Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾(١)
وأخرج ابنُّ جريرٍ عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ قال: قالت(٢) اليهودُ: انْظُروا إلى
محمدٍ ، يَخْلِطُ الحقَّ بالباطلِ، يَذْكُرُ سليمانَ مع الأنبياءِ، إنما كان ساحرًا يَوْكَبُ
الريحَ. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ الآية(١).
وأخرج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، عن أبى العاليةِ قال : إن اليهودَ سأَلُوا
النبيَّ وَّه زمانًا عن أمورٍ مِن التوراةِ، لا يَشْأَلُونه عن شىءٍ مِن ذلك إِلا أَنْزَل اللَّهُ
عليه ما سأَلُوا عنه، فيَخصِمُهم(٤) ، فلمَّا رأَوا ذلك قالوا : هذا أعلمُ بما أُنْزِل علينا(*)
منا. وإنهم سألوه عن السحرِ وخاصَمُوه به، فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ
الشَّيَاطِينُ﴾ الآية. وإن الشياطينَ عمَدوا إلى كتاب٢٢ٍ، فكتبوا فيه السحرَ
والكهانةَ وما شاء اللّهُ مِن ذلك، فدفَنوه تحتَ مجلسٍ سليمانَ ، وكان سليمانُ لا
يَعْلَمُ الغيبَ ، فلما فارَقَ سليمانُ الدنيا اسْتَخْرَجوا ذلك السحرَ، وخدَعوا به
الناسَ، وقالوا : هذا علم كان سليمانُ يَكْتُمُه، ويَحْشُدُ الناسَ عليه. فأخْتَرهم
النبىُّ وَّ بهذا الحديثِ، فرجعوا مِن عندِه وقد خَزُوا(١)، وأدخَض اللَّهُ
(٨)
حجتهم (٨).
(١) ابن جرير ٣٢٤/٢.
(٢) فى الأصل، ص، ب١، ب٢، م: ((قال)).
(٣) ابن جریر ٣٢٧/٢.
(٤) خصمه يخصمه خصمًا: غلبه بالحجة . اللسان (خ ص م).
(٥) فى ص، ب١، ب٢: ((إلينا)).
(٦) بعده فى الأصل: ((اللَّه)).
(٧) فى ص: ((خزيوا))، وفى ف١، م: ((حزنوا)) ..
(٨) ابن جرير ٣١٥/٢، وابن أبى حاتم ١٨٦/١ (٩٨٥).

٥٠٢
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وأُخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ عن خُصَيْفٍ قال : كان سليمانُ إِذا نبَتَتِ الشجرةُ
قال : لأىِّ داءٍ أنتِ ؟ فتقولُ: لكذا وكذا. فلما نبَتَت شجرةُ الحُرُنُويةِ(١) قال:
لأى شىءٍ أنتِ؟ قالت: لمسجدِك أُخَرِّبُه. فلم يَلْبَتْ أن تُؤُنِّى، فكتَب الشياطينُ
كتابًا ، فجعَلوه فى مُصَلَّى سليمانَ، فقالوا: نحن نَدُلُكم على ما كان سليمانُ
يُداوِى به . فانْطَلَقوا فاسْتَخْرجوا ذلك الكتابَ ، فإذا فيه سحرٌ ورُقَى، فَأَنْزَل اللَّهُ:
﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ - وذُكِرَ
٩٦/١ أنها فى قراءةٍ أَبىّ: (وما يُتْلَى على / الملكين) - ﴿بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَّ وَمَا
يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَخْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾. سبعَ مرارٍ، فإِن أَتَى إلا
أن يَكْفُرَ علَّماه ، فيَخْرُجُ منه نورٌ حتى يَسْطَعَ فى السماءِ ، قال : المعرفةُ التى كان
( (٢)
يَغْرِفُ(١٢) .
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ، عن أبى مِجْلَزِ قال: أخَذ سليمانُ مِن كلِّ
دابةٍ عهدًا، فإذا أُصِيب رجلٌ، فسألُ(٢) بذلك العهدِ، خُلِّى عنه، فزاد(٤) الناسُ(٥)
السَّجْعَ والسحرَ، وقالوا: هذا كان يَعْمَلُ به سليمانُ. فقال اللَّهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ
.(٦)
سُلَيْمَنُ﴾ الآية (٦).
(١) بعده فى سنن سعيد: ((الشامى)). وهو شجر برِّى وشامى، أما بريه فيسمى الينبوتة ، ذو شوك، وهو
الذى يُستوقد به، يرتفع قدر الذراع، وله حَمْل لكنه بشع لا يؤكل إلا فى الجَهْد ، وفيه حب صُلْب،
وأما شاميه فهو محلو يؤكل ، وله حب وحَمْل كالخيار. التاج (خ رب)، وينظر معجم أسماء النبات ص ٤.
(٢) سعيد بن منصور (٢٠٤ - تفسير) بزيادة عما هنا، وقال محققه: سنده حسن إلى خصيف ... وقد
صح بعض الحديث عن ابن عباس، وقراءة: ( وما يُتلى ) ، شاذة .
(٣) فى ب٢، وابن جرير: ((فسئل))، وفى ص، ب١، ف١: ((فيسأل)).
(٤) فى ص، ب ١، ب٢، م: ((فرأى))، وفى ف ١: ((فرعى)).
(٥) بعده فى ف١، م: ((بذلك)).
(٦) ابن جرير ٣٢٤/٢، ٣٢٥.

٥٠٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وأخرج ابنُّ جريرٍ عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿مَا تَنْلُواْ﴾. قال: ما تَتَبِعُ(١).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن عطاءٍ فى قولِهِ: ﴿مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾. قال: ثُراه (٢)
(٣)
ما تُحَدِّثُ(٣).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن ابنٍ جريجٍ فى قولِهِ : ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾. يقولُ :
فى ملكِ سليمانَ(٤) .
وأخرج ابنُّ جريرٍ عن قتادةً فى قوله: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾. يقولُ : ما
كان عن مشورتِه، ولا عن رضًا منه، ولكنه شىءٌ افْتَعَلَته الشياطينُ دونَه ،
﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السَّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: فالسحر سحران ؛ سحرٌ
تُعَلِّمُه الشياطينُ، وسحرٌ يُعَلِّمُه هاروتُ وماروتُ(٥).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن السدىِّ فى قوله: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ .
قال : هذا سحر آخر خاصموه به ؛ فإن كلامَ الملائكة فيما بينهم إذا علمتْه الإنسُ
فصُنِع وعُمِل به كان سحرًا (٦).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن مجاهدٍ قال: أما السحرُ فإِنما(٧) تعَلِّمُه الشياطينُ، وأما
الذى يُعَلِّمُه الملكان ، فالتفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه(١) .
(١) ابن جرير ٢/ ٣٢٠.
(٢) فی ف١ ، م: «يراد)).
(٣) ابن جرير ٣١٩/٢.
(٤) ابن جرير ٢/ ٣٢١.
(٥) ابن جرير ٣٢٩/٢، ٣٣٣.
(٦) ابن جرير ٣٣٣/٢.
(٧) فى ب ١: ((فإنه)).
(٨) ابن جرير ٣٣٦/٢.

٥٠٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُّ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه :
﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. قال: التفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه".
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى
الْمَلَكَيْنِ﴾. قال: لم يُنْزِلِ اللَّهُ السحرَ(٣) .
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن علىٍّ فى الآيةِ قال: هما ملكان مِن ملائكةٍ
(٤)
السماءِ(٤).
وأخرجه ابنُ مردُويَه مِن وجهٍ آخرَ عنه مرفوعًا (٥) .
وأخرج ابنُ أبى حاتم عن عبد الرحمنِ بنِ أبزَى (١) ، أنه كان يَقْرَؤُها : ( وما
أُنْزِل على الملِكين داود وسليمانَ)(٧).
وأخرَج ابنُّ أبى حاتم عن الضحاكِ ، أنه قرأ: ( وما أُنزِل على الملِكين)،
وقال: هما عِلجان (٨) من أهلٍ بابلَ (١).
وأخرج البخارىُّ فى ((تاريخِه))، وابنُ المنذرِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَآ أُنزِلَ
(١) فى الأصل، ب١، ب٢، ف١، م: ((التفرقة)).
(٢) ابن جرير ٣٣٣/٢، وابن أبى حاتم ١٨٨/١ (٩٩٦).
(٣) ابن جرير ٣٣١/٢، وابن أبى حاتم ١٨٨/١ (٩٩٧).
(٤) ابن أبى حاتم ١٨٨/١ (١٠٠١).
(٥) ابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٢٠٠/١ - وقال ابن كثير: وهذا لا يثبت من هذا الوجه .
(٦) فى ب ٢: ((عوف)).
(٧) ابن أبى حاتم ١٨٨/١ (١٠٠٠)، والقراءة شاذة.
(٨) العلج: الرجل الشديد الغليظ ، وهو أيضا الرجل من كفار العجم . ينظر اللسان (ع ل ج).
(٩) ابن أبى حاتم ١٨٩/١ (١٠٠٢).

٥٠٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. يعنى: جبريلَ ومِيكائيلَ، ﴿بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوَتَّ﴾:
يُعَلِّمان الناسَ السّحرَ(١).
وأخرج ابن أبى حاتم عن عطيةً: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. قال: ما
أَنْزِل على جبريلَ وميكائيلَ السحرُ().
قولُه تعالى: ﴿ يِبَابِلَ﴾.
أخرَج أبو داودَ ، وابنُ أبى حاتمٍ، والبيهقىُ فى ((سننِه))، عن علىَّ قال: إِن
حبيبى وَ ﴿ نهانى أن أَصَلِّىَ بأرضٍ بابلَ فإنها ملعونةٌ(١).
وأُخرَج الدِّينَوَرِىُّ فى ((المجالَسةِ))، وابنُ عساكرَ، مِن طريقِ يغَنَمَ بنِ
سالمٍ - وهو متهمّ - عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: لما حشَر اللَّهُ الخلائقَ إلى بابلَ، بعَث
إليهم رِيحًا شرقيةً وغربيةً، وقِبِليةً وبَخريةً ، فجمَعَتهم إلى بابلَ، فاجْتَمعوا يومَئذٍ
يَنْظُرون لما مُشِروا له، إذ نادَى مُنادٍ: مَن جعَل المغربَ عن يمينِهِ والمشرقَ عن
يسارِهِ، واقْتَصَد إلى البيتِ الحرامِ بوجهِه، فله كلامُ أهلِ السماءِ. فقام يَعُْبُ بنُّ
قَخْطانَ ، فقيل له : يا يَعْرُبُ بنَ قحطانَ بنِ هُودٍ ، أنت هو. فكان أولَ مَن تكَلَّم
بالعربيةِ ، فلم يَزَلِ المنادى يُنادِى: مَن فعَل كذا وكذا، فله كذا وكذا . حتى اقْتَرَقوا
على اثنين وسبعين لسانًا، وانْقَطَع الصوتُ، وتبَلْبَلَت الألسنُ، فسمِّيَت بابلَ،
وكان اللسانُ يومَئذٍ بابليًّا، وهبَطَت ملائكةُ الخيرِ والشرّ، وملائكةُ الحياءِ والإيمانِ ،
(١) البخارى ١٦٨/٧.
(٢) ابن أبى حاتم ١٨٨/١ (٩٩٩).
(٣) أبو داود (٥٩٠)، وابن أبى حاتم ١٨٩/١ (١٠٠٣) واللفظ له، والبيهقى ٢/ ٤٥١. ضعيف
(ضعيف سنن أبي داود - ٩٣) .
(٤) فى الأصل، ب٢، ف١، م: ((نعيم)). وينظر الجرح والتعديل ٣١٤/٩.

٥٠٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وملائكةُ الصحةِ والشَّقاءِ، وملائكةُ الغِنَى ، وملائكةُ الشرَفِ، وملائكةُ المروءةِ ،
وملائكةُ الجَفَاءِ ، وملائكةُ الجهلِ، وملائكةُ السيفِ ، وملائكةُ البأسِ، حتى انْتَهَوْا
إلى العراقِ ، فقال بعضُهم لبعضٍ : افْتَرِقوا. فقال ملَكُ الإيمانِ: أنا أَسْكُنُ المدينةَ
ومكةَ . فقال ملَكُ الحياءِ: أنا معك. وقال ملَكُ الشَّقاءِ(١) : أنا أَسْكُنُ الباديةَ. فقال
ملَكُ الصحةِ: وأنا معك. وقال ملَكُ الجَفَاءِ: وأنا أَسْكُنُ المغربَ. فقال ملَكُ
الجهلِ: وأنا معك . وقال ملَكُ السيفِ: أَنَا أَسْكُنُ الشامَ . فقال ملَكُ البأسِ : أنا
معك . وقال ملَكُ الغِنَى: أنا أُقِيمُ هلهنا. فقال ملَكُ المروءةِ: أنا معك . فقال ملَكُ
الشَّرَفِ: وأنا معكما. فاجْتَمَع ملَكُ الغِنَى والمروءةِ والشرفِ بالعراقِ(٢) .
وأخرج ابنُ عساكرَ بسندٍ فيه مجاهيلُ عن عائشةَ رضِى اللهُ عنها قالت: قال
رسولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إن اللَّهَ عز وجل خلَق أربعةً أشياءَ، وأَرْدَفها أربعةَ أشياءً ؛ خلَق
الجَذْبَ وأَرْدَفه الزهدَ وأسْكَنه الحجازَ(١) ، وخلَق العِقَّةَ وأَرْدَفها الغَفْلَةَ وأَسْكَنها
اليمنَ، وخلَق الرزقَ وأَرْدَفه الطاعونَ وأسْكَنه الشامَ، وخلق الفجورَ وأزْدَفه الدرهم
وأسْكَنه العراقَ))(٤) .
وأخرج ابنُ عسا کرَ عن سلیمانَ بنِ یَسارٍ قال: کتب عمر بن الخطابِ إلی
كعب الأحبارِ (٥): أنِ اخْتَوْلىّ المنازلَ. فكتب إليه: يا أميرَ المؤمنينَ، إنه بلَغَنا أن
(١) فى ب١، ف١، م: ((الشفاء)).
(٢) ابن عساكر ٣٥٤/١. قال أبو حاتم فى الجرح ٣١٤/٩ - ترجمة يغنم بن سالم - : مجهول ضعيف
الحديث ، وقال الذهبى فى ميزان الاعتدال ٤٥٩/٤: أتى عن أنس بعجائب .
(٣) فى الأصل: ((العراق)).
(٤) ابن عساكر ٣٥٢/١. وقال : هذا إسناد فيه مجاهيل فلا يحتج به .
(٥) بعده فى الأصل: (( يخبر)) .

