Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ معرفة المعضل = فقال: أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن؛ لا خلاف بينهم في ذلك؛ إذا جمع شروطًا ثلاثة: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس؛ وهو قول مالك وعامة أهل العلم. والعنعنة: مصدر عنعن الحديث؛ إذا رواه بلفظ ((عن))، من غير بيان التحديث والإخبار والسماع، وشرط المصنّف أن تثبت ملاقاة بعضهم بعضًا، وقال: اشتراط اللقاء قول مخترع لم يُسبق قائله إليه، وسيأتي ذلك قريبًا في كلام المصنف، في الثالث بعد هذا. وقوله: فَظُنَّ؛ أمرٌ بالظَّنِّ. قال: الثاني: اختلفوا في قول الراوي: أَنَّ فلانًا قال كذا وكذا، هل هو بمنزلة ((عن)) في الحَمْلِ على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما، حتى يتبيّن فيه الانقطاع؟ مثالُه: ((مالك، عن الزهري: أن سعيد بن المسيب قال كذا))، فروينا عن ((مالك رضي الله عنه)) أنه كان يرى ((عن فلان)) و ((أَنَّ فلانًا)) سواءً. وعن «أحمد بن حنبل)): أنهما ليسا سواءً. وحكى ((ابنُ عبد البر)) (عن الجمهور)(١)، أنَّ ((عن)) و ((أنّ) سواء، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة - يعني مع السلامة من التدليس - فإذا كان سماعُ بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض بأيِّ (اللفظ)(٢) وَرَدَ: مَحمولاً على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع. وحكى «ابنُ عبد البر)) عن ((أبي بكر البرديجي)): أن حرف ((أنّ) محمولٌ على الانقطاع حتى يتبينَ السماعُ في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى. (١) في ش وع: ((عن جمهور أهل العلم)). (٢) في ش وع: ((لفظ)). ١٦٢ النوع الحادي عشر وقال: عندي لا معنى لهذا، لإجماعهم على أن الإسنادَ المتصل بالصحابي سواءٌ فيه، قال: قال رسول الله وَ﴾، أو أنّ رسول الله بَل قال، أو: عن رسول الله وَلّ أنه قال، أو: سمعتُ رسول اللهِ وَِّ (يقول(١). قلت: ووجدت مثل ما حكاه عن ((البرديجي)) للحافظ الفحل ((يعقوب بن شيبةَ)) في ((مسنده الفحل))، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن (الحنفية)(٢) عن عمار، قال: ((أتيت النبيّ وَّرَ وهو يصلي فسلمتُ عليه، فردّ عليّ السلام .. )) و جعله مسنداً موصولاً. وذكر: رواية قيس بن سعد (كذلك)(٣) عن عطاء بن أبي رباح عن (ابن) (٤) الحنفية: ((أنَّ عماراً مرّ بالنبي ◌َّ وهو يصلي .. )) فجعله مرسلاً من حيث كونه قال: إن عمارًا فعل، ولم يقل: عن عمار. ثم إن ((الخطيبَ)) مَثَّلَ هذه المسألةَ بحديث نافع عن ابن عمر (عن عمر)(٥) أنه سأل النبي وَ﴾: ((أينام أحدٌنًا وهو جُنُب؟ .. )) الحديث. وفي رواية أخرى، عن نافع عن ابن عمر، (أن عمر)(٥) قال: ((يا رسول الله .. )) الحديث. ثم قال: ظاهرُ الرواية الأولى؛ يُوجب أن يكون من مسند (عُمَرَ) (٦) عن النبي وَّر؛ والثانيةُ ظاهرُها يوجب أن يكونَ من مسند ابن عمر، عن النبي ◌َّ . . قلت: ليس هذا المثالُ مماثلاً لما نحن بصدده، لأن الاعتمادَ فيه في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور، إنما هو على اللقاء والإدراك، وذلك في هذا (١) هكذا في خط وع، وليست في ش. (٢) هكذا في ش وع، وفي خط: ((الحنيفية)). (٣) هكذا في خط بالكاف في أوله، وفي ش وع (لذلك)) باللام. (٤) هكذا في ش وع، وفي خط: ((أبي)). (٥) هكذا في ش وع، وليست في خط. (٦) هكذا في ش وع، وفي خط: ((ابن عمر)). ١٦٣ معرفة المعضل الحديث مشتَرَكٌ متردِّد، لتعلقه بالنبيِ وَّ، وبعمر رضي الله عنه، وصحبة الراوي م ابن عمر لهما، فاقتضى ذلك من جهة: كونَه رواه عن النبي ◌ِّ؛ ومن جهة أخرى، كونَه رواه عن عمر عن رسول اللهِ وَالحجر. انتهى. بَرْدِيج(١) على وزن فعليل بفتح أوله، بليدة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر فرسخًا؛ إليها ينسب الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البَرْديجي البرذعي. واعتُرضَ؛ بأن ما حكاه المصنّف عن أحمد ويعقوب بن شيبة من تفرقتهما بين ((عن)) و ((أن)): ليس كذلك على ما فهمه من كلامهما، ولم يفرقا بينهما لصيغة ((أن)) وإنما فرَّقًا بمعنى آخر غير الذي فهمه المصنف وهو أن يعقوب إنما جعلَهُ مرسلاً من حيث أن ابن الحنفية لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلاّ فلو قال ابن الحنفية: ((إن عمارًا قال: مررتُ بالنبيِّ وَّةِ)) ما جعلَه يعقوب مرسلاً، فلما أتى به بلفظ: ((إن عمارًا مرَّ) كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يذكرها؛ لأنه لم يذكر مرور عمار بالنبي وَّ، فكان نقله لذلك مرسلاً، وهذا أمر واضح، ولا فرق بين أن يقول ابن الحنفية: ((إن عمارًا مرَّ بالنبِي وَّةٍ)) أو ((إن النبيِنَّ مَرَّ به عمار)) فكلاهما مرسل بالاتفاق، بخلاف ما إذا قال: عن عمار قال: مررت، أو أن عمارًا قال: مررت، فإن هاتَيْن العبارتَيْن متصلتان لكونهما أسندتا إلى عمار، وكذلك ما حكاه المصنف عن أحمد من تفرقته بين ((عن)) و ((أن)) فهو على هذا النحو، ويتضح ذلك بعبارة أحمد. روى الخطيب في ((الكفاية)) بإسناده إلى (أبي)(٢) داود قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلاً قال: قال عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة عن عائشة سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء. (١) في حاشية خط: ((برديج معرب .... من البلد العالي ... تتدلى .. إليها حي البنفسج)). هذا ما وضح من هذه الحاشية، والله المستعان. (٢) سقطت من خط، وهي في ع. ١٦٤ النوع الحادي عشر = وإنما فرَّق أحمد بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، وإلا فلو قال عروة إن عائشة قالت: قلت يا رسول الله لكان ذلك متصلاً، لأنه أسند ذلك إليها، وأما اللفظ الثاني فأسنده عروة إليها بالعنعنة فكان ذلك متصلاً . فما فعله أحمد ويعقوب صواب ليس مخالفًا لقول مالك ولا لقول غيره، وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل، والقاعدة في معرفة المتصل من المرسل في ذلك. أن الراوي إذا روى حديثًا فيه قصة أو واقعة فإن كان أدرك ما رواه؛ بأن حكى قصة وقعت بين النبي ◌َّ وبين بعض الصحابة؛ فإن كان الراوي لها صحابيًا أدرك تلك الواقعة فهي متصلة، سواء شاهدها أم لا، وإن لم يدركها فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، وإن لم يدركها فإن أسندها إلى الصحابي كانت متصلة أيضًا، وإن لم يدركها ولا أسندها إلى الصحابي فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار. ولا بد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم، وقد حكى أبو عبد الله بن الموّاق الاتفاق على ذلك في كتابه (بغية النقاد)) عند ذكر حديث عبد الرحمن بن طرفة: ((أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب .. )) الحديث، فقال: الحديث عند أبي داود مرسل، وقد نبّه ابن السكن على إرساله، قال ابن الموّاق: وهذا أمر بيِّن ولا خلاف في انقطاع ما يروى كذلك إذا علم أن الراوي لم يدرك زمن القصة كما في هذا الحديث، وذكر نحو ذلك أيضًا في حديث أبي قيس: أن عمرو بن العاص كان على سرية ... الحديث، في التيمم، من عند أبي داود أيضًا. قال: الثالث: قد ذكرنا ما حكاه ((ابن عبد البر)) من تعميم الحكم بالاتصال فيما يذكره الراوي عن من لقيه بأي لفظ كان. وهكذا أطلقِ ((أبو بكر الشافعي الصيرفي)) ذلك فقال: ((كلّ من عُلم له سماعٌ من إنسان فحدَّث عنه، فهو على السماع، حتى يُعلَم أنه لم يسمع منه ما حكاه؛ وكل من عُلِم له لقاءُ إنسان فحدَّث عنهُ، فحكمهُ هذا الحكم)). وإنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسُه. ١٦٥ معرفة المعضل = ومِن الحجة في ذلك وفي سائر الباب: أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذِكْر الواسطة بينه وبينه، مُدلِّسًا، والظاهرُ السلامةُ من وصمة التدليس، والكلامُ فیمَن لم يُعرف بالتدليس . ومن أمثلة ذلك قولُه: قال فلان كذا وكذا؛ مثل أن يقول نافع قال ابن عمر؛ وكذلك لو قال عنه: ذَكَرَ، أو: حَدَّثَ، أو: كان يقول كذا وكذا؛ وما جانس ذلك. فكل ذلك محمولٌ ظاهرًاً على الاتصال، وأنه تلقَّى ذلك منه من غير واسطة بينهما، مهما ثبت لقاؤه له على الجملة. ثم منهم من اقتصرَ في هذا الشرط المشروطِ في ذلك ونحوه، على مطلَق اللقاء أو ألسماع، كما حكيناه آنفًا . وقال فيه ((أبو عمرو المقرىء)): إذا كان معروفاً بالرواية عنه. وقال فيه ((أبو الحسن القابسي)): إذا أدرك المنقولَ عنه إدراكًا بيِّنَا . وذكر ((أبو المظفر السمعاني)) في العنعنة، أنه يُشترط طولُ الصحبة بينهم. وأنكرَ ((مسلمٌ) في خطبة ((صحيحه)) على بعض أهل عصره، حيثُ اشترطَ في العنعنة ثبوتَ اللقاء والاجتماع، وادَّعى: أنه قولٌ مخترَع لم يُسبَق قائلُه إليه، وأن القولَ الشائع المتفقَ عليه بين أهلِ العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا: أنه يَكْفي في ذلك أن يُثبُت كونُهما في عصرٍ واحدٍ، وإنْ لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها . وفيما قاله ((مسلم)) نظرٌ؛ وقد قيل: إنَّ القولَ الذي ردَّهُ ((مسلم)) هو الذي عليه أئمةُ هذا العلم: ((على ابن المديني، والبخاري)) وغيرهما. قلت: وهذا الحكم لا أراه يَستمرُّ به المتقدمين فيما وُجِدَ من المصنِّفين في تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه: ذكرَ فلانٌ، قال فلانٌ؛ ونحو ذلك (فافهم)(١) فإنه مُهمٌ عزيز. انتهى. وهذا هو الذي تقدَّم الوعد بذكره، والصّرفِي أبو بكر اسمه: محمد بن عبد الله، أحد أصحاب الوجوه في فروع الفقه وأصوله، تفقّه على ابن سريج، ويقال: إنه - (١) في ش وع: ((فافهم كلّ ذلك)) .. ١٦٦ النوع الحادي عشر كان أعلم الناس بأصول الفقه بعد الشافعي، سمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، وعنه علي بن محمد الحلبي، توفي في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة، له مصنفات في الفقه وغيره، ومن اختياراته: (أن)(١) من وطىء في نكاح بلا ولي، وهو يعتقد تحريمه؛ حُدّ. روى الصّيرفي بسنده إلى وهب بن منبه، أنه قال: ((الدَّراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، مَن ذَهَبَ بخاتم الله قضيت حاجته)). رواه الخطيب البغدادي بسنده إلى وهب. قال: الرابع: التعليقُ الذي يذكره ((أبو عبد الله الحميدي)) صاحب ((الجمع بين الصحيحين)) وغيره من المغاربة، في أحاديثَ من (صحيح البخاري) قطع إسنادَها، وقد استعمله ((الدارقطني)) من قبلُ: صورتُه صورةُ الانقطاع وليس حكمه حكمَه، ولا خارجاً ما وُجدَ ذلك (فيه)(٢)، من قَبِيلِ الصحيح إلى قبيلِ الضعيف. وذلك لما عُرفَ من شَرْطه وحُكمه، على ما نبهنا عليه في الفائدة السادسة من النوع الأول. ولا التفات إلى ((أبي محمد بن حَزْم الظاهري)) في ردِّه ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر(و)(٣) أبي مالك الأشعري، عن رسول الله وَسير: ((ليكونَنّ في أمتي أقوام يستحلون الحريرَ والخمر والمعازفَ)) .. الحديث. من جهة أن البخاري أورده قائلاً فیه: ((قال هشام بن عمار)) وساقه بإسناده. فزعم «ابنُ حزم)) أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف. وأخطأ في ذلك من وجوه. والحديثُ صحيح معروفُ الاتصال بشرط (الصحيح). (١) في خط: ((أنه أن)). (٢) في ش وع: (( .. فيه منه .. )). (٣) في ش وع: ((أو)) وما فيهما هو الذي في صحيح البخاري (٥٥٩٠). نعم رواه ابن حبان (٦٧٥٤) بالواو. ١٦٧ معرفة المعضل و ((البخاري)) رحمه الله قد يفعل مثلَ ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علَّقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخرَ من كتابه مسندًا متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خللُ الانقطاع. وما (ذكرنا)(١) من الحُكم في التعليق المذكور، فذلك فيما أورده منه أصلاً ومقصودًا، لا فيما أورده في معرض الاستشهاد؛ فإن الشواهدَ يُحتمَل فيها ما ليس من شرط الصحيح، معلَّقًا كان أو موصولاً. ثم إن لفظ التعليق وجدتُه مستعملاً فيما حُلْفَ من مبتد! إسناده واحدٌ فأكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كلِّ الإسناد. مثال ذلك: قوله: قال رسول الله رو چل كذا وكذا؛ قال ابن عباس كذا وكذا؛ (وروى)(٢) أبو هريرة كذا وكذا؛ قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (كذلك، قال الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي (18 كذا وكذا)(٣)، وهكذا إلى شیوخ شيوخه. وأما ما أورده كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ما ذكرناه قريبًا في الثالث من هذه التفريعات. وبلغني عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه جعله قسمًا من التعليق ثانيًا، وأضاف إليه قولَ ((البخارِي)) في غير موضع من كتابه: ((وقال لي فلان، (وزادنا)(٤) فلان))، فوسم كلّ ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر، المنفصل من حيث المعنى، وقال: متى رأيت البخاري يقول: (وقال لي فلان، وقال لنا)(٥)؛ فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به. (١) في ش وع: ((ذكرناه)) بالهاء في آخره. (٢) هكذا في خط بالواو قبله وفي ش وع (روی)) بدون الواو. (٣) هكذا في خط وفي ع: (( .. كذا وكذا، قال الزهري .... ))، وفي ش: (( .. كذا وكذا، وهكذا إلي شيوخ شيوخه .. )) سقط ذكر: ((قال الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَطّر كذا وكذا)). (٤) هكذا في خط وع، وفي ش: ((وروانا)). (٥) هكذا في ش وع، وفي خط: ((وقال وقال لنا)). ١٦٨ النوع الحادي عشر = وكثيرًا ما يعبر المحدّثُون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات، وأحاديثُ المذاكرة قلَّما يحتجّون بها. قلت: وما ادَّعاه على ((البخاري) مخالفٌ لما قاله مَن هو أقدمُ منه وأعرَفُ بالبخاري، وهو العبد الصالح («أبو جعفر بن حمدانَ (النيسابوري)(١) فقد روینا عنه أنه قال: كل ما قال البخاري: ((قال لي فلان)) فهو عَرْضٌ ومُنَاولة. قلت: ولم أجد لفظ التعليق مستعملاً فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه أو من آخره، ولا في مثل قوله: ((يُرْوَى عن فلان، ويُذْكَر عن فلان)) وما أشبهه، مما ليس فيه جزم على من ذَكَر ذلك عنه، بأنه قاله وذكره. وكأنَّ هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه، لما يشترك الجميعُ فيه من قطع الاتصال. انتهى. اعتُرضَ عليه؛ بأن البخاري شرط في كتابه ما سمّاه به ((المسند الصحيح)) وقد وضع فيه ما لم يسنده، وكذا قال ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)): إن ما علَّقه البخاري من الأحاديث غير مبال بضعف رواتها فإنها غير معدودة فيما انتخب، وإنما يعدّ من ذلك ما وصل الأسانيد به. والجواب: أن المصنّف إنما يحكم بصحتها إلى من علّقها عنه إذا ذكره بصيغة الجزم، ولا نظن بالبخاري أن يجزم القول فيما ليس بصحيح عمّن جزم به عنه، فأمَّا إذا ذكر فيما أبرزه من السند ضعيفًا فإنه ليس بصحيح عنده. قوله: فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام؛ ليس كذلك، وإنما قال في (المحلّى)): منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد. وصدقة هذا شيخ هشام بن عمار في هذا الحديث، وهذا قريب، إلاَّ أنَّ المصنّف لا يجوِّز تغيير الألفاظ في التصانيف وإن اتفق المعنى. قوله: وأما ما أورده البخاري كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ما ذكرنا قريبًا في الثالث؛ أي ما قال فيه البخاري: قال فلان، وسمّى بعض شيوخه، أنه محكوم فيه بالاتصال كالإسناد المعنعن . يُشْكل على ما ذكره المصنّف هنا: أنّ البخاري قال في ((الجنائز)) باب: ((ما جاء (١) تحرَّف فى نشرة المقدمة إلى: ((النسيابورى)). ١٦٩ = معرفة المعضل في قاتل النفس)): وقال حجاج بن منهال، ثنا جرير بن حازم، عن الحسن، قال: ثنا جندب في هذا المسجد، فما نسيناه، وما نخاف أن يكذب جندب على رسول الله وَالر، قال: ((كان برجل جراح فقتل نفسه ... الحديث)). فحجاج بن منهال أحد شيوخ البخاري، قد سمع منه أحاديث، وقد علّق عنه هذا الحديث، ولم يسمعه، وبينه وبينه واسطة، كما ذكره في باب: ((ما ذكر عن بني إسرائيل)) فقال: ثنا محمد، ثنا حجاج، قال: ثنا جرير، عن الحسن، قال: حدثنا جندب، فذكر الحديث. فهذا يدلُّ على أنه لم يسمعه من حجاج، وهذا تدليس، فلا ينبغي أن يحمل ما علّقه عن شيوخه؛ على السماع منهم. ويجوز أن يقال: إنّ البخاري أخذه عن حجاج بالمناولة، أو في حال المذاكرة، على الخلاف الذي ذكره المصنّف، وسمعه ثمَّن سمعه منه، فلم يستحسن التصريح باتصاله بينه وبين حجاج (ما وقع من يحمله) (١) وهو قد صحّ عنده بواسطة الذي حدث به عنه، فأتى به في موضع بصيغة التعليق، وفي موضع آخر بزيادة الواسطة، وعلى هذا فلا يسمى ما وقع من البخاري على هذا التقدير تدليسًا، وعلى كل حال فهو محكوم بصحته لكونه أتى به بصيغة الجزم، فما قاله ابن حزم في حديث البخاري عن هشام بن عمار، بحديث المعازف، من أنه ليس متصلاً عند البخاري يمكن أن يكون البخاري أخذه عن هشام مناولة أو في المذاكرة، فلم وري يُصَرِّح فيه بالسماع. وقول ابن حزم: إنه موضوع؛ مردود عليه بالاتفاق، فقد وصله غير البخاري من طريق هشام، ومن طريق غيره. قال الإسماعيلي في (صحيحه)): ثنا الحسن، وهو: ابن سفيان، الإمام، ثنا هشام بن عمار. وقال الطبراني في ((مسند الشاميين)): ثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد. وقال أبو داود في ((سننه)): ثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا بشر بن بكر، (١) كذا في خط. ١٧٠ النوع الحادي عشر كلاهما(١) عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده. وقد ذكر المصنّف فيما تقدم في ((النوع الأول)) في أمثلة تعليق البخاري: قال القعنبي، والقعنبي من شيوخ البخاري، فجعله هناك من باب التعليق، وخالف ذلك هنا . وقد يُجاب عنه بما ذكره هنا عقب الإنكار على ابن حزم، وهو قوله: والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكون الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علّق عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكره في موضع آخر متّصلاً، أو غير ذلك