Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
معرفة الصحيح من الحديث
المتأخرين أحاديث لم نجد فيها تصحيحًا لمن تقدّمهم(١).
فمن المعاصرين للمصنّف أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان
قاضي سجلماسة من (الغرب)(٢)، مات بها سنة ثمان وعشرين وستمائة، صحّح
في كتابه ((بيان الوهم والإيهام)) عدّة أحاديث.
منها: حديث ابن عمر: ((أنه كان يتوضّأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما،
ويقول: كذلك كان رسول الله وَخلال يفعل)).
أخرجه أبو بكر البزّر في ((مسنده)). قال ابن القطان: ((حديث صحيح)).
ومنها: حديث أنس: ((كان أصحاب رسول الله وَل ينتظرون الصلاة فيضعون
جنوبهم، فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة)).
رواه هكذا قاسم بن أصبغ، وصحّحه ابن القطان.
وقال: «وهو کما تری صحیح)).
وثمَّن صحّح من المعاصرين له أيضًا: الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد
المقدسي؛ فجمع كتابًا سماه: ((المختارة))، التزمَ فيه الصحة، فصحّح فيه أحاديث
لم يُسْبق إلى تصحيحها، وتُوفّي في السنة التي مات فيها المصنّف؛ سنة ثلاث
وأربعين وستمائة .
قال الحافظ ابن كثير: ((وهذا الكتاب - أعني المختارة - لم يتمّ، وكان بعض
الحفاظ من مشايخنا يرجّحه على مستدرك الحاكم)).
وصحّح بعده أيضًا: الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري
حديثًا في جزء له جمع فيه ما ورد فيه ((غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر))،
وتوفي الزكي سنة ست وخمسين وستمائة.
ثم صحّحت الطبقة التي تلي هذه أيضًا، فصحّح الحافظ شرف الدين عبد المؤمن
بن خلف الدمياطي حديث جابر مرفوعًا: ((ماء زمزم لما شرب له))، في جزء جمعه
في ذلك، أورده من رواية عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر عن
(١) ومن هؤلاء الذين صَحْحوا وحَسنوا الإمام ابن الصلاح رحمه الله، فلا اعتراض عليه إذًا؛ والله أعلم.
(٢) هكذا في خط، وفي ع: (المغرب).

٨٢
النوع الأول ==
جابر، ومن هذه الطريق رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، وإنما المعروف رواية عبد
الله بن المؤمل عن ابن المنكدر، كما رواه ابن ماجه، وضعفه النووي وغيره من هذا
الوجه، وطريق ابن عباس أصحّ من طريق جابر.
ثم صححت الطبقة التي تلي هذه وهم شيوخنا، فصحّح الشيخ تقي الدين
السبكي رحمه الله حديث ابن عمر في الزيارة في تصنيفه المشهور.
ولك أن تقول: وليس مَن تجاسر على التصحيح وصحّح يكون حجة على
المؤلف، إذ لا يلزم أن يكون ما صحّحه هؤلاء المتأخرون صحيحًا عند المتقدمين.
قال: الثالثة: أَوَّل من صنَّفَ الصحيح: ((البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
الجُعْفي، مولاهم))، وتلاهُ: («أبو الحسين مسلم بن الحجاج النَّيْسَابُوري القُشَيري، من
أنفسهم)، ومسلمٌ مع أنه أخذَ عن البخاري، واستفادَ منه، يُشاركه في أكثر شيوخه،
وكتابَاهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز، وأمّا ما رويناه عن الشافعي رضي الله
عنه من أنه قال: ((ما أعلمُ في الأرض كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك))،
ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ(١)، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي ((البخاري،
ومسلم)) ثم إن كتاب ((البخاري)) أصحّ الکتابین صحيحًا، وأكثرهما فوائد.
وأمّا ما رويناه عن ((أبي علي الحافظ النيسابوري)) أستاذ ((الحاكم أبي عبد الله
الحافظ)) من أنه قال: ((ما تحتَ أديم السماء كتابًا أصحّ من كتاب مسلم بن الحجاج))
فهذا وقول مَن فضّل من شيوخ المغرب كتاب (مسلم) على كتاب (البخاري) إنْ
کان المراد به أن کتاب (مسلم) یترجّح بأنه لم يمازجه غیر الصحیح، فإنه ليس فيه بعد
خطبته إلا الحديث الصحيح مَسْرُودًا غير ممزوجٍ بمثل ما في كتاب (البخاري) في
تَرَاجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها على الوصف المشرُوط في الصحيح(٢)،
(١) في حاشية خط: ((قد روي عنه: ما على الأرض بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك)).
(٢) فيه نظر، فقد روى مسلم في الشواهد عن جماعة ليسوا على شرط الصحيح، وهذا مقررٌ في ((مقدمة
صحيح مسلم رحمه الله من كلام مسلم نفسه، إلاّ أن يُقال: إن الشواهد ليست من شرط الصحيح، ويجاب
عنه بأن تراجم البخاري وما يقع فيها ليست من شرطه أيضًا، والله أعلم.
وراجع: ((التقييد)» للعراقي رحمه الله.

٨٣
معرفة الصحيح من الحديث
فهذا لا بأس به، ولیس یلزم منه أن کتاب (مسلم) أرجح فيما يرجع إلى نفس
الصحيح على كتاب ((البخاري)) وإن كانَ المراد به أن كتاب ((مسلم)) أصح
صحیحًا فهذا مردودٌ علی من یقوله. انتھی.
اعتُرِضَ عليه من وجوه :
أحدها: أن مالكًا متقدِّم بالتصنيف على البخاري.
وجوابه: أنّ مالكًا وإن تقدَّم إلا أنه ما أفرد الصحيح، والبخاري أفرده، فإنّ في
كتاب مالك المرسل والمنقطع، والبلاغات حتى قال ابن عبد البر في ((التمهيد))
عقب قول مالك بلغني أن رسول الله وَّله كان يقول: ((إذا (نَشَأَتْ)(١) بَحْرِيَّةً،
يعني السحاب، ثم تَشَاءَمَتْ فتلك عينٌ غُدَيْقَةٌ)).
ثم قال: كل بلاغات مالك في موطأه مسندة، إلاَّ أربعة أحاديث، فإنها لم
توجد في شيء من كتب العلماء إلاَّ في ((الموطأ)، أو من نقلها منه كالشافعي في
كتاب ((الاستسقاء)) عن إبراهيم بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أنَّ النبي ◌َّ-
قال: ((إذا نشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو أمطر لها)) الحديث.
الثاني: قوله ◌َّو: ((إني أَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأسنّ)).
الثالث: قول معاذ: آخر ما أوصاني به رسول الله وَل حين وضعتُ رجلي في
الغرز: ((أَنْ حسِّنْ خُلُفَكَ للناس (يا)(٢) معاذ بن جبل)).
الرابع: ((أنه ◌ّ﴿ رأى أعمار الناس أو ما شاء الله منها فكأنه تقاصر أعمار أمته
فأعطاه الله ليلة القدر)).
هكذا قال ابن عبد البر(٣).
(١) هكذا في خط، وفي ((الموطأ)) وكتابَي ابن عبد البر ((التمهيد)) و((الاستذكار)): (أنشأت) بإثبات الألف في
أولها.
(٢) غير واضحة في خط وهي في ((الموطأ)) وكتابَي ابن عبد البر.
(٣) لم أجد هذا القول في (التمهيد)) (٢٤/ ٣٧٧ - ٣٨١) و((الاستذكار)) (٧/ ١٦٠ - ١٦٦) كلاهما لابن
عبد البر رحمه الله تعالى عقب الأثر المذكور بهذا النصّ، لكن ذكر ابن عبد البر رحمه الله في ((التمهيد» الأثر
الثاني الآتي هنا ثم قال (٢٤/ ٣٧٥): ((أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمْه يروى عن النبيِّ نَّهِ بوجه من
الوجوه مسندًاً ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه - والله أعلم وهو أحد الأحاديث الأربعة فى ((الموطأ)) التى =

