Indexed OCR Text

Pages 1-20

الزُّزُّ المُنْتُور
فى
الْقَشَيْرٌ بالمأثور
لجَلَالِ الدّين السّيُوطِىْ
(٨٤٩ هـ - ٩١١هـ)
تحقيق
الدكتورعبداللّه بن عبدالمحسن التركي
بالتعاون مع
مركز مجم لجوث والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور /عبد السّندرسن يمامة
الجزء الأول

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
مركز مجم البحوث والدراسية العَربية والإسلامية
الدكتور /عبد السُّندرسين يمامة
مكتب : ٤ش ترعة الزمر - المهندسين
ت : ٣٢٥٢٥٧٩ - ٣٢٥١٠٢٧
فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

رقم الإيداع : ٢٠٠٣/٣٢١٠
I . S . B . N : 977 - 256 - 241 - 3

1

٥
مقدمة التحقيق
مقدمة التحقيق
الحمدُ للَّه الذى شرح بكتابه الصدور ، وأخرج بنور هدايته عباده من
الظلمات إلى النور ، فأنار بتلاوته بصائرهم ، وهَدى بشرعه حائرهم ، وكتب
الفوز والنجاة لمن صلحت بهدايته سرائرهم ، وجعله لعباده فرقانًا بين الحق
والباطل ، فمن أقام أحكامه واتخذه إمامه ، فقد أفلح وأنجح ، وصلحت له دنياه
وآخرته ، ومن اتخذه وراءه ظهرًّا، وآثر هوی نفسه على هدایته ، خاب وخسر،
وضَل سعيه. فإن القرآن الكريم حجة الله البالغة، ومعجزته الخالدة، لا یروَى الوارد
على عَذب منهله على كثرة عَلَله، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلَق على كثرة الرَّد.
وأصلى وأسلم على خير خلقه وخاتم رسله؛ محمد بن عبد الله ، الذى يئن
أحكام القرآن ومعانيه ، وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا عنه بيانه ، فنقلوه إلى
الذين جاءوا من بعدهم حتى انتهى إلى الذين زَبروه فى كتبهم، وتناقله وُعاة العلم
جيلاً بعد جيل حتى وصل إلينا. فارضَ اللهمَّ عنهم أجمعين، واجزِهم عنا خيرًا،
وألحقنا بهم فى جناتك جنات النعيم .
أما بعد؛ فإن كتاب ((الدر المنثور فى التفسير بالمأثور)) للحافظ أبى الفضل
عبد الرحمن جلال الدين السيوطى القاهرى (ت ٩١١هـ)، كتاب عجيب فى
تأليفه بديع فى تصنيفه ، لم يؤلف فى الإسلام مثله (١) ، أودع فيه السيوطى ما
(١) قال الشيخ محمد حسین الذهبی فی کتابه (( التفسير والمفسرون)) ٢٥٤/١ : ولا يفوتنا هنا ، أن ننبه=

