Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١
سورة آل عمران : الآية ٤٨
يا معشرَ الحواربين، كلُوا خبزَ الشعيرِ ونباتَ الأرضِ والماءَ القَراحَ (، وإياكم
وخبزَ البُرّ؛ فإنكم لا تَقُومون بشكرِهِ، واعلموا أن حلاوةَ الدنيا مرارةُ الآخرةِ ،
وأن(٢) مرارةَ الدنيا حلاوةُ الآخرةِ .
وأخرج ابنُّه فى ((زوائدِه)) عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَؤْذَبٍ قال: قال عيسى ابنُ
مريمَ : جودةُ الثيابِ من خُيَلاءِ القلبِ .
وأخرج أحمدُ عن سفيانَ قال : قال عيسى عليه السلامُ : إنى ليس أحدِّثُكم
لتَعْجَبوا؛ إنما أُحدِّثُكم لتَعْمَلوا(٣).
وأخرج ابنُه عن أبى حسانَ قال: قال عيسى ابن مريمَ: كن كالطبيبٍ
العالم، یضُ دواءَه حیثُ ينفعُ.
وأخرَج ابنُّه عن عمران بن سليمانَ قال: بلَغنى أن عيسى ابن مريمَ قال :
يا بنى إسرائيلَ، تهاوَنوا بالدنيا تُنْ عليكم، وأَهِينوا الدنيا تَكْرُم الآخرةُ عليكم،
ولا تُكْرِموا الدنيا فتهونَ الآخرةُ عليكم؛ فإن الدنيا ليست بأهلِ الكرامةِ ، وكلّ
يومٍ تدعو للفتنةِ والخسارةِ .
وأخرج ابنُ المباركِ ، وأحمدُ ، عن أبى غالبٍ قال: فى وصيةٍ عيسى عليه
السلامُ: يا معشرَ الحواربين، تحيّبوا إلى اللَّهِ يبغضِ أهلِ المعاصى، وتقرَّبوا إليه
بالمَقَتِ لهم، والتمِسوا رضاه بسَخَطِهم . قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، فمن نجالسُ؟ قال :
(١) الماء القراح: الذى لم يخالطه شىء يُطَيَّب به كالعسل والتمر والزبيب. اللسان (ق ر ح).
(٢) فى م: ((أشد)).
(٣) فى ص، ف ٢، الزهد: ((لتعلموا)).
والأثر عند أحمد ص ٩٤.
٥٦٢
سورة آل عمران : الآية ٤٨
جالِسوا من تَزِيدُ فى أعمالِكم (١) منطقُه، ومن يُذَكِّرُكم باللّهِ رؤيتُه، ويزهِّدُكم
فى الدنيا عملُه(٢) .
وأخرَج أحمدُ عن مالكِ بنِ دينارٍ قال: أوحَى اللَّهُ إلى عيسى: عِظْ نفسَك،
فإن اتعَظْتَ فِعِظِ الناسَ، وإلا فاستَخي منى (١).
وأخرج أحمدُ عن وهبٍ قال: قال عيسى للحواربين: بقدرِ ما تَنْصَبون
هلهنا تَسترِيحون هلهنا، وبقدرِ ما تَستَرِيحون هلهنا تَنْصَبون هلهنا .
وأخرج ابنُ المباركِ، وأحمدُ، عن سالم بن أبى الجَعْدِ قال: قال عيسى:
طوبى لمن خزَن لسانه، ووسعه بيتُه، وبكى من ذكرٍ خطيئته (٤) .
وأخرج ابنُ المباركِ ، وابنُ أبى شيبةَ، وأحمدُ ، عن هلالٍ بنِ يِسافٍ قال :
كان عيسى يقولُ: إذا تصدَّق أحدُكم بيمينِه فلْيُخفِها عن شمالِه، وإذا صام
فليَدَّهِنْ ولْيَمْسَخ شفتيه من دُهنِهِ ، حتى ينظر إليه الناظرُ فلا يرَى أنه صائمٌ ، وإذا
صلَّى فليُدْلِ عليهِ سِتْرَ بابِهِ ، فإن اللَّهَ يَقْسِمُ الثناءَ كما يَقْسِمُ الرزقَ(٥).
وأخرج أحمدُ ، وابنُ أبى الدنيا ، عن خالدِ الرَّبَعيِّ قال: نُبُتُ أن عيسى قال
لأصحابه : أر أيتم لو أن أحدكم أتى على أخيه المسلم وهو نائمٌ وقد كشفت الريح
بعضَ ثوبِهِ؟ فقالوا: إذَنْ كنا نردُّه عليه . قال: لا ، بل تكشِفون ما بقِى ! مَثَلّ
(١) فى ف ٢، م، وأحمد: ((علمكم)).
(٢) ابن المبارك (٣٥٥)، وأحمد ص ٥٤.
(٣) أحمد ص ٥٤.
(٤) ابن المبارك (١٢٤)، وأحمد ص ٥٥.
(٥) ابن المبارك (١٥٠)، وابن أبى شيبة ١٠٢/٣، وأحمد ص ٥٧.
1
٥٦٣
سورة آل عمران : الآية ٤٨
ضرّبه للقومٍ يسمعون عن (١) الرجلِ بالسيئةِ فِيَذكُرون أكثرَ من ذلك(١).
وأخرج أحمدُ عن أبى الجَلْدِ قال: قال عيسى: فكّرتُ فى الخلقِ فإذا من لم
يُخلَقْ كان أغبطَ عندى ممن خُلِقٍ. وقال : لا تنظُروا إلى ذنوبِ الناسِ كأنّكم
أربابٌ، ولكن انظُروا فى ذنوبِكم كأنّكم عبيدٌ، والناسُ رجلان؛ مبتلّی
ومعافى، فارحَموا أهلَ البلاءِ، واحمَدُوا اللَّهَ على العافيةِ(١).
وأخرَج ابنُّ أبى شيبةَ، وأحمدُ ، عن أبى الهُذَيلِ قال : لقِىّ عيسى يحيى
فقال: أوصِنى. قال: لا تغضَبْ. قال: لا أستطيعُ. قال: لا تَقْتَنِ مالاً . قال:
أما هذا لعلَّه(٤) .