٨٤
النوع الأول ==
واعترضَ عليه الحافظ إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي في جُزْءٍ أسندها فيه؛
فقال: أما الحديث الأول: فأخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا بإسناده إلى محمد بن
يحيى بن أبي حاتم الأزدي قال: حدثنا محمد بن عُمر ثنا عبد الحكم بن عبد الله
بن أبي فروة قال سمعت عوف بن الحارث يقول سمعت عائشة رضي الله عنها
تقول سمعت رسول الله وَّله يقول: ((إذا أنشأت السماء بحرية ثم تشاءمت فتلك
عين أو قال: عام غُديقة)) يعني: مطرًا كثيرًاً.
ذكره ابن أبي الدنيا في كتابه ((المطر والرعد والبرق)).
ثم اعترضَ الحافظ إسماعيل أيضًا على ابن عبد البر حكايته عن الشافعي عن
إبراهيم بن أبي يحيى، مع أن الشافعي ما صرّح بإبراهيم، وإنما قال: حدثني من
لا أتهم، وكأنَّ ابن عبد البر اعتمدَ في ذلك على قول الربيع بن سليمان: إنّ
= لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة - والله أعلم)).
وذكر الأثر الثالث هنا ثم قال (٢٤/ ٣٠٠): (( ..... وهو مع هذا منقطع جدًا، ولا يوجد مسندًا عن
النبي وَ ل من حديث معاذ ولا غيره بهذا اللفظ - والله أعلم .... )).
وذكر الأثر الرابع ثم قال (٢٤ / ٣٧٣): ((لا أعلم هذا الحديث يروى مسندًا من وجه من الوجوه، ولا
أعرفه في غير «الموطأ)) مرسلاً ولا مسندًا، وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك، ولكنها رغائب وفضائل
وليست أحكامًا، ولا بني عليها في كتابه ولا في موطئه حكمًا)).
وقال عقب الأثر الأول: ((هذا حديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير ((الموطأ)) إلا ما ذكره الشافعي في
كتاب (الاستسقاء) ..... )).
قلت: ثم وجدته ذكر الأثر الرابع هنا في ((ليلة القدر)) من كتاب ((الاستذكار)) (١٠/ ٣٤١) (٦٦٨) ثم قال:
((لا أعلم هذا الحديث يُرْوى مسندًاً ولا مرسلاً من وجه من الوجوه إلاَّ ما في ((الموطأ) وهو أحدُ الأربعة
الأحاديث التي لا توجد في غير ((الموطأ».
أحدها: ((إِنِّي لأَنْسَى - أو: أُنَسَّى)).
والثاني: (إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيّةً).
والثالث: ((حَسِّنْ خُلُفَكَ للناسِ يا معاذ بن جبل)).
والرابع هذا.
وليس منها حديثٌ منكرٌ ولا ما يدفعُهُ أصلٌ)) ا هـ؛ والله أعلم.

٨٥
معرفة الصحيح من الحديث
=
الشافعي إذا قال حدثنا الثقة يريد: يحيى بن حسّان، وإذا قال: من لا أتهم، فهو:
إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: بعض الناس، يريد: أهل العراق، وإذا قال
بعض أصحابنا، يريد: أهل الحجاز، فالشافعي لم ينصّ على أن مراده بمن لا يتهم
هو إبراهيم بن أبي يحيى، فلا يحل لأحد أن ينسبه إلى الشافعي، إلاّ أن يكون
الشافعي قد نصّ على ذلك، ولهذا اختلف العلماء في مراد الشافعي بالثقة
ونحوه، فقال الربيع ما تقدم، وقال البيهقي(١): تفطّن لذلك شيخنا أبو عبد الله
فقال غالب الظن أنه إذا قال: أنا الثقة قد يريد إسماعيل بن عُلَيّة، وقد يريد أبا
أسامة، وقد يريد عبد العزيز بن محمد، وقد يريد هشام بن يوسف الصنعاني،
وقد يريد أحمد بن حنبل، ولا يكاد يعرف ذلك باليقين.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي وذكر الشافعي فقال: ما استفاد منا
أكثر مما استفدنا منه. قال عبد الله: وكل شيء في كتب الشافعي حدثني الثقة عن
هشيم وعن غيره فهو أبي .
وقال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبُرّي: سمعت بعض أهل المعرفة
بالحديث يقول: إنما يعرف مراد الشافعي رضي الله عنه بالثقة بشيخه الذي يروى
عنه، فإذا قال: أخبرني الثقة عن ابن أبي ذئب فهو: ابن أبي فديك، وإذا قال: أنا
الثقة عن الليث فهو يحيى بن حسان، وإذا قال: الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو
أسامة، وإذا قال: الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة، وإذا قال: الثقة
عن صالح مولى التوأمة فهو إبراهيم بن أبي يحيى.
قال ابن عبد البر: وإذا قال: مالك أنبا الثقة عن بكير بن عبد الله الأشج، فالثقة
مخرمة بن بكير، وحيث قال عن الثقة عن عمرو بن شعيب، فقيل: الثقة عبد الله
ابن وهب، وقيل: الزهري.
وقد اختلف العلماء في قول الراوي: ((حدَّثني الثقة)) أو: ((أخبرني من لا أتهم)) أو
نحو ذلك، ولم يُسمّه، هل يكون ذلك توثيقًا له أم لا؟ فقال أبو حنيفة: يكون
توثيقًا له، وتُقبل كما في المرسل، والصحيح خلافه.
(١) راجع: ((المعرفة)) للبيهقي (٥/ ٢٠٠ - ٢٠١ - ط: قلعجي) باب: ((أي ريح يكون بها المطر)) من كتاب:
«الاستسقاء)».