٥٠٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
الأشياءَ اجْتَمَعَت ، [٢٣و] فقال السّخاءُ: أُرِيدُ اليمنَ. فقال حُسْنُ الخُلُقِ: أنا
معك. وقال الجَفَاءُ: أُرِيدُ الحجازَ. فقال الفقرُ: أنا معك. قال البأسُ: أُرِيدُ
الشامَ . فقال السيفُ: أنا معك. وقال العلمُ: أُرِيد العراقَ . فقال / العقلُ : أنا
معك. وقال الغِنَى: أُرِيد مصرَ. فقال الذُّلُّ: أنا معك. فاحْتَرْ لنفسِك(١) يا أميرَ
المؤمنين. فلمَّا ورَد الكتابُ على (٢) عمرَ قال: فالعراقُ إذن، (٣ فالعراقُ إذن).
٩٧/١
وأخرج ابنُّ عساكرَ عن حكيم بنِ جابرٍ قال: أَخْبِرْتُ أن الإسلامَ قال : أنا
لاحقٌّ بأرضِ الشام. قال الموتُ: وأنا معك. قال المُلكُ: وأنا لاحقٌ بأرضٍ
العراقِ. قال القتلُ: وأنا معك. قال الجومُ: وأنا لاحقٌ بأرضِ المغربِ(٤). قالت
الصحةُ: وأنا معك(٥) .
وأخرَج ابنُ عساكرَ عن دَغْفَلِ قال: قال المالُ: أنا أَسْكُنُ العراقَ . فقال
الغَدْرُ: أَنَا أَسْكُنُ معك. وقالت الطاعةُ: أنا أُسْكُنُ الشامَ. فقال الجَفَاءُ: أنا
أَشْكُنُ معك. وقالت المروءةُ: أنا أَسْكُنُ الحجازَ. فقال الفقرُ: وأنا أَسْكُنُّ معك .
قولُه تعالى : ﴿هَرُوتَ وَمَرُوتّ ﴾
قد تقَدَّم حديثُ ابنِ عمرَ فى قصةِ آدمَ(٩) ، وبقِيَت آثارٌ أُخَو(٧) .
(١) فى ب ١: ((لنفسه)).
(٢) فى ب ٢: ((إلى)).
(٣ - ٣) سقط من: ب ٢.
والأثر عند ابن عساكر ٣٥٢/١، ٣٥٣.
(٤) فى ف١، م: ((العرب)).
(٥) ابن عساكر ١/ ٣٥٥.
(٦) تقدم فى ص ٢٤٩، ٢٥٠.
(٧) قال ابن كثير فى تفسيره ٢٠٣/١ : قد روى فى قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين؛=

٥٠٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
أخرَج سُنَّدٌ(١)، وابنُ جريرٍ، والخطيبُ فى ((تاريخِه))، عن نافعٍ قال:
سافَرْتُ مع ابنِ عمرَ، فلمَّا كان مِن آخرِ الليلِ قال: يا نافعُ، انْظُرْ هل طلَعَت
الحمراءُ؟ قلتُ: لا. مرتين أو ثلاثًا، ثم قلتُ: قد طلَعَت . قال: لا مَرْحبًا بها ولا
أهلًاً. قلتُ: سبحانَ اللَّهِ! نجمٌ مُسَخَّرْ سامعٌ مُطِيعٌ. قال: ما قلتُ لك إلا ما
سمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ وَله، قال: ((إن الملائكةَ قالت: يا ربِّ، كيف صبرك
على بنى آدمَ فى الخَطايا والذنوبِ! قال: إنى "ابْتَلَيْتُهم وعافَيْتُكم)). قالوا: لو
كنا مكانَهم ما عصَيْناك. قال: فاختاروا ملَكَين منكم. فلم يَأْلُوا مُجُهْدًا أن
يَخْتارُوا، فاخْتَارُوا هاروتَ وماروتَ، فنزَلا ، فَأَلْقَى اللَّهُ عليهما (٢) الشَّبَقَ - قلتُ:
وما الشَّبَقُ؟ قال: الشهوةُ - فجاءت امرأةٌ يقالُ لها: الزُّهَرةُ. فوقَعَت فى قلوبِهما،
فجعَل كلُّ واحدٍ منهما يُخْفِى عن صاحبِهِ ما فى نفسِه، ثم قال أحدُهما للآخرِ:
هل وقَع فى نفسِك ما وقَع فى قلبى؟ قال: نعم . فطلَباها لأنفسِهما ، فقالت : لا
أُمَكِّنُكما حتى تُعَلِّمانى الاسمَ الذى تَغْرُجانِ به إلى السماءِ () وَتَهْبِطان . فأتياً) ، ثم
سأَلاها أيضًا، فأَبَتْ، ففعَلا ، فلما اسْتُطِيرَت طمَسَها اللَّهُ كوكبًا، وقطَع
أجنحتها(٥) ، ثم سألا التوبةَ مِن ربِّهما، فخيّرهما فقال: إن شئتُما ردَدْتُكما إلى ما
= كمجاهد، والسدى، والحسن، وقتادة ، وأبى العالية ، والزهرى ، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان ،
وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين المتقدمين والمتأخرين ، وحاصلها راجع فى تفصيلها إلى أخبار بنى
إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق
عن الهوى ، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد فى
القرآن على ما أراده الله تعالى ، والله أعلم بحقيقة الحال .
(١) فى ف١، م: ((سعيد)).
(٢ - ٢) فى م: ((أبليتهم وعافيتهم)).
(٣) فى ص، ب٢: ((عليها))، وفى ب١، ف١، م: ((عليهم)).
(٤ - ٤) فى ب ١: ((الشيطان غابيا)).
(٥) فى م: ((أجنحتهما)).