وأخرج أحمدٌ ، وابنُ أبى الدنيا، عن مالكِ بنِ دينارٍ قال : مَّ عيسى
والحواريون على جيفةٍ كلبٍ ، فقالوا: ما أنتنَ هذا! فقال: ما أشدَّ بياضَ أسنانِه!
يَعِظُهم وينهاهم عن الغِيبةِ) .
وأخرج أحمدُ عن الأوزاعيّ قال: كان عيسى يحبُّ العبدَ يتعلمُ المهنةً
يستغنى بها عن الناسٍ، ويكرهُ العبدَ يتعلمُ(١) العلمَ يتخذُّه مهنةً .
/وأخرج ابنُ أبى شيبةً، وأحمدُ ، وابن أبى الدنيا، عن سالم بن أبى الجعد ٢٩/٢
(١) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج .
(٢) ابن أبى الدنيا فى الصمت (٦٤١).
(٣) أحمد ص ٥٦.
(٤) ابن أبى شيبة ١٧ /١٩٨، وأحمد ص ٥٧.
(٥) ابن أبى الدنيا فى الصمت (٢٩٥)، وفى ذم الغيبة (١٨٥).
(٦) فى الأصل، ص، ف ٢: ((يعلم) .
٥٦٤
سورة آل عمران : الآية ٤٨
قال : قال عيسى عليه السلامُ: اعملوا للَّهِ ولا تعملوا لبطونِكم، انظُروا إلى هذا
الطيرِ، يغدو ويروحُ لا يحرُثُ ولا يحصُدُ ، اللَّهُ تعالى يرزقُها ، فإن قلتم: نحن
أعظمُ بطونًا من الطيرِ، فانظُروا إلى هذه الأباقرِ من الوحشِ والحُمُرِ ، تغدو وتروح
لا تحُثُ ولا تحصُدُ ، اللَّهُ تعالى يرزقُها ، اتقوا فضولَ الدنيا فإن فضولَ الدنيا
عندَ اللَّهِ رجةٌ(١).
وأخرج أحمدُ عن وهبٍ قال: إن إبليسَ قال لعيسى: زعَمتَ أنك تحبى
الموتى ، فإن كنتَ كذلك، فادعُ اللَّهَ أن يَرْدَّ هذا الجبلَ خُبزًا . فقال له عيسى : أو
كلّ الناسِ يَعِيشون من الخبزِ؟ قال : فإن كنتَ كما تقولُ فئِبْ من هذا المكانِ فإن
الملائكةَ ستَلقاك. قال: إن ربى أمَرنى ألا أُجرِّبَ نفسى، فلا أدرى هل يُسَلِّمُنى أم
لا(٢) ؟
وأخرج أحمدُ عن سالم بنِ أبي الجعدِ ، أن عيسى ابنَ مريمَ كان يقولُ :
للسائلِ حقٌّ وإن أتاك على فرسٍ مطوّقٍ بالفضةِ .
وأخرَج عن بعضِهم قال: أوحَى اللَّهُ إلى عيسى: إن لم تطِبْ نفسُك
أن (" يَمْضُغَك الناسُ بأفواهِهم٢) فيَّ لم أكتُبُك عندى راهبًا، فما يضرّك إذا
أَبْغَضَك الناسُ وأنا عنك راضٍ، وما ينفعُك حبُّ الناسِ وأنا عليك ساخطٌ .
وأخرج أحمدُ عن الحَضْرَمِىِّ ، وابنُ أبى الدنيا ، وابنُ عساكرَ، عن فُضَیْلِ بنِ
عِيَاضٍ، قالا: قيل لعيسى ابن مريمَ : بأىِّ شىءٍ تمشى على الماءِ؟ قال : بالإيمانِ
(١) ابن أبى شيبة ١٩٤/١٣، وابن أبى الدنيا فى ذم الدنيا (٢١٥) العبارة الأخيرة منه.
(٢) أحمد ص ٥٦.
(٣ - ٣) فى ص، ف ٢، م: ((تصفك الناس بالزاهد)).
٥٦٥
سورة آل عمران : الآية ٤٨
واليقين. قالوا: فإنا آمنًا كما آمَنْتَ، وأيقَنَّا كما أيقَنتَ . قال: فامشوا إذن .
فمشَوا معه، فجاء الموجُ فغرقوا ، فقال لهم عيسى : ما لكم؟ قالوا : خِفنا الموجّ .
قال : ألا خفتم ربَّ الموج ! فأخرجهم، ثم ضرب بيده إلى الأرضِ ، فقبض بها ثم
بسَطها ، فإذا فى إحدى يديه ذهبٌ وفى الأخرى مَدَرّ، فقال : أيُّهما أحلَی فی
قلوبِكم؟ قالوا: الذهبُ. قال: فإنهما عندى سواءٌ(١).
وأخرج ابنُ المبارك، وابنُ أبى شيبةَ ، وأحمدُ ، وابنُ عساكرَ، عن الشعبىِّ
قال: كان عيسى ابنُ مريمَ إذا ذُكِر عندَه الساعةُ صاح، ويقولُ : لا ينبغِى لابنِ
مريمَ أن تُذكَّرَ عندَه الساعةُ فيسكتَ(٢).
وأخرج أحمدُ ، وابنُ عساكرَ، عن مجاهدٍ قال: كان عيسى يَلْبَسُ الشعَرَ،
ويأكلُ الشجر، ولا يخبأُ اليومَ لغدٍ، وتییتُ حیثُ أُوَاه الليلُ، لم یکنْ له ولدٌ
فيموتَ ، ولا بيتٌّ فِيَخرَبَ(٢).
وأخرج ابنُّ عساكرَ عن الحسنِ : إن عيسى رأسُ الزاهدين يومَ القيامةِ ، وإن
الفَرَّارین بدینھم ◌ُحشرون يومَ القيامةِ مع عیسی ابن مريم ، وإن عیسی مر به إبليسُ
يومًا وهو مُتَوَسِّدً حجرًا ، وقد وجد لذةً النوم ، فقال له إبليسُ : يا عيسى ، أليس
تزعُمُ أنك لا تريدُ شيئًا من عَرَضِ الدنيا؟ فهذا الحجرُ من عَرَضِ الدنيا . فقام
عيسى فأخذ الحجر فرمَى به، وقال: هذا لك مع الدنياً) .
(١) أحمد ص ٥٩، وابن أبى الدنيا فى اليقين (٤٠)، وابن عساكر ٤٠٩/٤٧.
(٢) ابن المبارك (٢٢٩)، وابن أبى شيبة ١٩٨/١٣، وأحمد ص ٥٧، ٥٨، وابن عساكر ٤١١/٤٧.
(٣) ابن عساكر ٤٧ /٤١٤.
(٤) ابن عساكر ٤٧ / ٤١٦.
٥٦٦
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرَج ابنُ عساكرَ عن كعبٍ ، أن عيسى كان يأكلُ الشعيرَ ، ويمشى على
رجليه ، ولا يركبُ الدوابَّ، ولا يسكنُ البيوتَ، ولا يصطبحُ بالسراجِ، ولا
يلبَسُ القطنَ، ولا يمسّ النساءَ، ولم يمسَّ الطيبَ، ولم يَمْزُجْ شرابَه بشىءٍ قطُّ ،
ولم يُرِّدْه، ولم يدهُنْ رأْسَه قطُّ ، ولم يَقْرَبْ رأسَه ولحيته غَسُولٌ(٢) قطُّ، ولم
يجعلْ بينَ الأرضِ وبينَ جلدِه شيئًا قطُّ إلا لباسَه، ولم يهتمّ لغداءٍ قطَّ ، ولا لعشاءٍ
قطُ، ولا اشتَهَى شيئًا من شهواتِ الدنيا، وكان يجالسُ الضعفاءَ والزَّمْنَى
والمساكينَ، وكان إذا قُرّب إليه الطعام على شىءٍ وضَعه على الأرضِ، ولم يأكُلْ
مع الطعامِ إِدامًا قطُّ ، وكان يَجْتَزِئُ من الدنيا بالقوتِ القليلِ، ويقولُ : هذا لمن
يموتُ ويحاسَبُ عليه كثيرٌ(٣) .
وأخرج ابنُ عساكرَ عن الحسن قال : بلَغنى أنه قيل لعيسى ابنٍ مريمَ : تزوَّجْ .
قال: وما أصنعُ بالتزويج؟ قالوا: تلدُ لك الأولادَ. قال: الأولادُ إن عاشوا أَفْتَنوا ،
وإن ماتوا أحزّنوا(4).
وأُخرَج ابنُّ أبى الدنيا، والبيهقىُ فى ((الشعبٍ))، عن أشعثَ(٥) بنِ إسحاقَ
قال: قيل لعيسى: لو اتخَذتَ بيتًا. قال: يكفِينا خَلَقانُ مَن كان قبلَنا(١).
(١) اصطبح بالسراج: أضاءه، واصطبح بكذا : عبارة عن الفعل الذى يكون فى وقت الصباح. اللسان ،
والوسيط (ص ب ح) بتصرف .
(٢) الغسول والغَشول: ما يغسل به كالصابون. الوسيط (غ س ل).
(٣) ابن عساكر ٤١٧/٤٧.
(٤) ابن عساكر ٤١٨/٤٧.
(٥) فى النسخ والشعب: ((شعيب)). والمثبت من قصر الأمل. وهو أشعث بن إسحاق القمى. وتنظر
ترجمته فى تهذيب الكمال ٢٥٩/٣.
(٦) ابن أبى الدنيا فى قصر الأمل (٢٥٦)، والبيهقى (١٠٧٤٨).
٥٦٧
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرج ابن أبى الدنيا، والبيهقىُ، عن ميسرةً قال: قيل لعيسى : ألا تبنى
لك بيتًا؟ قال : لا أتركُ بعدى شيئًا من الدنيا أُذْكَوَ به(١).
وأخرج ابنُ عساكر عن أبى سليمان قال : بينا عیسی يمشى فى يومٍ صائفٍ وقد
مشه الحر " والشمس٣ُ) والعطشُ، فجّس فى ظلِّ خيمةٍ، فخرج إليه صاحبُ
الخيمةِ فقال: يا عبدَ اللَّهِ، قُمْ من ظلِّنا. فقام عيسى فجلس فى الشمسِ وقال:
ليس أنت الذى أَقَمتَنى، إنما أقامنى الذى لم يُرِدْ أن أُصيبَ من الدنيا شيئًا(١) .
وأخرج أحمدُ عن سفيان بن عيينةً قال : كان عيسى ويحيى عليهما السلامُ
يأتيان القريةَ ، فيسألُ عيسى عن شِرارِ أهلِها ، ويسألُ يحيى عن خيارٍ أهلِها ، فقال
له : لِمَ تنزلُ على شِرارِ الناسِ؟ قال: إنما أنا طبيبٌ أَداوِى المرضى(٤).
وأخرج أحمدُ عن هشام الدَّسْتُوائى قال : بلغنى أن فی حکمةٍ عیسی ابنِ
مريمَ: تعملون للدنيا وأنتم تُرزَقون فيها بغيرِ عملٍ ، ولا تعمَّلون للآخرةِ وأنتم لا
تُوزَقون فيها إلا بالعملِ، وَيْحَكم علماء السوءِ، الأجرَ تأخُذون، والعملَ
تُضَيِّعون ! تُوشِكون أن تَخْرُجوا من الدنيا إلى ظلمة القبرِ وضِيقِه، واللَّهُ عزَّ وجلَّ
ينهاكم عن المعاصى كما أمَركم بالصوم والصلاةِ، كيف يكونُ من أهلِ العلمِ
من دنياه آثر عنده من آخرتِه ، وهو فى / الدنيا أفضلُ رغبةً؟ کیف یکونُ من أهلِ
العلمِ مَن مَسيرُه إلى آخرتِه وهو مقبلٌ على دنياه، وما يضرُّه أشهى إليه مما ينفعُه؟
٣٠/٢
(١) ابن أبى الدنيا فى قصر الأمل (٢٥٧)، والبيهقى (١٠٧٤٩).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) ابن عساكر ٤١٩/٤٧، ٤٢٠.
(٤) أحمد ص ٦٧، ٦٨.