٨٦
النوع الأول =
وقال الخطيب: إذا قال العالم: كلُّ من أروي لكم عنه وأُسمِّيه فهو عدل رضى
مقبول الحديث؛ كان ذلك تعديلاً لكُلِّ مَن روى عنه وسمَّاه، واختار بعض
المحقّقين أنه إِنْ كان عالمًا كمالك والشافعي، فإنَّ ذلك يكون تعديلاً، وإلاَّ فلا.
وأمّا الحديث الثاني؛ فإنَّ المعترض قال: بحثتُ عنه فلم أَظْفَر به، غيرَ أنَّ بعض
طلبة الحديث ذكر لي أنَّ وجده مسندًا، ولم يحضر ما يدلّ على قوله.
وأما الحديث الثالث: فأَّنَه خرَّجه ابن أبي الدنيا - أيضًا - في كتابه المسمّى
((بالتقوى)) بسنده إلى معاذ قلت يا رسول الله وَل أوصني قال ((اتَّق الله حيثُما
كنتَ، وأَتْبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق النَّاسَ بخلقِ حسن))، وأخرجه أيضًا
الطبراني في مسند معاذ بن جبل بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أن معاذاً
أراد سفراً فقال: يا رسول الله وَ ل أوصني قال: ((أعبد الله ولا تُشرك به شيئًا))،
قال: زِدْني، قال: ((إذا أسأتَ فَأَحْسِن))، فقال زِدْني، قال: ((اسْتَقِم وليحسن
خُلقك))، وذكر له طرقًا غير هذه.
وأما الحديث الرابع؛ فأخرجه أيضًا ابن مندة بسنده إلى النبي وَّر.
الاعتراض الثاني: على قوله: ((وتلاه أبو الحسين مسلم)) اعترضَ بقول أبي
الفضل أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم في تأليف هذا الكتاب، سنة خمس
ومائتين، فيكون متقدِّمًا على البخاري، وقد تصحّف على المعترض، فأسقط ياءً
ونونًا، وإنما هي خمسون ومائتان، ويُعرف ذلك بالتاريخ، فمولد مسلم سنة أربع
ومائتين، وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين، ومولد البخاري سنة أربع وتسعين
ومائة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين.
الثالث: أنه أَقَرَّ مَن فضّلَ كتاب مسلمٍ على البخاري بأنه لم يمازجه بعد الخطبة
غير الصحيح، وهذا ليس بجيد، فقد مزجه بغيره. قال في كتاب الصلاة بسنده
إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال: ((لا يُستطاع العلم براحة الجسم)).
وجوابه: أن هذا نادر في كتاب مسلم بخلاف البخاري(١).
(١) راجع التعليق السابق قريبًا على كلام ابن الصلاح رحمه الله.

٨٧
معرفة الصحيح من الحديث
ثم اختلفوا في المراد بقولهم: ((على شرط البخاري أو مسلم)) فقال محمد بن
طاهر: شرطهما أن يخرجا المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي.
ورُدَّ بأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما(١).
وقال الحازمي: شرط البخاري أن يخرج ما اتَّصل إسناده بالثقات الملازمين لمن
أخذوا عنه ملازمةً طويلة ولم يشترط مسلم طول الملازمة إلاَّ إذا لم يسلم الذي
أخرج عنه من غوائل الجرح، فإنه يشترط طولها كحماد بن سلمة في ثابت
البناني، وأيوب.
وقال النووي: المراد بذلك أن يكون رجال إسناده في كتابيهما؛ لأنه ليس لهما
شرط في كتابيهما، ولا في غيرهما، وعلى هذا جرى ابن دقيق العيد، فإنه ينقل
تصحيح حديث عن الحاكم ثم يستدرك عليه بأن فيه فلانًا ولم يخرج له البخاري،
وكذلك فعل الذهبي في ((مختصر المستدرك))، وليس بجيد منهما؛ لأن الحاكم لم
(١) لم ينفرد النسائي رحمه الله بذلك، بل شاركه غيره من النُّقَّاد، وفي الصحيحين غير واحدٍ من الضُّعفاء
بل بعض هؤلاء مَّن أقرَّ البخاري ومسلم بضعفهم كما في ترجمة سُهيل بن أبي صالح وعباد بن راشد التميمي
وعبد الله بن جعفر بن غيلان الرقى من ((هدي الساري)) لابن حجر - مثلاً - بالنسبة للبخاري، وأقرَّ مسلم
رحمه الله بضعف سويد بن سعيد وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب كذلك.
واعلم أنه لا يَحْسُن بكَ أن تقول في رواية هؤلاء وأشباههم ((ضعيف رواه البخاري)) أو ((ضعيف رواه مسلم))،
ونحو ذلك مما جرى على ألسنة بعض الناس، لأمور؛ منها: أنَّ وجود الضعيف في الإسناد لا يعني -
بالضرورة - ضعف المتن لإمكان وروده من وجه آخر وهذا مشهور، وقد يحفظ الضعيف بعض الأحاديث،
كما قد يصدق الكذوب، ولربما حُكم للضعيف على من هو أوثق منه عند الاختلاف، كما حكم لقيس بن
الربيع على شعبة في بعض الأحاديث؛ راجع: علل ابن أبي حاتم رحمه الله)) (٢/ ٩٥) (١٧٧٧).
ولذلك نظائر أخرى تأتي إن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع.
وقد ينتخبا لبعض الرُّواة بعض الروايات دون بعض، كما هو الحال بالنسبة لإسماعيل بن أبي أويس وغيره،
وقد يطرأ الضعف على الراوي بعد رواية صاحب الصحيح عنه، كما وقع لمسلم مع ابن أخي عبد الله بن
وهب، وكذلك الحال في سعيد بن أبي عروبة وغيره ممن طرأ عليهم التغيُّر والاختلاط في آخر أمرهم، فلا
يقدح ذلك فيما رَوَوْه حال سلامتهم إلى آخر ما ينبغي التفطن له عند المطالعة في ((الصحيحين)) خشية
الانزلاق، والله الموفّق.