٦
مقدمة التحقيق
أخرجه الأئمة المتقدمون مما جمعوا فى التفسير من أحاديث رسول اللَّه ◌َله ،
وآثار الصحابة والتابعين ، كابن جرير الطبرى ، وعبد بن محُميد ، ووكيع بن
الجراح، وابن أبى حاتم، وابن المنذر ، وابن مردويه، والثعالبی . واستكمل ذلك بما
أخرجه المصنفون فى السنة ؛ فى الجوامع والسنن وغيرها ، مما رووه فى التفسير وما
يتعلق به من أسباب النزول وغيرها .
فجاء عمله، رحمه الله، نسيج وَحدِه، والحق أنه عمل لا ينقاد إلا لأمثال
السیوطی فی غزارة علمه ، وسعة اطلاعه واستقصائه ، وصبره النادر ، وسيلان
قلمه ؛ فقد كان آية فى سرعة التأليف والتصنيف ، ودقة التحرير ، مع أمانة فى
العزو إلی کتب المصنفین ، إلا ما سقط منه بسبیل السهو ، کعزوه حديث سعد
ابن أبى وقاص: ((اللهمَّ إنى أعوذ بك من البُخل ... )) فى تفسير قوله تعالى فى
سورة النحل: ﴿وَمِنكُ مَن يُرَدُّ إِلَى أَذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] إلى ابن مردويه فقط،
مع أنه فی صحیح البخاری ، وسنن الترمذى ، والنسائی ، ومسندی أحمد ، وأُبی
يعلى ، وغيرهم .
وكان الحافظ السيوطى قد سبق أن جمع كتابين آخرين فى التفسير :
أحدهما : سماه ((مجمع البحرين ومطلع البدرين))، وهو الذى جعل كتابه
((الإتقان)) مدخلًا له، فقد قال فى خاتمته: وقد شرعت فى تفسيرٍ جامعٍ لجميع ما
يحتاج إليه من التفاسير المنقولة، والأقوال المقولة ، والاستنباطات والإشارات،
= إلى أن كتاب الدر المنثور هو الكتاب الوحيد الذى اقتصر على التفسير المأثور من بين هذه الكتب التى
تكلمنا عنها - يشير إلى تفسير كل من : الطبرى والسمرقندى والثعلبى والبغوى وغيرهم - فلم يخلط
بالروايات التى نقلها شيئًا من عمل الرأى كما فعل غيره .

٧
مقدمة التحقيق
والأعاريب واللغات ، ونكت البلاغة ومحاسن البدائع، وغير ذلك ، بحيث لا
يحتاج معه إلى غيره أصلا ، وسميته : مجمع البحرین ومطلع البدرين. وهو الذى
جعلت هذا الكتاب مقدمة له (١) . وكأن السيوطى كان يريد أن يخرج كتابًا
يضاهى تفسير ابن جرير الطبرى فى منهجه، ويكون أجمع منه وأوفى ، إلا أنه لم
يتمه على ما يبدو .
والثانى: سماه ((ترجمان القرآن))، وهو تفسير مسند عن رسول اللَّه وَلتر،
وأصحابه ، رضى الله عنهم، کما أفصحعن ذلك فی تقدمة كتابههذا، وقال فی
خاتمة کتابه ((الإتقان فى علوم القرآن)): وقد جمعت کتابًا مسندًا فيه تفاسير النبى
وَله ، فيه بضعة عشر ألف حديث ؛ ما بين مرفوع وموقوف ، وقد تم - وللَّه
الحمد - فى أربع مجلدات، وسميته: ((ترجمان القرآن))(٢) .
ثم اختصر من ذلك التفسير المطول كتابه ((الدر المنثور))، بحذف الأسانيد
والاقتصار على متون الأحاديث ، وذلك لما رأى قصور أكثر الهمم عن تحصيله،
ورغبتهم فى الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله .
وقد قصد السيوطى أن يجمع فى كتابه هذا كل ما أثر فى التفسير من
الأحاديث والآثار، ولم يلتزم شيئًا من الشروط تقيده فى التخريج ، شأن صنيعه
فى جامعه الكبير فى الحديث ، الذى قصد فيه إلى جمع السنة فى موسوعة
واحدة ، فوقعت له فى الكتابين الأحاديث على مراتبها وأنواعها ؛ منها الصحيح
(١) الإتقان فى علوم القرآن ١٩٠/١ من الطبعة القديمة.
(٢) الإتقان فى علوم القرآن ١٨٣/٢ من الطبعة القديمة .