٥٦٨
سورة آل عمران : الآية ٤٨
كيف يكونُ من أهلِ العلم مَن سَخِط واحتقَر منزلته ، وهو يعلمُ أن ذلك من علم
اللَّهِ وقدرتِه؟ كيف يكونُ من أهلِ العلم من اتهمَ الله تعالی فی قضائِه، فليس
يرضَى بشىءٍ أصابه؟ كيف يكونُ من أهلِ العلمِ مَن طلَب الكلامَ ليتحدثَ ، ولم
يَطْلُبُه ليعملَ به(١)؟
وأخرج أحمدُ عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ ، عن أشياخِه ، أن عيسى عليه السلامُ
مرّ بعقبةٍ أَفِيقَ(٢) ومعه رجلٌ من حوارِيه، فاعترضهم رجلٌ فمنَعهم الطريقَ وقال :
لا أتركُكما تَجُوزان حتى أَلِطِمَ كلَّ واحدٍ منكما لطمةً. فادّارآه، فأتى إلا ذلك،
فقال عيسى: أما خدِّى فالْطِفه. فلطَمه، فخلَّى سبيلَه، وقال للحوارىِّ: لا
أدعُك تَجُوزُ حتى أَلْطِمَك. فتَمَنَّع عليه، فلما رأى عيسى ذاك أعطاه خدَّه الآخرَ
فلطَمه، فخلَّى سبيلَهما، فقال عيسى عليه السلامُ: اللهم إن كان هذا لك رضًا
فِبَلِّغْنى رضاك، وإن كان هذا سَخَطًا فإنك أَوْلَى بالعفوِ(١).
وأخرَج عبدُ اللَّهِ ابتُه عن علىٍّ بن أبى طلحةً(١) قال: ◌َيْنَا عيسى عليه السلامُ
جالسٌ مع أصحابِهِ مَّت به امرأةٌ فنظَر إليها بعضُهم . فقال له بعضُ أصحابِهِ :
زنَيتَ. فقال له عيسى: أرأيتَ لو كنت صائمًا فمرَرْتَ بشِواءٍ. فشمِئْتَه أكنتَ
مفطرًا؟ قال : لا .
وأخرج أحمدُ عن عطاءٍ قال: قال عيسى: ما أدخلُ قريةً يشاءُ أهلُها أن
(١) أحمد ص ٧٥ .
(٢) أفيق: قرية بالشام مشرفة على الأردن. معجم ما استعجم ١٧٨/١.
(٣) أحمد ص ٩٣، ٩٤.
(٤) فى ف ١، م: ((طالب)).
٥٦٩
سورة آل عمران : الآية ٤٨
يُخرِجونى منها إلا أخرَجونى. يعنى: ليس لى فيها شىءٌ. قال: وكان عيسى
يتخذُّ نعلَين من لحاءِ الشجرِ ، ويجعلُ شِراکھما من ليف .
وأخرَج أحمدُ عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ قال: قال المسيح: ليس كما أريدُ،
ولكن كما تريدُ ، وليس كما أشاءُ، ولكن كما تشاءُ(١).
وأخرج أحمدُ عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ قال: بلَغنى أنه ما من كلمةٍ كانت
تقالُ لعيسى أحبّ إليه من أن يقالَ: كان(٢) هذا المسكينُ(١).
وأخرج ابنُه عن ابنٍ حَلْبَسٍ قال: قال عيسى : إن الشيطانَ مع الدنيا ، ومكْرَهُ
مع المالٍ، وتزيينَه عندَ الهوى، واستكمالَه عندَ الشهواتِ(١) .
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، وأحمدُ، عن جعفرٍ بنٍ بُؤْقَانَ قال: كان عيسى
يقولُ : اللهمّ إنى أصبحتُ لا أستطيعُ دفعَ ما أكرهُ، ولا أَملِكُ نفعَ ما أرجو،
وأصبح الأمرُ بيدٍ غيرى، وأصبحتُ مرتهَنًا بعملى، فلا فقيرَ أفقرُ منى، فلا
◌ُشمِتْ بی عدوّی، ولا تَسؤْ بی صدیقی، ولا تجعلْ مصییتی فی دینی، ولا
تسلّطْ علىَّ من لا يَرْحَمُنى".
وأخرج أحمدُ عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهِ قال: فى كتبٍ الحواربين: إذا
سُلِك بك سبيلُ البلاءِ، فاعلَمْ أنه سُلِك بك سبيلُ الأنبياء والصالحين،
وإذا سُلِك بك سبيلُ أهلِ الرخاءِ، فاعلَمْ أنه سُلِك بك غيرُ سبيلهم،
(١) أحمد ص ٩٤.
(٢) سقط من: ص، ف ٢، م.
(٣) أحمد ص ٩٥.
(٤) ابن أبى شيبة ٢٧٩/١٠، ١٩٥/١٣ عن رجل، وأحمد ص ٩٥.
٥٧٠
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وخولِف بك عن طريقهم".
وأخرج أحمدُ عن مالك بن دينارٍ قال : قال عيسى: إنما أبعثُكم كالكباشِ
تلتقِطون خرفانَ بنى إسرائيلَ، فلا تكونوا كالذئابِ الضَّوَارِى التى تختطِفُ
الناسَ وعليكم بالخرفانِ ، مالكم تأتون وعليكم ثيابُ الشعَرِ وقلوبكم قلوبُ
الخنازيرِ ؟ التّسوا ثيابَ الملوكِ وليّنوا قلوبكم بالخشية. وقال عيسى: ابنَ آدمَ،
اعمَلْ بأعمالِ البرِّ حتى يبلُغَ عملُك عَنَانَ السماءِ وحبًّا فى اللَّهِ، ليس ما عمِلتَه
أغنى ذلك عنه شيئًا. وقال عيسى للحواربين: إن إبليسَ يريدُ أن يُتَخَّلَكم فلا
تقعُوا فى بُخْلِه .
وأخرج أحمدُ عن الحسنِ بنٍ علىّ الصنعانيّ قال: بلَغنا أن عيسى عليه
السلامُ قال: يا معشرَ الحواربين، ادْعُوا اللَّهَ أن يخفّفَ عنّى هذه السَّكرَةَ - يعنى
الموتَ - ثم قال عيسى: لقد خفتُ الموتَ خوفًا، وَقُّفَنِى(٢) مخافتى من الموتِ
على(٤) الموتِ .
وأخرج أحمدُ عن وهبٍ بنٍ مُتَبِّهِ ، أن عيسى عليه السلامُ كان واقفًا على قبرٍ
ومعه الحواريون، وصاحبُ القبرِ يُدَلَّى فيه، فذكروا من ظلمة القبرِ ووحشتِه
وضِيقِه، فقال عيسى : قد كنتم فيما هو أضيقُ منه؛ فى أرحامٍ أمهاتِكم ، فإذا
أحَبَّ اللَّهُ أن يوسِّعَ وسَّعَ(٥) .
