Indexed OCR Text
Pages 241-260
ثم قال : ( ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل . فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر ، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه ، وأبو يعلى من حديث أنس ، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني ، وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم . وقال ابن عبد البر : هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل ، واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها . ) ثم سرد ابن حجر الأشياء التي اعتلوا بها وردوده عليها ، ونقل عن ابن السمعاني أنه قال : ( متى ثبت الخبر صار أصلاً من الأصول ولا يحتاج الى عرضه على أصل آخر ، لأنه إن وافقه فذاك ، وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما ، لأنه رد للخبر بالقياس ، وهو مردود باتفاق .) (!). ثم بين ابن حجر بثمان من الحجج القوية أن هذا الحديث ليس مخالفاً للقياس ، وأطال النفس في ذلك وأجاد ، وقد تركت إيرادها وإيراد كلام آخر جيد تخلل النقول السابقة لما فيها من الاصطلاحات والمباحث الفقهية والأصولية التي يصعب فهمها على القارىء غير المختص . وقد أعجب أحمد محمد شاكر بكلام ابن حجر في المصراة فوصفه بأنه (القول البليغ المتسامي في أدب النقد على من تجرأ على المساس بأبي هريرة .) (٢). مثل ثانٍ : تصحيح طواف مكشوف العورة قال الطحاوي الحنفي : (وإن طاف لنا مكشوف العورة ثم رجع إلى أهله قبل أن يعيد الطواف بالبيت مستور العورة: كان عليه دم وأجزأه .) (٢). وهذا خلاف الحديث الذي يرويه أبو هريرة من أنه (لا يطوف بالبيت عريان ) . (٤) قال ابن حجر معلقاً على الحديث : ( فيه حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة ، وقد تقدم طرف من ذلك في أوائل الصلاة ، والمخالف في ذلك الحنفية . قالوا : ستر العورة في الطواف ليس بشرط ، فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة ، فان خرج لزمه دم . (١) فتح الباري ٢٦٨/٥ (٣) مختصر الطحاوي ص ٦٤ (٢) مسند الامام أحمد ٢٩/١٣ (٤) البخاري ١٧٩/٢، ٢١٢/٥، مسلم ١٠٦/٤ وغيرها ٢٤١ وذكر ابن اسحاق في سبب هذا الحديث أن قريشاً ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم ، فان لم يجد طاف عرياناً ، فان خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها . فجاء الإسلام فهدم ذلك كله .) (١) . مثل ثالث : كراهية الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن عند الحنفية أخرج البخاري وغيره أن أبا هريرة سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عما يقرأ بعد افتتاح الصلاة ، فقال : أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب . قال ابن حجر : ( حديث أبي هريرة أصح ما ورد في ذلك ، واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافاً للحنفية.) (٢). ... فهذه ثلاثة أمثلة ، وانظر مثلاً رابعاً في مسألة من مسائل الصلاة في مصنف ابن أبي شيبة والهداية وغيرها (٣) ومثلاً خامساً في بعض مسائل الزواج نسبها البعض إلى أبي حنيفة ولم أجدها في كتب الحنفية (٤). ويلحق بهذه الأمثلة أحاديث أخرى لأبي هريرة لم يعمل بها الحنفية ، لكنها ليست من أفراده ، وإنما رواها كثيرون غيره أيضاً ، كرفع اليدين في الصلاة ، والجهر بآمين ، ووجوب قراءة الفاتحة ، وغير ذلك . ومن هذا الاستعراض ينجلي لنا أن الصواب