٨
مقدمة التحقيق
والحسن والضعيف ، بل والأحاديث المنكرة والواهية ، وما ادَّعى فيه البطلانُ
والوضعُ ، خاصة فى الإسرائيليات المروية فى بدء الخليقة ، وقصص الأنبياء ،
وأخبار الأوائل، وليس عليه فى ذلك من سبيل حيث كان يعمد إلى الجمع
المجرد، فهو يحيل القارئ ولا يتكفل له . وقد التزم فى تفسيره هذا أن يخلصه
للمأثور، ويجرده من الرأى تجريدًا تامًا، فجاء درًا نثيرًا، ومجمعًا كبيرًا للأحاديث
والآثار الواردة فى التفسير وما يتعلق به ، لذلك نافت المصادر التى اعتمد عليها.
السيوطى فى جمع أصول هذا الكتاب ، على أربعمائة كتاب (١) ، تراوحت بين
أقدم المصنفات وأحدثها إلى عصره ، فقد أورد فيه عن كتب صنفت فى القرن
الثانى، كتفسير مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة ، وعبد الملك بن عبد العزيز بن
جريج . وانتهى به المطاف إلى مشارف القرن التاسع ممن يعدون فى طبقة شيوخ
شيوخه ، كالحافظ ابن حجر العسقلانى ، وأمثاله .
وقد تنوعت موارد (( الدر المنثور )) على نحو يشمل معظم ما زخرت به
المكتبة الإسلامية من كتب تراثنا فى كثير من فنونه ، من التفسير، وعلوم القرآن ؛
كأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والقراءات ، والمصاحف ، وفضائل
القرآن ، ودواوين الحديث ؛ من الصحاح والجوامع والمسانيد، والمصنفات
والمعاجم والأجزاء ، والمغازى والسير ، والتاريخ وتراجم الأعلام ، والعقيدة ،
والمواعظ والزهد والأدب، وكتب الأذكار والأدعية وعمل اليوم والليلة، وكتب
(١) أعد الدكتور / عامر حسن صبرى دراسة بعنوان: مصادر السيوطى فى ((الدر المنثور))، استوعب فيها
جميع المصادر التى نقل عنها السيوطى ، وموضع كل نقل . نشرت فى مجلة كلية الآداب ، بجامعة
الإمارات ، العدد الرابع ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨م، من ص ١٩١ - ٢٣٤.

٩
مقدمة التحقيق
الفتن والملاحم ، وكتب اللغة والشعر ، وغيرها .
وبذلك نقل لنا الجلال السيوطى بواسطة كتابه هذا جملة وافرة من الكتب
التى فقد بعضها فلم يبق منه إلا اسمه أو ما نُقل عنه فى كتب أخرى ، وبعضها
بقيت منه قطع صغيرة .
ومن تلك الکتب المفقودة : تفسیر ابن جريج، ومالك بن أنس، وو کیع بن
الجراح ، وسفيان بن عيينة ، ومحمد بن يوسف الفِریابى شيخ البخارى ، وأبى
نُعيم الفَضل بن دُكين ، وآدم بن أبى إياس ، وسُنَيد بن داود ، وعبد الغنى بن
سعيد ، وإسحاق بن راهويه ، ودُخَيم: عبد الرحمن بن إبراهيم شيخ النسائى ،
وعبد بن حُميد ، وأبى الشيخ : عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان
الأصبهانى، وأبى بكر ابن مَؤدويه، وأحكام القرآن للقاضى إسماعيل
الجهضمی، وفضائل القرآن لأبی الشیخ ابن حیان ، وصحیح ابن السّگن ، وسنن
الأثرم ، وأبى مسلم الكَجِّى، ويوسف القاضى، ومسانيد مُسدَّد بن مُسَرْهد ،
وأحمد بن منيع ، وابن أبى عمر العَدنى ، والحارث بن أبى أسامة ، والحسن بن
سفيان ، وجامع سفيان بن عيينة ، وعبد الرزاق ، وغيرها .
ومن تلك الكتب التى لم يبق منها إلا قطع صغيرة : تفسیر ابن المنذر ، وابن
أبى حاتم ، وصحيح أبى عوانة ، وسنن سعيد بن منصور ، ومسند ابن أبى شيبة ،
وإسحاق بن راهويه ، وأبى بكر البزار ، والشاشی : الهيثم بن كُلیب ، وتهذيب
الآثار للطبرى ، والكُنى لأبى أحمد الحاكم ، وأخبار مكة للفاكهى ، ومعجم
الشعراء للمرزبانى ، وغيرها .