(١) أحمد ص ٥٤.
(٢) فى ص، ف ٢: ((أبغيكم)).
(٣) فى الأصل، م: ((أوقفنى))، وفى ب ١: ((أوقعنى).
(٤) فى ب ١: ((عن))، وفى ف ١: ((من).
(٥) أحمد ص ٥٤.
٥٧١
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرج أحمدُ عن وهبٍ قال: قال المسيح عليه السلامُ: أكثروا ذكرَ اللَّهِ
وحمدَه وتقديسَه وأطيعُوه، فإنما يكفى أحدكم من الدعاءِ إذا كان اللَّهُ تباركَ
وتعالی راضيًا عليه أن يقول: اللهمّ اغفر لی خطيئتی، وأصلغ لی معیشتی،
وعافنى من المكاره يا إلهى(١).
وأخرج أحمدُ عن أبى الجَلْدِ ، أن عيسى عليه السلامُ قال للحواربين : بحقِّ
أقولُ لكم: ما الدنيا تريدُون ولا الآخرةَ. قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، فسرلنا هذا، فقد
كثَّا نُرِى أَنَّا نُرِيدُ إحداهما. قال: لو أرَدْتُم الدنيا لأُطّعتم ربَّ الدنيا الذى مفاتيح
خزائنها بيدِه فأعطاكم، ولو أردتُ الآخرةَ أَطَعْتم ربَّ الآخرةِ الذى يملكُها
فأغطاکم، ولكن لا هذه تريدون ولا تلك(٢).
وأخرج أحمدُ عن أبى عبيدةً، أن الحواربين قالوا لعيسى : ماذا نأكلُ ؟ قال :
تأكُلون خبزَ الشعيرِ وبَقْلَ البِرِّيَّةِ. قالوا: فماذا نشربُ ؟ قال: تشرّبون ماءَ
الفَرَاحِ . قالوا : فماذا نتوسَّدُ؟ قال: تَوسَّدون(٢) الأرضَ. قالوا: ما نراك تأمرنا من
العيشِ إلا بكلٌ شديدٍ. قال: وبهذا تَنْجُون ، لا تَحِلُّون ملكوت السماواتِ حتى
يفعَلَه أحدُكم وهو منه على شهوةٍ . قالوا : وكيف يكونُ ذاك؟ قال: ألم ترَوا أن
الرجلَ إذا جاع فما أحبَّ إليه الكِسرةَ وإن كانت / شعيرًا ! وإن عَطِش فما أَحَبُّ
إليه الماءَ وإن كان قَرَاحًا! وإذا أطال القيامَ فما أحَبَّ إليه أن يَتَوَسَّد الأرضَ !
٣١/٢
وأخرج أحمدُ عن عطاءٍ ، أنه بلَغَه أن عيسى عليه السلام قال: تَرَجَ الثُلغةً(٤).،
(١) أحمد ص ٥٤، ٥٥.
(٢) أحمد ص ٥٦.
(٣) فى م: ((توسدوا)).
(٤) البلغة : ما يُتَبلِّغ به من العيش، وتبلَّغ بكذا: أى اكتفى به. مختار الصحاح (ب ل غ).
٥٧٢
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وتيقظنّ(١) فى ساعاتِ الغفلةِ، واحْكُمْ بُطْفِ الفِطنةِ، لا تَكُنْ حِلْسًا(٢)
مطروحًا(١) وأنتَ حىٍّ تتنفسُ .
وأخرج ابنُّ أبى شيبةَ، وأحمدُ، عن أبى هريرةَ قال: كان عيسى عليه
السلامُ يقولُ: يا معشرَ الحواريِّين، اتخذوا بيوتكم منازلَ، واتخِذوا المساجدَ
مساكنَ، وكُلوا من بَقْلِ البرِّيَّةِ، واخرجوا من الدنيا بسلامٍ" .
وأخرج أحمدُ عن إبراهيم التيميّ ، أنّ عيسى عليه السلامُ قال : اجعَلوا
كُنوزَكم فى السماءِ؛ فإن قلبَ المرءِ عندَ کنزِه (٥).
وأخرَج ابنُّ أبى شيبةً عن عبدِ اللهِ بنِ سعيدِ الجُغْفِىِّ قال: قال عيسى ابنُ مريمَ
عليه السلامُ: بيتى المسجدُ، وطِيبى الماءُ، وإِدَامى الجوعُ، وشعارى(٤) الخوفُ،
ودابتى رِجْلاى، ومُضْطَلاى فى الشتاءِ مَشارقُ الشمسِ، وسِراجى بالليلِ
القمرُ، ومجلَسائى الزَّمْنَى والمساكينُ، وأُمسِى وليس لى شىءٌ، وأَضْبخ وليس لى
شىءٌ، وأنا بخيرٍ ، فمَن أغنى منى(٧)؟
(١) فى ص، ب ١، ف ١، ف ٢، م: ((تيقظ)).
(٢) فى ف ١، ف ٢: ((جالسا))، وبعده فى ب ١، ف ١، ف ٢: ((وأنت)). والحلس مثل شِبْه وَشَبَه:
كل شىء ولى ظهر البعير والدابة تحت الرحل والقتب والسرج، وهى بمنزلة المرشحة تكون تحت اللبد .
اللسان (ح ل س).
(٣) فى ف ١: ((مطروح)).
(٤) ابن أبى شيبة ١٩٧/١٣.
(٥) أحمد ص ٥٦.
(٦) الشعار: الثوب الذى يلى الجسد لأنه يلى شعره. النهاية ٢/ ٤٨٠.
(٧) ابن أبى شيبة ٥٨/١٤.
٥٧٣
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرج ابنُ أیی الدنیا عن الفضیل بن عیاض قال : قال عیسی : بُطحتْ لكم
الدنيا، وجَلَسْتم على ظهرِها ، فلا يُنازِعُكم فيها إلا الملوكُ والنساءُ؛ فأما الملوكُ ،
فلا تُنازِ عوهم الدنيا ، فإنهم لن(١) يَغْرِضوا لكم " ما تَرَكتموهم) ودنياهم ، وأما
النساءُ فَاتَّقُوهنَّ بالصومِ والصلاةِ " .
