، وابن جرير ٦١٣/٨، وابن أبى حاتم ١١٨٦/٤ (٦٦٨٧)، وابن عدى ١٨١٧/٥،
والطبرانى (١١٩٨١). صحيح (صحيح سنن الترمذى - ٢٤٤١).
(٣) ابن جرير ٨/ ٦١١، وابن أبى حاتم ١١٨٧/٤ (٦٦٨٩)، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير
٠١٦٠/٣
(٤) أبو داود (٢٠٩)، وابن جرير ٦٠٧/٨.
!