Indexed OCR Text
Pages 1-20
كِتَابُ الصِّعِفَاءُ وَالمُتْرُوكِين تَأليفْ الإمامِ عَلىِ بْ عمّرْ بَنْ أَحَمَدٌ الدار قطني ت/ ٣٨٥ هـ تحقيق محمّد بن لطفِي الصَّباغ المكتب الإسلامي حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠م المكتب الاسلامي بيروت: ص. ب ١١/٣٧٧١ - هاتف ٤٥٠٦٣٨ - برقياً: اسلاميًا دمشق: ص.ب ٨٠٠ - هاتف ١١١٦٣٧ - برقياً: اسلامي مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد فهذا كتاب ((الضعفاء والمتروكين)) للإِمام العلامة أمير المؤمنين في الحديث الدارقطني رحمه الله، أقدمه لطلبة العلم لأول مرة، بعد أن بقي مخطوطُهُ حبيس سور المكتبة طيلة المدة السابقة، منذ أن بدأت المطابع تنشر شيئاً من تراثنا حتى الآن. وكان سبب نشري لهذا الكتاب أنني اطلعتُ أَيَّام الطلب في صدر شبابي على طرف رائع من مقدمة الدارقطني لكتابه ((الضعفاء والمتروكين)) اقتبس منها السيوطي في ((تحذير الخواص)) (١) مقتطفات. فقامت في نفسي رغبة مُلحَّة أن أقف على هذا الكتاب، وتبينت يومذاك أنَّه غير مطبوع، ثم علمتُ أنه مخطوط محفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق حرسها الله، فسارعت إلى قراءته واقتناء مصورة منه. ولكنني لم (١) حققت هذا الكتاب ونشرته سنة ١٣٩٢ هـ (١٩٧٢). ٥ أعثر على تلك المقدمة النفسية، وكانت مفاجأة لي، ولم أستبعد وجود نسخة أخرى فيها هاتيك المقدمة، وعلمت بوجود مخطوطة من الكتاب في تركيا، فعملتُ على تصويرها، ولما جاءتني وجدتها مماثلة للنسخة التي تحت يدي. وحققت الكتاب، ونسختهُ بخطيدي مرتين، وقابلت إحدى المخطوطتين على الأخرى، ورجعت كذلك إلى كتب الرجال كما سأفصِّل القول في ذلك عند كلامي على عملي في الكتاب. وبذلت في ذلك جهدي حتى استوى على وجه يصلح للنشر، ولكني آثرتُ التريث في تقديمه للطبع لعلي أقف على أصل آخر يماثل الأصل الذي عرفه السيوطي. وصرت أعلن في أواخر الكتب التي أصدرها أن كتاب ((الضعفاء والمتروكين)) من الكتب التي ستصدر بتحقيقي قريباً، وأنا في الوقت نفسه دائم البحث عن مخطوطة تامة للكتاب، أوعن كتاب آخر للدار قطني فيه هذا الكلام. وفي السنة الماضية اتصلت بي مؤسسة تريد نشر كتاب من كتب التراث، وحاورتني في أن يكون كتاب الضعفاء والمتروكين من منشوراتها، وكدت أوافق على اقتراحها .. ولكني بعد ذلك عدلت عن هذا الرأي آملاً أن يتحقق ما أطلب وأسعى إليه. ثم بدا لي أخيراً أن أنشره على حالته الحاضرة، ولا يمنع ذلك من إصدار طبعة أخرى له عندما نوفق لأصول أفضل. ويشاء الله أن يصدر هذا الكتاب في السنة الأخيرة من القرن الرابع عشر الهجري في ظروف صعبة تقوم في لبنان. ٦ هذا وسأورد ذاك الطرف من المقدمة التي اقتطفها السيوطي لأوقف القراء الكرام على ذلك الكلام النفيس الذي استحوذ على إعجابي. أسأل الله أن يكتب لنا الخير، وأن يصلح نفوسنا، ويهدي أمتنا، وأن يهيء لنا من أمرنا رشداً، وصلى الله على محمد وآله وسلم ١٤ ربيع الأول ١٤٠٠ هـ و کتبه محمّد بن لطِفِي الصَّباغ ٧ مقتطفاتُ مِن مقدّمةِ الدَّار قطني لكتاب الضعفاء والمتروكين كَمَا أوردَها السّيُوطي [قال الدارقطني في مقدمة كتاب ((الضعفاء والمتروكين)) (١) توعد ® بالنار من كذب عليه بعد أمره بالتبليغ عنه، ففي ذلك دليلٌ على أنه إنما أمر أن يُبلِّغ عنه الصحيح دون السقيم، والحقُّ دون الباطل، لا أن يبلغ عنه جميعُ ما روي عنه لأنَّه قال ◌َ له: «كفى بالمرء إثما أن يُحُدِّث بكل ما سمع)) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. فمن حدَّث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النبيِّ وَّ ولم يميز بين صحيحها وسقيمها وحقها من باطلها، باء بالإِثم، وخيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين على رسول الله وَلّ بحكم رسول الله وَل﴿ أَنَّه منهم في قوله: ((من روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)). فظاهر هذا الخبر دالٌ على أنَّ كلَّ من روى عن النبيِّ وَ﴿ حديثاً وهو شاكٌ فيه: أصحيح هو أو غير صحيح؛ يكون كأحد الكاذبين، لأنه وَّر قال: ((من حدّث عني حديثاً وهو يُرى أنه كذب ... )) ولم يقل: (وهو يستيقن أنه كذب). وللتحرز عن مثل ذلك كان الخلفاء الراشدون، والصحابة المنتخبون، رضوان الله عليهم، يتقون كثرة الحديث عن رسول الله چ، ويتشددون (١) انظر ((تحذير الخواص)) بتحقيقنا ص ٨١ وما بعدها. ٩ في ذلك، منهم أبو بكرٍ، وعمر، وعثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص،وعبد الله بن مسعود، والمقداد بن الأسود، وأبو أيوب الأنصاري، وثوبان مولى رسول الله صلار، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمران بن حصين، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ، وأبو الدرداء، وأبو قتادة، وصهيب، وَقَرظةُ بن كعب، وغيرهم. وكان أبو بكر وعمر يطالبان من روى لهما حديثاً عن رسول الله وَلٍّ لم يسمعاه منه بإقامة البينة عليه ويتوعدانه في ذلك، وكان علي بن أبي طالب يستحلف عليه، وكان عبد الله بن مسعود يتغيرَّ عند ذكر الحديث عن رسول الله ێ وتنتفخ أوداجه، ویسیل عرقه، وتدمع عيناه، ویقول: (أو قريباً من هذا، أو نحو هذا، أو شبه هذا) كل ذلك خوفاً من الزيادة والنقصان، أو السهو والنسيان، واحتياطاً للدين، وحفظاً للشريعة، وحسماً لطمع طامع أو زيغ زائغ أن يجترىء فيحكي عن رسول الله وَل ما لم يقله، أو يُدخل في الدين ما ليس منه. وليقتدي بهم من يسمعُ منهم ويأخذ عنهم، فيقفو أثرهم، ويسلك طريقهم، فاتبعهم على ذلك جماعةٌ من صالحي التابعين، واقتفوا آثارهم، واتبعوا سبيلهم في الذَّبِّ عن السنن، والبحث عن رواتها، والتوقي في أدائها، منهم سعيد بن المسيَّب، وعروة بن الزبير، وعليُّ بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس بن كيسان، ومحمد بن مسلم الزهريُّ، وأبو الزناد، وسعد بن إبراهيم، وعامر الشعبيُّ، وإبراهيم النخعيُّ، وشرحبيل بن السمط ، وعقبة بن نافع الفهري، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، والحسن البصري، وأيوب السختيانيُّ، وسليمان التيميُّ، وعبد الله بن عون، ١ 1m1 pm ويونس بن عبيد، والحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم. وسلك مسلكهم، وحذا حذوهم في ذلك طوائف الخالفین بعدهم، منهم مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوريّ، وحماد بنُ زيد، ووهيب بن خالد، وسفيان بن عيينة، وزائدة، وزهير بن معاوية. - ثم ذكر خلائق من الأئمة إلى أن قال : - حتى كان عصرنا هذا، فتأملت أحوال طالبي العلم، وكاتبي الأحاديث، فوجدتهم على الضدِّ مما كان عليه من قدَّمت ذكره من الأئمة إلاَّ من وفَّقه الله تعالى منهم للصواب، ورأيتُ أكثر طالبيه في هذا الزمان والغالبُ على إرادتهم والظاهرُ من شهواتهم كتبُ الغريب، وسماع المنكر، حتى صار المشهور عند أكثرهم غريباً، والمعروف عندهم منكراً، وخلطوا الصحيح بالسقيم، والحقَّ بالباطل، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمییز، وزهدهم في تعلم ذلك والبحث عنه، وطلبه من مظانِّه. - إلى أن قال : - وقد أخبر اللهُ نبيَّه ◌َيه بما يكون بعده في أمته من الروايات الكاذبة، والأحاديث الباطلة، فأمر النبي وسلم