٠٥٠٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
كنتُما عليه ، فإذا كان يومُ القيامةِ عذَّبْتُكما، وإن شئتُما عذَّبْتُكما فى الدنيا ، فإذا
كان يومُ القيامةِ ردَدْتُكما إلى ما كنتما عليه. فقال أحدُهما لصاحبه : إن عذابَ
الدنيا يَنْقَطِعُ ويَزولُ. فاختارَا عذابَ الدنيا على عذابِ الآخرةِ، فأوْحَى اللَّهُ إليهما
أن ائْتيا بابلَ، فانْطَلَقًا إلى بابلَ، فخُسِف بهما، فهما مَنْكوسان بينَ السماءِ
والأرضِ، مُعَدَّبان إلى يومِ القيامةِ»(١).
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ عن مجاهدٍ قال : كنتُ مع ابنِ عمرَ فى سفرٍ فقال
لى: ارْمُقِ الكوكبَةَ(١)، فإِذا طلَعَت أَيْقِظْنى. فلما طلَعَت أيْقَظْتُه فاسْتَوَى
جالسًا، فجعَل(١٢) يَنْظُرُ إليها ويَسْبُها سبًّا شديدًا، فقلتُ: يَرْحَمُك اللَّهُ أبا
عبد الرحمنِ، "نجم سامع مُطِيع٤٢ٌ)، ماله يُسَبُ(٢)! فقال: ها(٧)، إن هذه
كانت بَغِيًّا فى بنى إسرائيلَ، فلقِى المَلَكان منها ما لقِياً(4).
وأخرج البیهقئُّ فی « شعب الإيمانِ )) من طريق موسی بن جبيرٍ ، عن موسی
ابنِ عقبةَ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((أَشْرَفَت الملائكةُ
(١) ابن جرير ٣٤٧/٢، ٣٤٨، والخطيب فى تاريخه ٤٢/٨، من طريق سنيد. قال ابن الجوزى فى
الموضوعات ١٨٧/١ : هذا حديث لا يصح. وقال ابن كثير فى تفسيره ١٩٩/١ : هذا غريب جدًّا ،
وأقرب ما فى هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبى وَّيه . وينظر لسان
الميزان ٢٣٦/٢، والسلسلة الضعيفة (٩١١).
(٢) فى ب١، ف١، م: (( الكوكب)).
(٣) سقط من : ب٢ .
(٤ - ٤) فى مصدر التخريج: ((نجمًا ساطعًا مطيعًا)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((صادع مطيع))، وفى ف١: ((ساطع منير))، وفى م: ((ساطع مطيع)).
(٦) فى ص: ((تسب))، وفى ب١، ف١، م: ((تسبب))، وفى ب٢: ((سبب)). والمثبت من المصدر.
(٧) فى ب١، ف١، م: ((أما)).
(٨) سعيد بن منصور (٢٠٦ - تفسير).

٥١٠
سورة البقرة : الآية ١٠٢
على الدنيا ، فرأَت بنى آدمَ يَعْصُون، فقالت: يا ربِّ، ما أَجْهَلَ هؤلاء، ما أقلَّ
معرفةً هؤلاء بعظمتِك! فقال اللَّهُ: لو كنتم فى مِسْلاخِهِم (١) لعصَيْتُمونى. قالوا :
كيف يكونُ هذا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدك ونُقَدِّسُ لك! قال: فاخْتارُوا منكم
مَلَكَين. فاخْتارُوا هاروتَ وماروتَ، ثم أَهْبِطا إلى الأرضِ، ورُكِّبَت فيهما
شَهَواتُ(٢) بنى آدمَ، ومُثِّلَت لهما امرأةٌ، فما ◌ُصِما حتى واقعاً) المعصيةَ، فقال
اللَّهُ: اخْتارًا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فنظَر أحدُهما إلى صاحبِه، قال : ما
تقولُ؟ فاخْتَرْ. قال: أقولُ: إن عذابَ الدنيا يَنْقَطِعُ، وإن عذابَ الآخرةِ لا يَنْقَطِعُ .
فاخْتارا عذابَ الدنيا، فهما اللذان ذكّر اللَّهُ فى كتابه: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَىَ
اُلْمَلَكَيْنِ﴾ الآية(٤).
وأخرَج عبدُ الرزاقٍ ، وابنُ أبِى شَيبةَ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابن أبى الدنيا فى
كتابٍ ((العقوباتِ ))، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرِ، وابنُ أبى حاتم، والبيهقىُ فى
(( شعبِ الإِيمانِ))، من طريقِ الثورىِّ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ
عمرَ، عن كعبٍ قال: ذَكرتِ الملائكةُ أعمالَ بنى آدمَ وما يأْتُونَ من الذنوبِ ،
فقيل: لو كنتم بمَكانِهم لأُتَيْتم مثلَ ما يأتون ، فاختارُوا منكم اثنين. فاختارُوا
هَارُوتَ ومارُوتَ، فقيل لهما: إنى أُرسِلُ إلى بنى آدمَ رُسلًا، فَلَيس بينِى
وبينَكما رسولٌ، انزِلا ، لا تُشرِ كا بى شيئًا، ولا تَزِنيا، ولا تَشربا الخَمرَ. قال
(١) فى ب١، م: ((مسالخهم))، وفى ب ٢: ((سلاخهم))، وفى ف١: ((مسالحكم)). والمِشلاخ:
الهدى والطريقة . النهاية ٢/ ٣٨٩.
(٢) بعده فى ص، ف١، م: ((مثل)).
(٣) فى ب٢: ((وقعا))، وفى ف١: ((قعا)).
(٤) البيهقى (١٦٣). وقال عقيب روايته : ورويناه من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر موقوفًا عليه وهو
أصح، فإن ابن عمر إنما أخذه عن كعب .