وأخرَج ابنُّ عساكرَ عن سفيانَ الثورىِّ قال : قال المسيحُ : إنما تُطلَبُ الدنيا
التبرّ ، فتركُها أَبَوُ(٤).
وأخرج ابنُ عساكرَ عن شعيبٍ بن صالحٍ قال : قال عيسى ابنُ مريم : واللَّهِ ما
سَكَنَتِ الدنيا فى قلبٍ عبدٍ إلا الْتَاطَ (٥) قلبُه منها بثلاثٍ؛ شُغُلِ لا ينفكُ عَنَاهُ،
وفَقْرٍ لا يُدرَّكُ غِناه، وأملٍ لا يُدرَكُ مُنْتهاه ، الدنيا طالبةٌ ومطلوبةٌ ؛ فطالبُ الآخرةِ
تطلُه الدنيا حتى يَستكمِلَ فيها رزقَه ، وطالبُ الدنيا تطلُه الآخرةُ حتى يجىءَ
الموتُ فيأُذَ(٦) بِعُنُقِه(٧).
وأخرج ابنُ عساكرَ عن يزيد بنِ مَيسرةً قال : قال عيسى ابنُ مريمَ : كما
تواضعون کذلك تُرفَعون ، و کما ترحمون کذلك تُرحمون ، و کما تَقْضون مِن
حوائجِ الناسِ كذلك يَقْضِى اللَّهُ مِن حوائجِكم(٨).
(١) فى ص، ف ٢، م: ((لم)).
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت من ذم الدنيا .
(٣) ابن أبى الدنيا فى ذم الدنيا (٣٤).
(٤) ابن عساكر ٤٧ /٤٢٧.
(٥) التاط: علق به. الوسيط (ل وط).
(٦) فى الأصل، ب ١: ((فيأخذه)).
(٧) ابن عساكر ٤٢٩/٤٧.
(٨) ابن عساكر ٤٧/ ٤٣١.
٥٧٤
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرج أحمدُ ، وابنُ عساكرَ، عن الشعبىِّ قال: قال عيسى ابنُ مريمَ: ليسَ
الإحسانُ أن تُحسِنَّ إلى مَن أحسن إليك ؛ تلك مكافأةً، إنما الإحسانُ أن تُحْسِنّ
إلى مَن أساء إليك(١).
وأخرج ابنُّ عساكرَ عن ابنِ المباركِ قال: بلغنى أن عيسى ابن مريمَ مَرَّ بقومٍ
فشَتَموه، فقال خيرًا ، ومَرَّ بآخرين فشَتَموه وزَادوا ، فَزادهم خيرًا ، فقال رجلٌ مِن
الحوارِین: کلما زادوك شًّا زِڈتهم خيرًا ، کأنك تُغْرِیھم بنفسك ! فقال عيسى :
كلُّ إنسانٍ يُعطى ما عندَه(٢) .
وأخرج ابنُ أبی الدنیا عن مالك بن أنس قال : مرَّ بعیسی ابن مريم خنزيرٌ ،
فقال: مُوَّ بسلامٍ . فقيل له : يا رُوعَ اللَّهِ، لهذا الخنزيرٍ تقولُ؟ قال: أكره أن أُعَوِّدَ
(٣)
لسانى الشو(٣).
وأخرج ابنُّ أبى الدنيا عن سفيانَ قال: قالوا لعيسى ابنٍ مريمَ: دُلّنا على عملٍ
ندخلُ به الجنةَ . قال: لا تَنْطِقوا أبدًا. قالوا: لا نستطيعُ ذلك. قال: فلا تَنْطِقوا
(٤)
إلا بخير(6).
وأخرَج الخرائطىُ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ قال: قال عيسى ابنُ مريمَ: خُذوا الحقَّ
مِن أهلِ الباطلٍ ، ولا تأخُذوا الباطلَ مِن أهلِ الحقِّ، كونوا مُنْتَقِدين الكلامَ؛ كيلا
يجوزَ عليكم الزُّيوفُ .
(١) أحمد ص ٩١، وابن عساكر ٤٢٦/٤٧.
(٢) ابن عساكر ٤٧/ ٤٢٧.
(٣) ابن أبى الدنيا فى الصمت (٣٠٦).
(٤) ابن أبى الدنيا فى الصمت (٤٦).
٥٧٥
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرَج ابن أبى الدنيا ، والبيهقىُّ فى ((الزهدِ))، عن زكريا بن عدىِّ قال:
قال عيسى ابنُّ مريمَ يا معشرَ الحواريِّين، ارضُوا بدَنِىءِ الدنيا مع سلامةِ الدينِ،
كما رضِى أهلُ الدنيا بدنىءِ الدينِ مع سلامةِ الدنيا(١).
وأخرج ابنُ عساكرَ عن مالكِ بنِ دينارٍ قال: قال عيسى ابن مريمَ عليه
السلام: أكلُ الشعيرِ مع الرمادِ ، والنومُ على المزابل مع الكلاب ، لقليلٌ فى طلبٍ
(٢)
الفردوس".
وأخرج ابنُّ عساكرَ عن أنس بن مالك قال: كان عيسى ابنُ مريمَ
يقولُ: لا يُطِيقُ عبدٌ أن يكونَ له رَبَّانِ؛ إن أرضَى أحدَهما أسخَط الآخر،
وإن أسخَط أحدَهما أرضَى الآخرَ، وكذلك لا يُطِيقُ عبدٌ أن يكونَ خادمًا
للدنيا يعملُ عملَ الآخرةِ، لا تَهتُّوا بما تأكُلون ولا ما تشرَبون؛ فإن اللَّهُ
لم يخلُقْ نفسًا أعظمَ مِن رزقِها، ولا جسدًا أعظمَ مِن كِسوتِه،
فاعْتَبِروا(٣) .
وأخرَج ابنُ عساكرَ عن المَقْبُرِىِّ، أنه بلغه أن عيسى ابن مريمَ كان يقولُ:
يا ابنَ آدمَ ، إذا عمِلتَ الحسنةَ فالْهَ عنها؛ فإنها عندَ مَن لا يُضَيِّعُها ، وإذا عمِلتَ
سيئةً، فاجعَلْها نُصْبَ عينِك(٣).
