Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٤٨
الحاوى للفتاوى
ومن لم يطع حكم الشريعة رده
من الملك الحامى زمام شريعة
ونختم هذا النظم بالحمد دائما
وتثنى على الهادى بخير صلاته
وآل له خصوا بكل مزية
ونتبع هذا بالرضا عن أئمة
إمامى أعنى الشافعى ومالك
اليها برغم راغم سطوة القهر
فأيده الرحمن بالعز والنصر
لرب العلا المختص بالحمد والشكر
وتسليمه فهو المشفع فى الحشر
وأصحابه الزا كين والانجم الزهر
هم قدوة للخلق فى كل ماعصر
وأحمد والنعمان كل ذوو قدر
لمن رام أن يبنى على شاطئ النهر
وسميت هذا النظم بالنهر زاجرا
فموضوعه بحر وبحر علومه وعدته سبعون بيتا على بحر
ونختم بما أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان بسند ضعيف من طريق بهز بن حكيم عن أبيه
عن جده قال: (( قلت يارسول الله ماحق جارى؟ قال: ان مرض عدته الى أن قال ولا ترفع
بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح))، وأخرج ابن عدى فى الكامل . والبيهقى بسند ضعيف
من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن رسول الله مَ الَّم قال: ليس بمؤمن من
لم يأمن جاره بوائقه (١) قال أتدرى ماحق الجار؟ اذا استعانك أعنته - إلى أن قال - ولا
تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح الا باذنه)) قال البيهقى: هذا شاهد للذى قبله
يعتضد به .
مَسْالة - فى أرض آهر بلد ا كدز وهى أرض اسلام ليس فيها إلا المسلمون ولكل
قبيلة منهم أرض هم نازلون بها وليس فيها ما ينتفع بها من الحرث والزراعة فى الغالب
وإنما غالب ما ينتفع به فيها مباحات النبات من الاشجار كثر الدوام (٢) والسدر وغيرهما مما
يثبت بغير تكلف آدمى وما شابهه من حبوب الاعشاب الثابتة بغير حرث ولا تعب بما هو تبع
للارض ويحصل لمن اعتنى بجمع ذلك شىء له قيمة والارض المذكورة تملكها أهلها المذكورون
بها باذن أمين البلاد المولى باذن أمير المؤمنين وأقطعها أمير البلاد المذكور لاهلها النازاين
المذكورين بها لمصالح له وللمسلمين فى اقطاعهم إياها فهل لمن هو بها أن يبيع كلاما وشيئا
من شجرها ؟ وهل لهم أن يمنعوا غيرهم من الرعى فيها أو الانتفاع منهابشىء ? وأصل الارض
المذكورة مجهول لا يعرف هل هى أرض عنوة أو أرض صلح؟ وانماهى من قديم الزمان
بيد مقدم البلاد يقطعها لمن يشاء ونشأوا على ذلك خلفا عن سلف، وغالب مصالحهم ومنا فعهم
(١) هو جمع بائقة وهى الداهية، والمعنى من لم ياءن جاره غرائله وشروره ليس بمؤمن (٢) فى نسخة فيها
مباحات من النبات كشجر الدوام ٥
١٤٩
حكم الكلا - والوقف
متعلقة بذلك، فإن قلتم : لهم بيع كلائها ومنع غيرهم منهفما معنى الحديث الوارد فى منع بيع فضل
الماء ليمنع به الكلاً؟ وما معنى الحديث الوارد فيما يروى أربعة لاتمنع وذكر فيها الماء والكلا
افتونا مأجورين سددكم الله تعالى للصواب بعد السلام عليكم ؟»
الجواب - الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى. اتفق العلماء على أن الكلا اذا جزمن
نباته وقطع وحيز بالأخذ والتنازل فان حائزه يملكه وله بيعه ولا يجب عليه بذله، وأما الكلا
الذى هو فى منابته لم يقطع ولم يجز فان كان نابتا فى أرض موات فالناس فيها سواء كالماء المباح
وعلى هذا يحمل ما ورد فى الحديث عن النبى عليه السلام من منعه ، وإن كان نابتا فى أرض مملوكة
فهو ٠لك لصاحب الأرض لا يجب بذله ويجوز بيعه، بقى قسم واحدوهو الكلا النابت فى أرض
أقطعما السلطان انسانا وفيه تفصيل فان كانت تلك الأرض ،واتالم يجز الاقطاع والحالة هذه لأنه
من الحمى المنهى عنه فى الحديث فى قوله {وَاتَّم: ((لاحمى إلا الله ورسوله)) وإنما يجوز اقطاع
الموات الخالى عن الكلاُ والعشب وان كانت تلك الأرض غير موات وهى من أراضى بيت المال
التى يقطعها السلطان الآن من الديار المصرية فان اقطاءها صحيح و يختص المقطع بالكلا الذى فيها ينتفع
به ويبيعه لأنه مال من جملة أموال بيت المال سوغ السلطان استغلاله لهذا المقطع بعينه والظاهر
أن أرض اكدز بهذه المثابة فى الاقطاع والاستغلال والله أعلم »
﴿ باب الوقف ﴾
مَسْالة - وقف تعطل ريعه وفيه أمام وغيره فهل يلزم الناظر أن يستدين على
الوقف ويعطيهم ؟ »
الجواب - لا يلزمه ذلك .
مَسَالة - المسجد المعاق على بناء الغير أو على الأرض المحتكرة اذا زالت عينه عل
يزول حكمه بزوالها ؟ .
الجواب - فهم يزول حكمه اذلا تعلق لوقفية المسجد بالأرض وانما قال الأصحاب اذا
انهدم المسجد وتعذرت اعادته لم يصرملكا اذا كانت الأرض من جملة وقف المسجد بدليل
تعليلهم ذلك بأن الصلاة تمكن فى عرصته على أن فى صحة وقف المسجد على الأرض المحتكرة نظرا
لأن بعض أئمتنا افتى بأن الموقوف (١) فى أرض مستأجرة اذا كان ريعه لا يفى بالأجرة أووفى بها
ولم يزد لا يصح وقفه ابتداء لأنه ملحق بما لا ينتفع به، ومعلوم أن المسجد لاريع له توفى منه
أجرة الأرض، وعلى تقدير أن يكون الواقف استأجرها مدة وأدى أجرتها فبعدانتهاء تلك المدة
(١) فى نسخة « بان الوقف»
١٥٠
الحاوى للفتاوى
لا يلزم الواقف الأجرة فلا يبقى الاتفريغ الارض منه وعلى تقدير صحة الوقف لا شك فى زوال
حكمه بزوال عينه ويبنى مالك الأرض مكانه ماشاء .
مَتاه - رجل وقف على أولاده وأولادهم ونسلهم وعقبهم تحجب الطبقة العليا السفلى أبدا
على أن من مات منهم ولم يخلف ولدا ولا أسفل منه من ولد الظهر أو البطن ينتقل نصيبه من في درجته
فاذا انقرضوا كان وقفا على محمد. وحليمة. وخديجة على أن من مات منهم انتقل أصيبه لمن بقى
ثم من بعدهم على أولادهم ونسلهم [وعقبهم] (١) تحجب الطبقة العليا السفلى على ما تقدم تفصيله
فى أولاد الواقف فانقرضوا وآل الامر الى الثلاثة المذكورين فمات محمد عن غير نسل ثم ماتت
حليمة عن بقت وخديجة عن ابن بنت فهل يشتر كان فى الوقف لقوله انهم على التفصيل المذكور
فى أولاد الواقف؟ وقدقال هناك ان من لم يخلف منهم ولدا ولا أسفل منه ينتقل لمن فى درجته
ومفهومه انه اذا خلف ولدا ما يختص به ولا ينتقل أم تستحق البنت دون ابن البنت؟ *
الجواب - تستحق البنت فقط دوزابن البنت بصريح قوله تحجب الطبقة العليا السفلى،
وأيضا فان الوقف لا ينتقل لاولاد الثلاثة المذكورين إلا بعد انقراضهم كلهم لقوله على أن
من مات منهم ينتقل نصيبه لمن بقى ثم من بعدهم لاولادهم فلم يجعل للأولاد حقا إلا بعد
انقراض جميع الثلاثة ثم اعتبر الأعلى فالاً على فلا حق لابن البنت لانه محجوب بالعليا ه
مسألة - رجل وقف وقفا على جهات وشرط أن مافضل يصرف للفقراء والمساكين
وله أخ وللاخ أربعة أولاد بصفة الفقر والمسكنة فهل للناظر أن يصرف لهم منه؟ .
الجواب - نعم بل هم أولى من الاجانب»
مسألة -- رجل وقف فى مرض موته على أولاده ثم نسلهم فاذا (٣) انقرضوا فعلى أولاد
أخته ، ومات ثم ماتت أولاده وهم أطفال بعد شهر وله عاصب نطلب أولاد أخته الوقف
ونازعهم العاصب وقال ان الوقف لم يصح لانه صدر فى مرض الموت؟ .