إنما هو في الأحاديث التي يرويها أبو هريرة ، وإن جمهور العلماء قبلوها منه إلا النخعي وأبا حنيفة . ولذلك فان تجريد أبي هريرة من الفقه ( قدرده محققو الحنفية ) (٥) إذ ( قال ابن الهمام في التحرير : وأبو هريرة فقيه) و ( قال شارحه ابن أمير الحاج ٢٥١/٢: لم يعدم شيئاً من أسباب الاجتهاد ، وقد أفتى في زمن الصحابة ، ولم يكن يفتي في زمنهم إلا مجتهد ، وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل بين صحابي وتابعي ، منهم ابن عباس وجابر وأنس ، وهذا هو الصحيح ) (٦) . (١) فتح الباري ٢٢٩/٤ (٣) المصنف ٤٨٩/٢، الآثار لأبي يوسف ص ٣٨، الهداية في الفقه الحنفي ٤٠/١، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١٤٨/١، صحيح البخاري ٢٩/٩، فتح الباري ٣٦٢/١٥ (٢) فتح الباري ٣٧٣/٢. (٤) راجعها في صحيح البخاري ٣٢/٩، فتح الباري ٣٧٣/١٥ وما بعدها . (٥) (٦) الأنوار الكاشفة للمعلمي ص ١٧٦ ٢٤٢ ولتقرير إجلال الحنفية لأبي هريرة انبرى أعلم علماء الحنفية طراً بعد صدرهم الأول ، وجامع وشارح كتب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة . شمس الأئمة السرخسي المتوفى سنة ٤٩٠ هـ ، فتكلم بكلام بليغ أثنى فيه على أبي هريرة رضي الله عنه ثناء عطراً وبرّأ الحنفية من تهمة انتقاصهم لأبي هريرة فقال : ( لعل ظاناً يظن أن في مقالتنا ازدراءً به . ومعاذ الله من ذلك، فهو مقدم في العدالة والحفظ والضبط) (١). وقال : (إن أبا هريرة ممن لا يشك أحد في عدالته وطول صحبته) ثم قال: ( وكذلك في حسن حفظه وضبطه)(٢) ووصفه بأنه ( معروف بالعدالة والضبط والحفظ) وأنه ( ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله والسماع منه (٣). وتقدم قول الطحاوي الحنفي ، وهو قديم : ( إنا نحسن الظن به ) . أما ما رواه أبو رية من أن أبا حنيفة قال : إن كل الصحابة عدول ما عدا رجالاً ، وعدّ منهم أبا هريرة ، فإنه قول مكذوب ، لم يروه أحد من الثقات . وإنما رواه ابن أبي الحديد (٤) عن أبي جعفر الاسكافي ، وكلاهما ضعيف ، وإنما المعتمد عند الحنفية ما قاله ابن الهمام في التحرير من أنه ( يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد ، كالأربعة والعبادلة . فيقدم على القياس مطلقاً ، وعدل ضابط ، كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال ، فيقدم ، إلا إن خالف كل الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبي زيد) ( ثم قال بعد ذلك: وأبو هريرة مجتهد ، كما تقدم ، وغير عيسى وأبي زيد ومن تبعه يرون تقديم الخبر مطلقاً ) (٥). وواضح أن حشر أبي هريرة مع القسم الثاني لم يقل به إلا هذا البعض من الأحناف ، وإلا فانه ـــ كما قدمنا في فصل سابق وهنا - من أهل الفقه عند بقية الحنفية وغير الحنفية ، وانه (كان محل ثقة واجتهاد وفتوى ) و (عده ابن حزم في الطبقة الثانية من المفتين ) كما يقول ابن عبد البر (٦) ، كما نقلنا قول ابن سعد سابقاً في أنه من المفتين . ومهما يكن فان النخعي أو أبا حنيفة وصحبه إنما كانوا في مجال اجتهاد محض ، وهم مأجورون على أي حال ، لما نعلمه من صدق نياتهم وعظيم إيمانهم وغيرتهم على الشريعة ، وما كان أحد منهم في اجتهاداته هذه متعرضاً لتكذيب أبي هريرة أو الطعن فيه ، فهم أرفع من أن تحدثهم أنفسهم بمثل هذه المعصية الغليظة والبدعة المنكرة ، وحاشاهم من ذلك ، فانهم الأئمة الذين يقتدى بهم ، وانما المرض في قلوب من حرف مقصدهم وقولهم ، فان أبا حنيفة