١٠
مقدمة التحقيق
وبالجملة ؛ فإن أهمية الكتاب تبرز بوجه خاص ، فيما حفظ لنا من
النصوص والروايات التى ضاعت أصولها فلم تصل إلينا . ولو لم يكن للسيوطى
من الفضل فى هذا الكتاب ، سوى ما أوقفنا عليه من الكتب المندرسة ، لكفاه .
ثر) فلا يستغنى عنه باحث فى علم التفسير؛ إذ استوعب معظم المرويات التى
خرجها السلف فى التفسير ، وما يتعلق به .
ومع علو مكانة السيوطى - رحمه الله - فى علم الحديث ، وطول باعه فيه
روايةً ودرايةً ، فقد كان قليل النقد للمرويات التى أوردها فى كتابه هذا ، مع أن
فيها من الأسانيد الواهية والمنكرة ، فضلًا عن الضعيفة واللينة ، قدرًا معتبرًا .
وعذره فى ذلك أن همته - كما سبق فى القول - كانت مصروفة إلى الجمع
والاستيعاب ، دون التحقيق والنقد ، ولكل مؤلف فيما ألف وجهة هو مولّيها .
على أن الحافظ السيوطى كان ينقاد فى سيرته العلمية إلى طبع الجمع، فهى سمة
ظاهرة على عامة مصنفاته ، حتى إنه سمى بعض مصنفاته : حاطب ليل وجارف
سيل !! وعلى الرغم من ذلك، فقد قضى على بعض الأسانيد بما فيها من صحة أو
ضعف ، فتراه يعقدها بلفظ مختصر فى عقبها بمثل قوله : أخرج فلان بسند
صحیح ، أو بسند لا بأس به ، أو بسند جيد ، أو بسند قوى ، أو بسند رجاله
ثقات ، أو بسند مقارب ، وبمثل قوله : أخرج فلان بسند ضعيف ، أو بسند واهٍ ،
أو بسندٍ لين ، أو بسند فيه مجهول أو مجاهيل ، أو بسند ضعيف جدًّا.
وتتميز سيرة الجلال السيوطى العلمية بكثرة الاطلاع، والتنوع فى الشيوخ
والفنون ، فقد بلغت مشيخته فيما قيده فى معجمه بخمسين شيخًا ، كما أنه برز
فى سبعة من الفنون : الفقه، وعلوم الحديث، وعلوم القرآن ، والنحو ، والمعانى،

١١
مقدمة التحقيق
والبيان ، والبديع(١) .
وآنس من نفسه أنه أحرز أدوات الاجتهاد ، فادعاه لنفسه ، وبث هذه
الدعوى فى بعض كتبه؛ كـ ((التحدث بنعمة اللَّه))(٢)، و((حسن المحاضرة)) ..
وكانت هذه الدعوى سببًا فى تأليف كتابيه: ((الرد على من أخلد إلى
الأرض))(٢)، و((تقرير الإسناد فى تيسير الاجتهاد)) (١). بل رجا أن يكون مجدد
القرن التاسع، فى أرجوزة نظم فيها أسماء المجددين فى تاريخ الإسلام . ونازعه
بعض علماء عصره فى هذه الدعوى، وقامت بينه وبينهم مقاولات ومساجلات.
ولما بلغ السيوطى - رحمه الله - الأربعين اعتزل التدريس وغيره، ولزم بيته
مكبًا على التصنيف ، حتى أثرى المكتبة الإسلامية بما خلف من كتب كثيرة
متنوعة (١) ، وقد جاءت فى غالبها محررة مهذبة ، ومعتمدة مقبولة لدى من جاء
(١) الكواكب السائرة فى الأعيان المائة العاشرة ٢٢٨/١، والضوء اللامع لأعيان القرن التاسع ٦٧/٤ .
(٢) التحدث بنعمة اللَّه ص: ٢٠٣، ٢٠٤.
(٣) فقد قال فيه (ص ٩٨ - طبعة الإسكندرية بتحقيق د/ فؤاد عبد المنعم) فى أعقاب الكلام على مراتب
المجتهدين: والذى ادعيناه هو الاجتهاد المطلق، لا الاستقلال، بل نحن تابعون للإمام الشافعى، رضى اللَّه
عنه ، وسالكون طريقته فى الاجتهاد ... إلخ .
(٤) وهو كتاب لطيف الحجم ، حققه ونشره الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد ، وصدر عن دار الدعوة
بالإسكندرية عام ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م. وأشار إليه السيوطى فى ((الرد على من أخلد إلى الأرض ))
( ص ٤٥ ).
(٥) وأشار إلى ذلك أيضًا فى ((حسن المحاضرة)) ص ٣٢٩، ط ، القاهرة بتحقيق أبو الفضل إبراهيم.
(٦) بلغت مؤلفاته ، حسبما ورد فى ترجمته المفردة التى كتبها تلميذه الداودى ، نحو ستمائة كتاب ،
تنوعت بين موسوعة جامعة ، ورسالة لطيفة وجيزة . ومن تلك المصنفات ما هو موجود مطبوع ، ومنها ما
يزال مخطوطا؛ أحصى كارل بروكلمان من القسمين ٤١٥ عنوانًا . وقد قام بتتبع مخطوطاته والكشف
عن أماكن وجودها الباحثان : أحمد الخازندار، ومحمد إبراهيم الشيبانى ، ونشرتها مكتبة ابن تيمية فى
الكويت .
=

