Indexed OCR Text
Pages 1-20
السَّدَاء الْفَيَّة مِنْ عُلوم ابن الصَّلَاح مدالشّ تعَالى (٥٧٧ - ٦٤٣هـ) تأليفٌ الشِّبُهَان الذين الأَبْنَاسِيّ رَحْمَه اللّه تعَالى ( ٧٢٥ -٨٠٢هـ) تحقِيق صَلَاحِ فَيْ هَلَل أِخُبَيْبٍ غَفَرِ اللَّه لَهُ المَجَلُّ الَّوّتْ شركة الرياض للنشر والتوزيع مكتبة الرشد الرياض جميع الحقوق محفوظة الطَّبَعَّة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨م مكتبة الرشد للنّشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجاز ص ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٨٣٧١٢ تلكس ٤٠٥٧٩٨ فاكس علي ٤٥٧٣٣٨١ فرع القصيم بريدة حي الصفراء - طريق المدينة ص ب ٢٣٧٦ هاتف ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس علي ٣٢٤١٣٥٨ فرع المدينة المنورة - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٠٥/٥٤٧٢٦٦٤ بترا شركة الرياض للنشر والتوزيع صَبْ: ٣٣٦٢٠ - الهاض: ١١٤٥٨ - هاتفٌ: ٤٥٩٤٧٧٩ وَمَاذَا يَضُرُّكَ لو تَعْتَبِرْ لأَيّ بَلاَئِكَ لا تَدَّكِرْ وَمَيْتٌ يُسَاقُ وَقَبْرٌ حُفِرْ بُكَاءِ هُنا وبُرَاحٌ هُنَاكَ وَبَانَ الشَّبَابُ وَحَلَّ المَشِيبُ وَحَانَ الرَّحيلُ فما تَنْتَظِرْ كَأَنَّ جَنَابَكَ جلدٌ حَجَرّ لَو أنَّ بِقَلْبِكَ صَحَّ النَّظَرْ 0 كَأَنَّكَ أَعْمَى عَدَمْتَ البَصَرْ وَمَاذَا تُعَايِنُ مِنْ آيَةٍ الوليد بن بكر، أبو العباس، الغمريّ (سيرأعلام النبلاء للذهبي) (٦٦/١٧ -٦٧) ٠٠٠٠ رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهْدَى إِلَّعُيُوبِي وَلَمْ يُعِنْ عَلَّ القَّرِين وجَعَلَ لى حظًا مِنْ دُعَائِهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُ خْطٍِ وَقَدْ أُصيب واللهُ يغفر لى الأَتِي وهو أرحمُ الرَّاحِمِين ٥ وهو حسبي صَلَاَحِ أَبُو خُبَيْب و , 0 و عَفَا اللهُ عَنْهُ بسم الله الرحمن الرحيم توطئة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وبعد : فهذا كتاب ((الشَّذَا الفيَّاح من علوم ابن الصلاح)) للأَبْنَاسي رحمه الله، جمعَ فيه بين كتابَي العراقي: ((التقييد والإيضاح)) و((شرح الألفية))، وزاد عليهما بعض الزيادات، وقد حاولت - جهدي - إخراجه بالشكل اللائق به، وقدمت بين يديه بالآتي : - المقدمة . - ترجمة الأبناسي. - منهج الأبناسي في كتابه. - وصف النسخة الخطية المعتمدة، ومنهج العمل في الكتاب. - إثبات نسبة الكتاب للأبناسي، وذكر نماذج من النسخة الخطية. - وأتبعتُ ذلك بفصول وإشارات؛ قيدتها من ((صيد الخاطر)) وأرجو المولى سبحانه وتعالى أن يمن بالقبول، وأن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم. - ولا يفوتني هنا تقديم خالص الشكر والعرفان لأخي في الله فضيلة الأخ أبي عبد الرحمن عمرو بن عبد المنعم سليم حفظه الله، والذي لم يبخل عليّ بنسخة الكتاب الخطية، فجزاه الله خير الجزاء. - كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير لأخي في الله صاحب الفضيلة سيد بن عباس الجليمي حفظه الله على ما بذله في سبيل ظهور هذا الكتاب، فجزاه الله تعالى عني خير الجزاء، وجعل ذلك في ميزان حسناته. ٦ توطئة - كما أتقدم بخالص الشكر والعرفان لأخي في الله صاحب الفضيلة أبي عبدالله أحمد بن أبي العينين - حفظه الله ورعاه - لما بذله لي من