من الأسباب التي لا يَصْحبها خلل الانقطاع. فحديث المعازف: معروف من جهة الثقات عن هشام، وحديث جندب: ذكره في موضع آخر من كتابه مسنداً . وقد اعتُرض على المصنّف في قوله: وقد يفعل ذلك لسبب من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع؛ بأنّ حديث جندب المذكور في ((الجنائز)) صحبَهُ خلل الانقطاع، فإنه لم يأخذه عن حجاج بن منهال. وجوابه: أنه لم يرد بقوله: لا يصحبه خلل الانقطاع (في غير الموضع)(٢) الذي علقه فيه؛ فإن التعليق منقطع قطعًا، بل مراده لا يصحبها في الواقع، بأن يكون الحديث معروف الاتصال، إما في كتابه في موضع آخر، كحديث جندب، أو في غيره، كحديث أبي مالك الأشعري، فإنه إنما جزم به حيث علم صحته واتّصاله في نفس الأمر كما تقدم. واختلف في ((محمد)» شيخ البخاري في حديث جندب، فقيل: هو محمد بن يحيى الذهلي، وهو الظاهر، فإنه روى عن حجاج بن منهال، والبخاري عادته لا ينسبه إذا روى عنه، إما لكونه من أقرانه أو لما جرى بينهما، وقيل: هو محمد بن جعفر السِّمْنَانِي . قوله: ((قلت: ولم أجد لفظ التعليق مستعملاً فيما سقط فيه بعض رجال (١) يعني: صدقه وبشر بن بكر. (٢) كذا في خط، وصوابها: ((في الموضع)). ١ ١٧١ معرفة المعضل الإسناد من وسطه أو من آخره .. إلى آخره)). قد وُجد ذلك، وقد سمَّى غير واحد من المتأخِّرين ما ليس بمجزوم: تعليقًا؛ منهم: الحافظ أبو الحجاج المزّى لقول البخاري في باب: ((مسّ الحرير)): ويروى فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ◌َّ فذكره في ((الأطراف))، وعلَّم عليه علامة التعليق للبخاري. وكذا فعل غير واحد من الحفاظ، يقولون: ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا، أو تعليقًا غير مجزوم به، إلاَّ أنه يجوز أن هذا الاصطلاح متجدّد فلا لوم على المصنّف في قوله: إنه لم يجده. قال: الخامس: الحديثُ الذي رواه بعضُ الثقات مرسَلاً وبعضُهم متصلاً؛ اختلف أهلُ الحديث في أنه ملحَق بقبيلِ الموصول أو بقبيل المرسل. مثاله: ((لا نكاحَ إلا بوليٍّ): رواه إسرائيلُ بن يونسَ في آخرين، عن جَدِّ أبي إسحاق السّبيعي، عن أبي بُرْدةَ، عن أبيه أبي موسى الأشعري عن رسول الله وَلخير؛ مسنداً هكذا متصلاً. ورواه سفيان الثوري، وشعبة، عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ◌َّ، مرسلاً هكذا. فَحکَی («الخطيبُ الحافظ)»: أنَّ أكثر أصحاب الحديث يرَوْن الحُكم في هذا وأشباهِه للمرسَلِ. وعن بعضهم: أن الحُكم للأكثر، وعن بعضهم أن الحكم للأحفَظ. فإذا كان من أرسله أحفظَ ممن وصله فالحكم لمن أرسله، ثم لا يقدح ذلك في عدالة مَنْ وصله وأهليته(١). ومنهم من قال: الحُكم لمن أسنده، إذا كان عدلاً ضابطًا، فيقبل خبرُه وإن خالفه غيره، سواء كان المخالفُ له واحدًا أو جماعة. قال ((الخطيب)): هذا القول هو الصحيح. (١) زاد في ش وع: (( .. ومنهم من قال: مَن أسند حديثًا قد أرسله الحفّاظُ، فإرسالهم له يقدح في مُسْندِهِ وفي عدالته وأهلیته .. )). ١٧٢ = النوع الحادي عشر قلت: وما صحّحَهُ، هو الصحيحُ في الفقه وأصوله. وسئل ((البخاري)) عن حديث ((لا نكاح إلا بوليٍ) المذكور، فحكَم لمن وصَلَه، وقال: الزيادةُ من الثقة مقبولة. فقال ((البخاري)) هذا، مع أنَّ مَنْ أرسله ((شعبةُ، وسفيانُ) (وهما جَبَلان)(١). ويلتحق بهذا، ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله، وصلَه في وقت وأرسلَه في وقت وهكذا إذا رفع بعضُهم الحديثَ إلى النبيِ وَّةِ، ووقفه بعضهم على الصحابي، أو رفعه واحدٌ في وقت، ووقَفَه هو أيضًا في وقت آخرَ، فالحكمُ على الأصحِّ في كل ذلك لما زاده الثقةُ مَّن الوصل والرفع، لأنه مُثبّتٌ وغيره ساكت، ولو كان نافيًا فالمثبتُ مُقدّم عليه، لأنه علم ما خَفِيَ عليه، ولهذا الفصل تَعَلَّقُ بفصلِ ((زيادة الثقة في الحديث)) وسيأتي. انتهى. قوله: فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة، هذا مذهب المحدّثين، وصحَّح الأصوليون خلافه، وهو أنّ الاعتبار بما وقع منه أكثر، فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه؛ فالحكم للوصل والرفع، وإن كان الإرسال أو الوقف أكثر؛ فالحكم له. (١) في ش وع: (( .. وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية)). ١٧٣ C النوع الثاني عشر معرفة التدليس وحكم المدلس التدليس قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد؛ وهو أن يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه؛ أو عمن عاصره ولم يلقه؛ موهمًا أنه قد لقیه وسمعه منه، ثم قد