Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة فمسسته فقال: ما لك تمسه؟ قد سألت عبد الله بن عباس قلت: إنا نكون بالمغرب ومعنا البربر، والمجوس نؤتي بالكبش قد ذبحوه ونحن لا نأكل ذبائحهم ويأتون بالسقاء يجعلون فيه الودك (١) فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله وَ ◌ّر عن ذلك فقال: دباغه طهوره، وأخرج الدارقطني من طريق الوليد بن مسلم عن أخيه عبد الجبار بن مسلم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: إنما حرم رسول الله وَير من الميتة لحمها فأما الجلد، والشعر، والصوف فلا بأس به، ورجاله على شرط الصحيح إلا عبد الجبار فإنه ضعيف، وأصل الحديث في الصحيح من وجه آخر عن الزهري مختصراً بلفظ «إنما حرم من الميتة لحمها)) دون بقية الحديث، ولم ينفرد عبد الجبار بل توبع فأخرجه الدارقطني، والبيهقي من طريق شبابة عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها - وهو اللحم - فأما الجلد، والشعر، والصوف فهو حلال وأخرجه الدار قطني أيضاً من طريق زافر بن سليمان عن أبي بكر الهذلي به، وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن زافر بن سليمان عن أبي بكر الهذلي أن الزهري حدثهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله وَالر يقول: ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه الأكل شيء من الميتة حلال إلا ما أكل منها)) فأما الجلد، والفرو، والشعر، والصوف فكل هذا حلال لأنه لا يذكى، وله شاهد أخرجه البيهقي من طريق يوسف بن السعد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت أم سلمة تقول: ((سمعت رسول الله وَلل يقول: لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بصوفها وشعرها إذا غسل بالماء، وله شاهد ثان أخرجه البيهقي عن عبد الله بن قيس البصري أنه سمع ابن مسعود يقول: إنما حرم من الميتة لحمها ودمها، وشاهد ثالث أخرجه البيهقي من طريق أبي وائل عن عمر بن الخطاب أنه قال في الفراء: ذكاته دباغه، وشاهد رابع أخرجه أحمد، والبيهقي من طريق ثابت البناني قال ((كنت جالساً مع عبد الرحمن بن أبي ليلى فأتاه ذو ضفرتين فقال: يا أبا عيسى حدثني ما سمعت من أبيك في الفراء قال: حدثني أبي أنه كان جالساً عند النبي وسلم فأتاه رجل فقال: يا رسول الله أصلي في الفراء؟ فقال رسول الله وَالر فأين الدباغ؟ قال ثابت: فلما ولىّ قلت: من هذا؟ قال: سويد بن غفلة. وشاهد خامس أخرجه أبو الشيخ ابن حبان والبيهقي عن أنس بن مالك قال: ((كنت جالساً عند النبي ◌َّلر فقال له رجل: يا رسول الله كيف ترى في الصلاة في الفراء؟ فقال رسول الله وَلير: ((فأين الدباغ؟)) وروى البيهقي أيضاً عن قتادة قال: سأل داود السراج الحسن عن جلود النمر والسمور تدبغ بالملح قال: دباغها طهورها؛ فهذه أحاديث، وآثار صريحة في الحكم من غير معارض صريح، حديث آخر أخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك عن سلمان الفارسي قال: ((سئل (١) بفتح الواو والدال المهملة دسم اللحم ودهنه. ٢٢ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة رسول الله وَر عن الجبن والفراء؟ فقال: ((الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفى عنه)) هذا الحديث بنص رسول الله وَ لخير صريح في إباحة الفراء كما هو نص استدلوا به في إباحة الجبن ولهذا بوب عليه الترمذي (باب لبس الفراء) وإنما وقع السؤال عن هذين بخصوصهما لما قد يتوهم من نجاستهما لما في الجبن من الأنفحة ولكون الفراء من ميتة، ولو كان المراد الفراء المذكاة لم يحسن السؤال عنها للعلم بطهارتها قطعاً، وقد أجاب رسول الله و # عنهما معاً بأنهما مما عفا الله عنه، ولهذا الحديث شاهد موقوف على سلمان، وأخرج عن الحسن مرسلاً، قال الترمذي: وفي الباب عن المغيرة يشير إلى أن للحديث شاهداً من حديث المغيرة وله شاهد آخر عن أنس أخرج الطبراني في الأوسط عن راشد الحماني قال: رأيت أنس بن مالك عليه فرو أحمر فقال: كانت لحفنا على عهد رسول الله 18َّ نلبسها ونصلي فيها، رجال إسناده ثقات إلا أحمد بن القاسم فهذا أيضاً من الأدلة، ولو كان الفرو الذي رآه على أنس من مذكى لم يكن محل إنكار حتى احتاج أنس إلى الاستدلال على طهارتها بأنهم كانوا يلبسونها ويصلون فيها على عهد رسول الله وَليو، ولأصل حديث سلمان شاهد صحيح من حديث أبي الدرداء أخرج البزار في مسنده، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في تفسيرهما، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي في مختصره، وابن مردويه في تفسيره عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وشاهد آخر من حديث جابر أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال النبي وَّر لكعب بن مالك: يا كعب ما أحل ربك فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وله شاهد آخر من حديث أبي ثعلبة، ويؤيد أن سؤالهم في حديث سلمان عن الجبن لأجل ما فيه من الأنفحة. وعن الفراء لأجل كونه من ميتة ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عمرو بن شرحبيل قال: ذكرنا الجبن عند عمر بن الخطاب فقلنا: إنه يصنع فيه أنافح الميتة فقال عمر: سموا الله عليه وكلوا؛ وروى سعيداً أيضاً عن الشعبي قال: أتى النبي وَّه بجبنة في غزوة تبوك فقيل: إن هذه من صنعة المجوس فقال: (اذكروا اسم الله وكلوه) وروى سعيد أيضاً عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: دخلت مع أبي علي بن عباس فقال له: إنه يصنع لنا بالعراق من هذا الجبن وقد بلغني أنه يصنع فيه من أنافح الميتة فقال ابن عباس: ما علمت أنه من أنافح الميتة فلا تأكله وما لم تعلم فكله، قال له أبي: وأنه يصنع لنا من هذه الفراء وبلغني إنها تصنع من جلود الميتة فقال ابن عباس: قال رسول الله وَله: ((دباغ كل أديم ذكاته)) ورواه الدولابي في الكنى عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قلت لابن عباس: الفراء تصنع من جلود الميتة؟ فقال: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((ذكاة كل مسك دباغة)) فهذا أيضاً صريح في أن الدباغ يطهر الفراء مطلقاً جداً أو شعراً، ومما يستدل به لطهارة الشعر بالدباغ ٢٣ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة إطلاق الأحاديث السابقة في دباغ إهاب الشاة فإنه لو كان الشعر لا يطهر بالدباغ لبين لهم ذلك وقال: انزعوا اشعرها وادبغوا الجلد وانتفعوا به وحده لأنه محل بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فلما أطلق ولم يفصل دل على أن الشعر يطهر بالدباغ تبعاً للجلد، ومما يستدل به لذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُودِ آلْأَنْعَمِ بُّنَا نَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ (40)﴾ [النحل: ٨٠] وقول الأصحاب: إن هذه الآية محمولة على شعر المأكول إذا ذكي وأخذ في حياته يجاب عنه بأن الآية خوطب بها المشركون من أهل مكة ولهذا قيل في أواخر تعداد النعم: ﴿ كَذَلِكَ يُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُتْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] وقد كان المشركون يذبحون للأصنام، وكان النبي ◌َّ قبل البعثة يتوقف في أكل ذبائحهم فكانت ذبائحهم ميتة، وقد وردت الآية امتناناً عليهم بالانتفاع بشعورها فدل على أن الدباغ طهرها، وقول بعض الفقهاء: إن (من) في الآية للتبعيضية والمراد البعض الطاهر ينازع فيه بأن (من) هذه ليست هي التبعيضية بل هي التجريدية كما يفهمه من له خبرة بعلم البيان، وكذلك هي في الجملتين الأوليين في الآية فهي كالمثال الذي يمثل به أرباب البيان وهو قولهم لي من فلان صديق حميم أي أن فلاناً نفسه صديق حميم وليس المراد أن بعضه صديق، وهذا معروف يسمى بالتجريد عند علماء البلاغة، استدلال آخر، قال بعض المجتهدين: يمكن أن يستدل لطهارة الشعر بالدباغ بنفس الحديث وهو قوله: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) لأن اسم الإهاب ينطلق على الجلد بشعره فيقال: هذا إهاب الميتة ولا يلزم أن يقال: هذا إهابها وشعرها، وإذا انطلق الاسم عليه حصلت الطهارة، قال: ومما يؤيده حديث أبي الخير قال: ((رأيت على ابن وعلة فرواً فكلمته فيه فقال: سألت عبد الله بن عباس فقلت: إنا نكون بأرض المغرب ومعنا البربر والمجوس نؤتى بالكبش قد ذيجوه ونحن لا نأكل ذبائحهم ونؤتى بالسقاء يجعلون فيه الودك فقال ابن عباس: ((قد سألنا النبي بَّر عن ذلك فقال: (دباغه طهوره)) وحديث ثابت البناني قال: «كنت سابع سبعة مع عبد الرحمن بن أبي ليلى في المسجد فأتى شيخ ذو ضفرتين فقال: يا أبا عيسى حدثني حديث أبيك في الفراء فقال: حدثني أبي فقال: كنت جالساً عند النبي وَلّ فأتاه رجل فقال: يا رسول الله انصلي في الفراء؟ قال: فأين الدبغ؟ فلما ولى قلت: من هذا؟ قال: هذا سويد بن غفلة، قال: ((هذا المجتهد المذكور))، ويمكن أن يستدل بالحديث على عدم نجاسة الشعور أصلاً ورأساً بأن يجعل دليلاً على مقدمة في الدليل، وطريقة أن يقال: لو نجس الشعر بالموت لكان طاهراً بعد الدباغ لكن كان طاهراً قبل الدباغ فلا ينجس بالموت، بيان الملازمة أن الدباغ إنما يفيد الطهارة في ماله أثر ولا أثر للدباغ في الشعر فلا يفيد الطهارة، وبيان أنه طاهر بعد الدباغ أن اسم الإهاب يطلق عليه بالشعر المتصل به فيقال: هذا إهاب الشاة مثلاً ولا يلزم أن يقال: هذا إهابها وشعرها فدل ذلك على إطلاق اسم الإهاب على الجلد بشعره، وإذا انطلق عليه ٢٤ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة وجب أن يطهر لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) والاعتراض عليه يمنع الملازمة، وقوله في تقريرها: إن الدباغ إنما يفيد الطهارة فيما له فيه أثر يقال عليه: إنما يفيدها فيما له فيه أثر قصداً أو تبعاً الأول مسلم ونحن لا نقول بأنه يفيدها في الشعر قصداً وإنما يفيدها تبعاً للجلد بدلالة الحديث وانطلاق لفظ الإهاب على الجميع انتهى. ومن الأدلة القياسية على طهارة الشعر بالدباغ تبعاً للجلد القياس على دن الخمر إذا صارت خلاً فإنه يطهر تبعاً لها، فإن اعترض معترض بأن ذاك من محل الضرورة قلنا: وهذا من محل الحاجة، وقد نص الفقهاء في قواعدهم على أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، ومما يستدل به أيضاً من جهة القياس مسألة ما لو ولغ الكلب في إناء فيه ماء قليل فإن الماء والإناء ينجسان معاً، فلو كوثر الماء حتى بلغ قلتين فإن الماء يطهر، وكذا الأناء تبعاً له في أحد الأوجه فهذا حكم بالطهارة على سبيل التبعية فيقاس عليه الحكم بطهارة الشعر على سبيل التبعية للجلد، ومما يستدل به أيضاً من جهة القياس مسألة الدم الباقي على اللحم وعظامه فإنه محكوم بطهارته تبعاً للحم لعموم البلوى به كما ارتضاه النووي في شرح المهذب وقال: قد ذكره أبو إسحاق الثعلبي المفسر من أصحابنا ونقل عن جماعة كثيره من التابعين أنه لا بأس به، ودليله المشقة في الاحتراز منه، وصرح أحمد وأصحابه بأن ما يبقى بعد من الدم في اللحم معفو عنه ولو علت حمرة الدم في القدر لعسر الاحتراز منه، وحكوه عن عائشة، وعكرمة، والثوري، وابن عيينة، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، قلت: مع أن الأصل في الدم النجاسة وهي فيه أظهر منها في الشعر لما تقدم من أن أكثر الأئمة على عدم تنجيس الشعر بالموت فيكون الحكم بطهارته تبعاً للجلد أولى وأقوى من الحكم بطهارة الدم تبعاً للحم، استدلال آخر من طريق القياس المسمى عندهم قياس العكس، قالوا: إذا جز الشعر من الحيوان الحي المأكول فهو طاهر لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] امتن به فكان طاهراً والمأخوذ به من المذبوح لا يفي بالحاجة في مثل ذلك، فكان شاملاً لما جز في حال الحياة فلو قطع في الحياة عضو عليه شعر حكم بنجاسة الشعر تبعاً للعضو المحكوم بنجاسة لقوله وَله: ((ما أبين من حي ميت)) فكما حكم بنجاسة الشعر تبعاً للجزء المتصل به المحكوم بنجاسته كذلك قياس عكسه إذا حكم بطهارة الجلد بالدباغ يحكم بطهارة الشعر المتصل به تبعاً. وشاهد أصل قياس العكس قوله مثل: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)) رواه مسلم، وطريقة أخرى في الاستدلال وهو أن الأحاديث التي احتججنا بها صريحة في المقصود، والأحاديث التي احتج بها للنجاسة وهي أحاديث النهي عن جلود السباع ليست صريحة، وإنما استدل بها بطريق الاستنباط واللزوم للمعنى الذي ذكروه، وما كان صريحاً فهو مقدم على ما كان بطريق اللزوم، وقد سلك ابن ٢٥ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة دقيق العيد في الترجيح مسلكاً آخر فقال: نهيه عليه السلام عن افتراش جلود السباع مخصوص بالاتفاق. وقوله عليه السلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر» غير مخصوص بالاتفاق فيرجح العمل به على معارضة، وهذا كلام ابن دقيق العيد، ومسلك آخر في الجواب وهو إنا نمنع عن كون النهي عن جلود السباع لأجل شعرها بل لمعنى آخر أشار إليه الخطابي وهو أنها إنما نهى عنها من أجل أنها مراكب أهل السرف والخيلاء، وتمام ذلك أن يقال: إنها من صنع الأعاجم وقد صحت الأحاديث بالنهي عن التشبه بزي الأعاجم أي الفرس، ويؤيد ذلك أمران. أحدهما أن النهي مطلق ولو كان لأجل نجاسة الشعر لكان يزول بنتفه ولا شك أن الحديث شامل للحالتين، والثاني أنه لو كان لأجل نجاسة الشعر لم يكن لتخصيص السباع بالذكر فائدة فإن الغنم وسائر الحيوانات كانت تساوي السباع في ذلك، فلو لم يكن ذلك لمعنى آخر غير النجاسة لم يكن لتخصيص السباع بالذكر فائدة، وأمر ثالث وهو أن أبا داود روى في سننه من حديث معاوية قال: قال رسول الله وَلقول: ((لا تركبوا الخز والنمار)) (١) فقران الخز بالنمار في هذا الحديث دليل على أن النهي فيه للسرف