مثلما ردّ بعض حديث أبي هريرة فانه يروي له الكثير. أنظر مثلاً كتاب الآثار الذي يرويه أبو يوسف عنه (٧)، وأنظر مسنده الذي يرويه الحصكفي (٨). وكذلك فان محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة هو أحد مشاهير رواة الموطأ عن مالك . وروايته مطبوعة متداولة مشحونة بحديث أبي هريرة . (١) اصول السرخسي ٣٤١/١ (٣) المصدر السابق ٣٣٩/١ (٥) الأنوار الكاشفة ص ١٧٧ وأحال على فواتح الرحموت ١٤٥/٢ (٧) الآثار ص ١٠٧/٥٥/٢٧/٢٢ (٢) المصدر السابق ٣٤٠/١ (٤) شرح نهج البلاغة ٣٦٠/١ (٦) جامع بيان العلم ص٤٠ نقلا عن المنهج الحديث السماحي ص ٢٠٠ (٨) الصفحات ٤٦/٢٨/١٧/١٣/١١/٧/٣/ وغيرها . ٢٤٣ وقال محمد بن الحسن الشيباني : ( أخبرنا أبو حنيفة قال : حدثنا عثمان بن عبد الله بن موهب رحمة الله عليه أنه صلى خلف أبي هريرة رضي الله عنه، فكان يكبر كلما سجد وكلما رفع . قال محمد : وبه نأخذ ، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه) (١). فها أنت ترى أن أبا حنيفة وصاحبه يترضّان عليه ، ويعملان بعمله ، ويقطعان الطريق على الذي يدعي أنهما يضعفانه . كذلك نرى ( أن الحنفية أخذوا بفتوى أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً . قال ابن حجر : وأما الحنفية ، فلم يقولوا بوجوب السبع ولا الترتيب ، واعتذر الطحاوي عنهم بأمور ، منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات ، فثبت بذلك نسخ السبع ) (٢). والقول بأن أبا حنيفة ترك من حديث أبي هريرة ما يخالف القياس ليس على اطّراده ، اذ ( عمل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما بحديثه : أن من أكل ناسياً فليتم صومه. مع أن القياس عند أبي حنيفة أنه يفطر، فنزل القياس لخبر أبي هريرة ) (٣)، ( بل قد ترك أبو حنيفة القياس لما هو دون حديث أبي هريرة في مسألة القهقهة ، لذاك الخبر المرسل ) (٤) ، ( وقد عمل الصحابة فمن بعدهم بحديث أبي هريرة في مسائل كثيرة تخالف القياس ، كما عملوا كلهم بحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) (٥). ولابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة جد نافعة، ورائعة ، في ( القياس ) ، مطبوعة متداولة ، أوضح فيها بيان شاف عدم مخالفة شيء من الحديث الصحيح للقياس الصحيح ، وكشف أسباب التباس الأمر على من توهم وجود ما يتعارض مع القياس من الحديث ، ولصاحبه ابن القيم رحمه اللّه فصول نافعة في ( إعلام الموقعين) تزيد الأمر وضوحاً . ٠٠٠ أما ما يرويه أبو رية من أن محمد بن الحسن روى عن أبي حنيفة أنه قال : ( أقلد من كان من القضاة المفتين من الصحابة ، كأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والعبادلة الثلاثة ، ولا استجيز خلافهم برأيي ، إلا ثلاثة نفر ، وفي رواية : أقلد جميع الصحابة ، ولا استجيز خلافهم برأيي ، إلا ثلاثة نفر : أنس بن مالك ، وأبو هريرة ، وسمرة بن جندب ، فقيل له في ذلك ، فقال : أما أنس فاختلط في آخر عمره ، وكان (١) كتاب الآثار لمحمد بن الحسن، ١٣٣/١، وهو غير آثار أبي يوسف ، ونجد نصوصاً أخرى مثل هذا لعملهم بحديث أبي هريرة . (٢) المنهج الحديث للاستاذ السماحي ص ١٩٧ (٣) (٤) (٥) سير أعلام النبلاء ٤٤٥/٢ ٢٤٤ يستفتى ، فيفي من عقله ، وأنا لا أقلد عقله . وأما أبو هريرة فكان يروي كل ما سمع ، من غير أن يتأمل في المعنى ، ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ ) . فانها رواية لا تصح ، وقد ( عزا