یکون بینھما واحدٌ وقد یکون أکثر. ومن شأنه ألا يقولَ في ذلك: ((أخبرنا فلان)) ولا ((حدثنا))، وما أشبههما، وإنما يقول: ((قال فلان، أو: عن فلان))، ونحو ذلك. مثال ذلك: ما روينا عن ((علي بن خشرم)) قال: كنا عند ابن عيينة، (فقال): (١) ((الزهري))(٢). فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكتَ ثم قال: ((الزهري)). فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: «لا، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري». القسم الثاني: تدليسُ الشيوخ، وهو أن يروى عن شيخ حديثًا سمعه منه فيسميه، أو يُكِنِّه أو يَنْسُبُه أو يصفه، بما لا يُعرَفُ به، كي لا يُعرِّفَ. مثاله: ما رُوي لنا عن ((أبي بكر بن مجاهد، الإمام المقرىء)) أنه رَوى عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السّجستاني(٣) فقال: ((حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله)). وروى عن ((أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسِّر المقرىء))؛ فقال: ((حدثنا محمد بن سند» فنسبه إلی جدًّ له. انتھی. (١) في ش وع: ((فقال: قال .. )) والمثبت من خط و ((الكفاية)) (ص/ ٥١٢) وغيرهما. (٢) في حاشية خط: ((كذا ((الزهري)) ابتداء كلام ليس يريد الاستفهام)). (٣) في حاشية خط: ((السُّين والجيم مفتوحتان ومكسورتان)). ١٧٤ النوع الثاني عشر = وقد ترك المصنف قسمًا ثالثًا، وهو أشر الأقسام يسمونه: تدليس التسوية؛ سمَّاه بذلك: ابن القطان، وغيره، وهو: أن يسمع المدلِّس حديثًا من شيخ ثقة، والثقة سمعه من شيخ ضعيف، وذلك الضعيف يرويه عن ثقة، فيسقط المدلِّس شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل كالعنعنة، ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله، إلاَّ لأهل النقد والمعرفة بالعلل(١). مثال ذلك: ما ذكره أبو محمد بن أبي حاتم في ((كتاب العلل)) قال: ((سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية، قال: حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر؛ مرفوعًا: ((لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه))، فقال أبي: إن هذا الحديث له أمر قلَّ من يفهمه، روى هذا الحديث عُبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النبي وَالّ، قال: وعبيد الله بن عمرو كنيته: أبو وهب، وهو أسدي، فكنَّاه بقية، ونسبه إلى بني أسد، لكيلا يفطن له، حتى إذا تركَ إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا)). وثمَّن كان يصنع هذا النوع من التدليس: الوليد بن مسلم، وحُكي أيضًا عن الأعمش، وسفيان الثوري. فأما الوليد بن مسلم؛ (فحكى الدارقطني عنه أنه كان يفعله، وروى عن أبي مسهر قال: كان الوليد بن مسلم)(٢) يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذّابين، ثم يدلّسها عنهم. (١) في تاريخ الدارمي عن ابن معين؛ قال الدارمي (٩٥٢): ((وسمعتُ يحيى، وسُئل عن الرجل يُلقى الرجل الضعيف من بين ثقتين، يوصل الحديث ثقة عن ثقة، ويقول: أنقص من الحديث وأصل ثقة عن ثقة، يُحَسِّن الحديث بذلك؟ فقال: لا يفعل؛ لعلَّ الحديث عن كذّاب ليس بشيء، فإذا هو قد حسَنَه وثبّته؛ ولكن يحدث به كما روى. قال عثمان: وكان الأعمش ربما فعل ذلك)) اهـ. (٢) ما بين الأقواس تكرَّر في خط. ١٧٥ = معرفة التدليس وحكم المدلس ورُوى عن صالح جزرة قال: سمعت الهيثم بن خارجة يقول قلت للوليد بن مسلم: قد أفسدتَ حديث الأوزاعي. قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي، عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يُدْخِل بين الأوزاعي وبين نافع: عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري: إبراهيم بن مرّة وقرّة. قال: أُنَبِّلُ الأوزاعي أن يروى عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا رَوَى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتَهُم أنتَ وصيَّرْتَهَا من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعَّ الأوزاعي، فلم يَلْتَفت إلى قولي. وأما الأعمش والثوري؛ فقال الخطيب في ((الكفاية)): كانا هما وبقية يفعلون ذلك. قال شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتابه ((جامع التحصيل)): وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وأشرها. انتهى. ومما يلزم عليه من الغرور الشديد؛ أن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويكون المدلّس قد صرَّح بسماعه عن هذا الشيخ الثقة، وهو كذلك، فتزول تهمة تدليسه، فيقف الواقف