تشجيعٍ كان له أكبر الأثر على إتمام هذا العمل فجزاه الله خيراً. - كما لا يفوتني تقديم خالص الشكر والعرفان لأهل بيتي، على ما بذلوه في سبيل ظهور هذا الكتاب فجزاهم الله خير الجزاء. - وأسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم جميعًا، وأن يَمُنَّ بالقبول، كما أسأله سبحانه وتعالى السداد والتوفيق. وأسأل كل من يقف على عملي هذا أن يدعو لي ولوالدي، ولمشايخي، ولجميع المسلمين . - رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين، وأورثنا الفردوس بعد أن صِرْنَا إلى زمان ضاعت فيه ((المواريث))، إنّك ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين. وكتب صلاح أبو خبيب بسم الله الرحمن الرحيم رب يسّر وأعن يا كريم المقَدِّمَة إن الحمد لله. نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وبعد .. - فقد درج كثير من الناس في هذا العصر على القول بمنهجية المتأخرين من المصنفين في العلوم، مع رمي السالفين رحمهم الله بعدم المنهجية في أمور شتی، ويعتذر البعض عن السالفين بأنَّ العلوم لم تكن قد أخذت حظّها من التصنيف، والتدوين. - وصرَّح جماعة بأنَّ ((الخلف أَقْعَد في فهم مراد الشارع)»، وعلَّلوا ذلك بعللٍ منها: تيسّر سبل الاجتهاد والمعرفة في العصور المتأخّرة أكثر من ذي قبل. - وتلقّف الناس هذه الفرية بالتسليم، وطاروا بها كل مطار، وتبجّح بعضهم فقال: ((نحن أولى بالمعرفة والدراية بالشريعة من السلف))، وطعن غيره في سادات أكابر من أئمة الملة رضي الله عنهم، في مسلسلٍ من ((التهتك العلمي)) لا مناص عن رَجْمه. - لقد مات النبي وَّر عن مئات من أصحابه رضي الله عنهم، حفظوا لنا حركاته وسكناته، بل حفظوا لنا تلك الأمور الجبلِّية التي فطره الله عز وجل عليها مثل لون بشرته وصفة قدميه وكفّيه ێ﴾. - وقام الصحابة رضي الله عنهم بميراث النبوة خير قيام، وآل ما ورثوه إلي مَن بعدهم من التابعين وهلم جراً حتى وصل إلينا. ٨ المقدمة = مع ملاحظة الفارق الكبير، والهوة الشاسعة بين هذه الأجيال الفاضلة، والقرون الخيِّرَةَ، وبين مَن جاء بعدهم. - لقد ظَلَّت العقيدة الإسلامية صافية نقية في العصور الفاضلة رغم المحاولات المتكررة للنّيْل منها. فلما انقضت هذه العصور دخل العقيدة ما دخلها من دخن اليونان والمجوس وغيرهم. - ولم تُسَلِّم الأمة يومًا من الأيام لتلك العقائد الفاسدة التي حاول المعتزلة وغيرهم بثّها في الأمة، فلما انقضت عصور الخير والرشاد والفضل التي ذكرها رسول الله ◌َّه في حديثه؛ استكانت الأمة وركنت إلى عقائد المعتزلة، وفشَى فيها قول جهم وغيره من أهل الزيغ بلا نكير، بل صار المُنْكِر لذلك: ((متهمًا تطارده السلطات)) فالله المستعان. - كذلك الحال بالنسبة لأصول الفقه، فقد سبق إلى تدوينه وتمهيده أئمة كالشافعي رحمه الله تعالى، وكان منحصراً في الاستنباط من القرآن والسنة، ثم دخلت عليه الفلسفة بخيلها ورجلها فلم تدع فيه شيئًا إلا أفسدته؛ حتى بلغ الأمر ببعضهم أن يشترط: ((المعرفة بالمنطق والفلسفة لبلوغ الاجتهاد)) وقرَّر بعضهم أنَّ ((فاقد العلم بالمنطق والفلسفة لا يُعدُّ مجتهداً ولا يعتبر فقيهًا)). - وبعد أن كان الشافعي رحمه الله يقرر القاعدة ويذكر دليله من الكتاب والسنة؛ أصبح الدليل من قول فلان أو فلان، أو: ((أن هذا يجري على أصول