والخيلاء لا للنجاسة، وكذلك ما رواه أحمد، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر قال: ((نهى رسول الله (8# عن الميثرة والقسية وحلقة الذهب والمقدم))، قال يزيد: الميثرة جلود السباع، والقسية ثياب مضلعة من إبريسم، والمقدم المشبع بالعصفر؛ وروى الطبراني في الكبير عن ثوبان قال: حرم رسول الله وَّر التختم بالذهب، والقسية، وثياب المعصفر، والمقدم، والنمور، وفقران جلد السباع والنمور بهذه الأشياء في هذين الحديثين دليل على أن النهي فيه للسرف والخيلاء لا للنجاسة؛ وروى أبو داود أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ◌َّق قال: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر)) وهذا أيضاً يدل على أن النهي للخيلاء لا للنجاسة لأن الجلد النجس لا يحرم اقتناؤه إنما يحرم لبسه واستعماله في الأشياء الرطبة، والحديث دل على ذم اقتنائه مطلقاً فعرف أن المعنى فيه للخيلاء كأواني النقدين حرمت للخيلاء فحرم اقتناؤها، وأمر آخر وهو أنه لو كان النهي لنجاسة الشعر لم يكن يمتنع إلا الجلوس على الوجه الذي فيه الشعر خاصة، ولو قلبه وجلس على الوجه الذي لا شعر فيه لم يمتنع لأن ذلك الوجه من الجلد قد طهر بالدباغ قطعاً، ولا شك أن النهي شامل للوجهين معاً كما هو ظاهر الأحاديث السابقة. وعند ابن أبي شيبة في مسنده من حديث معاوية قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا تجلسوا على جلود السباع)) وعند الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن سمرة بن جندب ((أن رسول الله ◌َّ نهى عن أن تفترش مسوك السباع) (١) الخز بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي ثياب تعمل من الإبريسم، وقيل ثياب تنسج من صوف وإبريسم وعليه فالنهي عنها لأجل التشبه بالأعاجم وزي المترفين، والنمار قال صاحب النهاية: وفي رواية النمور أي جلود النمور وهي السباع المعروفة واحدها نمر. ٢٦ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة فهذه إطلاقات شاملة للجلد بوجهيه فدل على أن ذلك لمعنى السرف والخيلاء لا للنجاسة، وأيضاً فلم يذكر الفقهاء أنه يحرم الجلوس على جلد الميتة النجس إنما ذكروا تحريم لبسه، ولحاق الافتراش به قد لا يسلم، والأحاديث صريحة في النهي عن افتراش جلود السباع، والجلوس عليها والركوب عليها، فدل ذلك على أنه لمعنى أخر غير النجاسة؛ فإن قلت: فقد قال سعيد بن منصور في سنته: ثنا عبد الرحمن بن زياد عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن زيد بن وهب قال: أتاهم كتاب عمر بن الخطاب - وهم في بعض المغازي - بلغني أنكم في أرض تأكلون طعاماً يقال له: الجبن فانظروا ما حلاله من حرامه، وتلبسون الفراء فانظروا ذكيه من ميته؛ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها أن اسناده ضعيف، والثاني أنه معارض بما تقدم عن عمر في الجبن والفراء أيضاً، فقد تقدم أن البيهقي أخرج من طريق أبي وائل عن عمر بن الخطاب أنه قال في الفراء: ذكاته دباغة، الثالث أن هذا من عمر ليس قولاً بأن الشعر لا يطهر بالدباغ ويطهر به الجلد وإنما هو مبني على قوله: بأن الدباغ لا يطهر الجلد أصلاً ورأساً، وقد تقدم أنه مذهب له فكان له في المسألة قولان: أحدهما أن الدباغ يطهر الجلد والشعر معاً، والآخر أنه لا يطهر لا الجلد ولا الشعر، فكل رواية محمولة على قول من قوليه . فهذا ما أدانا إليه النظر والاجتهاد في هذه المسألة فأجبنا به على حسب ما التمس السائل وقد سمينا هذا الكتاب (تحفة الأنجاب بمسألة السنجاب) وكان إملاؤه يوم الاثنين سابع محرم سنة تسعين وثمانمائة والله أعلم. باب التيمم مسألة: تراب المسجد إذا تيمم به شخص وقلتم: إنه لا يجوز هل يستبيح به ما نواه أو يكون ذلك كاستعمال الدار المغصوبة، والثوب الحرير ونحو ذلك أو لا؟ وما الفرق بين ما لو تيمم قبل الاستنجاء فإنه لا يجزىء ولو كان بدنه نجاسة فإنه يجزىء؟. الجواب: نعم يستبيح ما نواه كالوضوء بماء مغصوب، والتيمم بتراب مغصوب، وكذلك الوضوء بالماء المسبل للشرب صحيح مع تحريمه، وأما المسألة الأخيرة فقد فرق الأصحاب بفروق منها أن نجاسة محل النجو ناقضة للطهارة موجبة للتيمم فلم يصح التيمم مع وجودها بخلاف غيرها، كذا فرق الداركي وتبعه صاحب المهذب وأقره النووي في شرحه، ومنها أن نجاسة غير الاستنجاء لا تزول إلا بالماء، فلو قلنا: لا يصح تيممه حتى يزيلها لتعذر عليه الصلاة إن لم يجد الماء بخلاف الاستنجاء لأنه يرتفع حكمه بالحجر فيمكنه تقديم الحجر حتى يصح تيممه فلزمه، كذلك فرق المتولي في التتمة، قال صاحب الوافي: وهذا فرق دقيق نفيس . مسألة: لو تيمم في موضع الغالب فيه عدم الماء، ثم انتقل إلى موضع الغالب فيه وجود ٢٧ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة الماء أو عكسه فهل المعتبر في وجوب القضاء وعدمه موضع التيمم أو موضع الصلاة أو هما وهل في ذلك نقل للأصحاب؟. الجواب: هذا السؤال غير موجه لأن الانتقال يوجب تجديد طلب الماء ويبطل التيمم إذا توهمه، فإن فرض تعين العدم بحيث لا يبطل التيمم ولا يجب تجديد الطلب فالعبرة فيما يظهر بموضع الصلاة. مسألة: في مفهوم هذه العبارة وهي قوله: وصاحب الجبائر يمسح عليها ويتيمم ويصلي ولا إعادة عليه إن كان وضعها على طهر، ما المراد بالطهر هل هو عن الجنابة أو أعم من ذلك؟ الجواب: المراد جنس الطهر الذي تيمم فيه، فإن كان ذلك في الغسل فالمراد طهر الجنابة، أو في الوضوء فالمراد طهر الحدث صرح به في الخادم. مسألة: في قول المنهاج: وكذا استدامتها إلى مسح شيء من الوجه هل استدامتها إلى الوجه واجب ذكراً حتى أنها لو عزبت بعد النقل وقبل الوجه واستحضرها عنده لا تكفي أم الواجب استحضارها عند النقل وعند الوجه فقط حتى لو عزبت بينهما كفى، وإذا تيمم لمس المصحف فهل له صلاة النفل؟ . الجواب: المتجه كما ذكره في المهمات وصرح به أبو خلف الطبري الاكتفاء بها عند النقل والمسح ولو عزبت بينهما ولا مفهوم لتعبير المنهاج بالاستدامة؛ ولو تيمم لمس المصحف فليس له صلاة النفل، صرح به في التحقيق. مسألة: إذا تيمم الخطيب لخطبة الجمعة هل يقول: نويت استباحة فرض الخطبة أم ماذا ينوي، وما كيفية نية المتيمم العاجز عن غسل الجمعة وغيرها إذا تيمم؟ وغاسل الميت إذا أوجبتم عليه النية أو قلتم باستحبابها كيف يقول في الغسل؟ وإذا لم يجد الماء ويمم الميت كيف ينوي؟ الجواب: ينوي الخطيب استباحة فرض الخطبة أو استباحة خطبة الجمعة أخذاً من قول الأصحاب: ينوي المتيمم استباحة ما لا يستباح إلا بالطهارة وينوي العاجز عن غسل الجمعة التيمم عن سنة غسل الجمعة، قلته: تفقهاً ولم أره منقولاً، وأما غاسل الميت ففي شرح المهذب قال نصر المقدسي، وصاحب البيان: صفة النية أن ينوي بقلبه عند إفاضة الماء القراح أنه غسل واجب. وقال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد: ينوي الغسل الواجب أو الفرض أو غسل الميت، وأما إذا يمم فلم أر من صرح به، ويحتمل أن يقال: إذا يمم الميت لا يحتاج إلى نية كما لا يحتاج غسله إلى نية في الأصح، ويحتمل أن يقال: إنه يحتاج إليها، ويفرق بين التيمم والغسل كما قالت الحنفية: أن النية لا تجب في الوضوء وغسل الجنابة ومع ذلك أوجبوا النية في التيمم عنهما ولذلك قال الشافعي في الرد عليهم: طهارتان أنى يفترقان، وهذا النص إذا تمسك به بإطلاقه عضد الاحتمال الأول وهو أنه لا يحتاج تيمم الميت إلى نية فإن قلنا: يحتاج إليها أو يستحب نوى التيمم الواجب أو البدل ٢٨ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة من الغسل أو استباحة الصلاة عليه ونحو ذلك. مسألة: قولهم في الجبيرة إن وضعت على طهر لم يقض، هل المراد طهر محلها فقط أو تمام الوضوء؟ . الجواب: قال الزركشي في الخادم ما نصه: ينبغي أن يبحث عن المراد بالطهر هل هو طهر كامل وهو ما يبيح الصلاة كالخف أو المراد طهارة المحل فقط؟ فيه نظر وصرح الإمام، وصاحب الاستقصاء بالأول والأشبه الثاني، وقال ابن الأستاذ: ينبغي أن يضعها على وضوء كامل كما في لبس الخف انتهى. باب الحیض مسألة: بعد فناء لم يكن ذلك سدى الحمد لله معيد ما بدا ثم الصلاة والسلام الكمل وآله وصحبه وعترته جوابكم يا سادة أفادوا في حائض ببيتها مقيمة بعد انقطاع دمها المحرم من غير عذر مع وجود الماء وبيتها في خطة الحمام ذي سعة لأجرة وغيرها فهل يبيح وطأها التيمم أم حكمها في ذاك حكم الجنب وإن أبحتم وطأها بالترب فهل له اللبس قبيل العذر أم بعد أن يحصل عذر ظاهر ولو طرأ عذر وزال عنه ولو تمادى لابساً والعذر وإن بغير العذر لبس حصلا أم هو عاص آثم والجاني على النبي الهاشمي المفضل وكل من مات على محبته طالبهم وبالعلوم سادوا ذي جدة صحيحة سليمه هل يستباح الوطء بالتيمم بظنها الغالب للإيذاء مطيقة السعي على الأقدام ولم تكن محجوبة في خدرها من غير عذر أم بغسل تلزم والنفساء حكمها في المذهب ما قولكم في محرم يلي بغالب الظن بغير الوزر يجوز لبس وغطاء ساتر هل يجب النزع ببرء منه قد زال هل يسقط عنه الوزر هل الفدا يجزيه مما حملا فداه لم ينجه من العصيان ٢٩ الفتاوى الفقهية / كتاب الطهارة وهل بهذا الفعل يرحجه وحائض والنفسا هل يقضيا أم یختلف حكمهما عند قضا وضح لنا الجواب شيخ السنة أجز جواباً يا جلال الدين يا من له نظم على الفتاوى لا زال ناديك الرحيب محتفل يا شيخ الإسلام ويا حبر النهي الجواب: الحمد لله على امتنان ثم الصلاة والسلام أبداً وآله الأولى حووا أكل الشرف إن حائض قد أقلعت عنها الدما أو كان في بلدتها حمام وإنما يجوز بالتراب ومحرم قبل طروء العذر بغالب الظن ولا توقف نظيره من ظن من غسل بما ومن تزل أعذاره فليقلع وليس ينجيه الفدا من وزره لو كان ينجيه الفدا من وزر ولا يكون حجه مبروراً وحائض ونفساً فليقضيا وليس بين تين من خلاف هذا جواب نجل الأسيوطي أم غير مبرور كما قد وجهوا صومهما دون صلاة ألغيا صلاة فرض عن أداها أعرضا أثابك الله الكريم الجنه لعبدك السائل بالتبيين يشوق كل عالم وراوي بالوفد عن طلاب خير مشتمل ومن له مرتبة تعلو السها يعجز عن إحصاء باللسان على النبي الهاشمي أحمدا وصحبه والتابعين والسلف ووجدت فاقدة للعذر ما فما إلى وصالها مرام لفقد هذين بلا ارتياب أجزله اللبس بغير وزر على حصوله فهذا الأراف حصول سقم جوزوا التيمما مبادراً وليقض أن لم ينزع كمن تحده بشرب خمره لسرى العذر بغير العذر ما لم يتب يكن له طهورا الصوم لا الصلاة فيمارويا فيما ذكرناه بلا خلاف معتصماً بربه القوي ٣٠ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة كتاب الصلاة مسألة: تكبيرة آخر وقت العصر وجبت مع الظهر لأنها تجمع معها وهو مشكل لأن الجمع رخصة فلا يقاس عليها. الجواب: هذا من باب النوع المسمى في الأصول بقياس العكس. مسألة: المجنون هل يجوز له قضاء ما فاته - إذا أفاق - من صلاة وصوم أم يستحب أم یکره؟ الجواب: القضاء للمجنون مستحب ـ ذكره في المهمات. ٢ - الحظ الوافر من المغنم في استدراك الكافر إذا أسلم مسألة: الكافر إذا أسلم وأراد أن يقضي ما فاته في زمن الكفر من صلاة وصوم وزكاة هل له ذلك وهل ثبت أن أحداً من الصحابة فعل ذلك حين أسلم؟ الجواب: نعم له ذلك، وذلك مأخوذ من كلام الأصحاب إجمالاً وتفصيلاً أما الإجمال فقال النووي في شرح المهذب: اتفق أصحابنا في كتب الفروع على أن الكافر الأصلي لا تجب عليه الصلاة. والزكاة. والصوم، والحج وغيرها من فروع الإسلام، ومرادهم لأنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي فاقتصر على نفي اللزوم فيبقى الجواز، وعبارة المهذب فإذا أسلم لم يخاطب بقضائها لقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولأن في إيجاب ذلك عليهم فعفى عنه فاقتصر على نفي الإيجاب فيبقى الجواز أو الاستحباب. وأما التفصيل فإن الفقهاء قد قرنوا في كتاب الصلاة بين الكافر، والصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والحائض في عدم وجوب الصلاة، ونص بعضهم على أن الصبي إذا بلغ وقد فاتته صلاة يسن له قضاؤها ولا تجب عليه (١)، وأن المجنون. والمغمى عليه يستحب لهما قضاء الصلاة الفائتة في زمن الجنون. والإغماء - كذا نقله الإسنوي عن البحر للروياني، ونقل عنه وعن شرح الوسيط للعجلي أن الحائض يكره لها القضاء، فهذه فروع منقولة والكافر في معنى ذلك فيجوز له القضاء إن لم يصل الأمر إلى درجة الاستحباب ولا يمكن القول بالتحريم بل ولا بالكراهة، ويفارق الحائض فإن ترك الصلاة للحائض عزيمة وبسبب ليست متعدية به والقضاء لها بدعة، ولهذا قالت عائشة لمن سألتها عن ذلك: أحرورية أنت؟ وقد انعقد الإجماع على عدم وجوب الصلاة عليها، وترك الصلاة للكافر بسبب هو متعد به وإسقاط القضاء عنه من باب الرخصة مع قول الأكثرين بوجوبها عليه حال الكفر وعقوبته عليها في الآخرة كما تقرر في الأصول، فاتضح بهذا الفرق بينه وبين الحائض (١) في بعض النسخ ((فلا تجب عليه)). ٣١ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة حيث يكره لها القضاء ولا يكره له بل يجوز أو يندب، ويقاس بصلاة الكافر جميع فروع الشريعة من زكاة. وصوم، هذا ما أخذته من نصوص المذهب. وأما الأدلة فوردت أحاديث يستنبط منها جواز ذلك بل ندبه: منها ما أخرجه الأئمة الستة وغيرهم عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوفٍ بنذرك)) قال النووي في شرح مسلم: من قال إن نذر الكافر لا يصح - وهم جمهور أصحابنا - حملوا الحديث على الاستحباب أي يستحب لك أن تفعل الآن مثل الذي نذرته في الجاهلية انتهى، وفي هذا دلالة على أن الكافر يستحب له أن يتدارك القرب التي لو فعلها في حال كفره لم تصح منه ولو كان مسلماً لزمته، وهذه دلالة ظاهرة لا شبهة فيها، وقال الخطابي في معالم السنن: في هذا الحديث دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفرائض مأمورون بالطاعة؛ وقال القمولي من متأخري أصحابنا في الجواهر: إذا نذر الكافر لم يصح نذره لكن يندب له الوفاء إذا أسلم فلو نذر اليهودي أو النصراني صلاة أو صوماً ثم أسلم استحب له الوفاء ويفعل صلاة شرعنا وصوم شرعنا لا صلاة شرعه وصومه ــ هذا كلام القمولي، وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: استدل بهذا الحديث من يرى صحة النذر من الكافر وهو قول أو وجه في مذهب الشافعي والأظهر أنه لا يصح لأن النذر قربة والكافر ليس من أهل القرب، ومن يقول بهذا يحتاج إلى أن يؤول الحديث بأنه أمر أن يأتي باعتكاف يوم يشبه ما نذر فأطلق عليه أنه منذور لشبهه بالنذر وقيامه مقامه في فعل ما نواه من الطاعة(١)، وعلى هذا يكون قوله: ((أوف بنذرك)) من مجاز الحذف أو مجاز التشبيه، ومنها ما أخرجه مسلم عن حكيم بن حزام قال: ((قلت يا رسول الله أشياء كنت أفعلها في الجاهلية - يعني أتبرر منها - فقال رسول الله وَلهو أسلمت على ما سلف [لك] من الخير قلت: فوالله لا أدع شيئاً منعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله)» قلت: هذا الحديث يؤخذ منه بدلالة الإشارة واستدراك ما فات في الجاهلية فإنه لما صدر منه ما صدر من القربات في الجاهلية كأنه لم يرها تامة لفقد وصف الإسلام فأعاد فعلها في الإسلام استدراكاً لما فات من وصف التمام، وأخرج الحاكم في المستدرك عن هشام [بن عروة(٢)] عن أبيه قال: أعتق حكيم مائة رقبة وحمل على مائة بعير في الجاهلية فلما أسلم أعتق مائة وحمل على مائة بعير)) هذا الحديث فيه التصريح بوفائه بما وعد به، ومنها ما روي أن أبا سفيان لما أسلم قال: يا رسول الله لا أترك موقفاً قاتلت فيه المسلمين إلا قاتلت مثله الكفار ولا درهماً أنفقته في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت مثله في سبيل الله، هذا الحديث صريح بمنطوقه في استدراك تكفير ما مضى في الكفر من فعل المناهي وهو غير لازم فيحمل على الندب ويؤخذ من فحواه استحباب استدراك ما مضى في الكفر من ترك الأوامر، وأخرج (١) كلام ابن دقيق العيد هنا منقول بالمعنى انظر الشرح (١٥٥/٤). تجد الفرق واضحاً. (٢) الزيادة من كتاب المستدرك للحاكم (٤٨٤/٣). ٣٢ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة الحاكم في المستدرك وصححه عن عكرمة بن أبي جهل قال: قال: لي النبي وَلتر يوم جئت: مرحباً بالراكب المهاجر مرحباً بالراكب المهاجر فقلت. والله يا رسول الله لا أدع نفقة أنفقتها إلا أنفقت مثلها في سبيل الله)) هذا أيضاً من استدراك تكفير ما مضى من فعل المنهيات في حال الكفر. باب المواقيت مسألة: فيما رواه مسلم عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله ﴿ الدجال إلى أن قال لنا: ((يا رسول الله وما لبثه في الأرض قال: أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم قال: لا أقدروا له)) وفي حديث آخر نقله القرطبي في التذكرة قال ((رسول الله وَله: وإن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة والسنة كالشهر والشهر كالجمعة وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي فقيل: يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلوا)) وفي حديث آخر عن أسماء بنت يزيد بن السكن قال النبي وت لقى: ((يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة(١) في النار)) فهل هذه الأحاديث كلها متساوية في الصحة أم لا؟ وهل بينها تناف أم لا؟ وهل ليالي تلك الأيام كلها على حالة واحدة كليالينا هذه أم تتبع كل ليلة يومها في الطول وغيره؟ وما كيفية التقدير في القصر هل هو مثلاً إذا كان اليوم ثلاث درج فتكون حصة الصبح درجة والظهر كذلك والعصر كذلك أم لا؟ وهل صلاة المغرب والعشاء يجري عليهما حكم القصر أم لا لأنهما ليستا في النهار المتصف بتلك الصفات؟ وإذا لم يسع الوقت المقسط تلك الصلاة فهل تجب عليه ثم يقضيها؟ وما كيفية إقامة الجمعة في هذا اليوم القصير؟ وما طريق حساب مدة مسح الخف؟ وما كيفية الصوم وكذا سائر الأحكام المتعلقة بالأيام؟ وهل الزيادة في الطول كما في الحديث الأول مختصة بالثلاثة الأيام الأولى أو السبعة والثلاثون متساوية الطول، وعلى ظاهر الحديثين الآخرين هل يختص القصر باليوم الأخير أم يكون القصر فيه وفي غيره أم لا؟ وهل التقدير مختص بصلاتي الظهر والعصر فقط والصبح مختص بما بعد الفجر إلى طلوع الشمس أم يشاركهما أم كيف الحال؟ وهل ما ورد عن أنس قال: قال رسول الله وَل9: ((لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرب بالنار)» داخل في حديث الدجال أم هو حديث برأسه في غير زمن الدجال؟ الجواب: ليست هذه الأحاديث متساوية في الصحة بل الأول منها هو الصحيح، والثاني (١) السعفة - بالتحريك - غصن النخيل، وقيل إذا يبست سميت سعفة وإذا كانت رطبة فهي شطبة اهـ من النهاية لا بن الأثير. ٣٣ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وقد نبه الحفاظ على أنه وقع فيه تخبيط في إسناده ومتنه وهذه الجملة مما وقع فيه التخبيط فقد تضافرت الأخبار بأن مدة لبثه في الأرض أربعون يوماً لا أربعون سنة، ورد ذلك أيضاً من حديث جابر بن عبد الله. وعبد الله بن عمر. وجنادة بن أبي أمية عن رجل من الأنصار وغيرهم، وقد روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً ((يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً)) الحديث، قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: والجزم بأنها أربعون يوماً مقدم على الترديد وقد أخرجه الطبراني أي من وجه آخر عن عبد الله بن عمر وبلفظ: ((فيمكث في الأرض أربعين صباحاً» وجزم الحافظ ابن كثير في تاريخه أيضاً بذلك، وقال: معدل إقامته سنة وشهران ونصف، وأما الليالي(١) وأما كيفية التقدير إذا كان اليوم مثلاً ثلاث درج فلا تتساوى فيه حصة الصبح والظهر والعصر بل يتفاوت على حسب تفاوتها الآن فإن من أول وقت الصبح الآن إلى وقت الظهر أكثر من أول وقت الظهر إلى وقت العصر ومن أول وقت الظهر إلى وقت العصر أكثر من أول وقت العصر إلى وقت المغرب فيقدر إذ ذاك على حسب هذا التفاوت ويجعل وقت الظهر بعد نصف النهار وهو بعد مضي أكثر من درجة ونصف إن(٢) كان الثلاث درج مقدرة من طلوع الفجر وإن كانت من طلوع الشمس فبعد مضي درجة ونصف، وأما صلاة المغرب والعشاء فيقدران في الأيام الطوال الذي كسنة والذي كشهر والذي كجمعة فيصلي في اليوم الذي كسنة ألف صلاة وثمانمائة صلاة وثلاثمائة وستين صبحاً وثلاثمائة وستين ظهراً وثلاثمائة وستين عصراً وثلاثمائة وستين مغرباً وثلاثمائة وستين عشاء مقدار كل صلاة بوقت محدود بالدرج والدقائق على حساب أهل الميقات، غاية الأمر أن وقت الليل صار نهاراً، وأما في الأيام القصار فإن كل الليل على طوله المعتاد فواضح وإن تبع النهار في القصر نظر إن وسع اليوم والليلة الخمس الصلوات وجبت وإن لم يسع فمقتضى حديث ابن ماجه أنها تجب، وقد سئل