باجتناب رواتها، وحذَّر منهم، ونهى عن استماع أحاديثهم، وعن قبول أخبارهم فقال ◌َلّ: ((سيكونُ في آخر الزمان أناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم)) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. - ثم أخرج الدارقطني بسنده -: عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﴿وَلّ:«يكونُ في آخر الزمان دجَّالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم))]. ١١ - وأخرج بسنده -: عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله وله يقول: «إنَّ بین یدي الساعة کذابین فاحذروهم)). - قال الدارقطني -: فحذرنا رسول الله الكذابين، ونهانا عن قبول رواياتهم وأمرنا باتقاء الرواية عنه # إلا ما علمنا صحته. - ثم أخرج بسنده - عن ابن عباس قال قال رسول الله وله: ((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم)). - وأخرج بسنده من طريق رفاعة بن هدير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده قال: كنا عند رسول الله ◌َّ فجاء رجلٌ فقال: يا رسول الله إنَّ الناس يحدثون عنك بكذا وكذا قال: «ما قلته. ما أقول إلّ ما ينزل من السماء. ويحكم، لا تكذبوا عليَّ، فإنه ليس كذبٌ عليَّ کكذب على غيري». - قال الدارقطني -: ومن سنته وَل وسنة الخلفاء الراشدين من بعده الذبُّعن سنته، ونفي الأخبار الكاذبة عنها، والكشف عن ناقلها، وبيان تزوير الكاذبين، ليسلم من أن يكون خصمه رسول الله مَلر، لأنه من روى عن النبي وسلّ حديثاً كذباً وأقر عليه كان النبي ◌َّ خصمه يوم القيامة]. * [(١) وقال الدار قطنيُّ في مقدمة ((كتاب الضعفاء والمتروكين»: فإن ظنَّ ظانٌّ أو توهم متوهمٌ أن التكلم فيمن روى حديثاً مردوداً غيبة له؛ يقال له: ليس هذا كما ظننت، وذلك أنَّ إجماع أهل العلم على أنه واجبٌ ديانةً ونصيحةً للدين وللمسلمين . وقد حدثنا القاضي أحمد بن كامل، ثنا أبو سعيد الهروي، ثنا أبو بكر (١) انظر ((تحذير الخواص)) ص١١٧ وما بعدها. ١٢ ابن خلاد، قال قلت ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله عزَّ وجلَّ؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحبُّ إليَّ من أن يكون النبيُّ ◌َّ خصمي يقول لي: لمَ لمْ تذبّ الكذب عن حديثي؟ - قال -: وإذا كان الشاهد بالزور في حق يسير تافه حقير يجب كشف حاله، فالكاذب على رسول الله وس﴿ أحقُّ وأولى؛ لأنَّ الشاهد إذا كذب في شهادته لم يعدُ كذبُهُ المشهود عليه، والكاذبُ على رسول الله وَّه يُحُلُّ الحرام ويحرم الحلال، ويتبوأ مقعده من النار، فكيف لا تجوز الوقيعة فيمن قد تبوأ مقعده من النار بكذبه على رسول الله وَله ؟ - ثم قال : حدثنا محمد بن خلف، ثنا عمر بن محمد بن الحكم النسائي، ثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن يوسف قال: كان سفيان الثوريُ یقول: فلان ضعيف، وفلان قوي ،وفلان خذوا عنه، وفلان لا تأخذوا عنه. وکان لا یری ذلك غيبة . - قال -: وحدثنا علي بن ابراهيم المستملي قال: سمعتُ أبا الحسين محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي يقول: سمعتُ أبا حفص عمرو بن عليٌّ يقول: حدثنا عفان قال: كنتُ عند اسماعيل بن علية، فحدَّث رجلٌ بحديث عن رجل، فقلتُ: لا تحدث عن هذا، فإنه ليس بثبت. فقال الرجل : اغتبته . فقال إسماعيل: ما اغتابه، ولکنه حکم أنه ليس بثبت. - قال -: وحدثنا اسماعيل بن محمد وحمزة بن محمد الدهقان، قالا: حدثنا اسماعيل، ثنا علي بن المديني، ثنا يحيى بن سعيد قال: سألتُ مالكاً وشعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة عن الرجل