الجواب - المنقول فى هذه المسائلة أن الموقوف إن احتمله الثلث صح ولم يحتج الى اجازة
وان كان وقفا على وارث وأن زاد على الثلث صح فى قدر الثلث ووقف الزائد على الاجازة
فاذا مات الاولاد قبل البلوغ فلوارثهم رد الوقف فى القدر الزائد خاصة وأما قدر الثلث فهو
لاولاد الاخت لا يجوز ابطاله (٢) *
مسالة - رجل وقف وقفا وشرط فيه النظر لمن يصلح من الذرية فثبت صلاح واحدمنهم
(١) الزيادة من نسختنا (٢) فى نسخة (( فان) (٣) هكذا الجواب فى نسختنا وفى بعض المنخ
مانصه : ان احتمله الثلث صح فى قدر الثلت ووقف الزائد على الاجازة فإذا مات ولم يحتج الى اجازةوان كان وقفا
على وارث وان زاد على الثلث صح فى قدر الثلت ووقف الزائد على الاجازة فإذا مات الخ
١٥١
حكم الوقف
وحكم له بالنظر ثم بعد ذلك أثبت حاكم آخر صلاح امرأة منهم، حكم لها بالنظر فهل يشتر كان
أو تقدم المرأة؟ #
الجواب - اذا شرط الواقف النظر لمن يصلح من الذرية ولم يزدعلى ذلك وثبتت الصلاحية
للرجل وحكم له بالنظر فلا حق للمرأة بعد ذلك ولو كانت تصلح ولا يظن اختصاص ذلك بصيغة
أفعل التفضيل بل هو فى هذه الصيغة أيضا لان الحق اذا ثبت لواحد لم ينتقل الى غيره ولم يتعده
بل لو شرط الواقف بصيغة أفعل التفضيل كالاصاح والارشد وثبتت الاصلحية والارشادية
لواحد وحكم له به ثم وجد بعد ذلك من صار أصلح أو أرشد لم ينتقل له الحق لان العبرة بمن فيه
هذا الوصف فى الابتداء لا فى الاثناء وإلا لم يستقر نظر لاحد، ونظير ذلك اذا قلنا لا تنعقد
امامة المفضول مع وجود الفاضل فذاك فى الابتداء لافى الدوام ، ومقصود الواقف تفويض
النظر إلى واحد يصلح لا إلى كل من يصلح، إلا لأدى إلى جعل النظر لجميع الذرية إذا كانوا صالحين
ويحصل بسبب ذلك من اختلاف الكلمة ما يؤدى إلى فساد الوقف فالاً ولى حمل (من)) فى كلام
الواقف على النكرة الموصوفة لا على الموصولة وحينئذ لا عموم لهافانها نكرة فى الاثبات فلا تعم بل لو
فرض فيها عموم كان من عموم البدل لا من عموم الشمول .
مَسْالة - واقف وقف على أولاده ثم أولادهم بالفريضة الشرعية ومن مات منهم
انتقل نصيبه إلى ولده ثم الى ولد ولده بالفريضة الشرعية للذكر مثل حظ الأثيين فان لم يكن
فالى إخوته وأخواته فان لم يكن فالى أقرب الطبقات اليه على ماشرح فآل الأمر إلى أن
ماتت امرأة من أولاد الأولاد عن أولاد عم ثلاثة محمد، وخانون أخوان. وفاطمة بنت عم
فهل تنتقل حصتها إلى الثلاثة أو إلى محمد فقط كما فى حكم الفريضة الشرعية التى عول عليها
الواقف من أن ابن العم لا تشاركه إخوته ولا ابن عمه ه
الجواب - الظاهر انتقال حصتها إلى الثلاثة لعموم قوله أقرب الطبقات، وأما قوله
بالفريضة الشرعية فمحمول على تفضيل الذكر على الأثى فى الأسهم فقط ويؤيد هذا الحمل
أمور، أحدها قوله عقب ذلك للذكر مثل حظ الأنثيين فهذه جملة مفسرة للمرادبذ كر الفريضة
الشرعية، الثانى أن الفريضة معناها الوضعى المقدرة لامدلول لها غير ذلك والتقدير من صفات
الانصباء كما قال تعالى: ( نصيبا مفروضا ) فلا دلالة للفظ الفريضة على منع ولا تأخير ،
الثالث انا لو أخذنا بحكم الفريضة الشامل لما ذكر لم نعط بنت العم شيئا البتة وان فقد ابن العم
لأن حكم الفرائض انها لا ميراث لها البتة ولا يقول به أحدهنا فتعين تخصيصه
بماذكرناه
مَسْالة - رجل وقف على أولاده الذكور وسماهم وقال: ومن توفى منهم انتقل أصيبه
٠١٥٢
الحاوى للفتاوى
إلى ولده وولد ولده وأن الذكور خاصة تحجب الطبقة العليا منهم أبداً الطبقة السفلى فان لم
يكن للمتوفى ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك رجع نصيبه الى اخوته المشاركين له فى هذا
الوقف مضافا لما بأيديهم ، وتوفى الواقف عن أربعة أولاد ثم مات أحد الأربعة عن ثلاثة
ذكور فأخذوا نصيبه ثم مات الثانى عن ولد ذكر فأخذ نصيبه ثم مات الثالث عن ولدين
صغيرين وولدى ولد فأخذ ولداه نصيبه ثم مات الولدان الصغيران عن ولدى أخيهما وعن
عمهما فهل يرجع نصيهما الى ابنى أخيهما عملا بواو العطف ولحرص الواقف على وصول
نصيب كل أصل الى فرعه بقوله فان لم يكن للمتوفى منهم ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك
ولزوال من حجبهما من ذلك عند موت جدهما أو الى عمهما .
الجواب - يرجع الى العم دون ولدى الأخ عملا بقوله: تحجب الطبقة العليا السفلى،
وما ذكر من التعاليل الثلاثة فاسد أماقوله عملا بواو العطف فانها لم يقصد بها التشريك، طلقا
بل تفيد حجب العايا السفلى والا لاستحق ولد الأخ مع وجود عميهما ولا قائل به ؛ وأما
قوله وبحرص الوانف الى آخره فقد قال السبكى فى فتاويه فى مسألة وقفية ذكر فيها شبه ذلك المقاصد
اذا لم يدل عليها اللفظ لا تعتبر، وأما قوله: ولزوال من حجبهما الى آخره فذاك انما يعتبر ابتداء
عند موت الأصل الذى هذان فرعاه وأما زواله فى الاثناء بعد انتقال الوقف الى جهة ليس
هذان فرعيه فلا عبرة به بل هذا .وت جديد لجهة غير الأولى ينظر نظرا آخر ألا ترى أنه
لومات هذان الولدان عن نسل لاستحق نسلهما ما كان بيدهما ولم يعد الى ولد الأخ شىء فعرف
أن زوال الحاجب فى مثل ذلك لاأثر له والا لاستحقا مع وجود النسل وكانا يقولان قدزال
الحاجب لنا وحينئذ نقول هذا مستحق مات عن غير نسل وشرط الواقف حينئذ العود الى
الاخوة المشاركين ولا اخوة مشاركون فانتقلنا الى أعلى طبقة وهو العم عملا بتقديم العليا
على السفلى وأكد ذلك قول الواقف المشاركين له فى هذا الوقف مضافا لما بأيديهم والعم
مشارك بيده حصة وولدا الأخ لاشىء بأيديهما فلا مشاركة لهم) وهذا القدر المؤكد علاوة
وليس المعول عليها بل المعول على ماصدرنا به .
مَسْالة - أرض من أراضى مصر بيد جماعة بكرية يستغلونها فسألهم السلطان عن
مستندهم فأظهروا محضراً ثابتا على حاكم شافعى أنها وقف السلطان صلاح الدين بن أيوب عليهم
بشهادة جماعة مستندهم السماع وان لم يصرحوا به وحكم بموجب ذلك فهل يستحقون ذلك ؟
وهل للامام أن يقف بعض أراضى مصر على مثل هذه الجهة من غير أن يشتريها من بيت
المال؟ وهل للمخالف الذى يرى أن مصر فتحت عنوة وأن أراضيها لاتملك أن يتعرض
لابطال ذلك؟ .
هل لأحد أن يغير بعض الأراضى التى يقفها الامام من غير شراء؟ ١٥٣
الجواب - نعم للامام أن يقف بعض أراضى بيت المال من غير شراء على مثل الجهة
المذكورة على الأصح فى المذهب فقد نص الشافعى على ما يشهد لذلك وصرح بصحته القاضى
حسين وأفتى به ابن أبى عصرون. وأسعد الميهنى، والشاشى. وابن الصلاح. والنووى .
وقال ابن الرفعة فى المطلب : انه المذهب وصرح كل منهم بأنه لا يجوز من يأتى بعد تغييره،
وأما السبكى فاختار لنفسه أنه لا يجوز للامام الوقف لكن ماوجدناه موقوفا لأحدمن الأئمة
ليس لنا أن نغيره »
فالحاصل أن عدم التغيير متفق عليه .