٨٨
النوع الأول ==
يلتزم أنه لا يخرج إلا عن رجال مسلم والبخاري، بل قال في الخطبة: أخرج
أحاديث رواتها ثقات احتج بمثلها الشيخان، أو أحدهما، وعبارة ابن كثير:
والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه(١) أن يكون الراوي قد عاصر شيخه،
وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة،
ومن (هنا)(٢) ينفصل النزاع في (ترجيح البخاري)(٣) كما قاله الجمهور.
قال: الرابعة: لم يستوعبا الصحيح في ((صحيحيهما)) ولا التزَمَا ذلك، فقد روینا
عن البخاري أنه قال ((ما أدخلتُ في كتاب الجامع إلا ما صحَّ، وتركتُ من الصحاح
(لحال) (٤) الطول))، وروّينا عن مسلم أنه قال ((ليس كل شيء عندي صحيح وضعته
ها هنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه)).
(قال المملي أبقاه الله تعالى) (٥): أرادَ والله أعلم أنه لم يضع في كتابه إلا
الأحاديث التي وجدَ عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، وإنْ لم يظهر
اجتماعها في بعضها عند بعضهم، ثم إنَّ((أبا عبد الله بن الأخْرَم الحافظ)) قال:
((قَلَّمَا يفوتُ البخاري ومسلمًا مما يَثْبُتُ من الحديث)). يعني في ((كتابَيْهما)). ولقائل
أن يقول: ليسَ ذلك بالقليل فإن ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم أبي عبد الله
كتاب كبير (مشتمل)(٦) مما فاتهما على شيء كثير، وإنْ يكن عليه في بعضه مقال،
(١) هكذا في خط، وفي ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (١/ ١٠٣ - مع الباعث)) (( .... في إخراجه
الحديث في كتابه هذا أن ..... )).
(٢) هكذا في خط، وعند ابن كثير (ها هنا)).
(٣) هكذا في خط، وعند ابن كثير: (( .... ترجيح تصحيح البخاري على مسلم كما هو قول
الجمهور .... )).
(٤) هكذا في خط وش، وفي ع: ((لملال)).
(٥) في ع: ((قلت))، وفي ش: ((قال الشيخ رضي الله عنه)).
(٦) هكذا في خط، وفي ش وع: ((يشتمل)) بمثناة تحتانية في أوله.

٨٩
معرفة الصحيح من الحديث
فإنه يَصْفُو له منه صحيح كثير، وقد قال البخاري ((أحفظُ مائة ألف حديث
صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح))، وجملة ما في كتابه ((الصحيح)) سبعة
آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكرّرة، وقد قيل: إنها بإسقاط
المكررة أربعة آلاف حديث(١)، إلا أنَّ هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثارِ
الصحابة والتابعين، وربما عُدَّ الحديث الواحد المروي بإسنادّيْن حديثَيْن، ثم إِنَ
الزيادة في الصحيح على ما في الكتابَيْن يتلقّاها طالبها ممّا اشتمَلَ عليه أحَد
المصنّفات المعتمدة (المشهورة)(٢) لأئمة الحديث ((كأبي داود السِّجسْتَاني، وأبي
عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النّسائي، وأبي بكر بن خُزيمة وأبي الحسن
الدارقطني)) وغيرهم، منصُوصًا على صحته فيها، ولا يَكْفِي في ذلك مجرَّدُ كَوْنه
موجودًا في كتاب أبي داود، وكتاب الترمذي، وكتاب النّسائيّ، وسائر من جمع
في كتابه بَيْن الصحيح وغيره، ويكفي مجردٌ كونه موجودًا في كُتُب من اشترطَ
منهم الصحيح فيما جمعه ككتاب ((ابن خزيمة))، وكذلك ما يُوجد في الكُتُب
المخرّجَة على كتاب ((البخاري))، وكتاب ((مسلم))، ككتاب: ((أبي عوانة
الإِسْفَرَايَيَني))، وكتاب: ((أبي بكر الإسماعيلي))، وكتاب: ((أبي بكر البرقاني))،
وغيرها من تَتَمَّة لمحذوف، أو زيادة شرح في كثير من أحاديث ((الصحيحين))،
وكثيرٌ من هذاَ موجود في («الجمع بَيْنَّ الصحيحين)) لأبي عبد الله الحميدي، واعتنى
((الحاكم أبو عبد الله الحافظ)) بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في
((الصحيحين)) وجمعَ ذلك في كتاب سمَّاهُ: ((المسَتدرك))؛ أَوْدَعَهُ ما ليسَ في واحد
من ((الصحيحين)) مما رآه على شرط الشيخين، قد أَخْرَجاً عن رُواته في ((كتابَيْهما))،
(١) في حاشية خط: ((قال الشيخ - (في ش: المؤلّف) -: وهكذا صحيح مسلم نحو أربعة آلاف حديث
بإسقاط المكرَّر فيه، روينا عن أبي موسى - (هكذا في ش، وفي خط: أبي قُرَيش - خطأ) - الحافظ قال: كنت
عند أبي زرعة الرازي فجاء مسلم بن الحجاج فلّم عليه فلمَّا أن قام قلت (له)- (لم ترد في ش) -: هذا
جمعَ أربعة آلاف حديث من - (في ش: في)- الصحيح فقال: فَلِمَن - (في ش: لمن) - ترك الباقي؟)) - (زاد
في ش: والله أعلم) -.
وهذه حاشية المؤلّف ابن الصلاح رحمه الله، وقد وردت على إحدى نسخ ((المقدمة)).
(٢) هكذا في خط وع، وفي ش: ((المشتهرة)).

٩٠
النوع الأول =
أو على شرط ((البخاري)) وحده، أو على شرط ((مسلم)) وحده، وما أدَّى اجتهاده
إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد منهما، وهو واسعُ الخَطْوِ في شرط
الصحيح، متساهلٌ في القضاء به.
فالأَوْلى أن نتوسّط في أمره، فنقول: ما حكمَ بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره
من الأئمة، إن لم يكُن من قبيل الصحيح؛ فهو من قبيل الحسن؛ يحتجّ به ويُعمل
به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه، ويقاربهُ في حُكْمِه ((صحيح أبي حاتم بن
حبان البُسْتي)) رحمهم الله. انتهى.
((ابنُ الأَخْرم)) هو أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأَخْرم شيخ الحاكم.
قال النوويّ في ((التقريب)): والصواب أنه لم يَفُت الخمسة إلا اليسير؛ يعني:
البخاري ومسلمًا وأبا داود والترمذي والنسائي.
وخالفه ابن كثير فقال: يُوجد ذلك كثيرًا في المسانيد، والمعاجم؛ كمسند أحمد،
وأبي يعلى، ومعجم الطبراني، وكذا في الأجزاء، وغير ذلك، لمن أمعن النظر في
سنده ومتنه، وكان أهلاً للتصحيح، وفاقًا للنووي، وخلافًا للمصنّف.
وقوله في أحاديث البخاري: ((قيل أربعة آلاف وبالمكرر كذا)). هذه رواية
الفربري، وأما رواية حماد بن شاكر؛ فهو دونها بمائتي حديث، ودون هذه بمائة
حديث؛ أي: إبراهيم بن معقل، ولم يذكر عدة أحاديث مسلم(١)، قال النووي:
هي نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر، أي: وبالمكرر اثنا عشر ألفًا؛ قاله أبو الفضل
أحمد بن سلمة، وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه.
وقوله: (إلا أن ينصَّ ذلك المصنّف على صحته). هذا بناءً على مذهبه في
امتناع التصحيح في هذا العصر، بل لو نصّ أحد ممن له ذلك على صحة إسناد،
كما في سؤالات يحيى بن معين، وسؤالات الإمام أحمد، وغير ذلك، كفى في
صحته .
(١) هكذا ذكر العراقي في ((التقييد)) وتابعه الأَبْنَاسي رحمهما الله، مع أنَّ ابن الصلاح ذكر عدة صحيح مسلم
في حاشية کتابه كما سبق.