١٢
مقدمة التحقيق
(١)
بعده .
وقد كانت مصر فى العهد المملوكى إلى أوائل القرن العاشر ، مجمعًا
للعلم ، وازدهرت فيها نهضة علمية بما توفر فيها من المدارس والمساجد وخزائن
الكتب وأعلام العلم فى مختلف الفنون ، فلفتت بذلك الأنظار، وحملت الناس
على الرحلة إليها من مختلف الأقطار. وقد انتشرت كثير من كتب السيوطى فى
الأقطار الإسلامية فى حياته(٢) بسبب تلك الرحلات ، وقد تحدث هو نفسه عن
ذلك بقوله: (( وفى سنة خمس وسبعين أخذت مصنفاتي تسير فى الآفاق ، وفى
سنة تسع وسبعين سافر بعض تلامذتى إلى الحجاز ... )) . وبهذا الحبل الواصل
= وذكر الأستاذ / أحمد الشرقاوى إقبال فى كتابه ((مكتبة الجلال السيوطى)) أن عدد مؤلفات السيوطى
(٧٢٥) مؤلّفًا سوى المكرور والمنحول .
كما تعهدت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) فى ختام أحد مؤتمراتها الذى عقدته
فى ميدان الأزهر عن حياة السيوطى وأعماله، أن تقوم بإعداد قائمة دقيقة لمؤلفاته وفهرستها ، مع بيان المطبوع
منها والمخطوط ، وأماكن طبعها أو وجودها .
وتعد الدراسات الخاصة بالسيوطى مُعرِّفة بجهوده فى إثراء المكتبة الإسلامية ، ومن أبرز تلك الدراسات
رسالتان أعدتا لنيل درجة الد كتوراه ؛ إحداهما أعدها ، فی با کستان ، الد کتور / بدیع السید اللحام عن :
السیوطی وجهوده فى علوم الحديث ، والأخرى أعدها فی تونس ، الد کتور / محمد يوسف الشربجی عن
السيوطى وجهوده فى علوم القرآن .
(١) الكواكب السائرة ٢٢٨/١، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع ٣٢٨/١.
(٢) الكواكب السائرة ٢٢٨/١ . ويجدر التنبيه هنا إلى أن بعض الدارسين المعاصرين، ذكروا أن السيوطى
طوف فى البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا لطلب العلم ولقى الشيوخ. وذكروا أنه وصل إلى الهند والشام
والیمن وبلاد التكرور .
وهذا كله غير صحيح ، ولم يذكره أحد ممن ترجم له ، بل هو ترجم لنفسه فى حسن المحاضرة ولم
يذكر ذلك ، وإنما أوقع الناس فى هذا الوهم لما تحدث عن انتشار كتبه ومتى دخلت إلى البلدان
المذكورة . واللَّه أعلم .
(٣) التحدث بنعمة اللَّه ص ١٥٥ .
٠