وأخرج ابنُّ عساكرَ عن سعيدِ بنِ أبى هلالٍ ، أن عيسى ابن مريمَ كان يقولُ :
مَن كان يظنُّ أن حِرْصًا يزيدُ فى رزقِه ، فليَرِدْ فى طولِه ، أو فى عَرْضِه ، أو فى عددٍ
(١) ابن أبى الدنيا فى ذم الدنيا (٤٤٩).
(٢) ابن عساكر ٤٧ / ٤٤٤.
(٣) ابن عساكر ٤٤٥/٤٧.
٥٧٦
سورة آل عمران : الآية ٤٨
بَنَانِهِ، أو ليُغَيُّ(١) لونَه، ألَا فإن اللَّهَ حَلَق الخلقَ، فمضَى(٢) الخلقُ لِمَا خَلَق، ثم قَسَم
الرزقَ ، فمضَى الرزقُ لما قَسَم، فليست الدنيا بمُغطيةٍ أحدًا شيئًا ليس له، ولا
بمانعةٍ أحدًا شيئًا هو له (٢) ، فعليكم بعبادةِ ربّكم، فإنكم خُلِقتم لها(٤).
وأخرَج ابنُ عساكرَ عن عمران بنٍ سليمانَ قال: بلَغنى أن عيسى قال
لأصحابه : إن كنتم إخوانى وأصحابى فوطّنوا أنفسكم على العداوة والبغضاءِ مِن
(٥)
الناس".
وأخرج أحمدُ ، والبيهقىُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ ظَبْيانَ قال: قال/ المسيحُ: مَن
تعلَّم وعمِل وعلِم، فذاك يُدْعَى عظيمًا فى ملكوتِ السماءِ(١).
٣٢/٢
وأخرَج ابنُّ عساكرَ عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَالِهِ: ((إن عيسى
ابنَ مريمَ قام فى بنى إسرائيلَ فقال: يا معشرَ الحوارِّين، لا تُحَدِّثوا بالحكمةِ غيرَ
أهلِها فَتَظْلِموها، ولا تمتَعوها أهلَها فتظلِموهم(٢)، والأمورُ ثلاثةٌ؛ أمرٌ تبيَّن رشدُه
فاتَّبِعوه ، وأمرٌ تبيَّن لكم غُه فاجتنبوه ، وأمر اختلَف عليكم فيه، فُدُّوا علمه إلى
اللَّهِ تعالى ))(٨).
(١) فى ف ١: ((يغير))، وفى م: ((تغير).
(٢) فى ف ١، م: ((فهيأ)).
(٣) فى ف ١، م: ((لكم)).
(٤) ابن عساكر ٤٧ /٤٤٦.
(٥) ابن عساكر ٤٧/ ٥٥٢.
(٦) أحمد ص ٥٩ ، والبيهقى (١٧٩٩).
(٧) فى مصدر التخريج: ((ختظلموها)).
(٨) ابن عساكر ٤٥٨/٤٧.
٥٧٧
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وأخرَج ابنُ عساكرَ عن عمرو بن قيسٍ الملائىٌّ قال: قال عيسى ابنُ مريمَ : إن
مِنَّعتَ الحكمةَ أهلَها جَهِلتَ ، وإن منحتها(١) غير أهلها جهِلتَ ، كُنْ كالطبيبِ
الُداوِى، إن رأى موضعًا للدواءِ وإلّ أمسك(٢).
وأخرج عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ فى ((الزهدِ))، وابنُ عساكِرَ، عن عكرمةَ قال :
قال عيسى ابنُ مريمَ للحواريِّين: يا معشرَ الحواريِّين، لا تطرّحوا اللؤلؤَ إلى الخنزيرِ ،
فإن الخنزيرَ لا يصنعُ باللؤلؤُ شيئًا، ولا تُغطوا الحكمةَ ("مَن لا) يريدُها؛ فإن
الحكمةَ خيرٌ مِن اللؤلؤُ، ومَن لا يريدُها شرِّ مِن الخنزيرِ(١).
وأخرج ابنُ عساكرَ عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهِ قال : قال عيسى : يا علماء السوءِ،
جلَستُم على أبوابٍ (١) الجنةِ ، فلا أنتم تدخُلونها ولا تَدَعون المساكينَ يدخُلُونها ،
إن شؤ) الناسِ عندَ اللّهِ عالمٌ يطلُبُ الدنيا بعلمِه(٧).
وأخرج ابنُّ أبى شيبةً عن سالمٍ بنِ أبى الجعدِ قال : قال عيسى ابنُ مريمَ عليه
السلام : إن مثلَ حدیثِ النفس بالخطيئة کمثَلِ الدخانِ فی البیتِ ؛ إن لا یحرِقْه
فإنه يُنتِنُ رِيحَه ويُغَيِّرُ لونَه(٨).
(١) فى مصدر التخريج: ((أبحتها)).
(٢) ابن عساكر ٤٧/ ٤٥٨.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((إلا من)).
(٤) عبد الله بن أحمد ص ٩٣، وابن عساكر ٤٥٨/٤٧.
(٥) فى الأصل: ((باب)).
(٦) فى ص، ب ١، ف ١، ف ٢، م: ((شرار)).
(٧) ابن عساكر ٤٧/ ٤٦٢.
(٨) ابن أبى شيبة ١٩٦/١٣، ١٩٧.
وجاء بعده فى ف١، ف٢ الأثران المتقدمان فى ص٥٥٥ عند ابن المبارك والحكيم الترمذى .
٥٧٨
سورة آل عمران : الآيتان ٤٨، ٤٩
٤٨
قولُه تعالى: ﴿ وَالتَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلَ
أخرَج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن قتادةَ قال: كان عيسى يقرأُ التوارةَ
- (١)
والإنجيلَ(١).
قولُه تعالى: ﴿ أَنِّ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ اُلِّينِ كَهَيْئَةِ اُلَّيْرِ﴾.
أُخرَج ابنُ جريرٍ عن ابن إسحاقَ ، أن عيسى جلَس يومًا مع غلمانٍ مِن
الكُتَّابِ ، فأخَذ طينًا ، ثم قال : أجعلُ لكم مِن هذا الطينِ طائرًا؟ قالوا : وتستطيعُ
ذلك؟ قال : نعم پإذنٍ ربی . ثم هَّاه حتى إذا جعله فى هيئة الطائر (١) نفخ فيه ، ثم
قال: كُنْ طائرًا بإذنِ اللَّهِ. فخرَج يطيرُ مِن بينِ كَفَّتِهِ(٢) ، وخرَج الغلمانُ بذلك مِن
أمرِهِ، فذكروه لمُعلِّمِهم، فأفشَوه(٤) فى الناسِ (٥) .