على هذا السند فلا يرى فيه موضع علة، لأن المدلّس صرَّح باتصاله، والثقة الأول ليس مدلّسًا، وقد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحّة، وفيه ما فيه من الآفة المتقدّمة، وهذا قادح فيمن تعمَّده. قوله في حدّ القسم الأول: ((هو أن يروى عمَّن لقيه ما لم يسمعه منه .. إلى آخره))؛ هذا الحد هو المشهور عندهم، وقد حدَّه الحافظ أبو بكر البزار وغيره بما هو أخص من هذا، وهو أن يروى عمَّن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، وكذا حدَّه الحافظ أبو الحسن بن القطان، قال: والفرق بينه وبين الإرسال أنَّ الإرسال روايته عمَّن لم يسمع منه. انتهى. ويقابل هذا القول في تضييق حدّ التدليس قولٌ آخر حكاه ابن عبد البر في ((التمهيد))(١) أنَّ التدليس: أن يحدّث الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي (١) راجع: ((التمهيد)) (١/ ١٥، ٢٧). ١٧٦ = النوع الثاني عشر تصريحًا بالسماع، وإلا كان كذبًا . قال: وعلى هذا فما سلم أحد من التدليس لا مالك ولا غيره. لكنه قال: وأئمة الحديث يقبلون تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقّف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما. وهذا ما رجّحه ابن حبان؛ وقال: وهذا الشيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة فإنه كان يدلّس ولا يدلّس إلا عن ثقة مثل ثقته. ثم مثّل ذلك بمراسيل كبار (الصحابة)(١) فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي. قال الحافظ أبو بكر البزار: من كان يدلس عن الثقات؛ كان تدليسه مقبولاً عند أهل العلم، وإن كان مدّسًا. قال: أما القسم الأول فمكروه جدّاً، ذمَّه أكثرُ العلماء، وكان ((شعبةُ)) (لمن)(٢) أشدهم ذمًا له. فروينا عن ((الشافعي))، أنه(٣) قال: ((التدليس أخو الكذب)) وروينا عنه أنه قال: ((لأن أزني أحبّ إليّ من أن أدلس)) وهذا من ((شعبةَ)) إفراطٌ محمولٌ على المبالغة في الزجر عنه والتنفير. ثم اختلفوا في قبول رواية من عُرفَ بهذا التدليس (٤)، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تُقْبَل روايتُه بحال، بَيْنَ السماع أو لم يَبيَّنْ. والصحيح التفصيلُ. وأنَّ ما رواه المدلِّس (بلفظ مُبيِّن)(٥) للاتصال نحو: (١) في خط: ((أصحابه)) والصواب ما أثبته وراجع: ((صحيح ابن حبان)) (١/ ١٦١ - ١٦٢ - ط: الرسالة). (٢) في ش وع: ((من)). (٣) يعني: شعبة رحمه الله . (٤) في حاشية خط: ((ذكر البيهقي: أنّ من عرف (بالتدليس) لم يقبل منه حتى يُسّن (السماع) ثم وجدته نصًا للشافعي)). وما بين الأقواس غير واضح في حاشيه خط. وراجع: الرسالة للشافعي (ص/ ٣٦٩ - ٣٨٢)، و ((المعرفة)) (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، و((الدلائل)) (١/ ٢٩ - ٣٠) كلاهما للبيهقي رحمه الله. (٥) في ش وع: ((بلفظ محتمل لم يبين فيه السماعَ والاتصالَ، حُكْمِه حُكْمُ المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مُبینٍ .. )). ورب ١٧٧ = معرفة التدليس وحكم المدلس سمعت، وحدثنا، وأخبرنا .. وأشباهها؛ فهو مقبول مُحتَجّ به. وفي ((الصحيحين)) وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جداً، كقتادةَ، والأعمش، والسَّفيانَيْن، وهُشَيْم بن بَشِيرِ، وغيرهم. وهذا؛ لأن التدليس ليس كذبًا وإنما هو ضربٌ من الإيهام بلفظ محتمل. والحُكُمُ بأنه لا يُقْبَلُ من المدلِّس حتى يُبَيِّن، قد (أجازه)(١) ((الشافعيَ))، فيمن عرفناه دلَّس مرةً. وأما القسم الثاني فأمرُه أخَفُّ، وفيه تضييع للمرويِّ عنه وتوعیرٌ لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهلیته. ويختلف الحالُ في كراهة ذلك بحسْب الغرض الحامل عليه. فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غَيَّرَ سمَتَه غير ثقة، أو كونُه متأخرَ الوفاة؛ قد شاركه في السماع منه جماعةٌ دونه، أو كونُه أصغر سنًا من الراوي عنه، أو كونُه كثيرَ الرواية عنه، فلا يُحبَّ الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة. وتَسمَّحَ بذلك جماعةٌ من الرواة المصنّفين؛ منهم: ((الخطيب: أبو بكر))؛ فقد كان لهجًا به في تصانيفه. انتهى. في كلامه أمور؛ منها: أنه أجرى الخلاف في الثقة المدلّس، وهو كذلك كما حكاه الخطيب في ((الكفاية))، وادَّعى أبو الحسن بن القطان: أنه لا خلاف فيه، قال في كتابه ((الوهم والإيهام)): إن يحيى بن أبي كثير كان يدلّس، وأنه ينبغي أن يجري في معنعنه الخلاف، أمّا إذا صرّح بالسماع؛ فإنه يقبل بلا خلاف، لأنه ثقة حافظ صدوق. الثاني: أنه ذكر