متأخرو أصحابنا عن بلاد يطلع فيها الفجر عقب ما تغرب الشمس فأجاب البرهان الفزاري بوجوب العشاء عليهم ويقضونها وأفتى معاصروه بأنها لا تجب عليهم لعدم سبب الوجوب في حقهم وهو الوقت فعلى ما أفتى به الفزاري لا إشكال وعلى ما أفتى به غيره قد يقال: هذا نص فيقدم على القياس وقد يقال: إن الحديث لم يصح وهذه الجملة مما غلط فيه الراوي كما تقدم، وقد يقال: إن هذا من نص النبي ◌ّخير دليل على أن الأيام والليالي حينئذٍ لا بد أن تتسع بقدر ما تؤدى فيها الصلوات الخمس ولا تقصر عن ذلك، وهذا الاحتمال (١) هنا بياض في جميع النسخ، ونال في هامش إحدى نسخ دار الكتب الأهلية المصرية ما نصه: إن المصنف بيض الليالي كما ترى، وكأنه لم يطلع على نص في ذلك والعلم عند الله تعالى، ثم رأيت عن ابن تيمية في فتاويه المصرية ما نصه. والليلة في ذلك اليوم فإذا كان الطول يحصل في الليل كان للصلاة في الليل ما یکون لها في النهار انتهى. (٢) في بعض النسخ ((إذا كان)). ٣٤ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة عندي أرجح بل متعين، وأما إقامة الجمعة في اليوم القصير فواضح مما تقدم مقام بعد مضي نصف حصة النهر، وأما حساب مدة الخف ففي الأيام الطوال تقدر يوم وليلة أو ثلاثة أيام ولياليها كما حسبت أوقات الصلاة وينزع عند مضي جانب من اليوم بقدر ذلك وفي الأيام القصار يوم كامل بليلته أو ثلاثة بلياليها وإن قصرت جداً وينزع بعد مضيها، وأما الصوم ففي اليوم الذي كسنة يعتبر قدر مجيء رمضان بالحساب ويصوم من النهار جزءاً بقدر نهار بالحساب أيضاً ويفطر ثم يصوم وهكذا وفي اليوم الذي كشهر يصوم اليوم كله عن الشهر ويفطر فيه بقدر ما كان يجيء الليل بالحساب وفي الأيام القصار يصوم النهار فقط ويحسب عن يوم كامل وإن قصر جداً ويفطر إذا غربت الشمس ويمسك إذا طلع الفجر وهكذا ولا يضر قصره. ويقاس بذلك سائر الأحكام المتعلقة بالأيام من الاعتكاف والعدد والآجال ونحوها، وظاهر الحديث الصحيح أن الطول مختص بالأيام الأول الثلاثة والباقي متساوية كأيامنا، وظاهر حديث ابن ماجه عكس ذلك وهو قصر أيامه وجمعه وشهوره وعامه بالنسبة إلى ما هو الآن ولهذا ترجح أن ذلك وهم من الراوي وتخبيط منه، ويمكن الجمع بأن الأمرين موجودان ففي أيام ما هو زائد في الطول كسنة وشهر وجمعة وما هو مساو لأيامنا الآن وما هو قصير عنها إلى أن ينتهي آخر أيامه إلى أن يكون كاضطرام السعفة في النار، وهذا الجمع عندي أفيد من تخطئة الرواية بالكلية. وعلى هذا فلا يختص القصر باليوم الأخير بل يكون فيما قبله أيضاً ولا يختص التقدير بالظهر والعصر بل يشاركهما الصبح في الأيام الطوال وفي القصار تصلى عند طلوع الفجر بلا تقدير، وأما حديث لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان إلى آخره فهو حديث مستقل غير حديث الدجال وقد اختلف فيه فقيل: هو على حقيقته نقص حسي وإن ساعات النهار والليل تنقص قرب قيام الساعة، وقيل: هو معنوي وأن المراد سرعة مر الأيام ونزع البركة من كل شيء حتى من الزمان وهذا ما رجحه النووي تبعاً للقاضي عياض وفيه أقوال غير ذلك والله أعلم. باب الأذان مسألة: من أمير المؤمنين خليفة الوقت الإمام المتوكل على الله ورد أن السامع للمؤذن في حال قيامه لا يجلس وفي حال جلوسه يستمر على جلوسه، وذكروا أنه إذا سمع المؤذن لا يتوجه من مكانه لمخالفة الشيطان فإن الشيطان إذا سمع المؤذن أدبر وبقي الكلام هل يكره لسامع المؤذن في حال الاضطجاع استمراره على الاضطجاع مع حكايته للفظ المؤذن أو الجلوس له أولى؟ وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] ونقل عن الإمام مالك أنه أغلظ على من سأل عن حديث في حال قيامه فكيف الحال في ذلك؟ الجواب: الآية الشريفة واردة في الحث على الذكر في كل حال وأنه لا يكره في حالة من الأحوال وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ لا يذكر الله ٣٥ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة على كل أحيانه، وهذا الحكم الذي دلت عليه الآية والحديث باق معمول به عند العلماء كافة(١) وما ذكر في السؤال من أن السامع للمؤذن في حال قيامه لا يجلس وفي حال جلوسه يستمر على جلوسه لا أصل له في الحديث ولا ورد قط في حديث لا صحيح ولا ضعيف ولا ذكره أحد من أصحابنا في كتب الفقه فيجوز للسامع إذا كان قائماً أن يجلس وإذا كان جالساً أن يضطجع وإذا كان مضطجعاً أن يستمر على الاضطجاع ويجيب المؤذن حال الاضطجاع ولا يكره ذلك لأنه لم يرد فيه نهي، والكراهة تحتاج إلى دليل من نهي خاص ولا سبيل إلى وجوده بل الآية الشريفة دالة على جوازه، وكذلك الحديث المذكور، وأما أغلاظ الإمام مالك على من سأله عن حديث في حال قيامه فلا ينافي ذلك لأن العلم خصوصاً الحديث له خصوصية في التوقير والتبجيل أعظم مما يطلب في الذكر، وقد أخرج البيهقي في كتاب المدخل عن ابن المبارك أن رجلاً سأله عن حديث وهو يمشي فقال: ليس هذا من توفير العلم فكره ابن المبارك أن يسأل عن حديث(٢) وهو ماش في الطريق وعده منافياً لتوفير العلم ومعلوم أن الذكر للماشي في الطريق غير مكروه بل ولا تكره قراءة القرآن للماشي كما ذكره النووي. وغيره، وأخرج البيهقي عن إسماعيل بن أبي أويس قال كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله و # وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم، وأخرج عن سعيد بن المسيب أن رجلاً سأله عن حديث وهو مريض. وهو مضطجع فجلس فحدثه فقال الرجل: وددت أنك لم تتعن(٣) فقال كرهت أن أحدثك عن رسول الله وَ الر وأنا مضطجع، وأخرج عن ضرار بن مرة قال كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير طهر، فهذه آداب اختص بها نشر الحديث وروايته تعظيماً له ولا يطلب عند الذكر الاعتناء بمثل ذلك من تسريح اللحية. والجلوس على صدر فراش ونحوه، ولا يكره الذكر للمحدث بل ولا للجنب، والمقصود بهذا كله أن نشر العلم يطلب عنده آداب تعظيماً له يختص بها عن الذكر ونحوه حتى لو أراد الإنسان أن يمر على حديث لنفسه في كتابه أو نحوه من غير نشر بين الناس لم يكره له أن يمر عليه وهو مضطجع أو قائم، ولو أراد أن يقرىء أحداً القرآن كره له أن يقرئه وهو مضطجع أو قائم أو ماش لأن ذلك ليس من توقير العلم، ولو أراد أن يقرأ لنفسه وحده لم يكره له أن يقرأ وهو قائم أو ماشٍ أو مضطجع لأن ذلك مجرد قراءة وذكر لا تعليم. والحاصل أن الآداب المطلوبة عند تعليم الناس العلم ونشره لهم لا يتعين طلبها على الإنسان إذا كان وحده فللقارىء وحده حكم غير المقرىء لغيره وللناظر في الحديث وحده حكم غير الراوي له عند غيره، والذاكر حكمه حكم المنفرد لا حكم المعلم فلهذا لم يكره (١) في بعض النسخ عند كافة العلماء. (٢) في بعض النسخ ((عن الحديث)). (٣) في بعض النسخ لم تتعب. ٣٦ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة له الذكر في حال من الأحوال وكره السؤال عن الحديث في حال القيام وأما كونه إذا سمع المؤذن لا يتوجه من مكانه لمخالفة الشيطان فھذا صحیح، وقد ورد النھي عنه لكنه خاص بالمسجد، روى مسلم. وأبو داود. والترمذي عن أبي الشعثاء قال: ((كنا مع أبي هريرة المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم ثم قال: أمرنا رسول الله وَير: إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) وأخرج ابن ماجه عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله وَالر: ((من أدرك الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق)) والله أعلم. باب استقبال القبلة مسألة: في قول الفقهاء في المحاريب التي يمتنع الاجتهاد معها في القبلة أن تكون في بلدة أو قرية نشأ بها قرون وسلمت من الطعن، هل قولهم قرون مجازاً أرادوا به أن تمضي عليها سنون تغلب على الظن أو ذلك حقيقة ولا بد أن تمضي قرون؟ والقرن مائة سنة وأقل الجمع ثلاث فلا بد من ثلاثمائة سنة وإلا لم يثبت لها هذا الحكم، وقولهم وسلمت من الطعن ما حقيقة الطعن الذي يخرجها عن هذا الاعتبار وما ضابطه؟ هل يحصل بمجرد الطعن ولو من واحد أم لا بد من أكثر، ومن صلى إلى محراب ثم تبين أنه لم يمض عليه قرون أو طعن فيه هل يلزمه إعادة ما صلاه إليه أم لا؟ وهل يجب عليه الإقدام أن يبحث عنها هل مضى عليها قرون وسلمت من الطعن ولا يجوز له الاعتماد عليها قبل البحث؟ وإذا صلى إليها قبله لم تنعقد صلاته أم يجوز الإقدام وتنعقد صلاته حملاً على أن الأصل في وضع المحراب أن يحتاط له ويوضع بحق وإن كان ظناً حتى يتبين خلافه، وإذا نشأ جماعة ببلدة عمر كل واحد نحو خمسين سنة وهم يصلون إلى محراب زاوية كان على عهد آبائهم ببلدهم وهم لا يعرفون أمضى عليه قرون أم لا؟ ولا يعرفون هل طعن فيه أحد أم لا؟ ثم ورد عليهم شخص يعرف الميقات فقال لهم هذا فاسد وأحدث لهم محراباً غيره منحرفاً عنه هل يلزمهم اتباع قوله وترك المحراب الأول أم لا؟ وإذا لزمهم فهل يجب عليهم إعادة ما صلوه إلى الأول أم لا؟ الجواب: ليس المراد بالقرون ثلاثمائة سنة بلا شك ولا مائة سنة ولا نصفها وإنما المراد جماعات من المسلمين صلوا إلى هذا المحراب ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن فيه فهذا هو الذي لا يجتهد فيه في الجهة ويجتهد فيه التيامن والتياسر، وقد عبر في شرح المهذب بقوله في بلد كبير أو في قرية صغيرة يكثر المارون بها حيث لا يقرونه على الخطأ فلم يشترط قروناً وإنما شرط كثرة مرور الناس بها وقلته فالمرجع إلى كثرة المارين وذلك مرجعه إلى العرف وقد يكتفي في مثل ذلك بسنة وقد يحتاج إلى أكثر بحسب كثرة مرور الناس بها وقلته فالمرجع إلى كثرة الناس لا إلى طول الزمان، ويكفي الطعن من واحد إذا ذكر له مستنداً أو كان من أهل العلم بالميقات فذلك يخرجه عن رتبة اليقين الذي لا يجتهد معه، : ٣٧ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة ومن صلى إلى محراب ثم تبين فقد شرطه المذكور لزمه الإعادة لأن واجبه حينئذٍ الاجتهاد ولا يجوز له الاعتماد عليه كما صرح به في شرح المهذب، ومن واجبه الاجتهاد إذا صلى بدونه أعاد ويجب على الشخص قبل الإقدام البحث عن وجود الشرط المذكور وإذا صلى قبله بدون الاجتهاد لم تنعقد صلاته، ومحراب الزاوية المذكور إن كانت بلدته كبيرة أو صغيرة كثر المرور بها ولم يسمع فيه طعن فالصلاة إليه صحيحة وإن كانت صغيرة ولم يكثر المرور بها لم تصح الصلاة إلا باجتهاد ويتبع قول الميقاتي في تحريفه إن كان بارعاً في فنه موثوقاً به وقليل ما هم، ولا يلزم إعادة ما تقدم من الصلوات. باب صفة الصلاة مسألة: وقع في عبارة عدة من الكتب (باب صفة الصلاة) ومراده أن يبين في الباب الهيئة الحاصلة بأركانها وعوارضها فهل يجوز أن تكون هذه الإضافة إضافة بيانية وإذا لم تكن فأي إضافة هي؟ الجواب: ليست هذه الإضافة بيانية لأن الإضافة البيانية هي إضافة الشيء إلى مرادفه كسعيد كرز وبابه، ولا يكون على تقدير حرف ولا هي من قسم المحضة عند الأكثرين بل هي إما غير محضة على رأي الفارسي وغيره أو واسطة بين المحضة وغيرها على رأي ابن مالك وصفة الصلاة ليست من إضافة الشيء إلى مرادفه لأن الصفة غير الموصوف والكيفية غير المكيف وهي على تقدير اللام وهي محضة تتبين مفارقتها للبيانية من هذه الوجوه الثلاثة . مسألة: إذا قال المصلي (الصراط الذين) بزيادة أل هل تبطل صلاته أم لا؟ الجواب: الظاهر التفرقة في ذلك بين العامد وغيره. مسألة: في قوله في دعاء القنوت ((ولا يعز من عاديث)) هل هو بكسر العين أو فتحها؟. الجواب: هو بكسر العين مع فتح الياء بلا خلاف بين العلماء من أهل الحديث واللغة والتصريف، وألفت في ذلك مؤلفاً سميته أولاً الإعراض والتولي عمن لا يحسن يصلي - ثم عدلت عن هذا الاسم وسميته - الثبوت في ضبط القنوت - وهو مودع في الجزء السادس والثلاثين من تذكرتي، وقلت في آخره نظماً يا قارئاً كتب التصريف كن يقظاً عنز المضاعف يأتي في مضارعه فما كقد وضد الذل مع عظم وما كعز علينا الحال أي صعبت وهذه الخمسة الأفعال لازمة عززت زيداً بمعنى قد عليت كذا وحرر الفرق في الأفعال تحريرا تثليث عين بفرق جاء مشهورا كذا كرمت علينا جاء مكسورا فافتح مضارعه إن كنت نحريرا واضمم مضارع فعل ليس مقصورا أعنته فكلا ذا جاء مأثورا ٣٨ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة يعز يا رب من عاديت مكسورا وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا لك الصواب وأبدوا فيه تذكيرا واشكر لأهل علوم الشرع إذا شرحوا إليه في كل صبح ليس منكورا وأصلحوا لك لفظاً أنت مفتقر ساوى لدى علماء الشرع تطهيرا لا تحسبن منطقاً يحكى وفلسفة ٣ - ذكر التشنيع في مسألة التسميع بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ مسألة: مذهب الشافعي رضي الله عنه أن المصلي إذا رفع رأسه من الركوع يقول في حال ارتفاعه سمع الله لمن حمده فإذا استوى قائماً يقول: ربنا لك الحمد، وأنه يستحب الجمع بين هذين للإمام والمأموم والمنفرد، وبهذا قال عطاء. وأبو بردة. ومحمد بن سيرين، وإسحاق، وداود، وقال أبو حنيفة: يقول الإمام. والمنفرد سمع الله لمن حمده فقط والمأموم ربنا لك الحمد فقط وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود. وأبي هريرة، والشعبي، ومالك، وأحمد قال وبه أقول، وقال الثوري. والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد: يجمع الإمام بين الذكرين ويقتصر المأموم على ربنا لك الحمد واحتج لهم بحديث أبي هريرة عن النبي ◌ّ قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)) وبحديث عائشة قالت صلى رسول الله وَّر في بيته - وهو شاك - فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)» رواهما الشيخان. ولأصحابنا الشافعية في الاحتجاج مسالك. المسلك الأول: أنه لا حجة للخصوم(١) في هذين الحديثين إذ ليس فيهما ما يدل على النفي بل