المناطقة)) أو: ((أصول الفلاسفة)) أو: ((وأهل الجدل لا يأبونه)). - واتسع الخرق على الراقع بالنسبة للفقه، وتفرَّقت الأمة شيعًا - إلا من رحم ربك - تبعًا للمذاهب الفقهية حتى وصل الأمر إلى تجريم زواج ((الحنفي من االشافعية)»، مثلاً، أو تحريم الصلاة خلف المخالف في المذهب. بل وصل الأمر إلى حدِّ التكفير أحيانًا. - وبعد أن كان أبو هريرة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم يحكي الإجابة عن رسول الله وَل صافية نقية، وهكذا الحال فيمن بعدهم من القرون الفاضلة؛ ٩ ■ بين منهج المتقدمين والمتأخرين صار التحاكم فيما بعد هذه القرون إلى الآراء المذهبية، والاجتهادات البشرية التي لا يُؤْمن فيها من الزلل والخطأ. - غيرَ أنَّا نطوي بساط العلوم كلها ونفرد ((علم الحديث)) بالذِّكْر فنقول: - توفي النبي وُّل عن مئات من الصحابة الأمناء رضي الله عنهم، فقاموا بميراث النبوة خير قيامٍ، حتى وصل إلينا. - ولقد تميَّز هذا الجيل الفريد بصدقه وأمانته وعدالته ومن ثَمَّ ((رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ورضوا عَنْهُ)) فكانوا: ((خيرَ القرون)) على الإطلاق، ولم تعرف البشرية لهم مثيلاً من لدن آدم عليه السلام وإلى عصرنا هذا. - وبرزت في هذا الجيل بذور النقد الحديثي، مثلما وقع بين عمررضي الله عنه وأبي موسى في ((حديث الاستئذان)) فقد استغربه عمر، وأنكر تفرد أبي موسى به، ولا شكّ أن ((أدب الاستئذان)) من الأمور المشهورة، المتكررة الحدوث، وكان عمر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله بَّله كثيرًا، ومع ذلك جاءه أبو موسى بشيءٍ زائدٍ لم يعرفه هو، فاستغرب ذلك عمر وطلب منابعًا لأبي موسى لما قام عنده من استغراب واستشكال، فلمّا شهد الناس لأبي موسى؛ قبل عمر زيادته هذه، ولا يعني ذلك ردّ عمر لخبر الواحد كما فهمه بعضهم، وقد أوضحت ذلك في غير هذا الموضع. وكذلك: اعتراض عائشة رضي الله عنها على عُمر وابنه في حديث ((تعذيب الميت ببكاء الحي))، وتعقيب ابن عمر على أبي هريرة في استثناء كلب ((الزّرع)). ومن هذا الباب أيضًا: امتناع جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن الإكثار من الحديث عن رسول الله وَّر، واعتراضهم على أبي هريرة في إكثارِه، واعتذاره بكثرة ملازمته للنبي وَّل على جوع بطنه . - وهكذا برزت بذور النقد، في هذا العهد المبكِّر، طلبًا للتثبت في النقل عن النبي وَلِّ، وحذراً من الزيادة أو النقصان في شريعته وَله. - ونظرًا لأمانة الرجال وعدالتهم وصدقهم في هذا العصر فقد قبل بعضهم الحديث عن بعض، وربما أسقط بعضهم الواسطة بينه وبين النبي وَلّ وهو ما ١٠ المقدمـة يُعرف بمراسيل الصحابة رضي الله عنهم، وذلك لسلامة الرجال والوسائط في هذا العصر من القدح. ومِن ثَمَّ كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما قارب هذا الجيل على الانتهاء، ووقعت الفتن وبدأ التنازل الخُلُقي لدى المسلمين وظهرت بعض أمارات الفساد؛ بادروا بالسؤال عن الإسناد، ولم يقبلوا شيئًا من غير الثقات، وبعد أَنْ كانوا يهشون لسماع الحديث عن رسول الله وَّي ممن جاء به؛ صاروا يأخذون ما يعرفون ويدعون ما لا يعرفون من الحديث عن رسول الله اَل . - فلما انقضى زمان الصحابة رضي الله عنهم: ((أتى الأمة ما وُعِدَت)) فكثرت الفتن، وفشى