وقد حكى ابن الصلاح فى مجاميعه صورة استفتاء فى أراضى وقفها الخليفة أو السلطان
نائب الخليفة على رجل ثم عقبه هل يصح وهل يجوز لأحد من الولاة تغييره وصرفه إلى جهة
أخرى ؟ فأجاب علماء ذلك العصر من سائر المذاهب أن الوقف صحيح ولا يملك أحد من خلق
الله اعتراضه ولا تغييره ، ومن جملة من أفتى فى هذه الواقعة ابن أبى عصرون وهو كان عين
الشافعية فى زمن السلطانين العادلين نور الدين الشهيد. وصلاح الدين بن أيوب وكان مفتيهما
وقاضيهما وقد نص العلماء على أنهما ماوقفا الذى وقفاه إلا بافتائه ، فالحاصل أن وقف هذه
الأرض على المذكورين صحيح ولا يجوز لأحد تغييره ولانقله إلى جهة أخرى وثبوت ذلك
بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة حيث لم يصرحوا بذلك صحيح ، أما فى الوقف فأصلا وأما
فى المستحقين فضمنا كما قاله ابن الصلاح . وابن الفركاح، وليس للمخالف الذى يرى أن
مصر فتحت عنوة أن يتعرض لذلك بنقض ولا ابطال لأنه إن كان حكم بصحته فى الأصل
حاكم شافعى فذاك وإلا فمعناه أمران، أحدهما ثبوت الوقف بما ذكر وما ثبت وقعه قديما
لا يتعرض له لأن الظاهر وقوعه مستجمعا للشرائط، والثانى حكم الشافعى المتأخر، وأمر
ثالث وهو أن بعض المتأخرين ذكر أن أمر الامام الأعظم وفعله يرفعان الخلاف كمكم
الحاكم تفخيما لشأنه ونص العلماء على أن السلطان صلاح الدين ما وقف الذى وقفه حتى أفتاه
بذلك علماء عصره من الشافعية. والحنفية. والحنابلة ولولا إرادة الاختصار لسقت
عباراتهم فى ذلك .
مَسْألة - اذاثبت وقفية عين ولم يعلمماً ل الوقف وقلنا أنه يصرف الى أقرب الناس
الى الواقف هل يختص به الفقراء دون الأغنياء أم يشتركون فيه ؟ »
الجواب -- يختص به الفقراء من أقاربه على الأصح فان كانوا كلهم أغنياء صرف اليهم ؟
مَثأر - رجل وقف مصحفا على من يقرأ فيه كل يوم حزبا ويدعو له وجعل له على
ذلك معلوما من عقار وقفه لذلك فأقام القارىء مدة يتناول المعلوم ولم يقرأ شيئا ثم أراد
(٢٠٢ - ج١ - الحاوى)
١٥٤
الحاوى للفتاوى
التوبة فما طريقه ؟*
الجواب - طريقه أن يحسب الأيام التى لم يقرأ فيها ويقرأ عن كل يوم حزبا ويدعو
عقب كل حزب للواقف حتى يوفى ذلك »
مَتَسْألية - واقف وقف مدرسة وقرر بها شيخا وصوفية فهل يجوز للناظر أن يقرر فى
المشيخة اثنين؟ وهل يجوز للشيخ الاستنابة اذا كان به ضعف فى بدنه أو كان له وظيفة أخرى
تعارض هذه الوظيفة ؟ .
الجواب - أوقاف السلاطين. والأمراء لها أصلها من بيت المال أو راجعة اليه فيجوز
لمن كان بصفة الاستحقاق من بيت المال من عالم بالعلوم الشرعية. وطالب علم كذلك. وصوفى
على طريق الصوفية أهل السنة. ونسيب من آل رسول الله وإنّ اله أن يأ كل ما وقفوه غير
منقيد بماشرطوه، وبجوز -والحالة هذه - الاستنابة لعذر وغيره وتناول المعلوم وان لم يباشر
ولا استناب واشتراك اثنين فأكثر فى الوظيفة الواحدة وأخذ الواحد عدة وظائف ، ومن
لم يكن بصفة الاستحقاق من بيت المال لم يحل له الأكل من هذا الوقف ولو قرره الناظر
وباشر الوظيفة لأن هذا مال بيت المال لا يتحول عن حكمه الشرعى بجعل أحدوما يتوهمه
كثير من الناس من دخوله فى ملك الذى وقفه فهو توهم فاسد لا يفيد فى باطن الأمر، وأما
الأوقاف التى ملكها واقفوها فلها حكم آخر وهى قليلة بالنسبة الى تلك .
مَّسالة - اذا عجز الوقف عن توفية جميع المستحقين فهل تقدم منه الشعائر
والشيخ أم لا ؟ .
الجواب - ينظر فى هذا الوقف فإن كان أصله من بيت المال كمدارس الديار المصرية
وخوانقها روعى فى ذلك صفة الأحقية من بيت المال فان كان فى أرباب الوظائف من هو
بصفة الاستحقاق من بيت المال ومن ليس كذلك قدم الأولون على غيرهم كالعلماء . وطلبة
العلم. وآل رسول الله وَ الَي وان كانوا كلهم بصفة الاستحقاق منه قدم الأحوج فالأحوج والأفقر
فالأفقر فان استووا كلهم فى الحاجة قدم الآ كد فالآ كد يقدم المدرس أولاثم المؤذن
ثم الامام ثم القيم، وان كان الوقف ليس ما خذه من بيت المال اتبع فيه شرط الواقف فان
لم يشرط تقديم أحد لم يقدم أحد بل يقسم بين جميع أهل الوقف بالسوية الشعائر وغيرهم .
مَسْأزلة - المدارس المبنية الآن بالديار المصرية وغيرها ولا يعلم للواقف نص على
أنها مسجد لفقد كتاب الوقف ولا يقام بها جمعة هل تعطى حكم المسجد أو لا؟ .
الجواب -- المدارس المشهورة الآن حالها معلوم فمنها ما علم نص الواقف أنها مسجد
فالشيخونية فى الايوانين خاصة دون الصحن، ومنها ماعلم نصه انها ليست بمسجد كالكاملية
حكم المسجد الموقوف على أشخاص معينين - ومن مات إمامه فى سفر الناظر ١٥٥
والبيبرسية فان فرض مالم يعلم فيه ذلك ولو بالاستفاضة لم يحكم بأنها مسجد لأن
الأصل خلافه .
مَسْالة - قالوا: ان المسجد الموقوف على قوم مخصوصين لا يجوز لأحدأن يدخله أو يصلى
فيه الا باذنهم فهل المدارس والربط كذلك؟ وهل يجوز للموقوف عليهم الاذن فى الانتفاع
مطلقا بالنوم والجلوس والأكل واجتماع الخصوم والقضاء بينهم واقراء الصبيان أو هو مقيد
بما كان على وفق شرط الواقف؟ *
الجواب - المسجد الموقوف على معينين هل يجوز لغيرهم دخوله والصلاة فيه والاعتكاف
باذن الموقوف عليهم؟ نقل الأسنوى فى الالغاز أن كلام الفعال فى فتاويه يوهم المنع ثم قال
الأسنوى من عنده والقياس جوازه، وأقول: الذى يترجح التفصيل فان كان موقوفا على
أشخاص معينة كزيد. وعمرو . وبكر مثلا أو ذريته أو ذرية فلان جاز الدخول بإذنهم وان كان
على أجناس معينة كالشافعية . والحنفية. والصوفية لم يجز لغير هذا الجنس الدخول ولو أذن
لهم الموقوف عليهم فان صرح الواقف بمنع دخول غيرهم لم يطرقه خلاف البتة واذا قلنا بجواز
الدخول بالاذن فى القسم الأول فى المسجد . والمدرسة . والرباط كان لهم الانتفاع على نحو
ما شرطه الواقف للمعينين لأنهم تبع لهم وهم مقيدون بما شرطه الواقف .
مَسْالة - جامع له ناظر فاتفق موت امامه والناظر مسافر فتقرر السلطان إما ما فهل الماظر
اذا حضر عزله وتقرير خلافه ؟ »
الجواب ــ اذا ولى السلطان إماما بعد موت الامام الأول والوظيفة شاغرة والناظر
مسافر فهى ولاية صحيحة يلزم الاظر إبقاءها وليس له عزله وتقرير خلافه ٥
﴿ الانصاف فى تمييز الاوقاف « بسم الله الرحمن الرحيم)
١٩
مسألة - أمير وقف خانقاه ورتب بها شيخا. وصوفية وجعل لهم دراهم. وزيتا. وصابونا.
وخبزا ولما فضاق الوقف فهل يقدم الشيخ على الصوفية أو يصرف بينهم بالمحاصة؟ وهل
يقتصر على صنف من الأصناف التى عينها الواقف ويترك الباقى أو يأخذون من جميع الاصناف
التى عينها الواقف بالمحاصة؟ وهل تجوز الاستنابة فى شىء من الوظائف أم لا؟ *
الجواب - أقول أولا وبالله التوفيق: الاوقاف قسمان، قسم ليس مأخذه من بيت المال
ولا مرجعه اليه وهذا الوقف مبناه على التشديد والتحريص لا يجوز تناول ذرة منه الامع استيفاء
ما شرطه الواقف لأنه مال أجنبى لم يخرج عن ملكه إلاعلى وجه مخصوص بالشرط المذكور ،
وقسم مأخذه من بيت المال بأن يكون واقفه خليفة أوملكا من الملوك السابقة كصلاح الدين بن
١٥٦
الحاوى للفتاوى
أيوب وأقاربه ، أو مرجعه إلى بيت المال كاوقاف أمراء الدولة القلاوونية ومن بعدهم إلى زماننا
هذا وانما قلنا إن مرجعه الى بيت المال لأن واقفيه أرقاء بيت المال وفى ثبوت عتقهم نظر ، وقد
ذكر الشيخ تاج الدين بن السبكى فى واقعة وقعت بعد السبعمائة وهى عبدانتهى الملك فيه لبيت المال
فأراد شراء نفسه من وكيل بيت المال فأفتى جماعة بالمنع لأن ذلك عقد عتاقة وعبد بيت المال لا يجوز
عتقه وأفتى آخرون بالجواز لأنه عقد بعوض لامجانا فلم يضع منه على بيت المال شىء واختار ابن
السبكى هذا الثانى أورده فى الترشيح فاذا اختلف فى جواز العتق بعوض فما ظنك به بغير عوض
وانما لم ينص متقدمو الأصحاب على هذه المسألة بخصوصها لأنها لم تعم به البلوى فى زمنهم وإنما
كثر ذلك من بعد الستمائة، وقدقام الشيخ عز الدين بن عبد السلام - لماحدث ذلك في زمنه -
القومة الكبرى فى بيع الامراء وقال: هؤلاء عبيد بيت المال ولا يصح عندى عتقهم ، وروى
الحافظ أبو القاسم بن عسا كر بسنده عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل اليه بعض أولاد خلفاء بنى
أمية فقال له: أعطنى حقى من بيت المال فقال له عمر: ما أحوجك إلى أن أبيعك وأصرف ثمنك
فى مصالح المسلمين قال: وكيف؟ قال: لأن أباك وهو خليفة أخذ أمك من رقيق بيت المال
واستولدها إياك ولم يكن له ذلك فهوزان وأنت عبدبيت المال ، وفى طبقات الحنفية فى ترجمة
بعض علمائهم أنه كان من مماليك الخليفة الناصر فاشتغل بالعلم وبرع وصار اماما قائما بالتدريس
والافتاء فأرسل إليه الخليفة الناصر بعتقه وقال له إنك قائم بنفع المسلمين فرداليه العناقة وقال
أنا عبد بيت المال فلا يصح عتقى ﴿فإن قال قائل ): فقد ذكر الاصحاب فى الأسير أن الامام
يتخير فيه بين القتل والمن والاسترقاق ﴿قلنا): لا يصح القياس على مسائلة الاسير لانه يجوز
تفويته بالقتل فبالمن أولى ولانه لم يصرف فيهشىء من بيت المال بخلاف هذا الذى اشترى بثمن
منه، وأيضا فقد نص الاصحاب على أنه ليس للامام ذلك فى الاسير بالتشهى بل ينظر ما تقتضيه
المصالحة فيفعله وثبوت المصالحة فى عق هذا الجم الغفير من ماليك بيت المال متعذر أو متعسر
وان وجدت فى واحد أوعشرة أو مائة لا توجد فى ألوف مؤلفة وأى مصلحة فى عتقهم وجميع
.ايراد منهم يمكنهم فعله مع الرق، اذا عرف ذلك عرف أن مرجع ماباً يديهم الى أنهمال بيت
المال فهذا القسم من الاوقاف مبناه على المسامحة والترخيص لان لكل من العلماء وطلبة العلم
من الاستحقاق فى بيت المال أضعاف مايا خذونه منهم ؟
والدليل على هذه التفرفة أمور، منها ان الشيخ ولى الدين العراقى لما حكى قول السبكى فى
اعطاء وظيفة العالم. والفقيه لولده الصغير فرق بين الاوقاف الخاصة والتى ما خذها من بيت
المال وأظن الأذرعى سبقه إلى ذلك، ومنها أنه وقع فى بعض كلام البلقيني التصريح بأن
طلبة العلم ياً كلون من هذه الاوقاف الموجودة الآن على وجه أنهم يستحقون من بيت المال
١٥٧
تمييز الوقف
ذلك وأكثر منه ذكر ذلك و مجلس عقد بسبب ذلك أيام الظاهر برقوق، ومنها أنك إذا تأملت
فتاوى النووى . وابن الصلاح وجدتهما يشددان فى الأوقاف غاية التشديد، وإذا تأملت فتاوى
السبكى. والبلقينى. وسائر المتأخرين وجدتهم يرخصون ويسهلون وليس ذلك منهم مخالفة
للنووى بل كل تكلم بحسب الواقع فى زمنه فان غالب الأوقاف التى كانت فى زمن النووى .
وابن الصلاح كانت خاصة وإنما حدثت أوقاف الأتراك فى أواخر القرن السابع وكثرت فى القرن
الثامن وهو عصر السبكى ومن بعده وقطعت الأرزاق التى كانت تجرى على الفقهاء من بيت المال
من عهد عمر بن الخطاب الى الخليفة المستعصم كل عام فرأى العلماء أن هذه الأوقاف أرصدت لهم من
بيت المال عوضا عما كانوا يأخذونه منه كل عام فرخصوا فيهالأنهم كانوا يأخذون ذلك القدر
من غير عمل يكلفونه بل على القيام بالعلم خاصة فمن كان بهذه الصفة جازله فيما بينه وبين الله الأخذ
منها وانلم يقم بما شرطه الواقف، ومن لم يكن صفة القيام بالعلم اشتغالا واشغالا حرم عليه الأخذ
منها وان باشر العمل، وقد قال الدميرى فى شرح المنهاج. سائلت شيخنا - يعنى الاسنوى - مرتين
عن غيبة الطالب عن الدرس هل يستحق المعلوم أو يعطى بقسط ما حضر ؟ فقال : ان كان
الطالب فى حال انقطاعه يشتغل بالعلم استحق وإلا فلا ولو حضر ولم يكن بصدد الاشتغال لم يستحق
لأن المقصود نفعه بالعلم لا مجرد حضوره، وكان يذهب الى أن ذلك من باب الارصاد ، وقال
الزركشى فى شرح المنهاج: ظن بعضهم أن الجامعية على الامامة والطلب ونحوهما من باب
الاجارة حتى لا يستحق شيئا اذا أخل بعض الصلوات أو الايام وليس كذلك بل هو من باب
الارصاد والارزاق المبنى على الاحسان والمسامحة بخلاف الاجارة فانها مزباب المعاوضة ولهذا
يمتنع أخذ الاجرة على القضاء ويجوز ارزاقه من بيت المال بالاجماع انتهى، وهذا الذى قاله
الزركشى صحيح وهو محمول على الاوقاف التى هى من القسم الثانى كما كان الأكثر فى زمانه واذا
قلنا بقوله من الاستحقاق مع الغيبة قلنا به مع الاستنابة من باب أولى ولا نقول بواحد من
الأمرين فى الاوقاف التى من القسم الاول، وعلى هذا تحمل فتوى النووى بالمنع ، ونقول فى القسم
الثانى بجواز النزول واعطاء الوظيفة للولد الصغير ولا نقول بذلك فى القسم الاول ، وينبنى على
ذلك أيضامسالة تقديم الشيخ فما كان من القسم الاول لا يقدم فيه أحد على أحد إلا بنص من
الواقف ، وما كان من القسم الثانى ينظر فان كان الشيخ بصفة الاستحقاق من بيت المال لا تصافه
بالعلم وبقية المنزلين ليسوا كذلك قدم الشيخ اذا ضاق الوقف قطعا لأنه منفرد بالاستحقاق،
وأن كان الكل بصفة العلم والشيخ أحوج منهم قدم كما يقدم اذا ضاق بيت المال الأحوج
فالأحوج ، وان استووا فى العلم والحاجة صرف بينهم بالمحاصة من غير تقديم، وينبنى على ذلك
أيضا مسالة الاقتصار على صنف من الاصناف المقررة ففى القسم الاول لا يقتصر بل يصرف
١٥٨
الحاوى للفتاوى
من كل صنف بالمحاصة مراعاة لغرض الواقف وفى الثانى يجوز الاقتصار عند الضيق والاولى
الاقتصار على النقد لانه أيسر وبه تحصل سائر الاصناف والله أعلم ٥
٢٠ (كشف الضبابة فى مسألة الاستنابة « بسم الله الرحمن الرحيم}
الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقع السؤال كثيرا عن الاستنابة فى الوظائف فقد
عمت البلوى بها وتمسك كثير من النظار فى عدم جوازها بمانقل عن النووى . وابن عبد السلام
أنهما أفتيا بعدم جوازها، وتمسك طائفة منهم فى جوازها بما نقله الدميرى فى شرح المنهاج عن
السبكى وغيره انهم أفتوا بجوازها، وقد أفتيت بذلك غير مرة ، وسئلت الآن عن تحرير القول