فيهما أن قول المأموم ربنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده والواقع في التصوير ذلك لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله فقوله يقع عقب قول الإمام (٢) كما في الحديث، ونظير ذلك قوله وَله: ((إذا قال الإمام ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا آمين)) فإنه لا يلزم منه أن الإمام لا يؤمن بعد قوله: ﴿ وَلَا الضَّآلّينَ﴾ وليس فيه تصريح بأن الإمام يؤمن كما أنه ليس في هذين الحديثين تصريح (١) في بعض النسخ ((أن لا حجة للخصوم)). (٢) في بعض النسخ ((يقع بعد قول الإمام)). ٣٩ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة بأن الإمام يقول ربنا لك الحمد لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صريحة، منها هنا ما أخرجه البخاري. ومسلم عن أبي هريرة: ((أن رسول الله # كان إذا قال سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد)) وأخرج مسلم عن حذيفة ((أن النبي ◌َ ل قال حين رفع رأسه: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد)» وأخرج البخاري مثله من رواية ابن عمر، ومسلم مثله من رواية عبد الله بن أبي أوفى فثبت بهذه الأحاديث أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد على خلاف ظاهر هذين الحديثين فلم يصلح الاستدلال بهما على أن الإمام لا يجمع بينهما وإذا لم يصلح الاستدلال بهما في حق الإمام لم يصلح الاستدلال بهما في حق المأموم أيضاً كما لا يخفى. المسلك الثاني: إذا ثبت أنه لا دلالة في هذين الحديثين على أن الإمام لا يجمع بين الذكرين ولا [على] أن المأموم لا يجمع بينهما وثبت أن التصريح بأن الإمام يجمع بينهما من أدلة أخرى دل ذلك على أن المأموم أيضاً يجمع بينهما لأن الأصل استواء الإمام والمأموم فيما يستحب من الأذكار في الصلاة كتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود. المسلك الثالث: ثبت في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث وأن النبي وله قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فهذا يدل على أن المأموم يجمع بين التسميع والتحميد لأنه أمر الأئمة بأن يصلوا كما صلى، وقد ثبت بتلك الأحاديث أنه لما صلى قال: ((سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد)) فلزم من ذلك أن كل مصل يقول ذلك فتتحق المثلية. المسلك الرابع: نقل الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما، وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما ويصلح، جعله حجة لكون المأموم أيضاً يجمع بينهما لأن الأصل استواء الثلاثة في المشروع في الصلاة إلا ما صرح الشرع باستثنائه. المسلك الخامس: الاستئناس بما أخرجه الدارقطني بسند ضعيف عن بريدة قال: ((قال النبي ◌َله: يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، وبما أخرجه عن أبي هريرة قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله وَله فقال سمع الله لمن حمده قال من وراءه: سمع الله لمن حمده)) وبما أخرجه عن ابن عون قال: قال محمد إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده قال من خلفه: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد. المسلك السادس: أن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها، فإن لم يأت بالذكرين في الرفع والاعتدال بقي أحد الحالين خالياً عن الذكر. المسلك السابع: قال الأصحاب: معنى قوله ◌َّ وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد أي قولوا ربنا لك الحمد مع ما قد علمتموه من قول سمع الله لمن حمده، وإنما خص هذا بالذكر لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ◌ّر بسمع الله لمن حمده فإن السنة فيه الجهر ولا يسمعون قوله ربنا لك الحمد غالباً لأنه يأتي به سراً، وكانوا يعلمون قوله وَ لخير: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) مع قاعدة التأسي به وَلاّ مطلقاً فكانوا موافقين في سمع الله لمن حمده فلم يحتج إلى الأمر به ولا يعرفون ربنا لك الحمد فأمروا به. ٤٠ الفتاوى الفقهية / كتاب الصلاة المسلك الثامن: القياس على حديث: ((إذا قال المؤذن حي على الصلاة فقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله)) فإن الراجح في مذهب الخصم أن السامع يجمع بين الحيعلة والحوقلة فيكون قوله فقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله أي مضموماً إلى الكلمة التي قالها المؤذن، فكذلك معنى الحديث: ((فقولوا ربنا لك الحمد)) أي مضموماً إلى الكلمة التي قالها الإمام. المسلك التاسع: أن الحديث بعضه منسوخ وهو قوله: وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون فما المانع أن يكون دخل في بقية أبعاضه نسخ أو تخصيص أو تأويل؟ وإذا طرقه هذا الاحتمال سقط به الاستدلال، قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ثنا ابن علية عن ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يقول: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده قال من خلفه: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد. باب شروط الصلاة مسألة: قال الإسنوي في أول باب صلاة الجماعة: احترز المصنف بالفرائض عن النوافل فإن الجماعة تسن في بعضها، ثم قال: وعن الصلاة التي تستحب إعادتها بسبب ما كالشك في الطهارة، فقوله كالشك مخالف للمتقدم له من أن الشك بعد الفراغ في الطهارة مبطل كالشك في النية، فيحمل على الشك في طهارة الثوب أو البدن أو المكان أو كيف الحال؟. الجواب: يجاب عن ذلك بوجهين أحدهما أن يكون ذلك على الوجه القائل بعدم الإبطال كما هو أحد الوجهين في المسألة، والثاني أن يحمل على اختلاف الصورة، فالابطال فيما إذا شك هل كان متطهراً أم لا؟ والصحة واستحباب الإعادة فيما إذا كان متطهراً وشك في نقض الطهارة وهي مسألة تيقن الطهارة والشك في الحدث فيكون معنى قوله كالشك في الطهارة أي هل انتقضت أم لا والله أعلم؟ باب سجود السهو مسألة: قول المنهاج: ولو نقل ركناً قولياً إلى آخره قال الشارح: التكبير والسلام داخلان في عبارة المصنف مع أن نقل السلام مبطل وفي التكبير نظر، فقوله نقل السلام مبطل هل يفرق فيه بين العمد والنسيان أم لا؟ وما وجه النظر في التكبير؟ الجواب: هو خاص بحال العمد ومراده بالنظر التوقف لأنه يحتمل أن يقال فيه بالبطلان لأنه كقطع الصلاة والإحرام الأول وتجديد إحرام جديد، ويحتمل أن لا لأنه زيادة ذكر ولا تضر، وإنما يكون مبطلاً إذا قصد به الخروج من الصلاة وتجديد إحرام جديد، كمسألة من يخرج من صلاته بالإشفاع ويدخل بالأوتار، والحاصل أنه لو قصد الذكر المحض لم تبطل قطعاً، ولو قصد قطع الإحرام الأول وتجديد إحرام جديد بطلت قطعاً، ولو اقتصر على قصد التجديد وانتقل دون القطع فهي المسألة وهي رتبة وسطى فيحتمل البطلان وعدمه وهو محل توقف والله أعلم.