أبو رية هذه الحكاية إلى كتاب المؤمل لأبي شامة ، وأبو شامة من علماء الشافعية في القرن السابع ، بينه وبين محمد بن الحسن عدة قرون ، ولا ندري من أين أخذ هذا . وقد احتاج العلامة الكوثري في رسالته الترحيب ص ٢٤ إلى هذه الحكاية ، ومع سعة اطلاعه على كتب أصحابه الحنفية وغيرهم لم يجد لها مصدراً إلا مصدر أبي رية هذا ، وحكاية مثل هذه عن محمد بن الحسن ، عن أبي حنيفة ، لا توجد في كتب الحنفية : أي قيمة لها ؟) (١) وعلى كلٍ فان ( التابعين من أهل الحجاز وعلمائه ، وهم أبناء علماء الصحابة وتلاميذهم والذين حضروا مناظرتهم لأبي هريرة وعرفوا حقيقة رأيهم فيه ، أطبقوا، هم وعلماء البصرة والشام وسائر الاقطار - سوى ما حكي عن بعض الكوفيين- على الوثوق التام بأبي هريرة وحديثه(٢)). والسبب النفسي الدافع لأهل الكوفة ، أو الذي جراهم على رد بعض حديث أبي هريرة المخالف للقياس ، هو أنه ( کان بین الکوفیین والحجازیین تباعد ، والكوفيون نشأوا على الأحاديث التي عرفوها من رواية الصحابة الذين كانوا عندهم ، ثم حاولوا تكميل فقههم بالرأي وجروا على مقتضاه ، ثم كانوا إذا جاءهم بعد ذلك حديث بخلاف ما قد جروا عليه وألفوه تلكأوا في قبوله وضربوا له الأمثال ، وإذا كان ابو هريرة مكثراً : كانت الأحاديث التي جاءتهم عنه بخلاف رأيهم أكثر من غيره ، فلهذا ثقل على بعضهم بعض حديثه ، وساعد على ذلك ما بلغهم من أن بعض الصحابة قد انتقد بعض أحاديث أبي هريرة ) (٣). فمن أمثلة هذا الذي جرأهم ما نسبوه إلى ابن عباس من رده حديثين لأبي هريرة بالقياس . قال السرخسي : ( قد اشتهر من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس. هذا ابن عباس رضي الله عنهما لما سمعه يروي : توضئوا مما مسته النار ، قال : أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه ؟ أرأيت لو ادّهن أهلك بدهن فادّ هنت به شاربك أكنت تتوضأ منه ؟ فقد رد خبره بالقياس ، حتى روي أن أبا هريرة قال له : يا ابن أخي إذا أتاك الحديث فلا تضرب له الأمثال . ولا يقال : إنما رده باعتبار نص آخر عنده ، وهو ما روي أن النبي عليه السلام أتي بكتف مؤربة فأكلها وصلى ولم يتوضأ ، لأنه لو كان عنده نص لما تكلم بالقياس ولا أعرض عن أقوى الحجتين ، أو كان سبيله أن يطلب التاريخ بينهما ليعرف الناسخ من المنسوخ ، أو أن يخصص اللحم من ذلك الخبر بهذا الحديث ، فحيث اشتغل بالقياس وهو معروف بالفقه والرأي من بين الصحابة على وجه لا يبلغ أبو هريرة في الفقه درجته ، عرفنا أنه استخار التأمل في روايته إذا كان مخالفاً للقياس . ولما سمعه يروي : من حمل جنازة فليتوضأ ، قال : أيلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة ؟ (٤) ). (١) الأنوار الكاشفة ص ١٧٥ (٣) المصدر السابق ص ١٧٨ (٢) المصدر السابق ص ١٧٧ (٤) أصول السرخي ٣٤٠/١ مع بعض تقويم النص فات المحقق. ٢٤٥ ثم روى أمثلة لرد عائشة لبعض حديثه بالقياس مما ذكرناه سابقاً ، ثم قال : ( فلمكان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا : ما وافق القياس من روايته فهو معمول به ، وما خالف القياس فان تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به ، وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه ) (١). وبناء على هذا قسموا الصحابة المعروفين إلى نوعين كما قلنا آنفاً : ( من كان معروفاً بالفقه والرأي والاجتهاد ، ومن كان معروفاً بالعدالة وحسن الضبط والحفظ لكنه قليل