٥١١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
كعبٌ : فواللَّهِ ما أَمسيا من يومِهما الذى أُهبطًا فيه حتى استكمَلا جميعَ ما نُهيا
عنه(١) ...
وأخرج الحاكمُ وصحَّحه، من طريقٍ سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنٍ عمرَ، أَنَّه
كان يقولُ: أَطَلَعت الحمراءُ بَعدُ؟ فإذا رآها قال: لا مَرحبًا. ثُم قال: إنَّ مَلكين
من الملائكةِ هاروتَ وماروتَ سأَلا اللَّهَ أنْ يَهِْطا إلى الأَرضِ، (٢ فأُهْبطًا إلى
الأرضِ) ، فكانا يَقضِيَان بينَ النَّاسِ، فإِذا أَمسيا تَكلَّما بكلماتٍ ، فعرجا بها إلى
السَّماءِ، فَقُتّضَ لهما امرأةٌ من أَحْسَنِ النَّاسِ، وأَلْقِيَتْ عليهما الشهوةُ ، فَجَعَلا
يُؤَخِّرانها، وأُلْقِيتْ فى أَنفسِهما، فلم(٢) يزالا يَفْعَلان، حتى وعَدتْهما مِيعادًا
فَأَتَتْهُما للمِيعادِ ، فقالت: عَلِّمانى الكَلمةَ التى تَعْرُجان بها . فعلَّماها الكَلمةً،
فتكلَّمتْ بها ، فعرَجت إلى السماءِ، فُسِخت فجُعِلت(٤) كما تَرَوْن، فلما أَمْسَيا
تَكَلَّما بالكلمةِ ، فلم يَعْرُجا، فبُعِث إليهما : إنْ شئتُما فعذاب الآخرة ، وإن شئتُما
فعذابُ الدنيا إِلى أن تقومَ السّاعةُ ، على أن تَلْقَيا اللَّهَ؛ فإن شاءَ عَذَّبكما، وإن شاءَ
رَحِمَكما. فَتَظَرَ أَحدُهما إلى صاحبِهِ ، فقالَ أَحدُهما لصاحبِه : بل نختارُ عذابَ
الدنيا أَلْفَ أَلْفِ ضِعفٍ. فهما يُعذَّبان إِلى يومِ القيامةِ(٥) .
(١) عبد الرزاق ٥٣/١، وابن أبى شيبة ١٨٦/١٣، وابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٢٤)، وابن جرير
٣٤٣/٢، والبيهقى (١٦٤). وأورد هذا الخبر من عدة طرق ابنُ كثير فى تفسيره ١٩٩/١ وقال: هذا
أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين ، وسالم أثبت فى أبيه من مولاه نافع . فدار
الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار ، عن كتب بنى إسرائيل ، والله أعلم .
(٢ - ٢) سقط من: ب ١.
(٣) فى ب ٢: ((ثم)).
(٤) سقط من : ب ٢.
(٥) الحاكم ٦٠٧/٤، ٦٠٨. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وترك حديث يحيى بن
سلمة عن أبيه من المحالات التى يردها العقل ؛ فإنه لا خلاف أنه من أهل الصنعة ، فلا ينكر لأبيه أن =

٥١٢
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وأخرَج إسحاقُ بنُ راهُويَه، وعبدُ بنُ حميدٍ، وابنُ أبى الدنيا فى
((العقوبات ))، وابن جريرٍ، وأبو الشيخ فى ((العظمة))، والحاكم وصححه ، عن
علىّ بن أبى طالبٍ قال: إن هذه الزُّهَرَةَ تُسَمِّيها العربُ الزُّهَرةَ، والعجم
أَنَاهِيذَ(١)، وكان الملَكان يَحْكُمان بينَ الناسِ، فَأَتَتَّهما، فأرادها كلُّ واحدٍ
منهما (٢) عن غيرِ علم صاحبِه، فقال أحدُهما: يا أخى ، إن فى نفسى بعضَ الأمرِ
أُريدُ أن أَذْكُرَه "لك. قال: اذْكُرْه» ، لعل الذى فى نفسى مثلُ الذى فى نفسِك.
فاتَّفَقا على أمرٍ فى ذلك، فقالت لهما المرأةُ: ألا تُخْبِرانى بما تَصْعَدان به إلى
السماءِ، وبما تَهْبِطان به إلى الأرضِ؟ فقالا: باسم اللَّهِ الأعظم. قالت: ما أنا
بمُؤاتيتِكما(٤) حتى تُعَلِّمانيه . فقال أحدُهما لصاحبِهِ: علِّمها إياه . فقال: كيف لنا
بشدةِ عذابِ اللَّهِ؟! قال الآخرُ: إنا نرجو سَعةَ رحمةِ اللَّهِ. فعلَّمَها إياه، فتكَلَّمَت
به، فطارت إلى السماءِ، ففزع ملَكٌ ("فى السماء) لصعودِها، فطأْطَأْ رأسَه، فلم
يَجْلِسْ بعدُ، ومسخها اللَّهُ فكانت كوكبًا (٢).
= يخصه بأحاديث يتفرد بها عنه . فتعقّبه الذهبى بقوله: قال النسائى: متروك . وقال أبو حاتم : منكر
الحديث . وقال فى ميزان الاعتدال ٣٨٢/٤: قد قوَّه الحاكم وحده، وأخرج له فى المستدرك فلم يُصب .
(١) فى الأصل: ((أبا هند))، وفى ف١: ((أناهيك)). وأناهيذ: اسم الزهرة، وهو الكوكب
المعروف . وهذه تسمية الفرس ، ويقال أيضا بالدال المهملة ((أناهيد)). نهاية الأرب ٣٩/١، والتاج
(ن هـ د ، ن هـ ذ) .
(٢) سقط من: ف ١، م.
(٣ - ٣) سقط من: ب ١.
(٤) فى ب ٢، ف ١، م: ((بمؤاتيكما)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((من الملائكة ).
(٦) أبو الشيخ (٧٠٢)، وابن أبى الدنيا (٢٢٣)، وابن جرير ٣٤٣/٢، والحاكم ٢٦٥/٢، وابن
راهويه - كما فى المطالب (٣٨٩٢).

٥١٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وأخرَج ابنُ راهُويَه، وابنُ مَرْدُويّه، عن علىٍّ بنِ أبى طالبٍ قال: قال
رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَعَن اللَّهُ الزُّهَرةَ؛ فإنها (١) هى التى فتنَت الملكين هاروتَ
وماروت))(٢) .
وأخْرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، والحاكمُ وصحَّحه، عن ابنِ عباسٍ" قال: كانت
الزُّهَرةُ امرأةً ، يقالُ لها/ فى قومِها: بِيذُحْتْ(٤).
٩٨/١
وأخرَج عبدُ الرزاقِ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال: إن المرأةَ التى فُتِن
بها المَلَكانِ مُسخت فهى هذه الكوكبُ(٥) الحمراءُ. يعنى الزّهَرَةَ(٦).
وأخرَج ابنُّ أبى حاتم عن مجاهدٍ قال : كنتُ نازلاً على عبدِ الله بن عمرَ فی
سفرٍ، فلما كان ذاتَ ليلةٍ قال لغلامِه: انظُرْ طَلَعَتِ الحمراءُ؟ لا مرحبًا بها، (ولا
أهلاً ) ، ولا حيّاها اللَّهُ، هى صاحبةُ الملَكين؛ قالتِ الملائكةُ: ربّ(٨)، كيف
تدَعُ عُصاةً بنى آدمَ وهم يَسفِكون الدم الحرامَ ، وينتهِكون محارمَك ، ويُفسِدون
فى الأرضِ. قال: إنى قد ابتليتُهم، فلعلّ (" إن ابتليتُكم بمثلِ الذى ابتليتُهم به ،
(١) فى الأصل: ((فإنما)).
(٢) ابن راهويه - كما فى المطالب (٣٨٩٣). قال ابن كثير فى تفسيره ٢٠٠/١ : هذا لا يصح، وهو
منكر جدًّا. وينظر السلسلة الضعيفة (٩١٣) .
(٣ - ٣) فى ب١، م: ((أبى العباس)).
(٤) الحاكم ٢٦٦/٢ . وبيذُخْث هى تسمية الفرس لكوكب الزهرة ، ويقال أيضا بالدال المهملة
(يبدخت)). ينظر نهاية الأرب ٣٩/١.
(٥) فى ب ١، ف ١، م: ((الكوكبة)).
(٦) عبد الرزاق ١/ ٥٤.
(٧ - ٧) ليس فى : الأصل .
(٨) سقط من: ف ١، م.
(٩) فى ص: ((فَعَلَّ))، وفى ب ٢: ((قبل))، وفى مصدر التخريج: ((فلعلى)).
( الدر المنثور ٣٣/١ )