الكذب، وكثر الدّخيل، فقال الناس: ((إن هذا الأمر دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم))، قالوا: ((ولا يحدث عن رسول الله وَّل إلاَّ الثقات))، واتجه الناس إلى الأخذ عن الثقات، ورفض ما جاء به أهل الكذب. لكن ثَمَّ رواة ضعفاء يحدّثُون على الخطإ والوهم دون تعمّد للكذب، فكان لابد من وضع قواعد صارمة تبيِّن أخطاء هؤلاء، وتمنع من اختلاطها بالأحاديث الصحيحة المروية عن رسول الله وَّه، وتمهِّد السبيل أمام الناس لمعرفة الصحيح من السقيم . - وكان عصر التابعين فمن بعدهم إلى نهاية عصر الرواية عند الثلاثمائة تقريبًا من أشدّ عصور النقد الحديثي وأصرمها وأغزرها مادة، فيه مُهِّدت القواعد، وأُسِّس بنيان النقد، ومُحِّصَت الروايات والرواة على حدٍّ سواء. - على أن مما تجدر الإشارة إليه: غلبة الإشارات في هذا العهد، وقلة التصريح منهم بالعلة أو القاعدة التي بُني عليها الحكم ونحو ذلك، نظرًا لاشتراكهم في المعرفة والدراية، وكثرة الطلاب ونباهتهم، مما أوقع مَن بعدهم في حيرة على ما سيأتي. - ولم يخل هذا العصر حتى دوّن الناس بعض هذه القواعد والأسس مثل ماكتبه الإمام مسلم رحمه الله في ((مقدمة صحيحه)) أو ((التمييز))، أو ما كتبه الإمام الترمذي في ((علله الصغير)). - ١١ انتقاد بعض القواعد - نعم سبق هؤلاء إلى تدوين بعض قواعد النقد جماعة لكنها جاءت مختلطة بغيرها بحيث يصعب على الطالب لها إدراكها . وفي بطون الروايات عن ابن معين وأحمد وكذلك كتب ابن أبي حاتم وغير ذلك؛ فوائد لا تحصى، لكن صعبت على الطالب لاختلاطها بغيرها. وجاء الرامهرمزي والحاكم والخطيب في آخرين فأفردوا ذلك بالتصنيف، وتبعهم الناس في ذلك. - ومرّت الأيام وانقرضت الرواية، وانقضى عصرها، وصار الاعتماد بعد ذلك على الكتب المعتمدة المشهورة لا الرواة، وبطل الاعتماد على الإسناد، وصار مايتداول من الأسانيد خارج هذه الكتب المعتمدة إنما يقصد به إبقاء سلسلة الإسناد التي خُصَّتْ بها هذه الأمة. - وقرر الناس: أنَّ من جاء اليوم بحديث لا يوجد في دواوين الإسلام المعتمدة المشهورة؛ لا يقبل منه ذلك، ولو أورده بإسناد كالشمس، بل جعلوا صحة الإسناد الخارج عن الدواوين المشهورة المعلومة دلالة على نكارة هذا الإسناد، ((إِذْ لم يُخَبَّأ عن القوم شيء لفضل عندنا)). - فأصبح الاعتماد الآن على ما ورد في دواوين الإسلام كالصحيحين وغيرهما مما تلقَّاه العلماء بالقبول واعتمدوه في النقل. - وقد تميَّزَ هذا العصر - عصر ما بعد الرواية - بكثرة المصنفات، ومحاولة استقراء مناهج الأئمة وتدوينها. - ونظرًا لتداخل العلوم، وصعوبة الفصل بين أجزائها إلاَّ على العارف البصير، مع بروز المذاهب الفقهية، وظهور النصرة لها، والمحاربة من أجلها، فقد تداخلت الأمور، واضطربت القواعد، فرأيناهم يجمعون في تصانيفهم بين أقوال المحدثين وأهل الكلام والفقه واللغة وغيرهم، وأدلى هؤلاء بدلوهم في قواعد الحديث على غير هدى، نظرًا لانطلاقهم من قواعد وأسس تخالف تلك التي ينطلق منها أهل الحدیث . ١٢ المقدمة - ومِن ثَمَّ أنكر هؤلاء بعض ما كان مُسَلَّمًا لدى النقاد كاشتراط السلامة من الشذوذ والعلة لصحة الحديث. - ومع تطاول الزمان، وتوالي الأيام مُحَيَتْ رسوم الأئمة النقاد إلاَّ قليلاً منها، واستكان الناس إلي قواعد الفقهاء، ورسوم المتكلمين