فى ذلك من جهة النظر والدليل فوضعت له هذه الكراسة ه
ونبدأ بنقل كلام السبكى وغيره فى ذلك قال السبكى فى شرح المنهاج فى باب الجمالة مانصه:
فرع - يقع كثيرا فى هذا الزمان امام مسجد يستنيب فيه - أفتى ابن عبد السلام. والمصنف بانه
لا يستحق معلوم الامامة لا المستندب لعدم مباشرته ولا النائب لعدم ولايته قال واستنبطت أنا
من قول الاصحاب أن المجهول اذا استعان بغيره وحصل من غيره العمل على قصد الاعانة منفردا
أو مشاركا اذالمجعول له يستحق كمال الجعل أن ذلك جائز وأن المستنيب يستحق جميع المعلوم
لان النائب معين لهلكنى أشترط فى ذلك أن يكون النائب مثل المستنيب أو خيرامنه لان
المقصود فى الجعالة رد العبد مثلا ولا يختلف باختلاف الاشخاص والمقصود فى الامامة العلم والدين
وصفات أخر فاذا كان المتولى بصفة ونائبه مثله فقد حصل الغرض الذى قصده منولاه فكان
كالصورة المفروضة فى الجعالة وإذا لم يكن بصتفه لم يحصل الغرض فلا يستحق واحد منهما ان
كانت التولية شرطا وازلم تكن شرطا استحق المباشر لاقصافه بالامامة المقتضية للاستحقاق،
والاستنابة فى الامامة تشبه التوكيل في المباحات ؛ وفى معنى الامامة كل وظيفة تقبل الاستنابة
كالتدريس ونحوه وهذا فى القدر الذى لا يعجز عن مباشرته بنفسه أمانى ما يعجز عنه فلا اشكال
فى الاستنابة - هذا كله كلام السبكى، ونقله الشيخ كمال الدين الدميرى فى شرح المنهاج وأقره،
ثم قال : كان الشيخ فخر الدين بن عساكر مدرسا بالعذراوية. والتقوية. والجاروخية - وهذه
الثلاثة بدمشق - والمدرسة الصلاحية بالقدس يقيم بهذه أشهرا وبهذه أشهرا فى السنة هذا مع
علمه وورعه قال : وقد سئل فى هذا الزمان عن رجل ولى تدريس مدرستين فى بلدتين متباعدتين
كحلب ، ودمشق فافتى جماعة بجواز ذلك واستنيب منهم قاضى القضاة بهاء الدين أبو البقاء
السبكى . والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله البعليكى . وشمس الدين الغزى. والشيخ عماد
الدين الحسبانى كلهم من الشافعية، ومن الحنفية. والمالكية. والحنابلة آخرون انتهى .
١٥٩
حكم الاستنابة
وأقول قد أباح الله ورسوله وحملة الشرع من جميع المذاهب الاستنابة فى عدة مواضع كل
واحد منها يصلح على انفراده دليلا مستقلا لجواز الاستنابة فى الوظائف وهى قسمان. قسم تجوز
الاستجابة فيه وانلم يكن عذر. وقسم لا يجوز إلا مع العذر، فلما القسم الأول فقيه فروع :
الاول تجوز الاستابة فى غل أعضاء الوضوء وان لم يكن له عذر قال النووى: ولا نعلم فى ذاك
خلافا بين المسلمين إلا ما حكاه صاحب الشامل عن داود الظاهرى أنه قال : لا يصح وضوؤه إذا
وضأه غيره ورد عليه بان الاجماع منعقد على خلاف ما قاله ، وكذا تجوز الاستنابة فى صب
الماء على الاعضاء وفى احضاره للطهارة من غير كراهة فيهما سواء كانله عذر أم لم يكن فهذه
ثلاثة فروع ، الفرع الرابع : يجوز لمن أراد التيمم أن يستندب رجلا يطلب عنه الماء سواء
كازله عذر أم لا قال النووى: هذا هو المذهب الصحيح المشهور، وحكى الخراسانيون وجها
أنه لاتجوز الاستنابة إلا لمعذورقال: وهذا الوجه شاذ ضعيف، الخامس: يجوز أن يستنيب
من ييمعه ويمسح أعضاءه بالتراب وازلم يكن له عذر على الصحيح وفيه الوجه المذكور أنه لا يجوز
بلا عذر قال النووى: وهوشاذ ضعيف ، السادس : كان الأصل فى الاذان أن يكون من وظائف
الامام الأعظم لانه من شعائر الاسلام الامامة والحكم بين الناس ولهذا قال عمر رضى الله عنه:
لو أطيق الأذان مع الخليفى لاذنت فتفويضه إلى غيره استنابة، السابع: الامامة فى الصلاة
أيضا من وظائف الامام الأعظم ولهذا استمر الخلفاء دهرا هم الذين يقيمون الجماعة فتفويض
ذلك الى غيره استنابة ، ومما يدل على أنها من وظائف الامام الاعظم أن عمر بن الخطاب رضى
الله عنه لما طعنه أبو لؤلؤة وعهد الى أهل الشورى أوصى أن يصلى صهيب بالناس حتى يجتمعوا
على خليفة فلما توفى عمر وحضروا للصلاة عليه أراد عثمان أن يتقدم وذلك قبل البيعة فقال له
عبد الرحمن بن عوف: ليس ذلك لك الآن انما هو لصهيب الذى أوصى له، الثامن: من وظائف
إمام الصلوات أن يا مر المأمومين بتسوية الصفوف عند ارادة الاحرام فلو كان المسجد
كبيرا (١) استناب رجلا يامرهم بتسويتها، التاسع: يجوز أن يستنيب من ينظر له هل طلع الفجر
أوزالت الشمس أو غربت الشمس أو غرب الشفق لاجل الصلوات والصوم ولا يلزمه أن يتولى
ذلك بنفسه وانلم يكن له عذر ، العاشر : إقامة الجمعة والخطبة من وظائف الامام الأعظم أيضا
على ماقررناه وتفويضه للغير استابة، الحادى عشر استخلاف الامام اذا خرج من الصلاة
لحدث أو رعاف رجلا يتم الصلاة بالمفتدين استنابة، الثانى عشر: إذا صلى الامام الأعظم العيد
فى الصحراء بالناس إستناب رجلا يصلى بالضعفة فى المسجد، الثالث عشر والرابع عشر: تجوز
الاستنابة فى تفرقة الزكاة وفى زيتها، الخامس عشر. والسادس عشر: تجيز الاستابة فىصف
(١) فى نسخة فان كان المسجد كبيرا
١٦٠
الحاوى للفتاوى
الكفارات والصدقات المندوبة، السابع عشر. والثامن عشر: تجوز الاستنابة فى ذبح الهدى
وفى ذبح الاضحية ، التاسع عشر: تجوز استنابة أصناف الزكاة فى قبضها لهم ذكره فى الروضة
من زوائده ، العشرون : الحكم بين الناس وظيفة الامام الاعظم فاقاته القضاء الفصل الاحكام
استنابة ولم يستنب النبي ◌ُ ◌ّم قاضيا ولا أبو بكر وأول من استناب عمر - أخرج الطبرانى
بسند حسن عن السائب بن يزيد ((ان النبي مَ لَّم وأبا بكر لم يتخذا قاضيا وأول من استقضى
عمر)) قال: رد عنى الناس فى الدرهم والدرهمين، وأخرج أبو يعلى بسند صحيح عن ابن عمر قال
ما اتخذ رسول الله بِ لتعم قاضيا ولا أبو بكر . ولا عمر حتى كان فى آخر زمانه قال ليزيدابن أخت
تمرا كفنى بعض الامور - يعنى صغارها .. ، الحادى والعشرون الى الثالث والثلاثين: ولاية
الحسبة. وولاية المظالم. وولاية الجرائم. وامارة الجهاد. وإمارة سائر الحروب. وإمارة
تسيير الحجاج. وإمارة إقامة الحج. وولاية قسم الفىء والغنيمة. وولاية الجزية . وولاية
الخراج. وولاية الاقطاع. وولاية الديوان . وولاية النظر فى بيت المال كلها ولايات شرعية
وهى من وظائف الامام وتفويضه اياها لغيره استنابة وهم نواب له ، وقد عقد لها الماوردى
أبوابا فى كتاب الأحكام السلطانية فليت شعري كيف تنكر الاستنابة فى عمل وظيفة ونواب
الامام الاعظم طبقت الدنيا فى كل بلد فى أنواع الاعمال التى كلها وظائفه ومطوقة به شرعا
ومتعلقة بذمته ومطوقة بعنقه يسأل عنها يوم القيامة عملا عملا، الرابع الثلاثون: لولى النكاح
أن يستذيب رجلا فى تزويج موليته ، الخامس والثلاثون : قال الماوردى وأقره النووى لو
استا جره لزيارة قبر النبي ◌ّ الله لم يصح، وأما الجعالة عليها فان كان على مجرد الوقوف عند
القير ومشاهدته لم يصح لأنه لا تدخله النيابة وان كان على الدعاء عند زيارة قبره جازلان الدعاء
مما تدخله النيابة ولا يضر الجهل بنفس الدعاء انتهى، فكذلك تدخل النيابة فى وظيفة قراءة
القرآن والدعاء للواقف ، السادس والثلاثون: ذهب السبكى الى أنه يجوز أن يستأجر الشخص
انسانا للدعاء فيقول: استأجرتك بكذا لتدعولى بكذا فيذكر ماشاء من أمور الدنيا والآخرة »
فهذه ستة وثلاثون فرعا كلها فى العبادات ، ومما جازت فيه الاستنابة من غير العبادات طرفا
البيع بانواعه والسلم . والرهن. والهبة . والصلح. والابراء. والحوالة. والاقالة . والضمان.