٥١٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
فعلتُم كالذى يفعلون . قالوا : لا . قال : فاختارُوا من خيارٍ كم اثنين. فاختاروا
هاروتَ وماروتَ ، فقال لهما: إنى مهبِطُكما إلى الأرضِ، وعاهدٌ (١) إليكما: ألّا
تُشرِكًا ، ولا تزنِيًا ، ولا تخونًا. فأُهْبِطا إلى الأرضِ، وأُلقِىَ عليهما الشَّبَقُ،
وأُهبِطَتْ لهما الزُّهَرَةُ فى أحسنٍ صورةِ امرأةٍ ، فتعرَّضت لهما؛ فأراداها عن
نفسِها، فقالتْ : إنى على دينٍ لا يصلُحُ لأحدٍ أن يأتيَنى إلا مَن كان على مثلِه .
قالا : وما دينُكِ؟ قالت: المجوسيةُ. قالا: الشِّرْكُ(٢)! هذا شىءٌ لا نَقْرَبُه.
فمكثَتْ(٣) عنهما ما شاءَ اللَّهُ، ثم تعرضَت لهما، فأراداها عن نفسِها ، فقالتْ :
ما شئتُما، غيرَ أن لى زوجًا ، وأنا أكرهُ أن يطَّلِعَ على هذا منى فأَفْتَضِحَ، فإن
أَقْرِزُما لى بدينى، وشرَطتما أن تصعَدا بى إلى السماءِ، فعلتُ.(٢ )فأقوا لها)
بدينِها وأتَيَاها فيما يَرَيَان، ثم صعِدا بها إلى السماءِ، فلما انتهيًا إلى السماءِ
اختُطِفَتْ منهما، وقُطِعت أجنحتُهما، فوقعا خائفَينِ نادمَينِ بيكيانِ، وفى
الأرضِ نبيِّ يدعو بينَ الجُمعتين ، فإذا كان يومُ الجمعةِ أَجيبَ، فقالا: لو أتينا فلانًا
فسألْناه يطلبُ لنا التوبةَ. فأتياه، فقال: رحِمكما اللَّهُ، كيف يَطلبُ أهلُ الأرضِ
الأهلِ السماءِ. قالا : إنا قد ابتُلينا . قال: اثْتِيانى يومَ الجمعةِ . فأتياه ، فقال : ما
أَجِبْتُ فيكما بشىءٍ، ائتيانى فى الجمعةِ الثانيةِ. فأتياه ، فقال: اختارا، فقد
◌ُحيُّما؛ إن أحببتُما معافاةَ الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا ،
وأنتما يومَ القيامةِ على حكم اللَّهِ . قال أحدُهما: الدنيا لم يمضٍ منها إلا القليلُ.
(١) فى ف ١، م: (معاهد)).
(٢) فى ف ١: ((نشرك))، وفى م: ((أنشرك)).
(٣) فى ب ٢: (( فسكتت)).
(٤ - ٤) فى ف١: ((فأقرا لهما))، وفى مصدر التخريج: ((فأقراها)).

٥١٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقال الآخَرُ: ويحك ، إنى قد أطعتُكَ فى الأولِ ، فأطعْنى الآن ؛ إن عذابًا يَفنى
ليس كعذابٍ يَبقى، وإننا يومَ القيامةِ على حكم اللَّهِ ، فأخافُ أن يعذِّبَنا . قال :
لا ، إنى أرجو إن علمَ اللَّهُ أَنّا قد اخترنا عذابَ الدنيا مخافةً عذابِ الآخرةِ ؛ لا
يجمعهما علینا . قال : فاختارا عذاب الدنيا فجعلا فی بکرات من حديد فى
قَلِيبٍ (١) مملوءةٍ من نارٍ ، أعاليهما أسافلُهما(٢). قال ابنُ كثيرٍ(٢): إسنادُه جيدٌ،
وهو أثبتُ وأصحُ إسنادًا من روايةٍ معاويةً بن صالحٍ، عن نافعٍ .
وأخرج ابنُ المنذرٍ، وابنُ أبى حاتم، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ فى
(( شُعبِ الإِيمانِ))، عن ابنِ عباسٍ قال: لما وقع الناسُ مِن بعدٍ(٤) آدمَ فيما وقعوا فيه
من المعاصى والكفرِ باللَّهِ - قالتِ الملائكةُ فى السماءِ: ربِّ، هذا العالمُ الذى إنما
خلقتَهم لعبادتِكَ وطاعتِكَ، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركِبُوا الكفرَ وقتلَ
٠
النفسِ، وأكلَ مالِ الحرامِ ، والزنى، والسرقةَ ، وشربَ الخمرِ. فجعلوا يَدْعون
. عليهم ولا يعذِرُونهم، فقيل(١): إنهم فى غيبٍ (١). فلم يعذروهم. فقيل لهم:
اختاروا منكم، من أفضلِكم مَلَكين؛ آمرُهما وأنهاهُما . فاختاروا هاروتَ
وماروتَ ، فَأَهْبِطا إلى الأرضِ، وجعَل لهما شهواتِ بنى آدمَ ، وأمرهما أن يَعبداه
(١) القليب: البئر التى لم تُطْو، يذكر ويؤنث. النهاية ٤ / ٩٨.
(٢) ابن أبى حاتم ١/ ١٩٠، ١٩١ (١٠٠٧).
(٣) التفسير ٢٠٠/١، ٢٠١. وبقية كلامه: ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر عن كعب، كما
تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه . وقوله: إن الزهرة نزلت فى صورة امرأة حسناء. وكذا المروى عن علىّ ،
فيه غرابة جدًّا. وينظر ما تقدم ص ٢٥٠، ٥٠٨، ٥١١.
(٤) فى فى ١، م: (( بنی)).
(٥) فى الأصل: ((فقال)).
(٦) فى الأصل: ((غيبه)).