١٣
مقدمة التحقيق
دخلت كتب الحافظ السيوطى إلى شبه القارة الهندية فى وقت مبکر ، و کان لها
أثر واضح فى نشر علوم الحديث هناك ، عن طريق رحلة طلاب العلم آنذاك من
تلك البلاد إلى مصر ، من أمثال : الشيخ على بن حسام الدين المتقى الهندى
(ت ٩٧٥هـ) مؤلف: ((كنز العمال)) الذى هو كتاب مخرج من ((الجامع
الكبير)) للسيوطى، وتلميذه الشيخ محمد بن طاهر الفتَّى (ت ٩٨٦ هـ)
صاحب ((تذكرة الموضوعات))، وغيرهم كثير (١) .
ولما كان كتاب ((الدر المنثور» كتابًا جامعًا لماروى عن السلف فى تفسير القرآن
الكريم ؛ لا غناء عنه لطالب علم التفسير، فقد سنحت بالفكر رغبة فى تحقيقه ،
وجاءت تلك الرغبة فى الحقيقة مطردة مع سبق من العمل فى تفسیر ابن جرير
الطبرى، فى سياق التتبع لجوامع الكتب التى هى مرجع الناس فى التفسير وغيره .
وقد طبع ((الدر المنثور)) أول مرة فى المطبعة اليمنية، فى سنة ١٣١٤ هـ؛
أى منذ ما يزيد على القرن . وبهامشه تنوير المقباس من تفسير ابن عباس الذى
جمعه الفيروز آبادى ( صاحب القاموس) وصدر فى ستة أجزاء صفحاته
مصفوفة من أولها إلى آخرها فى تتابع غير منفصل . ثم صدر الكتاب بعد ذلك
عن هذه الطبعة عدة مرات. وذُكر فى (( دليل مخطوطات السيوطى )) أنه طبع
بالمكتبة الإسلامية بطهران عام ١٣٧٧ هـ، نشر محمد أمين دمج !! ثم طبع طبعة
أخرى فى دار الفكر ببيروت سنة ١٤٠٣ هـ، وتقع هذه الطبعة فى ثمان مجلدات،
وليس بهامشه كتاب آخر ، وقد جاءت رءوس التخاريج مبتدَأة فى أوائل
(١) أثر السيوطى فى ازدهار علوم الحديث فى شبه القارة الهندية . بحث شارك به دكتور / محمد شريف
السيالوى فى مؤتمر : الإمام جلال الدين السيوطى الاحتفاء بذكرى مرور خمسة قرون على وفاته .

١٤
مقدمة التحقيق
السطور . وتكاد تكون هى الطبعة المتداولة حاليًا ، وهى طبعة صعبة التناول ،
كثيرة السقط ، فيها تداخل بين بعض الآثار ، وليس فيها تعليق على النص ،
وكذلك نشراتها التى تلتها ، لم تُضِفْ شيئًا إلا إخراج الكتاب فى صورة
أخری، دون إضافة شىء یذکر .
فاستعنا بالله على تحقيق الكتاب ، فيسر اللَّه لنا مجموعة من الأصول
الخطية، أُمَّ بها ما وقع فى الطبعة السابقة من نقص ، وصُحح ما وقع فيها من
تصحيف ، ولإتمام الفائدة تم عزو ما أمكن من الآثار إلى مواضعها من مصادرها ،
إن كانت موجودة ، أو إلى الوسائط التى تضمنتها إن كانت مفقودة ، مع ذکر ما
حكم به علماء الفن من حكم على الحديث صحة وضعفا، ما أمكن ذلك،
وشرح غريب الألفاظ ، والتعليق على القراءات ، راجين فى الختام أن يبلغ الله
المقصود من هذا الديوان الكبير الجامع النافع .
والشكر موصول للإخوة المتعاونين فى إصدار هذا الكتاب بهذه الصفة ،
فى مركز هجر للدراسات العربية والإسلامية .
وفى الختام؛ نسأل اللَّه القبول والتوفيق والتيسير ، إنه من وراء القصد ،
وعليه التكلان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
و كتبه
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركى
الرياض ١٤٢٣/١١/١٢ هـ