والكفالة . والشركة . والقراض. والمساقاة. والاجارة. والجعالة. والايداع. والاعارة.
والاخذ بالشفعة. والوقف. والوصية. والنكاح. والخلع. والطلاق. والرجعة. والاعتاق.
والكتابة. وقبض الديون. واقباضها. والاموال. والجرية. وتعيين المختارة للنكاح أو
الطلاق وتملك المباحات كالاحياء. والاصطياد. والاحتطاب. والاستقاء. والدعوى.
والجواب. واستيفاء الحدود وسواء فى كل ذلك كان للموكل عذر أم لا وجوز بعضهم الاستنابة
١٦١
حكم الاستنابة
فى الاقرار . والالتقاط. والظهار. والتدبير، فهذه نحومائة موضع أباح علماء المسلمين الاستنابة
فيها منغير عذر وغالبها ما انعقد فيه الاجماع أفلا يصلح أن تلحق الوظائف التى مبناها على الاحسان
والمسامحة بواحد منها ؟ه
ومن ألطف الفروع التى تجوز فيها الاستنابة ماذكره امام الحرمين فى الأساليب أنه يجوز أن
يستأجر رجلا ليسرق لهشيئا من أموال الكفار من غير قتال ويكون ملكا للمستأجر، ومن
ألطفها أيضامافى فتاوى ابن الصلاح أنه يجوز أن يستأجر رجلا ليقعد مكانه فى الحبس فاذا كان
هذا في الحبس المقصود منه الزجر والتعلق بانسان معين ففى سدوظيفة أولى .
﴿فصل﴾ وأما القسم الثانى وهو ما يكون عند العذر ففيه فروع، منها جواز الاستنابة فى
الحج للمغصوب وجواز الاستنابة فى رمى الجمارلمن يحمج بنفسه وحصل له عذر أيام الرمى وجواز
الاستنابة فى الصوم عن الميت على ما صححه النووى ووردت به الأحاديث الصحيحة، وجواز
الاستنابة فى الاعتكاف عنه فى قول حكاه البويطى عن الشافعى، وجواز الاستنابة فى الصلاة
عنه فی وجه حکاہ ہ
﴿فصل﴾ ذكر الحافظ عمادالدين بن كثير فى تاريخه فى ترجمة الشيخ محيى الدين النووى أنه
باشر تدريس الاقبالية نيابة عن ابن خلكان وكذلك الفلكية والركنية وهذا من النووى دليل على أنه
تجوز الاستنابة لأنه أورع من أن يفعل ما لا يجوز .
﴿فصل) ومن الدليل على جواز الاستنابة أن جماعة من الصحابة كانوايفتون الناس فى زمن
النبى ◌َّ والافتاء بالاصالة إنما هو منصب النبى ز لتم لأنه المبعوث لتبليغ الناس وتعليمهم
وافتاء العلماء بعدوفاته إنماهو بطريق الخلافة والوراثة عنه فافتاؤهم فى حياته باذنه استنابة منه لهم
ليقومواعنه بما هو منصب له على وجه النيابة، وقد عقدابن سعد في الطبقات باباً فى ذكر من كان
يفتى بالمدينة على عهد رسول الله م للم فاخرج فيه عن ابن عمر أنهسئل من كان يفتى الناس فىزمن
رسول الله مَ يقل؟ قال: أبو بكر وعمر، وأخرج عن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر. وعمر.
وعثمان. وعلى يفتون على عهد رسول الله عز ب، وأخرج عن أبى عبد الله بن نيار الأسلمى قال: كان
عبد الرحمن بن عوف ممن يفتى فىعهدرسول الله عَ لّه، وأخرج عن كعب بن مالك قال: كان معاذ
ابن جبل يفتى الناس بالمدينة فى حياة رسول الله عز له، وأخرج عن سهل بن أبى حثمة قال: كان الذين
يفتون على عهد رسول الله بتي اللي ثلاثة من المهاجرين ثلاثة من الأنصار عمر. وعثمان. وعلى.
وأبى بن كعب، ومعاذبن جبل. وزيد بن ثابت، وقد تحصل من هذه الآثار ثمانية كانوايفتون والنى
مَ الَالم حى وقد جمعتهم فى بيتين فقلت:
وقد كان فى عصر النبى جماعة يقومون بالافتاء قومة قانت
(٢١٢ - ج ١ - الحاوى)
١٦٢
الحاوي للفتاوى
فأربعة أهل الخلافة معهم معاذأبى وابن عوف ابن ثابت
(فصل) ومن الدليل على جواز الاستنابة ماأخرجه عبد الله بن احمد بن حنبل فى زوائد
مسندأبيه عن على بن أبى طالب قال: ((لما نزلت عشر آيات من براءة دعا النبي عز له أبا بكر ليقرأها
على أهل مكة ثم دعانى فقال لى أدرك أبابكر لحيث ما لقيته فخذالكتاب منه فاقرأه على أهل مكة
فلاحقته فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر فقال: يارسول الله نزل فى شىء قال : لا ولكن جبريل
جاءنى فقال لى لن يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك، وأخرج أحمد. والترمذى وحسنه عن أنس
, قال بعث النبي محركات عليهم ببراءة مع أبى بكر ثم دعاه فقال: لا ينبغى لأحدأن يبلغ هذا إلا رجل من
أهلى فدعا عليا فاعطاه إياه)) فهذه استنابة من النبى عَّ له فى تبليغ ما أمر بتبليغه ثم لما أمرأن
يستنيب رجلا من قبيلة مخصوصة رجع اليه فيستدل بفعله أولا على جواز الاستنابة مطلقا اذا
سكت الواقف عن شرط ، ويستدل بفعله ثانيا على أنه اذا خصص الواقف تخصيصا يقبع شرطه ،
وأخرج الترمذى وحسنه عن ابن عباس قال: ((بعث النبي مج لّله أبابكر وأمره أن ينادى بهؤلاء
الكلمات ثم اتبعه عليا فانطلقالحجا فقام على أيام التشريق فنادى ذمة الله [ورسوله] (١) بريئة من كل
مشرك فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا
يدخل الجنة الا مؤمن فكان على ينادى فاذا أعياقام أبو بكر فنادى بها ، فهذهنيابةمن أبى بكرعن على
فانه قصد بالبعث على، وأخرج البخارى عن أبى هريرة قال ((بعثنى أبوبكرفيمن يؤذن يوم النحر
بمنى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فهذه نيابة من أبى هريرة أيضا، والمقصود
بالتبليغ فى هذه القصة أن تكون من على ٥
﴿فصل﴾ هذا كله فى وقف سكت واقفه عن ذكرالاستنابة اباحة ومنعاو كان الواقف
حرامالكالما وقفه !ما وقف صرح واقفه بتجويز الاستنابة أو بمنعها فانه يقبع شرطه لا محالة ، وأما
وقف لم يملكه واقفه وذلك كالذى وقفه أمير المؤمنين أو السلطان من بيت المال فان ذلك حكمه حكم
الارصاد لاحكم الاوقاف التى ملكها واقفوها فلا يتقيد بماشرطه الواقف فيها لانه مال بيت المال
أرصد لمصالح المسلمين فإذا قررفيه بعض من له استحقاق فى بيت المال جاز له أن يا كل منه وان لم
يقم بذلك الشرط ولولم يكن بصفة الاستحقاق من بيت المال لم يجزله أزياً كل منه ولو باشر تلك
الوظيفة ، وبهذا صرح المتاخرون من أصحابنا فقال الزركشى فى شرح المنهاج فى باب الاجارة :
ظن بعضهم أن الجامكية عن الامامة والطلب ونحوهما من باب الاجارة حتى لا يستحق شيئا اذا
أخل ببعض الصلوات أو الايام وليس كذلك بل هو من باب الارصاد والارزاق المبنى على
الاحسان والمسامحة بخلاف الاجارة فانها من باب المعاوضة ولهدا يمتنع أخذ الاجرة على القضاء
(١) الزيادة من نسختنا
حكم الاستنابة-ومن وقف شيئاعلى أولاده الذكور وأولادهم دون الاناث ١٦٣
ويجوز ارزاقه من بيت المال الاجماع انتهى*
وقال الدميرى فى شرح المنهاج فى باب الجعالة سائلت شيخنا - يعنى الاسنوى - مرتين عن
غية الطالب عن الدرس هل يستحق المعلوم أو يعطى بقسط ما حضر؟ فقال: ان كان الطالب
فى حال انقطاعه يشتغل بالعلم استحق والافلا ولو حضر ولم يكن بصدد الاشتغال لم يستحق لان
المقصود نفعه بالعلم لا مجرد حضوره وكان يذهب الى أن ذلك من باب الارصاد انتهى *
ومن صور ذلك ما يشترى من أراضى بيت المال بالحيلة من غير بذل ثمن معتبر حكمه
حكم ما وقفه السلطان من أراضى بيت المال وقد أراد برقوق فى سنة نيف وثمانين وسبعمائة
إيطال جميع الأوقاف وردها الى بيت المال بهذه الحجة وعقد لذلك مجلسا حضره علماء عصره
فقال الشيخ سراج الدين البلقينى: أما ما وقف على خديجة وعويشة فنعم وأما ماوقف على
المدارس والعلماء وطلبة العلم فلاسبيل اليه لأن لهم فى الخمس أكثر من ذلك وإنما يأكلون
من هذه الأوقاف بسبب استحقاقهم من بيت المال، ومن صور ذلك ما اشترى بعقد صحيح
وبذل فيه الثمن المعتبر ولكن كان مشتريه من الأتراك الذين أصلهم عبيد بيت المال وأعتقهم
السلطان مجانا فان عتقهم فى هذه الصورة غير صحيح فكل ما فى أيديهم ملك لبيت المال فتجرى
أوقافهم على هذا الحكم.