التي ورثوها في بعض المصنفات الاصطلاحية، ومِن ثَمَّ كثر الاضطراب والتناقض، فما قُبُلَ في مكانٍ رُدَّ في آخر، وما اشتُرط في مكان نُقض في آخر؛ نظرًا لما سبق، ولقلة أهل المعرفة على مر الزمان. - وزاد الطين بلة ما تفشى بين الناس من ((الخلود إلى الأرض ونسيان الاجتهاد)» والركون إلى التقليد، فعكف الناس بعد ابن الصلاح - مثلاً - على كتابه شرحًا واختصارًا، فلما جاء ابن حجر؛ عكفَ الناسُ على كتبه، وهكذا ساد التقليد والجمود العلمي؛ إلا في بعض المنارات العلمية التي منحها الله شرف ((صيانة المنهج))، وسبر أغواره، ومعرفة مراميه، كما منحها سبحانه وتعالى شرف العمل به، والدعوة إليه، كما تراه عند الذهبي وابن رجب والمعلِّمي اليماني وغيرهم ممن منحهم الله سبحانه وتعالى نظراً ثاقبًا في إشارات الأئمة وتصريحاتهم، تأكيدًا لحفظ الله عز وجل لهذه الشريعة وقواعدها من الاندثار. - لقد ظلت أحكام ابن حجر في ((تقريبه)) أحكامًا قدسيَّةٌ لا تقبل المساس، ولو بالتعريض أمدًا بعيدًا، حتى جاء عصرنا واندلعت ((الثورة)) عليها، ومِن ثَمَّ ((تَتَابَعَ السَّيْل)». - ولم تقف ((الثورة العلمية)) عند أحكام ابن حجر، بل رفعت ((لواء الحطّ على التقليد)) والقضاء على ((الجمود العلمي)) جملة. لكن سرعان ما اتجه ((الثوار)) إلى ((أبراج الأئمة))، و((ثُكُنات القادة)) يرمونهم بأنواع من التهم والمناكر؛ كقصر النظر، وعدم التحرير، وعدم المنهجيّة في الفكر، في مسلسلٍ من ((الجرائم العلمية)) أَذْهَبَتْ ((لذة النصر)). - وكان الأولى: التفريق بين ((الرأس، والذَّنَب))، بين ((القائد، والجندي)) مع الاعتراف لكليهما بمنزلته التي منحه الله إيّاها، والتذكير بحاجة كل منهما لصاحبه، ١٣ - تحرير القواعد والأصول في جوٍّ يسوده ((الحرص على العلم)). - لقد كان الأَوْلَى بنا الاتجاه نحو تحرير القواعد والأصول التي سار عليها الأئمة، وفهمها على الوجه اللائق بهم، والمتعارف عليه عندهم، خاصة وأنهم ((أرباب الصناعة))، بدلاً من قبول مئات الأحاديث مما ردُّوه وأعلوه. - هذا .. ولا يفهم من ذلك الدعوة إلى ((العودة إلى طغيان التقليد)) أو ((جمود الفكر)» إنما المراد: إبراز مقام الأئمة العالي، ووجوب التسليم لهم في فنّهم، ما لم يقم الدليل على خلاف ما ذهبوا إليه، من خلال قواعدهم وأصولهم التي قعَّدوها وأصَّلوها، ومن خلال الأدلة المقبولة لديهم. وليس يليق بنا أن نتعقّبهم في شيء بأدلةٍ من وضعنا ونسجنا، ما عرفوها، أو عرفوها؛ لكن ما رضوها يومًا من الأيام. ولقد ذكر الشاطبي وغيره: وجوب الاحتجاج على الخصم بما هو حجة عنده. قالوا: لأن الاحتجاج عليه بما لا يراه حجة يبطل المناظرة. ومِن ثَمَّ لا يليق بنا الآن التعقُّب على هؤلاء السادة بقواعد اخترعناها، ما عرفوها، أو تَأْبَاها أصولهم، ولذا وجبت دراسة أصولهم وقواعدهم، والكشف عن مناهجهم، والإحاطة بها، وقد غفل قوم عن ذلك، فغرَّبُوا حيث شرَّق الأئمة. - ومهما يكن من أمر، فلا مناص من الاعتراف ((بفضل السلف على الخلف)» وأنهم: ((أَفْعد في فهم الشريعة ومراد واضعها))، ((وأَنْ لو أنفق الخلف ملء أُحُدٍ ذهبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه رضي الله عنهم)) . فلا سبيل للنجاة إلا سبيلهم، ولا علم إلاَّ ما تركوه، ولا فِكْر إلاَّ ما أصَّلُوه، ولا منهج إلا ما