٩١
معرفة الصحيح من الحديث
وقوله: ((وكثير من هذا موجود في (الجمع بين الصحيحين) للحميدي))؛
يقتضي: أن ما وُجِد من زيادات ((الحميدي)) على ((الصحيحين)) يحكم بصحته،
وليس كذلك، فإن ((المستخرجات)) المذكورة قد رَوَوْها بأسانيدهم الصحيحة،
فكانت الزيادات التي تقع فيها صحيحة؛ لوجودها بإسناد صحيح في كتاب
مشهور، وأما الذي زاده ((الحميدي)) فإنه لم يروه بإسناده حتى (ننظر فيه)(١)، ولا
أظهر لنا اصطلاحًا أنه يزيد فيه رواية التزم فيها الصحة (فنقلده)(٢) فيها، وليست
الزوائد في واحد من الكتابين، فهي غير مقبولة حتى توجد في غيره بإسناد
صحيح، وقد نصَّ المصنف بعد هذا على أن من نقل شيئًا من زيادات الحميدي
على الصحيحين أو أحدهما فهو مخطىء.
واعترضَ بعضهم على قول المصنف: إن الحاكم أودع في المستدرك أحاديث لم
تكن في واحد من الصحيحين؛ مع أن فيه أحاديث كثيرة موجودة فيهما كما بيّنَهُ
الذهبي في ((مختصر المستدرك)).
من ذلك: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((لا تكتبوا عني شيئًا سوى
القرآن)) ؛ خرجه الحاكم وهو في صحيح مسلم. قال ابن كثير: وفي المستدرك أنواع
من الحديث كثيرة؛ فيه الصحيح المستدرك وهو قليل، وفيه صحيح خرجاه أو
أحدهما لم يعلم به الحاكم، وفيه الحسن والضعيف والموضوع، وقد بيَّن ذلك
الذهبي، وجمع ما فيه من الموضوع فبلغ قريبًا من مائة حديث.
وفهمَ بعضهم من قوله: ((ويقاربه في حكمه صحيح ابن حبان))؛ ترجيح كتاب
الحاكم على كتاب ابن حبان، وليس ذلك بمرادٍ له، بل أراد أنه يقاربه في
التساهل، فالحاكم أشد تساهلاً منه.
وقال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم.
قال ابن كثير: إن ((ابن خزيمة، وابن حبان)) التزما الصحة، وهما خير من
((المستدرك)) بكثير، وأنظف أسانيد ومتونًا.
(١) هكذا في خط، وفي ع: ((ينظر فيه)).
(٢) في ع: ((فيقّد فيها».

٩٢
النوع الأول =
قال: الخامسة: الكتب المخرّجة على كتاب ((البخاري))، أو كتاب ((مسلم))؛ لم
يلتزم مصنِّفوها فيها موافقتها في ألفاظ الأحاديث بعينها ، من غير زيادة ونقصان؛
لكونهم روَوْا تلك الأحاديث من غير جهة ((البخاري، ومسلم))؛ طلبًا لعُلُّوِّ الإسناد،
فحصل فيها بعضُ التفاوت في الألفاظ، وهكذا ما أخرجه المؤلِّفون في تصانيفهم
المستقلة ((كالسنن الكبير للبيهقي، وشرح السنة لأبي محمد البغوي))، وغيرهما، ممّا
قالوا فيه: ((أخرجه البخاري أو مسلم))، فلا (نَسْتَفيد)(٢) بذلك أكثر من أن
((البخاري، أو مسلمًا)) أَخْرَج أصل ذلك الحديث، مع احتمال أن يكونَ بينهما
تفاوتٌ في اللفظ، وربما كان تفاوتًا في بعضِ المعنى، فقد وجدتُ في ذلك ما فيه
بعض التفاوت من حيث المعنى.
وإذا كان الأمرُ في ذلك على هذا فليسَ لك أن تنقل حديثًا منها وتقول: ((هو
على هذا الوجه في كتاب البخاري (أو)(٢) كتاب مسلم)) إلا أن تقابل لفظة، أو
يكون الذي خرّجه قد قال: ((أخرجه البخاري بهذا اللفظ)»، بخلاف الكتب
المختصرة من ((الصحيحين))، فإنَ مُصَنِّفيها نقلُوا فيها ألفاظ الصحيحين، أو
أحدهما، غير أنَّ((الجَمْعِ بَيْنَ الصحيحينَ للحميدي الأندلسي)) منها يشتملُ على
زيادة تتمَّات لبعض (الأحاديث)(٣) كما قدمنا ذكره، فربما نَقَلَ من لا يُميِّزْ بعضَ ما
يجدّه فيه، عن الصحيحين أو أحدهما، وهو مخطىء لكونه من تلك الزيادات التي
لا وجودلها في واحد من ((الصحیحین)).
ثم إن التخاريجَ المذكورة على الكتابَيْن يُسْتفادُ منها فائدتان:
وو ۶
إحداهما: عَلَو الإسناد:
والثانية: الزيادةُ في قَدْر الصحيح، لما يقعُ فيها من ألفاظ زائدة، وتتمّات في
بعض الأحاديث، (تَثْبُت)(٤) صحتُها بهذه التخاريج، لأنَّها وَاردةٌ بَالأسانيد الثَّابتة
(١) في ش وع: ((يستفاد)).
(٢) في ع: ((أوفى)).
(٣) في ش ((الحديث)).
(٤) في ع: ((يثبت)) بمثناة تحتانية .