٢١ (المباحث الزكية فى المسألة الدوركية * بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد فقد ورد على سؤال من بلاد دور فى صورة
قال الواقف فى كتاب وقفه : وقف على أولاده الذكور وأولاد أولادهم الذكور دون الاناث
فان لم يبق من أولاده الذكور أحد يكون وقها على أولاده الأناث ما تقول السادة العلماء فى
معنى قوله فان لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفا على أولاده الاناث ؟ وفى مرجع الضميرين
الحجرورين فيه أنهما لماذا يرجعان وبماذا يصح معنى كتاب الوقف وما تقول فيمن قال بتحريم
إناث الذكور وانتقال الوقف من نسل الواقف والخروج منهم بانقطاع الأولاد الصلبية بعد
ما تصرفوا فيه باذن الحاكمين الحنفى . والشافعى. مدة سبع وعشرين سنة زعما منه أن معنى
كتاب الوقف هكذا المفهوم من العبارة الواقعة فى كتاب الوقف وهى - أى الطاحونة - وقف
على أولاده الذّور أى على أولاد الواقف الذكور لما أن الضمير فى أولاده راجع الى الواقف
وعلى أولادهم الذكور الضمير راجع الى أولاد الذكور دون الأناث نفى عن إناث الذكور
فان لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفا على أولاده الاناث فما بعد يكون وقفا على المسجد
الجامع المعمور بدورثى، فعلم من ذلك أن الواقف اختص أولا الى ذكور الواقف وخرج من
١٦٤
الحاوى للفتاوى
البين إناث الذكور خائبات بحكم عبارة دون الاناث ولم يستحق الوقف إلا من هو من
الاناث الصلبية للواقف ولو بقى أحد من تلك الاناث الصلبية يستحق الى حين الانقراض وإلا
لا يستحق له أحد غيرها فمن عانده يأتى بحجة شرعية لابحجة عقلية - هذه صورة السؤال .
فكتبت عليه مانصه : قول الواقف على أولاده الذكور وأولاد أولادهم الذكور دون
الاناث ينفى أولاد بنات الذكور لابنات الذكور، والحاصل أن الواقف قصر الوقف على
من ينسب اليه فأولاد بنيه يعطون ذكورا كانوا أو إناثا اذا وجد شرط الاناث وهو فقد
الذكور وأولاد بنات بنيه لا يعطون البتة لأنهم لايفسبون إليه فبنت الابن تنسب الى جدها
كابن الابن وبنت البنت أو ابن البنت إنما ينسبان إلى أبيهما لا الى جدهما أبى أمهما فضمير
أولادهم للأولاد والذكور صفة لأولاد المضاف الى الضمير لالأولاد الأول المضاف إلى
أولادهم اذ لو كان صفة له لزم محذور أشد وهو الصرف الى الأولاد الذكور من نسل جميع
أولاد الأولاد الشامل للذكور والاناث فيلزم الصرف الى ابن بنت الابن وهو خلاف المراد
المفهوم من سياق غرض الواقف حيث منع بنات نفسه مع وجود الذكور فلا يمكن اعطاء من
أدلى ببنت ابن مع وجودهم ووجود بنات نفسه فعلم أن مقصوده اعطاء من ينسب اليه
من بنيه وبناته واولاد بنيه ذكورا وإناثا وأولاد بنى بنيه دون أولاد بنات بنيه وعلم شرط
فقد لذ كور في اعطاء الاناث من صلبه بالنص منه ومن بنات أولاده إما بالقياس عليهن وإما بعموم
قصه فان قوله أولاده فى الموضعين وهما فان لم يبق من أولاده الذكور يكون وقفاعلى أولاده
الاناث قد يقال لشموله لهم لفظا لكون الجملة جاءت عقب النوعين وإن كان الراجح
عندنا أن أولاد الاولاد لايدخلون فى الوقف على الأولاد فهذا مدرك آخر خاص بهذه
الواقعة - هذه صورة الجواب *
وقد أورد عليه أنه على هذا التقرير يلزم خلو نص الواقف عن استحقاق أولاد أولاده
فانه لم يذكرأولا أولاده وأولاد أولادهم ولم يذكر أولادهم، وأقول هذا الامر مما زاد نا يقينا
فيما أفتينا به من استحقاق بنات أولاد، بشرط فقد الذكور ومن أن الذكور صفة لا ولادهم لا
لاولاد المضاف هو اليه ومن أن قوله أولاده فى الموضعين شامل بعموم لفظه الحقيقة والمجاز
أعنى أولاد صلبه وأولاد أولاده ﴿ فان قلت ): بين لى ذلك حتى أفهمه قلت: الذى يحمل
عليه عبارة الواقف أن قوله وقف على أولاده الذكور ليس قاصراً على أولاد صلبه بل عاما
فى جميع نسله الذكور الطبقة الاولى والثانية والثالثة وهكذا إلى آخر نسله ( فان قلت ) :
نيف تقول ذلك وكيف يسوغ لك هذا الحمل وهذا عندك فى المنهاج ولا يدخل أولادالاولاد
فى الوقف على الاولاد فى الاصح فهذا افتاء بالقول المرجوح {قلت) كلا غير أنك قاصر عن
١٦٥
حكم من وقف شيئا على أولاده الذكور وأولادهم دون الاناث
ادراك المدارك ، والمدرك فى هذا الحمل أمور، الاول أن شراح المنهاج قالوا: إن محل الخلاف
فيما اذا لم يرد الواقف جميعهم فان أراد ذلك دخل أولاد الاولاد قطعا - ذكره ابن خيران
فى اللطيف، وارادة الواقف تعرف بالقرائن وقد قامت هنا وهى ما يذكر بعد هذا، الامر
الثانى أن قوله وأولاد أولادهم الذكور قرينة ظاهرة فى أنه أراد بالاولاد جميع فـله لا أولاد
صلبه فقط ونص على هذا الفرع بخصوصه وهو الطبقة الثالثة ليبين شرطها الخاص بها وهو
أن يكون ممن ينسب الى الواقف بأن يكون من ذرية أولاد أولاده الذكورلا من ذرية أولادهم الاناث
ولو كان المراد بالأولاد الصلبية فقط لزم أن يعطى الاولاد وأولاد أولادهم دون أولادهم وهو
خلاف الظاهر، الثالث أنه ليس المراد أيضا بأولاد أولادهم طبقة مخصوصة بل هو عام فى كل طبقة
من النسل وان بعدت لا يعطى من طبقات النسل الامن بدلى الى الواقف بمحض الذكورولا يعطى
من أدلى باناث فكما أن هذا عام فى أولاد أولادهم لصلبهم ومن سفل فكذلك قوله على أولاده عام
فيمن ثم الصلبه ومن سفل ، الرابع لو أخذنا بالخصوص وقلنا الاولاد خاص بالصلبية دون أولاد
الاولاد لكان الثانى أيضا كذلك وهو قوله وأولاد أولادهم فلم يكن يعطى من أولاد أولادهم
الاطبقة واحدة وهم أولادهم لصلبهم وكان يحرم جميع الطبقات بعدهم وينقرض أهل الوقف
بانقراض الطبقة الثالثة ولا سبيل الى ذلك ، الخامس أن الالفاظ يراعى فيها عرف أربابها
والواقف لهذا الوقف والحاكم به والموثق كلهم حنفية ومذهب الحنفية أن الوقف على الاولاد
يدخل فيه أولاد البنين .