١٥
مقدمة التحقيق
• ترجمة السيوطى
· اسمه ونسبه وكنيته .
· مولده ونشأته .
· ثناء العلماء عليه .
· هجوم السخاوى عليه .
· أبرز شيوخه .
· أبرز تلامذته .
● مؤلفاته .
● وفاته .
● منهج السيوطى فى الدر المنثور .
· طبعاته السابقة .
● منهج التحقيق .
● وصف النسخ الخطية .

١٧
مقدمة التحقيق
ترجمة السيوطى
اسمه ونسبه و کنیته :
لقد ترجم السيوطى لنفسه ترجمة ضافية فى كتابه ((حسن المحاضرة))،
ذكر فيها اسمه، ونسبه، ونشأته ، وشيوخه، ومؤلفاته، مقتديًا فى ذلك
بالمحدثین قبله، فقال : ترجمة مؤلف هذا الكتاب : عبد الرحمن بن الکمال أبی
بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف
الدين خضر بن نجم الدين أبى الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ
همام الدين الهمام الخضيرى الأسيوطى .
ثم قال : وأما نسبتنا بالخضيرى فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا
الخضیریة ، محلة ببغداد ، وقد حدثنی من أثق به، أنه سمع والدى ، رحمه الله
تعالى، يذكر أن جده الأعلى كان أعجميًّا أو من الشرق ، فالظاهر أن النسبة إلى
المحلة المذكورة .
مولده ونشأته :
قال : وكان مولدى بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين
وثمانمائة .
ثم قال : نشأت يتيمًا ، فحفظت القرآن ولى دون ثمانى سنين ، ثم حفظت
* فى حسن المحاضرة ٣٣٥/١- ٣٤٤، وينظر: الضوء اللامع ٦٥/٤ - ٧٠، بدائع الزهور:
٨٣، ٨٤، مفاكهة الخلان ٣٠١/١، ٣٠٢، الكواكب السائرة ٢٢٦/١ - ٢٣١، شذرات
الذهب ٥١/٨- ٥٥، البدر الطالع ٣٢٨/١ - ٣٣٥، هدية العارفين ٥٣٤/١- ٥٤٤، الأعلام
للزر كلى ٤/ ٧١ - ٧٣.

١٨
مقدمة التحقيق
العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، وشرعتُ فى الاشتغال
بالعلم من مستهل سنة أربع وستين، فأخذتُ الفقه والنحو عن جماعة من
الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فَرْضِىّ زمانه الشيخ شهاب الدين
الشارمساحيّ ، الذى كان يقال : إنه بلغ السن العالية وجاوز المائة بكثير، والله
أعلم بذلك، قرأت عليه فى شرحه على المجموع، وأُجِزِتُ بتدريس العربية فى
مستهل سنة ست وستین .
وقد ألَّفت فى هذه السنة ، فكان أول شىء أَلّفتُه شرح الاستعاذة والبسملة ،
وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين الثُلقينى ، فكتب عليه تقريظًا ،
ولازمته فی الفقه إلی أن مات ؛ فلازمت ولده، فقرأت علیه من أول التدریب
لوالده إلى الوكالة ، وسمعت عليه من أول الحاوى الصغير إلى العدد ، ومن أول
المنهاج إلى الزكاة ، ومن أول التنبيه إلى قريب من باب الزكاة ، وقطعة من الروضة
من باب القضاء، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشى ، ومن إحياء الموات
إلى الوصايا أو نحوها، وأجازنى بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين،
وحضر تصدیری
فلما تُوفي سنة ثمان وسبعين لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوى ،
فقرأت عليه قطعة من المنهاج، وسمعته عليه فى التقسيم إلا مجالس فاتتنى ،
وسمعت دروسًا من شرح البهجة ، ومن حاشية عليها ، ومن تفسير البيضاوى .
ولزمت فى الحديث والعربية شيخنا العلامة تقى الدين الشبلى الحنفى ،
فواظبته أربع سنين، وكتب لى تقريظًا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع
الجوامع فى العربية تأليفى ، وشهد لى غير مرة بالتقدم فى العلوم بلسانه وبنانه .