٩٣
معرفة الصحيح من الحديث
في الصحيحين، أو أحدهما، وخارجةٌ من ذلك المَخْرَج الثابت، والله أعلم.
انتھی.
أَهْمَلَ المصنّفُ فائدةً ثالثةٌ وهي: تكثير طرق الحديث ليُرَجَّح بها عند التعارض،
فالاسْتِخْراج عبارة عن أن يأتي المصنّف إلى ((كتاب البخاري)) مثلاً فيخرِّج أحاديثه،
بأسانيد لنفسه، من غير طريق البخاري، فيجتمع إِسْناد المصنّف مع إِسْناد البخاري
في شيخه، أو من فوقه، (كالمسْتَخْرَج على صحيح البخاري)) لأبي بكر
الإسماعيلي، ولأبي بكر البَرْفَاني، ولأبي نعيم الأصبهاني، و ((المسْتَخْرَج على
صحيح مسلم)) لأبي عوانة، ولأبي نعيم أيضًا، ولم يلتزم المسْتَخْرِج لفظ الكتاب
الذي خرَّج عليه؛ فلهذا لا يُعزى منها شيء إلى البخاري مطلقًا إلا بالشرط
المتقدِّم.
وفائدة عُلُوّ الإِسْناد أنَّ المسْتَخْرِج لو روى حديثًا من طريق البخاري لوقع أَنْزَل
من طريقه.
مثاله: حديث في ((مسند أبي داود الطيالسي))، فلو رواه أبو نعيم من طريق
البخاري؛ كان بينه وبين أبي داود أربعة، شيخان بينه وبين البخاري، والبخاري
وشيخه، وإذا رواه من غير طريق البخاري؛ كان بين أبي نعيم وبين أبي داود
رجلان فقط، فإنَّ أبا نعيم سمع ((مسند أبي داود)) على ابن فارس بسماعه من
يونس بن حبيب بسماعه منه، مع أن البخاري لم يَرْو عن أصحاب أبي داود عنه،
وإنما علَّقَ عنهُ ولم يَسْمَعِ .
قال: السادسة: ما أسنده ((البخاري ومسلم)) في كتابَيْهما بالإسناد المتصل،
فذلك الذي حكما بصحته بلا إشكال (وأمَّا الذي)(١) حُذف من مبتَدإ إسناده
واحدٌ أو أكثر - (وأغلب)(٢) ما وقع ذلك في كتاب البخاري، وهو في كتابَ
مسلم قليل جدًا - ففي بعضه نظر. وينبغي أن نقول: ما كان من ذلك ونحوه بلفظ
فیه جزمٌ وحکمٌ به علی من علَّقه عنه، فقد حكَمَ بصحته عنه.
(١) في ش: ((وأما المعلّق الذي))، وفي بعض نسخ المقدمة، وع: ((وأما المعلّق وهو الذي)).
(٢) في ع: ((فأغلب)).

٩٤
النوع الأول =
مثالُه: قال رسول الله وَليل كذا وكذا؛ قال ابن عباس كذا؛ قال مجاهد كذا؛ قال عَفَّان
كذا؛ قال القعنبي كذا؛ روى أبو هريرة كذا وكذا؛ وما أشبه ذلك من العبارات،
فكل ذلك حُكمُ منه على من ذكره عنه، بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يَسْتجيز
إطلاق ذلك إلا إذا صحّ عنده (ذلك)(١).
ثم إذا كان الذي علَّق الحديث عنه دون الصحابة، فالحكمُ بصحَتَّه يتوقَّفُ على اتِّصالِ
الإسناد بينه وبين الصحابي.
وأمَّا ما لم يكن (فيه لفظ)(٢) جَزْم وحُكم، مثل: رُويَ عن رسول الله وَلّ كذا
وكذا؛ أو: رُويَ عن فلان كذا، أو: في الباب عن النبي وَلّ كذا وكذا؛ فهذا وما
أشبهَه من الألفاظ، ليس في شئ منه حكمٌ منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه، لأن
مثلَ هذه العبارات تُستعمل في الحديث الضعيف أيضًا. ومع ذلك فإيرادُه له في
أثناء الصحيح، مُشعِرٌ بصحة أصله إشعاراً يؤنَسُ به ويُركَن إليه.
ثم إن ما يتقاعدُ من ذلك عن شرط الصحيح قليل (جدًا)(٣) يوجد في ((كتاب
البخاري)) في (مواضع) (٤) من تراجم الأبواب، دون مقاصد الكتاب وموضوعه
الذي يُشعر به اسمه الذي سماه به وهو: ((الجامع المسنَدُ الصحيح المختَصَر من أمور
رسول اللّهَ وَ﴾، وسُنْتَه وأيامه)) وإلى الخصوص الذي (بيّناه)(٥) يرجع مطلَق قوله:
((ما أدخلتُ في كتاب الجامع إلا ما صحَّ)، وكذلك مطلَقُ قول ((الحافظ أبي نصر
الوائلي السُّجزى»: «أجمعَ أهل (العلم)(٦) الفقهاء وغيرهم، أن رجلاً لو حلَف
بالطلاق أن جميعَ ما في كتاب البخاري مما رُوي عن (النبي)(٧) ◌ِ ◌ِِّ، قد صحّ عنهُ،
(١) في ش وع: ((ذلك عنه)).
(٢) في ش وع: ((في لفظه)).
(٣) ليست في ش وع.
(٤) سقطت من ((ع)) فلتستدرك.
(٥) ف ع: ((بينًا)).
(٦) في ع ((القلم)) - خطأ.
(٧) في ش: ((رسول الله)).

٩٥
معرفة الصحيح من الحديث
ورسولُ الله ◌َِّ قاله لا شكَّ فيه (أنه)(١) لا يحنث، والمرأةُ بحالها في حبالته)).
وكذلك ما ذكره «أبو عبد الله الحميدي)) في كتابه ((الجامع بين الصحيحين)) (٢)
من قوله: ((لم نجد من الأئمة الماضين، من أفصحَ لنا في جميع ما جمعَه بالصحة،
إلا هذين الإمامين)).
فإنما المرادُ بكلِّ ذلك مقاصدُ الكتاب وموضوعه (ومتون)(٣) الأبواب، دون
التراجم ونحوها؛ لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعًا، مثل قول ((البخاري)):
باب ما يُذكر في الفخذ: ویُرْوی عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش، عن
النبيِ وَليفر: ((الفخذُ عورة))، وقوله في أول باب من أبواب الغسل: وقال (بَهْزٌ) (٤)
عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّت: ((الله أحقّ أن يستحيا منه)).
فهذا قطعًا ليس من شرطه، ولذلك لم يورده ((الحميدي) في ((جمعه بين
ءِ
الصحيحين))، فاعلم ذلك فإنه مهمٌ خافٍ. والله أعلم. انتهى.
قال ابن حزم: وما وجدنا في كتاب ((البخاري ومسلم)) سوى حديثين فيهما
وهم(٥) ، مع إتقانهما وحفظهما.
فذكرَ («للبخاري)) حديث شريك عن أنس في الإسراء، وأنه قبل أن يُوحى إليه وفيه
شق صدره.
قال ابن حزم: والآفة من شريك.
وذكرَ (لمسلم)) حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس: ((كان
(١) ليست في ش وع.
(٢) في ش: ((الجمع بين الصحيحين)).
(٣) في ش: ((وفنون)).
(٤) في ش وع ((بهز بن حكيم)).
٥) طعن ابن حزم - رحمه الله - في أكثر من ذلك من أحاديث ((الصحيحين)) ولم يحسن بالمؤلّف رحمه الله
سياق كلام ابن حزم بلا تعقيب وجواب عن ذلك، وقد أجبت عن ذلك في غير هذا الموضع.
وحاصل الأمر: أن البخاري ومسلمًا لا يُخرِّجا في أصولهما ما يتجه إليه القدح، وقد يقع ذلك في الشواهد
والمتابعات والتي لم يشترطا فيها الصحة، وهذا واضح من كلام مسلم رحمه الله في مقدمة «صحيحه»، =