٥١٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
ولا يُشرِكا به شيئًا، ونهاهما عن قتلِ النفسِ الحرامِ، وأكلِ مالِ الحرامِ، وعن
٩٩/١ الزنى، والسرقةُ)، وشرب الخمرٍ، / فلَبِثًا فى الأرضِ زمانًا يَحْكُمانِ بينَ الناسِ
بالحقِّ، وذلك فى زمانٍ إدريسَ، وفى ذلك الزمانِ امرأةٌ حُسْنُها فى النساءِ
كحُسْنِ الزُّهَرَةِ فى سائرِ الكواكبِ ، وإنهما أَتَّيًا عليها، فخَضَعا لها فى القول،
وأرادَاها عن نفسِها ، فَأَبَتْ إلا أن يكونا على أمرِها ودينِها ، فسألاها عن دينها ،
فأخْرَجَت لهما صَنَمًا، فقالت: هذا أعبْدُهُ(٢) . فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةٍ
هذا. فذَهَبا، فغَبَرا ما شاءَ اللَّهُ، ثم أَيًا عليها، فأرَادَاها عن نفسِها ، ففَعَلَت مثلَ
ذلك، فَذَهَبا ، ثم أَتَّيًا عليها، فأراداها على نَفْسِها، فلما رَأَتْ أنهما أَبَيَا أَن يَعْبُدا
الصنمَ قالت (٢) لهما : اختارا أحدَ الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تَعْبُدا هذا الصنمَ ، وإما
أن تَقْتُلا هذا النفسَ، وإما أن تَشْرَبا هذا الخمرَ. فقالا: كلَّ هذا لا ينبغى، [٢٣ ظ]
وأهونُ الثلاثةِ شُرْبُ الخمرِ. () فشرِبا الخمرَ) فأخَذَت منهما، فَوَاقَعا المرأةَ،
فخَشِيا أن يُخْبِرَ الإِنسانُ عنهما، فقَتَلاه. فلما ذَهَبَ عنهما السُّكْرُ، وعَلِما ما
وَقَعا فيه مِن الخطيئةِ ، أرادا أن يَصْعَدَا إلى السماءِ، فلم يَسْتَطِيعا، وحِيلَ بينَهما
وبينَ ذلك، وكُشِفَ الغِطاءُ فيما بينَهما وبينَ أهلِ السماءِ ، فَتَظَرَتِ الملائكةُ إلى
ما وَقَعا فيه، فَعَجِبوا(*) كلَّ العَجَب، وعَرَفوا أنه مَن كان فى غيبٍ فهو أقلّ
خشيةً، فجعلوا بعدَ ذلك يَسْتَغْفِرون لمن فى الأرضِ، فَتَزَل فى ذلك :
(١) سقط من: ف ١، م.
(٢) فى ب ٢: (اعبدوه)).
(٣) فى النسخ: ((فقالت)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤ - ٤) سقط من: ف ١، م.
(٥) فى الأصل: ((فتعجبوا)).

٥١٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].
فقيل لهما : اخْتارًا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا : أمّا عذابُ الدنيا
فإنه ينقطِعُ ويذهبُ، وأمَّا عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له. فاخْتارا عذابَ
الدنيا، فجُعِلًا بيابلَ، فهما يُعَذَّبان١).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن ابنِ عباس قال: إن أهلَ سماءِ الدنيا أشْرَفوا على
أهلِ الأرضِ، فرَأَوْهم يَعْمَلون بالمعاصى، فقالوا : يا ربِّ، أهلُ الأرضِ يَعْمَلون
بالمعاصى . فقال اللَّهُ: أنتم معى ، وهم غَيْبٌ عنى. فقيل لهم: اختاروا منكم
ثلاثةٌ . فاختاروا منهم ثلاثةً ، على أن يَهْبِطوا إلى الأرضِ؛ يَحْكموا بينَ أهلِ
الأرضِ، وُجُعِل فيهم شَهْوةُ الآدمِيِين، فأُمِروا ألا يَشْرَبوا خمرًا ، ولا يَقْتُلُوا نفسًا ،
ولا يَزْنوا، ولا يَشْجُدوا لوثَنٍ. فاسْتَقالَ منهم واحدٌ ، فأُقِيلَ(٢). فأُهبط اثنان إلى
الأرضِ ، فأتَتَّهما امرأةٌ مِن أحسنِ الناسِ يقالُ لها : أناهیذ(٣) . فَھَوَیاھا جمیعًا ، ثم
أَتَيَا منزلَها، فاجتَمَعا عندَها ، فأرَاداها ، فقالت لهما : لا ، حتى تَشْرَبا خَمْرى ،
وتَقْتُلا ابنَ جارى، وتسْجُدا لوَثَنى. فقالا: لا نسجُدُ. ثم شَرِبا مِن الخمرٍ ، ثم
قَتَلا ، ثم سَجَدا . فأُشْرَف أهلُ السماءِ عليهما، وقالت لهما: أخْبِرانى بالكلمةِ
التى إذا قُلْتُماها طِرْتُما. فأخْبَراها، فطارت، فمُسِخَت جمرةً، وهى هذه
(١ - ١) ليس فى : الأصل.
والأثر عند ابن أبى حاتم ١٨٩/١، ١٩٠ (١٠٠٥).
(٢) الاستقالة: طلب الإقالة، وتكون فى البيعة والعهد، ويقال: تقايلا بعدما تبايعا. أى تتاركا، وأقلته
البيع إقالة، وهو فسخه. انظر اللسان (ق ی ل).
(٣) فى الأصل: ((أبا هند))، وفى ص: ((شاهين))، وفى ب ١: ((أتاهيد))، وفى ب ٢: (( أناهبذ))، وفى
م، ف ١: ((أناهيله)). وينظر ص ٥١٢ .

٥١٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
الزُّهَرَةُ. وأَمَّا هما ، فأرسَل إليهما سليمانُ بنُ داود ، فخَيّرهما بینَ عذاب الدنيا
وعذاب الآخرةِ ، فاخْتارا عذابَ الدنيا، فهما مُناطانٍ بينَ السماءِ والأرضِ (١).
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، مِن طريقٍ أبى عثمانَ النَّهْدىِّ ، عن ابنٍ مسعودٍ ، وابنٍ
عباسٍ قالا: لمّ كَثُر بنوآدمَ وعَصَوا، دَعَتِ الملائكةُ عليهم، والأرضُ، والجبالُ:
ربَّنا لا تُمْهِلْهم. فأوحَى اللَّهُ إلى الملائكةِ: إنى أَزَلْتُ الشهوةَ والشيطانَ مِن
قلوبِكم، ولو تُرِكْتُم لفَعَلتُم أيضًا. قال: فحدَّثوا أنفسَهم أن لو ابتُلوا
اعتصمُوا (٢) . فأوحَى اللَّهُ إليهم: أن اختاروا مَلَكَين مِن أفضلِكم. فاختاروا
هاروتَ وماروتَ ، فَأَهْبِطا إلى الأرضِ ، وأَنْزِلَت الزُّهَرةُ إليهما فى صورةِ امرأةٍ مِن
أهلِ(٢) فارسَ، يُسَمُّونها بِيذُخْتْ . قال: فَوقَعا(٤) بالخطيئةِ، فكانت الملائكةُ
يَسْتَغْفرون للذين آمنوا، فلما وَقَعَا بالخُطِيئَةِ استغفروا لَن فى الأرضِ، فخُيِّرا بينَ
عذابِ الدنيا وعذاب الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا (٥).
وأخرَج عبدُ الرزاقٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، مِن طريقٍ
الزهرىِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ فى هذه الآيةِ: كانا مَلَكَين مِن الملائكةِ،
فَأَهْبِطا لِيَحْكُمَا بينَ الناسِ؛ وذلك أن الملائكةَ سَخِروا مِن أَحْكَامُ(١) بنى آدمَ،
فحاكمت إليهما امرأةٌ، فحَافًا لها، ثم(٧) ذَهَبا يَصْعَدان، فحِيلَ بينَهما وبينَ
(١) ابن أبى حاتم ١/ ١٩١، ١٩٢ (١٠٠٨).
(٢) فى ف ١، م: ((لعصموا)).
(٣) فى ب ١: ((أحسن)).
(٤) فى ص، ب١، ب٢، ف١، م: ((فواقعاها)).
(٥) ابن جرير ٣٤٢/٢.
(٦) فى ص، ب١، ب٢، ف١، م: ((حكام)).
(٧) بعده فى م: ((صعدا)).
محمد