قال فى المحيط لووقف على ولده يدخل فيه أولاده لصلبه وأولاد أبنائه وفى أولاد البنات
روايتان عن محمد أنهم يدخلون فيه لاراسم الولد يتناولهم لان الولداسم المتولد متفرع من الاصل
وأولاد البنات متفرعة متولدة من الام وأمهم متولدة من الجد فكانت بواسطة الام مضافة الى
الجدة ، وقال فى موضع آخر لوقال أرضى هذه صدقة موقوفة على أولادى دخل فيه البطون كلها
لعموم اسم الاولاد، وقال فى موضع آخر: لو قال هذه صدقة على ولدى وولد ولدى وأولادهم دخل فيه
البطون كلها وان كثروا الأقرب والأبعد فيه سواء لانه لما قال أولادهم فقد ذكرهم مضافا الى
أولاده لا الى نفس الواقف فقد ذكر أولادهم على العموم فيقع ذلك على البطون كلها انتهى *
فعلم أن الواقف ومن وثق عنه اقتصر على لفظ الاولاد فى الوقف لاعتقاده أنه شامل لجميع
نسله بناء على مذهبه وزاد هذا المراد ايضاحاتنصيصه على شرط يختص ببعض الفروع النازلة ،
فعلم أن مراده بقوله على أولاده الذكور جميع نسله من صلبه ومن سفل فكذلك قوله يكون وقفا
على أولاده الاناث يكون مراداً به جميع الاناث من نسله من كانت لصلبه وبنات بذيه وخرج بينات
بناته وبنات بنات بنيه بالشرط الذي شرطه، ويرشح أو الواقف والموثق شبافى لفظ أولاده على
١٦٦
الحاوى للفتاوى
الشحول بناء على مذهبهما أن عبارة الواقف وجيزة جداليس فيها إلا هذا القدر المذكور فى السؤال
من غير بسط ولا اطناب كما يفعلهموثقو بلادنا، الامر السادس أن الذى زعم اخراج بنات
البنين من البنين متمسكا بما تمسك به أخطأ خطأ ثانيا بعد خطأه أولا حيث رام اخراجهم من
لفظ الأولاد مع دخولهم فيه فى مذهبه وذلك أنهاذا نظر الى قول الواقف فان لم يبق من أولاده
الذكور يكون وقفا على أولاده الاناث فان أخذلفظ أولاده فى الشقين على العموم فى أولاد
الصلب وأولاد البنينفهو المدعى ويلزمه أن يعطى بنات البنين وان أخذه على الخصوص فيهما
بأولاد الصاب قلنا له يا غافل يازمك ان لا تعطى من اولاد الأولاد احدا فانه رتب على فقدا ولاده
الذكور اعطاء اولاده الاناث وقد جعلت الأولاد فيهما خاصا بالصلبية فلزم أن تعطى بنات
الصلب عند فقد ذكور الصلب وتصرفه الى الجامع عند فقد إناث الصلب ويذهب أولاد الأولاد
الذكور غائبین فیبقیقولالواقف:وأولاد أولادهم الذ کور لاغيا لا يعمل به وهو باطل ، وان
أخذه على العموم فى الشق الأول دون الثانى فهو تحكم بحت فتعين أن يكون معنى قوله فان لم
يبق من أولاده الذكور أى من فروعه صلبية ومن سفل يكون وقفا على أولاده الاناث أى
فروعه صلبية ومن سفل، هذا ماسنح فى هذه المسألة والله أعلم .
٢٢ (القول المشيد فى وقف المؤيد * بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقع السؤال عن وقف الملك المؤيد شيخ وذلك
أنه وقف وقفا وقال فيه مهما فضل بعد المصارف يصرف لا ولاده لصلبه ثم لا ولادهم ثم لذريتهم
ونسلهم وعقبهم طبقة بعد طبقة تحجب الطبقة العليا منهم أبدا الطبقة السفلى على أن من مات منهم عن ولد
أو ولد ولدوان سفل انتقل نصيبه اليهفان لم يكن له ولد ولانسل ولا عقب انتقل نصيبه الى من
هو فى درجته يقدم الاقرب الى المتوفى منهم فالأقرب ويقدم فى الاستحقاق من أهل الدرجة
الاخوة على غيرهم ويقدم الأخ الشقيق على الأخ الأب وابن العم الشقيق على ابن العم للأب وعلى
أنه من توفى منهم ومن أولادهم ومن أولاد أولادهم ومن أنسالهم وأعقابهم وان سفل قبل
استحقاقه لشىء من منافع هذا الوقف وترك وادا أو ولد ولد أو نسلاأوعقبا أو أسفل من ذلك
استحق ولده والاسفل منه ما كان يستحقه المتوفى لو بقى حيا حتى يصير اليه شىء من منافع
هذا الوقف وقام فى الاستحقاق مقام المتوفى أبا كمان أو أما أو جدا أوجدة ومن يجرى جراهم
ومات الواقف وخلف أولادا ذكورا واناثا ثم ماتوا ولم يبق للمواقف الا ابنة واحدة فماتت
وخلفت ابنة وابن ابن فهل تقدم الابنة عملا بقول الواقف يقدم الأقرب الى المتوفى منهم
فالاقرب أو يشاركها ابن الابن؟ .
١٦٧
ما وردفيمن يستحق فى الأوقاف من الأبناء
فأفتيت بما نصه : تختص البنت بنصيب أمها ولا يشاركها ابن الابن وذلك لأمرين،
أحدهما قوله ان من مات عن نصيب وله ولد وأسفل منه ينتقل نصيبه لولده ويقدم الأقرب
الى المتوفى منهم فالأقرب، وهذه صورة هذه الواقعة فان بنت الواقف ماتت عن نصيب ولها
ولد وأسفل منه فينتقل نصيبها لولدها ويقدم الأقرب وهى البنت على الأبعد وهو ابن الابن
عملا بتخصيص الواقف فى هذه الصورة بخصوصها، والثانى قوله تحجب الطبقة العليا الطبقة
السفلى فقد أفتى السبكى فى هذه الصورة بعينها بأن العمة تختص ولا يشاركها أولاد إخوتها
هكذا أجاب به فى ثلاثة مواضع من فتاويه وقال عملا بقوله تحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى
وقال : ان العمل بهذه الجملة أولى من العمل بجملة ومن مات قبل الاستحقاق الى آخره لأن
العمل بالجملة الأولى لا يؤدى الى الغاء الجملة الثانية بالكلية لأنها يعمل بها فى بعض الصور وهو
ما إذا فقد من هو أقرب بخلاف العمل بالجملة الثانية فانه يؤدى الى الغاء الجملة الأولى بالكلية
فان حملها على حجب كل أصل لفرعه فقط غير مفيد لعدم الحاجة اليه اذ لم يدخل ولد الولد فى
لفظ الوقف مع وجود الولد حتى يحتاج الى الاحترازعنه وأكثر ما يقال إنهتا كيد والتأسيس
أولى من التأكيد - وهذا كلام السبكى فى أحد المواضع، وقال فى موضع آخر إن بعض
الحنابلة خالفه وأفتى بالمشاركة وحمل حجب الطبقة العليا السفلى على حجب كل أصل لفرعه
لاعلى الترتيب بين الطبقتين قال : وهذا ضعيف وخلاف الظاهر ، وأطال السبكى الكلام فى
تقرير ذلك فى موضعين آخرين بما لا يحتمل المحل بسطه ووافقه الشيخ ولى الدين العراقى فأقتى
فى صورة نظير هذه بالاختصاص أيضا وعدم المشاركة تقديمها لأقرب الطبقتين ، ثم قال :
وبلغنى عن بعض الشافعية. والمالكية. والحنابلة أنهم أفتوا بالمشاركة عملا بقول الواقف:
ومن مات قبل الاستحقاق الى آخره قال: وهذا عندى ضعيف لأنا لانخص عموم حجب
الطبقة العليا السفلى بهذا المفهوم المستنبط من عبارة الواقف وانما تخصه بأحد المخصصات
المعروفة ولم يوجد ذلك الا فيما اذا مات عن نصيب وله ولد فاه ينتقل نصيبه اليه .
هذا كلام الشيخ ولى الدين ، *
واعلم أن السبكى انما اعتمد فى جوابه على جملة تحجب العليا السفلى فقط لأنه لم يكن
فى لفظ سؤاله غيره ونحن اعتمدنا فى جوابنا عليه وعلى أمر ثان هو أقوى منه وهو تنصيص
الواقف على تقديم الأقرب إلى المتوفى عند ذكر من مات عن نصيب وله ولد أو أسفل منه
وبيان كون هذا أقرى أن المقرر فى علم الأصول ان الألفاظ ثلاثة نص، وظاهر . ومحتمل،
فالنص مالا يحتمل الا معنى واحدا، والظاهر ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر،
والمحتمل ما احتمل معنيين على السواء من غير رجحان ، ومرتبتها فى القوة على هذا الترتيب