٩٦
النوع الأول ==
المسلمون لا ينظرون إلي أبي سفيان، فقال النبيِّ وَلو: ثلاث أعطينهنّ، قال:
((نعم))، قال: عندي أحسن العرب وأجمله؛ أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها،
قال: ((نعم).
قال ابن حزم: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه؛ والآفة فيه من عكرمة
بن عمَّار.
وقوله (وذلك كثير في البخاري وقليل في مسلم جدًا)؛ أي: أن فيهما مواضع
لم (يصلاها)(١) بإسنادها، بل قطعا أول أسانيدها، مما يليهما، وليس في ((مسلم))
منها سوى موضع واحدٍ في ((التيمم)): حديث أبي الجُّهَيْم بن الحارث بن الصمة:
أَقْبَلَ رسولُ اللهِ وَلَه مِن نحو بئر جمل ... الحديث، فقال مسلم: وروى اللَّيث
ابن سعد، ولم يوصل سنده إلى الليث، وقد أسنده البخاري عن يحيى بن بكير
عن الليث قال: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن
عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقْبَلْتُ أنا وعبدُ الله بن يسار مولى
ميمونة حتى دَخَلْنا على أبي الجُهَيْم فقال: أَقْبَلَ رسول الله وَّل من نحو بئر
جمل .... ؛ الحديث، مع أن في ((مسلم)) غير هذا مواضع يسيرة، كقوله في
((البيوع)): وروى الليث بن سعد حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز
عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أنه كان له مال على عبد الله بن أبي حَدْرَد
الأسلمي .... ؛ الحديث.
وقال مسلم في ((الحدود)): وروى الليث أيضًا عن عبد الرحمن بن خالد بن
مسافر عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله.
= وقد يذكر بعض الأحاديث ليُبَيِّنَا عِلَّتها كما أشار الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حفظه الله أثناء تقديمه
الكتابَيْ (الإلزامات والتُّع)) للدارقطني رحمه الله تعالى.
وهذا اختيار القاضي عياض وغيره من شُرَّاح ((الصحيحين أو أحدهما))، وهو ما وعدَ به مسلم رحمه الله في
(مقدمة صحيحه))، فإذا رأيتَ عندهما - أو أحدهما - حديثًا مطعونًا فيه؛ فانظر إلى كيفية إخراج صاحب
الصحيح له، فأكثر ما ينتقد عليهما هو مما ذكراه في الشواهد، أو ذكراه ليبيِّنا علّته، فلا تهجم قبل النظر رعاك
الله .
(٣) في خط: ((يصلوها)) - خطأ.

٩٧
معرفة الصحيح من الحديث
وهذان الحديثان رواهما قَبْلَ ذلك بإسناده المتّصل ثم عقبهما بهذين الإسنادين
المعلّقين، فليس ذلك من باب التعليق في شيء، فليس فيه من التعليق غير حديث (أبي
الجُّهَيْم)(١) وقد وصله البخاري والنسائي أيضًا قال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي
صاحب الشافعي قال: حدثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، وكذا وصله غيرهما.
وأوَّل من نبّه على ما وقع في ((مسلم): الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي
التميمي المازري، فنبَّة على أربعة عشر حديثًا، جمعها الحافظ رشيد الدين يحيى
بن علي بن العطار، وزاد عليها عشرين حديثًا، غير ما وقعَ فيه من المرسل،
والمكاتبة، والوجادة، جَمَعَ ذلكَ في كتابٍ سمَّاه: ((غرر الفوائد المجموعة في بيان
ما وقع في مسلم من الأحاديث المقطوعة)) وكذا استدرك عليه الدارقطني مواضع،
جَمَعَ ذلك كله الحافظ العراقي فَسَحَ الله في مدته، وكلها مسندة صحيحة وصلها
مسلم كلها، إلا حديث أبي الجُهَيْم المتقدّم، واسمه: عبد الله بن الحارث بن
الصمة، أنصاري، ويقال فيه أيضًا: أبو الجَهم بفتح الجيم، والمشهور تصغيره(٢)،
ووقع في ((مسند مسلم)): عبد الرحمن بن يسار، وصوابه: عبد الله بن يسار، كما
تقدّم، وكما رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ويسار مولى ميمونة زوج النبي
وَله، وبنوه أربعة: عبد الله، وعطاء، وسليمان، وعبد الملك(٣).
ومن المرسل: ما أورده في كتاب (البيوع))، قال فيه: حدثني محمد بن رافع،
حدثنا حُجَيْن، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب:
((أن رسول الله وَلَهُ نهى عن المزابنة والمحاقلة)).
ثم قال: وأخبرني سالم بن عبد الله، عن رسول الله وَّل، أنه قال: ((لا تَبْتَاعُوا
الثَّمَرَ حتَّى يَبْدُو صلاحه، ولا تبيعوا الثَّمَرَ بالثَّمْرِ)) (٤).
وقال سالم أخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت: ((عن رسول الله وَالله؛ أنه
(١) في ع: ((أبي الجهم)) بإسقاط المثناة.
(٢) في حاشية خط: ((وأبو الجُهَيْم هذا غير أبي الجهم صاحب الإِنْبِجَانِيَّة)). قلت: يشير إلى ما ورد في
الحديث من ذكر: ((أنبجانيّة أبي جهم».
(٣) في حاشية خط: ((وقع في (شرح مسلم): وهُمْ أربعة، وجعلَ مكان سليمان: عبد الرحمن)).
(٤) الأولى بالمثلثة، والثانية بمثناة فوقيّة.