أن ما لم يبيّن فيه المدلّس الاتّصال حكمه حكم المرسل، فاقتضى كلامه أن من يقبل المرسل يقبل معنعن المدّس؛ وليس ذلك قول جميع من يحتج بالمرسل، بل بعض من يحتج بالمرسل يرد معنعن المدلّس لما فيه من (١) في ش وع: ((أجراه)). ١٧٨ النوع الثاني عشر التهمة، كما حكاه الخطيب في ((الكفاية)) فقال: إن جمهور من يحتج بالمرسل لا يقبل خبر المدلس . بل زاد النوويَّ على هذا فحكى في ((شرح المهذّب)): الاتّفاق على أن المدلّس لا يحتج بخبره إذا عنعن، وكأنه تَبَعَ البيهقي في ((المدخل)) وابن عبد البر في ((التمهيد)) فحكى البيهقي: عن الشافعي وسائر أهل العلم أنهم لا يقبلون عنعنة المدلّس، وحكى ابن عبد البر في ((مقدمة التمهيد)): أن المعنعن يقبل بثلاثة شروط، إلاَّ أن يكون معروفًا بالتدليس؛ فلا يقبل حديثه حتى يقول: ((حدثنا))، أو: «سمعت)) . وهذا ما لا أعلم فيه أيضًا خلافًا، وما ذكر من الاتفاق محمول على اتفاق من لا يحتج بالمرسل، وإلاَّ فالخلاف مشهور(١)، وممّن حكاه: الحاكم في ((المدخل)) فإنه قسّم الصحيح إلى عشرة أقسام، خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها، فذكر من المختلف فيه: المراسيل، وأحاديث المدلّس إذا لم يذكر سماعه، وحكى الخطيب عن كثير من أهل العلم. أن خبر المدلّس مقبول، لأن نهاية أمره أن يكون مرسلاً. وفي السؤال من أصله نظر، فإنّ قوله: ما لم يبيّن فيه المدلّس الاتصال؛ حكمه حكم المرسل، يلزم منه أنَّ كلَّ من يقبل المرسل يقبل معنعن المدّس، وهذا الإلزام ليس بلازم لما تقرر في موضعه. (الثالث: أنه لم يبيّن قال القسم الثاني)(٢) بل قال: هو أخف، وقد ذكر (١) ينبغي أن يقيّد ذلك ((بالخلاف بين المحدِّثين والفقهاء)) وإلاَّ فلا خلاف بين أهل الحديث في ردِّ المرسل، وفي كلام ابن رجب رحمه الله في ((شرح العلل)) ما يشير إلي ذلك، وقد حكى ابن عبد البر وغيره: إجماع المحدِّثين على ردِّه وترك العمل به، فينبغي التقييد. واعلم أن أغلب ما يجري من خلاف في قضايا الاصطلاح هو من هذا النوع - أعني: خلاف الفقهاء مع المحدِّثين، وكذلك المتكلّمين، وإلاَّ فالباحث الفطن يرى أن لا خلاف بين المحدّثين في أغلب قضايا الاصطلاح فتنبَّه. والله الموفق. (٢) هكذا في خط، وفي ع: «الأمر الثالث: أنَّ المصنّف بَيَّن الحكم فيمن عُرِفَ بالقسم الأول من التدليس، ولم بيِّن الحكم في القسم الثاني، وإنما قال: إن أمره أخف)). وكأنَّ الناسخ ترك سطرًا - سهواً. ١٧٩ معرفة التدليس وحكم المدلس = حكمه: أبو نصر بن الصباغ في ((العدة)): أنَّ من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة فإنما أراد أن يغيّر اسمه ليقبلوا خبره يجب ألاّ يُقبل خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة فقد غلط في ذلك لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو، وإن كان لصغر سنّه فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه . ١٨٠ النوع الثالث عشر معرفة الشاذ روينا عن ((يونس بن عبد الأعلى)) قال: قال لي ((الشافعي)): ((ليس الشاذّ من الحديث أن يروى الثقةُ ما لا يروى غيره، إنما الشاذ أن يروىَ الثقةُ حديثًا يخالفُ ما روی الناس». وحكى («أبو يعلى الخليلي القزويني)) نحوَ هذا عن الشافعي، وجماعة من أهل الحجاز ثم قال: ((الذي عليه حُفّاظُ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذَّ بذلك شِيخٌ، ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان غير ثقة فمتروك ولا يُقْبَل؛ وما كان عن ثقة، یتَوقّف فيه ولا يُحْتَجّ به)). وذكر ((الحاكم)) أنّ الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة (عن)(١) الثقات وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة. وذَكَرَ: أنه يُغَاير المعلَّلَ؛ من حيث أن المعلّلَ وُقُفَ على علَّته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك. قلت: أما ما حكم ((الشافعيّ)) عليه بالشذوذ، فلا إشكالَ في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدلُ الضابط، كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) فإنه حديث فرد، تفرد به ((عمر)) رضي الله عنه عن (النبيّ) (٢) وَّر، ثم تفرد به عن عمر: ((علقمة بن وقاص)) ثم عن علقمة: ((محمدُ بن إبراهيم)) ثم عنه: ((يحيى بن سعيد)) على ما هو الصحيح عند أهل الحديث. وأوضَحُ من ذلك في ذلك، حديثُ عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبي صَلَ الله له وَسِكم (١) في ش وع: ((من)). (٢) هكذا في خط، وفي ش وع: (( .. رسول الله .. )).