٥١٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
ذلك، وخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ ، فاختارا عذابَ الدنيا (١).
وأخرَج سعيدُ بنُّ منصورٍ عن خُصَيفٍ قال : كنتُ مع مجاهدٍ ، فمرّ بنا رجلٌ
مِن قريشٍ، فقال له مجاهدٌ: حَدِّثْنا ما سمعتَ مِن أبيك. قال: حدَّثنى أبى أن
الملائكةَ حين جَعَلوا ينظرون إلى أعمالٍ بنى آدمَ وما يركَبون مِن المعاصى الخبيثةِ ،
وليس يَسْتُوُ الناسَ مِن الملائكةِ شىءٌ، فجعَل بعضُهم يقولُ لبعضٍ : انظُروا إلى
بنى آدمَ كيف يَعْمَلون كذا وكذا! ما أَجْرأَهم على اللَّهِ ! يَعِيئُونهم بذلك . فقال
اللَّهُ لهم : قد سمِعتُ الذى تقولون فى بنى آدمَ ، فاختاروا منكم مَلَكَين أُهْبِطُهما
إلى الأرضِ، وأجعلْ فيهما شهوةَ بنى آدمَ ، فاختاروا هاروتَ وماروتَ ، فقالوا :
يا ربّ ، ليس فينا مِثْلُهما. فأُهْبِطا إلى الأرضِ، وجُعِلَت فيهما شهوةُ بنى آدمَ ،
ومُثِّلَت لهما الزُّهَرةُ فى صورةِ امرأةٍ ، فلما نَظَرًا إليها لم يَتَمَالكا أن تَناوَلا منها ما
اللَّهُ أعلمُ به ، وأَخَذَت الشهوةُ بأسماعِهما وأبصارِهما، فلما أرادَا أن يَطِيرًا إلى
السماءِ لم يَسْتَطِيعا، فأتاهما مَلَكٌ فقال: إنكما قد فَعَلَتُما ما فَعلتُما، فاخْتارا
عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ . فقال أحدهما للآخرِ: ماذا تَرى؟ ! قال: أَرَى أن ١٠٠/١
أُعَذَّبَ فى الدنيا، ثم أُعَذَّبَ ، أحبُّ إلىَّ مِن أن أُعَذَّبَ ساعةً واحدةً فى الآخرةِ .
فهما مُعَلَّقان مُتَكّسان فى السَّلاسلِ، وُجُعِلا فتنةٌ(٢) .
وأخرج ابنُّ جَريرٍ عن ابنِ عباسٍ قال: إن اللَّهَ أفْرَج السماءَ لملائكِه(١) يَنْظُرون
إلى أعمالٍ بنى آدمَ ، فلمَّا أَبْصَروهم يَعْمَلون بالخَطايا ، قالوا: يا ربِّ، هؤلاءِ بنو
(١) عبد الرزاق ٥٣/١، وابن جرير ٣٣٢/٢.
(٢) سعيد بن منصور (٢٠٥ - تفسير). قال محققه : إسناده ضعيف لضعف خصيف من قبل حفظه
ولجهالة الرجل من قريش .
(٣) فى ف ١، م: ((إلى ملائكته)).

٥٢٠
سورة البقرة : الآية ١٠٢
آدمَ الذى خلَقْتَ (١) بيدِك، وأسْجَدْتَ له ملائكتك، وعلَّمْتَه أسماءَ كلِّ شيءٍ،
يَعْمَلُون بالخَطايا . قال: أما إنكم لو كنتم مكانَهم لعمِلْتُم مثلَ أعمالهم . قالوا :
سبحانَك، ما كان يَنْتَغى لنا. فأُمِروا أن يَخْتاروا (" مَلكينِ لِيَهْبِطا" إلى الأرضِ،
فاختاروا هاروتَ وماروتَ ، فأُهْبِطا إلى الأرضِ، وأُحِلَّ لهما ما فيها مِن شىءٍ،
غيرَ أنهما لا يُشْرِكا(١) باللّهِ شيئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخمرَ، ولا
يَقْتُلا النفسَ التى حرَّم اللَّهُ إلا بالحقِّ. فَعَرَض لهما امرأةٌ قد قُسِم لها نصفُ
الحسنِ، يقالُ لها: بِيذُخْتْ. فلما أبْصَراها أراداها، قالت: لا ، إلا أن تُشْرِ كا
باللَّهِ، وتَشْرَبا الخمرَ، وتَقْتُلا النفسَ، وتَسْجُدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا
لِتُشْرِكَ باللَّهِ شيئًا. فقال أحدُهما للآخَرِ: ارْجِعْ إليها. فقالت: لا ، إلا أن تَشْرَبا
الخمرَ. فشرِبا حتى ثَمِلاً) ، فدخَل عليهما سائلٌ فقتَلاه، فلمَّا وقَعا فيما وقَعا
فيه ، أفْرَج اللَّهُ السماءَ لملائكتِهِ، فقالوا: سبحانَك، أنت أعلمُ. فَأَوْحَى اللَّهُ إلى
سليمانَ بنِ داودَ أن يُخَيِّرَهما بينَ عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذابٌ
الدنيا ، فَكُثُلا مِن أْثُيِهما إلى أعناقِهما بمثلِ أعناقِ البُخْتِ(٥)، وجُعِلا ببابلَ(٦).
وأخرج ابن أبى الدنيا فى ((ذمّ الدنیا))، والبيهقئ فى « شُعبِ الإيمانِ ))، عن
(١) فى ب ٢: ((خلقته)).
(٢ - ٢) فى ب ١، ف ١: ((ليهبط)).
(٣) فى ب٢: ((يشركا)). ثم كتب النون فوقها، وحذف النون فى هذا الموضع وما بعده لغة صحيحة .
ينظر صحيح مسلم بشرح النووي ٦٥/١٢ .
(٤) ثمل : سكر وأخذ فيه الشراب. اللسان (ث م ل).
(٥) البخت : الإبل الخراسانية . اللسان (ب خ ت) .
(٦) ابن جرير ٢/ ٣٤١.