رسموه، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم فبهداهم اقتده. - ولا تستطل ما سطرته لك، فالأمر ما ترى. وبعد : فقد عكف الناس على كتاب ابن الصلاح رحمه الله شرحًا ونظمًا واختصارًا، ١٤ المقدمة = ومنهم من نظمه ثم شرحه؛ كالعراقي رحمه الله في «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث))، ومنهم مَن نَكَّتَ عليه؛ كالعراقي - أيضًا - في ((التقييد والإيضاح))، وتلميذه البار ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)). واختصره النووي في ((الإرشاد)) ثم ((التقريب)) وهو الذي شرحه السيوطي في ((التدريب))، كما اختصره ابن كثيرٍ أيضًا، وشرح مختصره الشيخ أحمد شاكر في «الباعث)». وليس المراد حصر من كانت له عناية بكتاب ابن الصلاح، لكن المراد الإشارة إلى عناية جماعة من الأكابر بكتابه هذا، أمثال: النووي وابن كثير والعراقي وابن حجر، وغيرهم كثير. - لكن برز العراقي من بين هؤلاء، وأُفْرِدَ بالشُّهرة، نظرًا لعنايته الخاصة بكتاب ابن الصلاح من جهة، وكثرة عناية الناس بتصانيفه - يعني: العراقي - من جهة أخرى. - وجاء الأَبْنَاسي رحمه الله - وهو من أصحاب العراقي - فجمع في كتابنا هذا - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - بَيْن كتابَي العراقي السالف ذكرهما وهما: ((التقييد والإيضاح)) و ((فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)). وقد حاولت - جهدي - إخراج كتاب الأبناسي المشار إليه بالشكل اللائق، فإن أحسنت فمن ربي سبحانه وتعالى، وإن كانت الأخرى فأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، وأبرأ من ذلك حيًا وميتًا، وأناشد من وقف على زللٍ أو عثار، أن يصلحه ويستره على أخيه، فالخطأ من لوازم البشرية، مع ما يضاف إلى ذلك من قلة البضاعة، وانشغال البال، في أمورٍ يعلمها علام الغيوب سبحانه وتعالى. وحسبي أني بذلت - جهدي - في طلب الإحسان، وفي القرآن: ﴿هل جزاء الإحسان إلّ الإحسان﴾ فمن وجد خللاً - ولا شك كائن - فليصلحه، ولينصح لأخيه برفق، ولا یعن علیه القرین. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله الأطهار ١٥ - الختام الأخيار، وارض اللهم عن صحبه الكرام، واحشرنا اللهم في زمرتهم أجمعين ... آمین. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتب صَلاح بن فَتَّحِيّ بن صَالح بن عليّ بن هَلَلِ أبو خُبَيْب عَفَا اللَّهُ عَنَّهُ مع عصر الخميس ٢٢ محرم ١٤١٨ هـ الموافق ٢٩ مايو ١٩٩٧ م ١٧ ترجمة الابتاسي رحمه الله تعالى هو إبراهيم بن موسى بن أيوب البُرْهَان الأَبْنَاسِيّ، تَرْجَمَ له غير واحدٍ، منهم تلميذه ابن حجر رحمه الله تعالى في ((المعجم المؤسّس)) و ((إنباء الغمر بأبناء العمر)) في وفيات سنة (٨٠٢هـ) (٤/ ١٤٤ - ١٤٧)، والسخاوي في ((الضوء اللامع)) (١/ ١٧٢ - ١٧٥)، والسيوطي في ((حسن المحاضرة)) (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، وابن العماد في ((الشذرات)) (٧/ ٢) في وفيات سنة إحدى وثمانمائة (هـ) قال: ((وفيها تُوقِّي العلامة بُرْهَان الدِّين أبو محمد إبراهيم بن موسى بن أيوب الأَبْنَاسي ...... ))، ثم أعاد ترجمته (٧/ ١٣) في وفيات سنة اثنتين وثمانمائة، كما ترجم له غير هؤلاء. وقد اخترتُ إيراد ترجمته من كتاب تلميذه ابن حجر ((المعجم المؤسس)) (٢٤٤/١ - ٢٤٩)، وأبقيت على بعض الحواشي التي صنعها محقق كتاب ابن حجر هذا وميّزتها بإضافة لفظ: ((حاشية)) في آخرها، والله الموفق والمستعان. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في ((المعجم)): إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي(١) (١) الأَبْنَاسي - بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون وفي آخره سين - نسبة إلى ((أَبْنَاس)) قرية صغيرة بالوجه البحري. قاله ابن العماد في ((الشذرات)) (٧/ ٢)، وقال الإمام اللغوي السيد محمد مرتضى الزبيدي في (تاج العروس)) (١١٣/٤) (فصل: الباء، من باب: السين/ مادة: بنس): ((إِيْناس بالكسر (بمصر) من الغربية، وهي في الديوان: (أبنهس) ينسب إليها خلق من المحدثين منهم: البرهان إبراهيم بن موسى الأبناسي الشافعي ممن سمع من الميدومي وعنه الحافظ ابن حجر). وفي ((الضوء اللامع)) للسخاوي: ((ولد ...... بأبناس وهي قرية صغيرة بالوجه البحري من مصر، وكتبه = ١٨ ترجمة الأبناسي = الفقيه(١) الشافعي(٢). ولد سنة خمس وعشرين تقريبًا؛ كذا بخطّه، وسُئل عنه مرّة (٣) فقال: لا أدري وقدم القاهرة شابًا فسمع من الوادي آشي (٤)، والَيْدُومِي (٥) وغيرهما واشتغل = العراقي: الأبنهسي)). وقال عمر رضا كحالة في ((معجم المؤلفين)) (١ / ١١٧): ((عالم فقيه، ولد بأبناس، من أعمال القاهرة ... )) کذا. وقرية ((ابنهس)) قرية عظيمة، تشبه المدن الصغيرة، يمر بها المسافر إلى القاهرة عبر ((الطريق السَّريع)) من طنطا إلى القاهرة، بعد ((بِرْكَة السَّبْع))، وقبل مدينة ((قُوِيسُنَا)) بثلاثة كيلومترات، على يمين الطريق مباشرة ويقابلها على يسار الطريق: ((كفرابنهس)) لكنه يبعد عن الطريق بمسافة اثنين من الكيلومترات تقريبًا. وهما من أعمال محافظة ((المُوفِيَّة)). رأيتهما مرارًاً. والأبناسي يُكنى بأبي محمد كما في ((إنباء الغمر)) لابن حجر وغيره، وفي ((الضوء)) للسخاوي: «أبو إسحاق، وأبو محمد». (١) ووصفه ابن الكيال في ((الكواكب النيرات)) (ص/ ١٣٤) بالحافظ، وقال السيوطي في ((حسن المحاضرة)): ((البرهان الأبناسي .... الورع الزاهد، شيخ الشيوخ بالديار المصرية .... )). وهو معروف بالبرهان الأبناسي أو ((برهان الدين الأبناسي)) كما عند ابن حجر في ((أنباء الغمر))، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم. (٢) برهان الدين أبو محمد نزيل القاهرة، ترجم له المؤلف في ((إنباء الغمر)) (١٤٤/٤) والمقريزي في ((السلوك لمعرفة دول الملوك)) (١٠٢٤/٣)، وابن قاضي شهبة في ((طبقات الشافعية)) (٥/٤)، والعيني في ((عقد الجمان)) ضمن وفيات سنة ٨٠٢، وابن تغري بردي في ((المنهل الصافي)) (١٧٨/١)، و((الدليل الشافي)) (٢٩/١)، والسخاوي في ((الضوء اللامع)) (١٧٢/١)، والسيوطي في ((حسن المحاضرة)) (٢٤٨/١)، وابن العماد في ((شذرات الذهب)) (٢/٧) ضمن وفيات ٨٠١ هـ، والبغدادي في ((هدية العارفين)) (١٩/١)، وعمر كحال في ((معجم المؤلفين)) (١١٧/١)/ حاشية. (٣) يعني تحقيقًا؛ قاله السخاوي في ((الضوء))، وجزم ابن حجر في ((إنباء الغمر))، وغيره بمولده في سنة خمس وعشرين وسبعمائة . (٤) الوادي آشي هو محمد بن جابر، تقدم/ حاشية . (٥) الَيْدُومِي هو أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم، تقدم/ حاشية. ١٩ مسموعاته بالفقه(١) وشارك في