١٩
مقدمة التحقيق
ثم قال : ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محبی الدین الکافیجی أربع
عشرة سنة ، فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعانى وغير
ذلك، وكتب لى إجازة عظيمة .
وحضرتُ عند الشيخ سيف الدين الحنفى دروسًا عديدة فى الكشاف
والتوضيح وحاشيته عليه، وتلخيص المفتاح، والعضد .
وشرعت فى التصنيف فى سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتى إلى الآن
ثلاثمائة کتاب سوی ما غسلته ورجعت عنه .
وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب
والتكرور .
ولما حججتُ شربت من ماء زمزم ، لأمور منها أن أصل فى الفقه إلى رتبة
الشيخ سراج الدين البلقينى، وفى الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر .
وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين، وعقدت إملاء الحديث من
مستهل سنة اثنتين وسبعين .
ورزقت التبحر فى سبعة علوم ؛ التفسير، والحديث ، والفقه، والنحو،
والمعانى، والبيان ، والبديع، على طريقة العرب البلغاء، لا على طريقة العجم
وأهل الفلسفة ، والذى أعتقده أن الذى وصلتُ إليه من هذه العلوم السبعة سوى
الفقه والنقول التی اطلعت عليها فیها ، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من
أشياخى ، فضلا عمن هو دونهم ، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه ، بل شيخى فيه
أوسع نظرًا ، وأطول باعًا ، ودون هذه السبعة فى المعرفة : أصول الفقه ، والجدل ،

٢٠
مقدمة التحقيق
والتصريف ، ودونها الإنشاء، الترَسَّلُ ، والفرائض، ودونها القراءات ، ولم
آخذها عن شيخ، ودونها الطب ، وأما علم الحساب فهو أعسر شىء علىَّ وأبعده
عن ذهنى ، وإذا نظرت فى مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله .
وقد كملت عندى الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى ؛ أقول ذلك تحدثًا
بنعمة الله تعالی لا فخرًا ، وأی شیء فى الدنیا حتى يُطلب تحصيلُها بالفخر، وقد
أزف الرحيل ، وبدا الشيب ، وذهب أطيب العمر ، ولو شئتُ أن أكتب فى كل
مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها ،
والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها - لقدرتُ على ذلك من فضل الله، لا
بحولى ولا بقوتى ، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله .
ثم قال : وقد كنتُ فى مبادئ الطلب قرأتُ شيئًا فى علم المنطق ، ثم ألقى
الله كراهته فى قلبى، وسمعتُ أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركتُه لذلك،
فعوضنى الله تعالى عنه علم الحديث الذى هو أشرف العلوم .
- الوظائف التى وليها السيوطى :
باشر السيوطى، رحمه الله، تدريس الفقه بالجامع الشيخونى خلفًا
لوالده، وقرره العلامة كمال الدين بن الهمام - أحد الذين أسند والد السيوطى
وصايته إليهم - فى وظيفة الشيخونية ، فدَرَّس بها الحديث خلفا لوالده ، ثم عينه
الخلیفة فى مشيخة البیبرسیة بعد الجلال البکری ، وظل بها إلى أن ولی محمد بن
قايتباى السلطنة فعزله عنها ، وذلك لأن الخانقاه البيبرسية كانت مكتظة برجال
(١) هو من فروع علم الإنشاء، يقال: ترسّل، أى: أنشأ الرسالة. أبجد العلوم للقنوجى ١٤٧/٢، أقرب
الموارد فى فصيح العربية والشوارد ، للشرتونى ( رسل ) .