لا يكون بذاك في الحديث. فقالوا جميعاً: بينّ أمره. - قال -: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن اسماعيل الفارسُّي، حدثنا أبو ١٣ زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال: سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف. قال: بينٌّ أمره. قلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا . - قال -: وحدثنا محمد بن مخلد، ثنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن بن يونس السراج، قال: سمعتُ رجلاً يقول: سمعتُ حماد بن زيد يقول لشعبة: هذا الرجل يحكم في الناس أليس هو غيبة؟ قال: يا أحمقُ هذا دینٌ وتركه محاباة. - قال - : وحدثنا محمد بن مخلد، ثنا عمر بن مدرك قال: سمعت مكيَّ بن ابراهيم يقول: كان جعفر بن الزبير يقول: حدثنا القاسم عن أبي أمامة عن النبي ◌َّ نحواً من مائتي حديث، فرأيت شعبة يأتي عمران ابن حدير فيقول: قم بنا نغتاب هؤلاء في الله عز وجل، فيترك حماره ويمضي معه. ۔قال۔: وحدثنا أبو بكر محمد بن داود بن سلمان النيسابوري، حدثنا أبو الفضل أحمد بن عبد الله بن سلمة النيسابوري قال: سمعتُ محمد بن بندار السَّباك الجرجاني يقول: قلت لأحمد بن حنبل: إنه يشتدُّ عليَّ أن أقول: فلان ضعيف وفلان كذاب. فقال أحمد: إذا سكتَّ أنت وسكتُ أنا فمتى يعرف الجاهلُ الصحيح من السقيم؟ - قال الدارقطني -: فهؤلاء أئمة المسلمين، وأهل الفضل والورع في الدين، قد أباحوا الجرح وأمروا بالبيان، وأخبروا أنَّ ذلك ليس بغيبة، وأنه حكمٌ يلزم القول به العارفين، وأنَّ السكوت عنه لا يحل لأحد من المؤمنين، وأنَّ إظهاره أفضل من السكوت عنه لأهل العلم المتقنين. - إلى أن قال -: فلولا أنَّ أئمتنا رحمهم الله كثرت عنايتهم بأمر الدين، ١٤ فحفظوا السنن على المسلمين، لضبطهم الاسناد، وانتقادهم الرواة، وبحثهم عنهم، وتمييزهم بين الصحيح والسقيم، لظهر في الأمة من التبديل والتحريف ما ظهر في الأمم الماضية من قبلها، لأنَّا لا نعلم أمة من الأمم قبل أمتنا حفظت عن نبيها، وحفظت على أمته من بعده من أمر دينها، ونفت عنه وعن شريعته التبديل والتحريف ما حفظت هذه الأمة من سنن نبيِّها ◌َّة، ثم وفق الله تعالى هؤلاء الأئمة لضبط ذلك والعناية به، حتى لا يتمكن زائغٌ ولا مبتدع أن يزيد في سنةٍ من سنن رسول الله وَيَ ألفاً ولا واواً إلا أنكروه، ونبهوا عليه، وميزوا خطأ ذلك من صوابه، وحقّه من باطله، وصحيحه من سقيمه، فلولا قيامهم بذلك وذبهم عنه لقال من شاء من الزائغين ما شاء] هذا كله كلام الدارقطني. ثم قال: [حدثنا محمد بن مخلد، ثنا محمد بن غالب تمتام قال: سمعت عمراً الناقد يقول: دين محمد ◌َّ لا يحمل الدنس، يعني الكذب]. انتهى ١٥ ... ترجَمَة الدار قطْنى الدارقطني : الدارقطني نسبةً إلى حيٍّ من أحياء بغداد، وهو دار القطن. قالوا: ودار القطن محلة كبيرة ببغداد. وذكر ابن الأثير في ((اللباب))(١) أنه يقال في النسبة: الدارقطني (بفتح الراء وضم القاف وسكون الطاء المهملة) . وهذه النسبة على خلاف القاعدة؛ لأن النسبة إلى المركب الإضافي / إن كان أباً أو أماً أو ابناً طرح المضاف، ونُسب إلى المضاف إليه، وإن كان غير ذلك نُسب إلى ما ليس في النسبة إليه لبسٌ وطُرح الآخر. فتقول في النسبة إلى عبد الأشهل وعبد مناف: أشهلي ومنافي. وتقول في النسبة إلى ملاعب الأسنة ومجدل غزة: ملاعبي ومجدليّ. (٢) اسمه وكنيته : هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد (١) ((الباب)) ٤٨٣/٢. (٢) ((جامع الدروس العربية)) ٨٠/٢ - ٠٨١ ١٧ تكون إلى الصَّدر (المغدا تقول ني «امرئ القيمه (أصرئي) أو (مرئي ) و الله (١). أبو الحسن البغدادي الدارقطني الشافعي. * * ولادته : ولد لخمسٍ خلون من ذي القعدة(٢) سنة ست وثلاثمائة وقيل: سنة خمس وثلاثمائة . أسرته : يبدو أنَّهُ نشأ في بيت علم، فقد كان أبوه من المشتغلين بالعلم، وقد ترجم له الخطيب البغداديُ ووثقه(٣). فضله وعلمه : هو الإمام شيخ الاسلام، حافظ الزمان(٤) الحافظ الكبير المشهور، صاحب التصانيف، وأحد الأعلام الثقات، أستاذ صناعة الحديث في عصره، وقبل عصره بمدة، وبعده إلى القرن الثامن(٥). كان يدعى أمير المؤمنين في الحديث. قال القاضي أبو الطيب الطبري: الدار قطنيُّ أمير المؤمنين في الحديث(٦). (١) (البداية والنهاية)) ٣١٧/١١ و((المنتظم)) ١٨٣/٧ و((تاريخ بغداد)) ٣٤/١٢ و((النجوم الزاهرة» ١٧٢/٤. وفي المصدرين الأخيرين زيادة (ابن النعمان) بين (مسعود) و(ابن دينار). (٢) ((المنتظم)» ١٨٣/٧. (٣) انظر ((تاريخ بغداد)) ٢٣٩/١١. (٤) ((تذكرة الحفاظ) ٣ / ٠٩٩١ (٥) («البداية والنهاية)) ٣١٧/١١. (٦) ((شذرات الذهب)) ٠١١٦/٣ ١٨ قال ابن الجوزيّ: كان فريد عصره، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بأسماء الرجال وعلل الحديث، وسلم ذلك له، وانفرد بالحفظ، ومما يدل على حفظه أنه أملى علل المسند من حفظه على البرقاني(١) وقال ابن كثير: سمع الكثير، وجمع، وصنَّف وألف، وأجاد وأفاد، وأحسن النظر، والتعليل، والانتقاد، والاعتقاد. وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال، وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية، والاطلاع التامِّ في الدارية(٢). وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب: جلس مرة في مجلس اسماعيل الصفار، وهو يملي على الناس الأحاديث والدارقطني ينسخ في جزء حديث. فقال له بعض المحدثين في اثناء المجلس: إنَّ سماعك لا يصح وأنت تنسخ. فقال الدارقطني: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحضر،ثم قال له الرجل: أتحفظ كم حديثاً أملى؟ فقال الدار قطني: إنه أملى ثمانية عشر حديثاً إلى الآن والحديث الأول منها. (عن فلان عن فلان) والحديث الثاني ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئاً. فتعجب الناس منه(٣) . وقال الحاكم النيسابوري: لم ير الدارقطني مثل نفسه (٤). (١) ((المنتظم)) ١٨٣/٧. (٢) («البداية والنهاية)) ٠٣١٧/١١ (٣) هذه رواية ابن كثير في البداية والنهاية ١١٧/١١ وفي رواية ابن الجوزي للقصة في ((المنتظم)) ٧/ ١٨٣ أنّ الذي سأل صاحبه عن عدد الأحاديث مو الــارقطني فأجاب صاحبه لا أحفظ فعد له الأحادیث بأسانيدها ومتونها . وأنظر هذه القصة في ((اختصار علوم الحديث)» ص ٠١٢٨ (٤) («البداية والنهاية)) ٣١٧/١١ و(المنتظم)» ٠١٨٤/٧ ١٩ وقال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماماً في القراءات والنحو. وأقمت في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر. وكثر اجتماعنا صادفته فوق ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ، وله مصنفات يطول ذكرها، وأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله(١). وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال: هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا؟ (٢)). وقال ابن الجوزي: قد اجتمع له معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الامامة والعدالة وصحة العقيدة(٣). وقال عبد الغنى بن سعيد : لم يتكلم على الأحاديث مثل عليّ بن المديني في زمانه وموسى بن هارون في زمانه، والدرقطني في زمانه(٤). وذكر الخطيب البعدادي أن الدارقطني كان على معرفة كبيرة بمذاهب الفقهاء. وقال: بلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الاصطخري (٥). وكان على معرفة بالأدب والشعر، فكان يحفظ دواوين جماعة من الشعراء، ومن هذه الدواوين ديوان السيد الحميري فنسب إلى التشيع لذلك(٥). وما أبعده عن التشيّع! وما كان حفظ شعر شاعر ما يعني اعتقاد الحافظ عقيدة الشاعر. إذن ما حفظ الصالحون شعر الجاهليين ولا االفسقة من المسلمين الشعراء . (١) ((تذكرة الحفاظ) ٩٩٢/٣ و((شذرات الذهب)) ٠١١٦/٣ (٢) ((شذرات الذهب)) ١١٦/٣ وتذكرة الحفاظ ٩٩٣/٣. (٣) («البداية)) ٣١٧/١١ و ((المنتظم)» ١٨٤/٧. (٤) ((البداية والنهاية)) ٣١٧/١١ و((تذكرة الحفاظ) ٩٩٤/٣. (٥) تاريخ بغداد ٣٥/١٢ اللباب ٤٨٣/١ تذكرة الحفاظ ٣/ ٠٩٩٢ ٢٠ وقال الخطيب يقرر ذكاءه وسعة اطلاعه ووفرة محفوظاته وتنوعها: [قال لي أبو القاسم الأزهري: كان الدارقطني ذكيا إذا ذوكر شيئاً من العلم أي نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر، ولقد حدثني محمد بن طلحة الثعالي: أنه حضر مع الدارقطني دعوة، فجرى شيء من ذكر الأكلة، فاندفع الدارقطني يورد نوادر الأكلة حتى قطع أكثر ليلته بذلك(١). وقال الخطيب : حدثنا العتيقي قال: حضرتُ مجلس الدارقطني، وجاءه أبو الحسن البيضاوي برجل غريب. وسأله أن يملي عليه أحاديث. فأملى عليه من حفظه مجلساً تزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها: ((نعم الشيء الهدية أمام الحاجة)) فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد وقد أهدى له شيئاً فقربه إليه، فأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثاً متونها: ((إذا جاءكم كريم قوم فاكرموه))(٢). قال الذهبي : [قلت: هنا يخضع للدارقطني ولسعة حفظه، الجامع لقوة الحافظة ولقوة الفهم والمعرفة] (٣). وقال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يمدح الدارقطني: جعلناك فيما بيننا ورسولنا وسيطاً فلم تظلم ولم تتحوب فأنت الذي لولاك لم يعرف الورى - ولو جهدوا - ما صادقٌ من مكذب(٤) (١) تاريخ بغداد ٣٦/١٢ وتذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩٣. (٢) تاريخ بغداد ٣٩/١٢ وتذكرة الحفاظ ٩٩٣/٣ و((طبقات الشافعية)) ٤٦٥/٣. (٣) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩٣. (٤) تاريخ بغداد ٣٩/١٢. ٢١ تبکيره في طلب العلم : قال يوسف القواس : كنا (١) نمرّ إلى البغوي، والدارقطني صبي يمشي خلفنا بيده رغيف عليه کامخ(٢) . مذهبه في الفقه : كان الدارقطني شافعي المذهب، فقد درس المذهب على أعلام الفقه في زمانه، ولكنه بسبب تبحره في علم الحديث لم يكن مقلداً، بل كان يتبع الدليل، وقد قرَّر نحو هذا ابن تيمية فقال: [والدارقطني هو أيضاً يميل إلى مذهب الشافعي وأئمة السنة والحديث، لكن ليس هو في تقليد الشافعي كالبيهقي مع أن البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل، واجتهاد الدارقطني أقوى منه، فإنه كان أعلم وأفقه منه](٣). تفوّقُه في عصره: وقد اعترف الدارقطني نفسه - على تواضعه - بسعة علمه وبتفوقه. فقد ذكر الخطيب وابن الجوزي وابن كثير والسبكيُّ أنَّه سئل: هل رأى مثل نفسه؟ فقال الدارقطني: قال الله تعالى: ((فلا تزكوا أنفسكم)). قال السائل: لم أرد هذا، وإنما أردت أن أعلمه لأقول: رأيت شيخنا لم ير (١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩٤. (٢) الكامخ: بفتح الميم، وربما كسرت، معرب، وهو ما يؤتدم به. والجمع: كوامخ. وانظر ((المختار)) و((المصباح)). (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٠٤١/٢٠ ٢٢