الفضائل. وبنى له زاوية بالمقَس(٢) وكان مأوىً للطلبة، يقوم بأودهم، ويسعى بحوائجهم، وكان مُطَّرِحًا للتَّكَلُّف، اجتمعتُ به قديمًا، وكان صديق أبي، ولازمته بعد التسعين. ٨٦/ م - وبحثت عليه في ((المنهاج). ٩/ م- وقرأتُ عليه قطعة كبيرة من أول ((الجامع للترمذي)) بسماعه على العُرْضِي (٣)، وابن أُمَّيْلَةٍ(٤). ٩/١- وقرأت عليه قبل ذلك ((المسلسل)) بسماعه على المّيْدُومِي بشرطه. * ومن مسموعه: ١٥٥- الجزء السابع والثلاثون من ((المعجم الكبير، للطبراني)) سمعه على محمد بن إسماعيل الأيوبي (٥)، قال [أخبر] نا العِزّ الحَرَّانِي(٦). (١) في ((إنباء الغمر)): ((واشتغل في الفقه والعربية والأصول والحديث، وتخرج بمغلطاي، وتفقه على الإسنوي والمنفلوطي وغيرهما)». وقد ذكر له حاجي خليفة في ((كشف الظنون/ ١٥٣))، وغيره: شرحًا لألفية ابن مالك في النحو. (٢) قال ياقوت (٥/ ٢٠٤): ((الَّفْس: بالفتح ثم السكون، وسين مهملة))، وهي هكذا في ((الضوء)) و((الشذرات)) وغيرهما، ونسبه إليها السخاوي فقال: ((المقسي))، ووقع هنا في ((المعجم)) لابن حجر: ((المقْيَس)) بمثناة من تحت بعد القاف، وهكذا ضبطها محقق كتاب ابن حجر - ضبط قلم - بسكون القاف وفتح المثناة، وفيه نظر، والصواب الأول، والله أعلم. (٣) العُرْضِي هوعلي بن أحمد بن محمد، تقدم/ حاشية. (٤) ابن أُمَيْلَة هو عمر بن الحسن بن مزيد، تقدم/ حاشية. (٥) هو ناصر الدين محمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن أيوب بن أيوب، المتوفى بالقاهرة سنة ٧٥٦هـ (وفيات ابن رافع ١٨٤/٢)/ حاشية. (٦) العِزّ الحَرّانِي هو عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي، تقدم وانظر تتمة الإسناد في الترجمة (٦٦)/ حاشية . ٢٠ = ترجمة الأبناسي ١٥٦ - وقد خرّج له أبو زُرْعَة ابن العِراقِي(١) ((مشيخة))، وحدث بها. وكان صديقًا لشيخنا العراقي، وهو الذي سعى لولده في غالب ما حصل له من الوظائف. ورثاه شيخنا العراقي لما مات بأبيات دالِيَّة وهي: من عالم وعامل مسدد يرحمك الله أبا محمد ونشر علم واقتناص سؤدد قطعت أيامك في عبادة تركن لطلاب بها مجتهد لم ترتكب مطامع الدنيا ولم إليك مشمولاً بلا تردد زهدت حتى في القضاء إذ أتى حتى إذا أسند رجعت للندى فغبت في بعض القرى(٢) مختفياً خرجت من أنباس لا محرك للعلم أو لصالح زورته صحبتَ قومًا صالحين حالهم أخذتَ عنهم كل علم نافع لذاك إلا طلب التجرد فنلت ما أملت قبضًا باليد مخافة الله وصدق الموعد وصرت منهم مثل سيد الأسد من بعد جهل من وجوه البلد ثم شغلت الطالبين فأتقنوا يمونهم في يومهم وفي الغد تربّهم بالعلم والخير وما قدّمتهُ بين يديك للغد فإنْ تَمُتْ فالأجر باقٍ بالذي أفديك من غريب ذاك البلد وقد ختمتَ عمرًا بغربة (١) هو ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ (إنباء الغمر ٢١/٨)/ حاشية . وهو ابن الحافظ زين الدين العراقي رحمهما الله تعالى. (٢) سمّاها السخاوي في ((الضوء)): ((مُنْيَة السِّيرّج)) قال ياقوت (٢٥٣/٥): ((بلدة كبيرة طويلة، ذات سوق، بينها وبين القاهرة فرسخ أو أكثر قليلاً على طريق القاصد إلي الأسكندرية)»، وهي عند ياقوت بالشين المعجمة، وفي ((الضوء)) بالسين المهملة، والله أعلم. وهي الآن حي من أحياء القاهرة تابع لقسم ((الساحل)): (منية السيرج) بالسين المهملة.