وأخرَج ابنُ جريرٍ عن ابن جريج، أن عيسى قال : أُّ الطيرِ أشدُّ خَلْقًا ؟
قالوا (٦): الخُقَّاشُ؛ إنما هو لحم. ففعَل(١).
وأخرج أبو الشيخ عن ابنِ عباسٍ. قال: إنما خلق عيسى طيرًا (٨) واحدًا وهو
الخفاشُ .
(١) ابن جرير ٥/ ٤١٧، وابن أبى حاتم ٦٥٤/٢ (٣٥٣٦).
(٢) فى الأصل: ((الطير)).
(٣) فى الأصل: (( كتفيه)).
(٤) فى الأصل، ص، ف ٢: ((وأفشوه)).
(٥) ابن جرير ٤١٩/٥.
(٦) فى الأصل، ب ١، ف ٢، م: ((قال)).
(٧) ابن جرير ٥/ ٤٢٠.
(٨) فى ف ٢: ((طائرا)).
٥٧٩
سورة آل عمران : الآية ٤٩
قولُه تعالى: ﴿ وَأَبْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَاُلْأَبْرَمَ﴾
أخرَج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، مِن طريقِ الضحاكِ ، عن ابنٍ
عباسٍ قال: الأكمةُ(١) الذى يُولدُ وهو أعمى(١).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم ، من طريقٍ عطاءٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال : الأكمهُ الأعمى
الممسوح العين (١).
وأخرَج أبو عبيدٍ ، والفريابيُّ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ،
وابنُ أبى حاتم ، وابنُ الأنبارىِّ فى كتابٍ ((الأضدادِ))، عن مجاهدٍ قال: الأكمهُ
الذى يُبصرُ بالنهارِ ولا يُصرُ بالليل(٤).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، وابنُ الأنبارىٌّ، عن
عكرمةَ قال: الأكمهُ الأعمشُ().
وأخرج ابنُّ عساكرَ عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهِ قال : كان دعاءُ عیسى الذى يدعو به
للمرضى والزَّمْنى والعُمْيانِ والمجانينِ وغيرِهم ): اللهمَّ أنت إلهُ مَن فى السماءِ،
وإِلهُ مَن فى الأرضِ ، لا إلهَ فيهما غيرُك ، وأنت جبارُ مَن فى السماءِ، وجبارُ مَن
فى الأرضِ، لا جبارَ فيهما غيرُك، وأنت مَلِكُ مَن فى السماءِ، وملكُ مَن فى
(١) سقط من: م.
(٢) ابن جرير ٤٢٢/٥، وابن المنذر (٤٩٢)، وابن أبى حاتم ٦٥٥/٢ (٣٥٤٢).
(٣) ابن أبى حاتم ٦٥٥/٢ (٣٥٤٣).
(٤) الفريابى - كما فى التغليق ٣٥/٤ - وابن جرير ٥/ ٤٢١، وابن المنذر (٤٩٤)، وابن أبى حاتم ٦٥٥/٢
(٣٥٤٤)، وابن الأنبارى ص ٣٧٨.
(٥) ابن جرير ٤٢٣/٥، وابن أبى حاتم ٦٥٥/٢ (٣٥٤٥)، وابن الأنبارى ص ٣٧٨.
(٦) ليس فى مصدر التخريج .
٥٨٠
سورة آل عمران : الآية ٤٩
الأرضِ، لا مَلِكَ فيهما غيرُك، قدرتُك فى الأرضِ كقدرتِك فى السماءِ،
وسلطاتُك فى الأرضِ كسُلطانِك فى السماءِ ، أسألُك باسمِك الكريم ، ووجهِك
المنيرِ، وملكِك القديم، إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ. قال وهبّ: هذا للفَزِعِ
والمجنونِ(١)، يُقرأ عليه ويكتَبُ له ويُشْقَى ماءَه إن شاء اللّهُ(٢) .
وأخرج ابنُ جريرٍ مِن وجهٍ آخرَ عن وهبٍ قال: لمّ صار عيسى ابنَ اثْنَتَىْ
عشْرَةَ سنةً ، أوحَى اللَّهُ إلى أمّه وهى بأرضٍ مصرَ، وكانت هَرَبَتْ مِن قومِها حينَ
ولدَتْه إلى أرضٍ مصرَ: أنِ اطلُعِى به إلى الشامٍ . ففعلت(٢) ، فلم تزلْ بالشامِ حتى
كان ابنَ ثلاثين سنةً ، وكانت نبوتُه ثلاثَ سنينَ ، ثم رفعه اللهُ إليه، وزعم وهبّ
أنه ربما اجتمع على عيسى مِن المرضى فى الجماعةِ الواحدةِ خمسون ألفًا مَن أطاقَ
منهم أن يَتْلُغَه بلَغه، ومَن لم يُطِقْ ذلك منهم أتاه عيسى يمشى(٤) إليه ، وإنما كان
يُداوِيهم بالدعاءِ إلى اللَّهِ تعالى(٥).
قولُه تعالى: ﴿وَأُحِ اُلْمَوْقَى بِإِذْنِ اَللَّهِ
أخرَج البيهقيُّ فى ((الأسماءِ والصفاتِ))، وابنُ عساكرَ، من طريقٍ
إسماعيلَ بنِ عياشٍ، عن محمدِ بنِ طلحةً، عن رجلٍ ، أن عيسى ابن مريمَ كان
إذا أراد أن يُحيىَ الموتى صلَّى ركعتين، يقرأُ فى (٦) الأولى: ﴿تَكَ الَّذِى بَِدِهِ
(١) فى ب ١، ف ١، ف ٢: ((الجنون)).
(٢) ابن عساكر ٤٧/ ٣٩٠، ٣٩١.
(٣) بعده فى مصدر التخريج: ((الذى أمرت به)).
(٤) فى الأصل، ص، ف ١، ف ٢، م: ((فمشى)).
(٥) ابن جرير ٤٢٤/٥.
(٦) بعده فى ف ١، م: ((الركعة)).