٩٨
النوع الأول =
رخَّص بعد ذلك في بيع العَرِيّة بالرُّطَب، أو بالتَّمْرِ، ولم يُرخِّص في غير ذلك)).
فالحديثان الأولان مرسلان، والثالث متصل، وإنما ذكره مسلم لأنه سمعه
حديثًا واحدًا من محمد بن رافع، فاختار ذكر جميع الحديث بتمامه، مع أنه قد
أسند الحديثين، فأسندَ الأول من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
هريرة، وأسندَ الثاني من حديث (ابن)(١) عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه،
وكذلك وصله البخاري من الوجه الذي أرسله مسلمٌ.
وفيه من الوجادة: حديث أخرجه في كتاب ((الفضائل))؛ قال فيه: حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة قال: وجدتُ في كتابي عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه
عروة، عن عائشة؛ قالت: (إنْ كانَ رسول الله وَله ليتفقد يقول: ((أين أنا اليوم؟
أين أنا غدًا؟)) استبطاءً ليوم عائشة.
قالت: فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سَحْري ونحري)).
ولم يخرجه إلا في هذا الموضع وحده، وقد أخرجه البخاري متصلاً من غير
وجادة قال: ثنا محمد بن حرب، ثنا أبو مروان، ثنا يحيى بن (أبي)(٢) زكريا،
عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
ويحيى بن أبي زكريا هذا هو: الغسّاني؛ شامي، ربما اشتبه بيحيى بن زكريا بن
أبي زائدة؛ لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة.
وكذلك حديث في ((الفضائل)) أيضًا: عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: وجدتُ في
كتابي عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها قالت: قال
لي رسول الله وَّهُ: ((إني لأعلم إذا كنت عليَّ غَضْبَى أو راضية .... )) الحديث.
وبه قالت: ((تزوَّجني رسول الله وَّ لست، وبنى بي لتسع)) الحديث، كلاهما
وِجَادة لكنه وصلهما فقال: حدثني أبو كريب عن أبي أسامة .
قال الرشيد العطار: ووقع في مسلم أيضًا أحاديث فوق العشرة مروية بالمكاتبة، لم
يسمعها الراوي لها ممن كَاتبَه؛ فهي مقطوعة سماعًا متصلة مكاتبة.
(١) تكرَّرت في خط: ((ابن ابن)).
(٢) سقطت من خط، وسيأتي ثانية على الصواب.

٩٩
معرفة الصحيح من الحديث
فمنهم من أجاز ذلك بشرط: أن يأذن الكاتب للمكتوب له في روايتها، كما
نصٌ عليه الغزالي في ((المستصفى))، وقال الإمام في ((النهاية)): كلُّ حديث نُسبَ
إلى كتاب، ولم يذكر حامله فهو مرسل، والشافعي لا يعمل بالمرسل، ونقل
القاضي عياض عن الجمهور جواز العمل بالمكاتبة وأنها داخلة في المسند.
وقد انتقد الدارقطني على مسلم إخراجه حديث ((مخرمة بن بكير عن أبيه))،
فإنه لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى عن كُتُب أبيه، وقال أحمد: مخرمة يقال لم
یسمع من أبيه إنما روی من کتابه.
وقد وقعت مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه بحضرة أحمد في جلُود
الميتة إذا دُبِغَتْ؛ قال الشافعي: دباغها طهورها لحديث الزهري، عن عبيد الله، عن
ابن عباس، عن ميمونة: ((أنه وَلّ مرَّ بشاة ميتة؛ فقال: هلاَّ انتفعتم بجلدها)).
فقال إسحاق: (حديث ابن عُكَيْم)(١): ((كتبَ إلينا النبي وَلَّ قبل موته بشهر:
لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب)» أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة.
فقال الشافعي: هذا كتاب، وذاك سماع. قال إسحاق: كتبَ النبيُّ ◌َلّ إلى
كسرى وإلى قيصر، وهو حجة عليهم عند الله تعالى، فسكَتَ الشافعي، فلما
سمع أحمد ذلك عمل (بحديث ابن عُكَّيْم)(١) ورجعَ إسحاق إلى حديث
الشافعي، وأفتی بحديث ميمونة.
واعترضَ بعضهم على المصنّف؛ بأنه مثَّل للذي حُذفَ من مُبْتَدا إسناده واحد أو
أكثر بقوله: (قال عفّان كذا قال القَعْنَيُّ كذا).
قال (٢): وهذا لم يسقط من إسناده أحد؛ لأن عفَّانًا والقَعْنبي كلاهما من شيوخ البخاري.
وهذا عجيب! وكيف يجهل المصنّف هذا؟ وقد نَبَّه عليه بَعْدُ وجعلَهُ من قَبيل المتَّصل
حيثُ ردَّ على ابن حزمٍ في رابع (التعريفات)) من ((النوع الحادي عشر)) كما سيأتي.
وإنما مراده: أن يذكر صيغة التعليق من حيث الجملة، فقال: (مثاله قال رسول الله
(١) في خط في الموضعين: ((حديث عُكَيْم)) والصواب ما أثبتُه، وهو عبد الله بن عُكيم بضم المهملة في أوله
وفتح الكاف، وراجع لحديثه هذا: نصب الراية للزيلعي (١/ ١٢٠).
(٢) يعني: المعترض.

١٠٠
النوع الأول =
وَخلّ كذا وكذا قال ابن عباس كذا ؛ قال القَعْنَي كذا؛ روى أبو هريرة كذا)، ولم
يقصد البخاري، ولا غيره.
وقد ردَّ الناسُ على ابن منده قوله(١): ((أخرج البخاري في كتبه الصحيحة
وغيرها قال لنا فلان وهي إجازة، وقال فلان وهو تدليس. قال: وكذلك مسلم
أخرجه على هذا)). انتهى .
ولم يوافقه أحد على ذلك؛ لأن مسلمًا لم يقل عن أحد من شيوخه: ((قال
فلان))، وإنما روى عنهم بالتصريح.
وقوله: (إذا كان الذي علّق عنه الحديث دون الصحابة فالحكم بصحته يتوقّف
على اتّصال الإسناد بينه وبين الصحابي)؛ أي: إذا كان رجال الإسناد ثقات،
واحتَرَزَ بذلك عن نحو قول البخاري: وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن
النبي وَّ: ((الله أحقّ أن يُستحيى منه)).
قال المصنِّف بعد هذا: وليس ذلك من شرط البخاري قطعًا، ولهذا لم يذكره
الحميدي في «جمعه بین الصحیحین)) .
واعتُرضَ على قوله: ((ما كان مجزومًا به فقد حكم بصحته عمن علّقه عنه،
وما لم يكن مجزومًا به فليس فيه حكم بصحته))؛ بأنَّ البخاري يُورد الشيء بصيغة
التمريض ثم يُخرجه في صحيحه مسندًا، وقد يجزم بالشيء ولا يكون صحيحًا؛
كما قال في ((كتاب الصلاة)): ويُذْكر عن أبي موسى: ((كُنّا نَتَنَاوَبُ النبيَّ ◌َلّ عند
صلاة العشاء))، ثم أَسْنَدَهُ في ((باب فضل العشاء)).
وقال في كتاب ((الطِّبّ)): ((ويُذْكر عن ابن عباس عن النبي وَّ في الرقى بفاتحة
الكتاب)»(٢)، وقد وصله بقوله: ثنا سيْدانُ بن مضارب، ثنا أبو معشر البرَّاء،
حدثني عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ... به.
وقال في (كتاب الإشخاص)): ((ويُذْكر عن جابر أن النبيَّ وَ لَه ردَّ على
(١) راجع: ((التقييد)) للعراقي (ص/ ٣٤).
(٢) قال البخاري: ((ويذكر عن ابن عباس عن النبي (وَّر)). ذكره في باب ((الرقى بفاتحة الكتاب)) من كتاب
((الطب)) (١٠/ ٢٠٨ - مع الفتح)، (باب رقم/ ٣٣).