الحفظ . فالنوع الأول كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله عنهم ، وخبرهم حجة موجبة للعلم الذي هو غالب الرأي ، ويبتنى عليه وجوب العمل ، سواء كان الخبر موافقاً للقياس أو مخالفاً له ، فان كان موافقاً للقياس تأيد به ، وإن كان مخالفاً للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر ) (٢) . أما النوع الثاني فكأبي هريرة وأنس بن مالك ، وهم يعتدون بروايتهم أيضاً إلا حين الضرورة بانسداد باب القياس . قال السرخسي : ( فالكبار من أصحابنا يعظمون رواية هذا النوع منهم ويعتمدون قولهم ، فإن محمداً رحمه اللّه ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره ، وكانت درجة أبي هريرة فوق درجته ، فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا عند الضرورة ، لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا ) (٣). وهذا الذي أخذوه عن أنس إنما هو موقوف عليه لم يرو فيه حديثاً مرفوعاً، فاذا ( كانوا يعوّلون على فتوى أبي هريرة وموقوف أنس فكيف لا يعوّلون على مرفوعهما؟ ) (٤). ** * وهكذا تأبى صحيفة أبي هريرة إلا أن تكون بيضاء ناصعة ، ويأبى أبو هريرة إلا أن يكون هو الفائز في هذه الجولة أيضاً . (١) المصدر السابق (٣) المصدر السابق ٣٤٢/١ (٢) المصدر السابق ٣٣٨/١ (٤) المنهج الحديث ص ١٩٩ ٢٤٦ استدراكات ضعَاف الإيمَان ( أعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وآراؤهم ، ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية، لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته ، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس ، وقد ألفت في ذلك كتب ، وكذلك استشكل كثير من الناس كثيراً من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مرّ ، وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه ، ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً ، وإنما هو أمر مقصود شرعاً ليبلو اللّه تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور ، وييسر للعلماء أبواباً من الجهاد العلمي يرفعهم الله به درجات ) (١). فأما ضعاف العقل فقد قصرت عقولهم عن تصور هذه الأمور الغيبية الغريبة، فقالوا بوجوب عرض الحديث على العقل ، فما كان ضمن حدود التصور التي تبلغها عقولهم القاصرة قبلوه وصححوه ، وما كان أبعد من تلك الحدود رفضوه واتهموا راويه بالكذب . ( وحكاية عرض الحديث على العقل حكاية قديمة نادى بها بعض المعتزلة وطبقها فعلاً ، فرفض كل حديث لا يرتضيه عقله . ونادى بها المستشرقون حديثاً ، وتابعهم فيها الأستاذ أحمد أمين رحمه الله ، وضرب لذلك أمثلة من الأحاديث الصحيحة وهي في رأيه غير مقبولة للعقل ... وينادي بها اليوم الأستاذ أبو رية ويجعلها هي (١) الأنوار الكاشفة للمعلمي ص ٢٢٣ ٢٤٧ الأساس فيما ينبغي أن يقبل أو يردّ من الأحاديث ، ويقول: إن علماءنا الأقدمين لو عملوا بها لنقوا السنة من كثير مما علق بها . .. ما هو العقل الصريح الذي يريده أبو رية وما مدى الإتفاق عليه ؟ لئن كان يريد من العقل الصريح ما يقبله العقل من بديهيات الأمور ، فهذا أمر واقع في تاريخ السنّة ، فقد وضع أئمة النقد من علماء الحديث علامات لمعرفة الحديث الموضوع ، منها : أن يكون متنه مخالفاً لبداته العقول وللمقطوع به من الدين أو التاريخ أو الطب أو غير ذلك ، وعلى هذا نفوا آلافاً من الأحاديث وحكموا عليها بالوضع . ولئن كان يريد غير هذا مما يستغربه العقل فان استغراب العقل شيء أمر نسبي يتبع الثقافة والبيئة وغير ذلك مما لا يضبطه ضابط ولا يحدده مقياس، وكثيراً ما يكون الشيء مستغرباً عند إنسان، طبيعياً عند إنسان آخر ... ومن المقرر في الإسلام أنه ليس فيه ما يرفضه العقل ويحكم باستحالته ، ولكن فيه - كما في كل دين سماوي - أمور قد يستغربها العقل ولا يستطيع أن يتصورها ، كأمور النبوات والحشر والنشر ، والجنة والنار ، وشأن المسلم إذا سمع خبراً ما ، أن يرفض ما يرفضه العقل، ويتأنى فيما يستغربه حتى يتيقن من صدقه أو كذبه ... والأحاديث التي صححها علماؤنا رحمهم الله ليس فيها ما يرفضه العقل أو يحيله ، لأنها إما أن تتعلق بأمور العقيدة ، وهذه يجب أن تتفق مع القرآن ... وإما أن تتعلق بالأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وآداب وغيرها ، وليس في حديث من هذه الأحاديث التي صححها علماؤنا ما يرفضه العقل أو يحكم باستحالته ، وإما أن تكون أخباراً عن الأمم الماضية أو أخباراً عن عالم الغيب مما لا يقع تحت النظر ، كشؤون السماوات والحشر والجنة والنار ، وهذه ليس فيها ما يحكم العقل ببطلانه ، وقد يكون فيها ما لا يدركه العقل فيستغربه . فإذا جاءت عن طريق ثابت يفيد القطع فيجب اعتقادها ، وإن جاءت عن طريق يفيد غلبة الظن فليس من شأن المسلم أن يبادر إلى تكذيبها . وبهذا نرى أن فريقاً كبيراً من الناس لا يفرقون بين ما يرفضه العقل ، وبين ما يستغربه ، فيساوون بينهما في سرعة الإنكار والتكذيب ، مع أن حكم العقل فيما يرفضه ناشىء من استحالته ، وحكم العقل فيما يستغربه ناشىء من عدم القدرة على تصوره ، وفرق كبير بين ما يستحيل وبين ما لا يدرك . على أننا نرى من الاستقراء التاريخي ، وتتبع التطور العلمي والفكري ، أن كثيراً مما كان غامضاً على العقول أصبح مفهوماً واضحاً ... ٢٤٨ والذين ينادون بتحكيم العقل في صحة الحديث أو كذبه لا نراهم يفرقون بين المستحيل وبين المستغرب . فيبادرون إلى تكذيب كل ما يبدو غريباً في عقولهم ، وهذا تهور طائش ناتج من اغترارهم بعقولهم من جهة ، ومن اغترارهم بسلطان العقل ومدى صحة حكمه فيما لا يقع تحت سلطانه من جهة اخرى ) (١). ومن أشنع تهوراتهم وطيشهم واغترارهم بعقولهم الناقصة تكذيباتهم لأحاديث أبي هريرة رضي الله عنه ، إذ أنهم كذبوا طائفة صحيحة من أحاديثه أعيتهم عقولهم عن إدراكها وتصوّرها ، وسنرى من خلال البحث التفصيلي موافقتها للقرآن ، وموافقة العلم الحديث لبعضها الآخر ، وتواطؤ عدد من الصحابة على رواية البعض الآخر مما يجعل صحة الحديث أمراً أكيداً . حديث الذباب أخرج البخاري ( عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه ، فإن في أحد جناحيه شفاءً وفي الآخر داءً) (٢). ونظراً لما في هذا الحديث من الغرابة فقد سارع ضعفة الايمان والفجار إلى تكذيبه ، بينما نجد في الحقيقة - قبل اضطرارنا إلى مناقشة الحديث من الناحية الطبية - أن رواة آخرين غير أبي هريرة رووا الحديث أيضاً، وبذلك خرج أبو هريرة من الانفراد بالتبعة ، وما هي واللّه بتبعة ، وإن الأجدر أن نقول : إنه بذلك تمكن غير أبي هريرة من مشاركته في أجر وشرف حمل هذا الحديث وتبليغه إلى الأمة ، ذلك ( أن أبا هريرة رضي الله عنه لم ينفرد بروايته ، بل رواه أبو سعيد الخدري أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد في المسند ١١٢٠٧، ١١٦٦٦، والنسائي ١٩٣/٢، وابن ماجة ١٨٥/٢ والبيهقي ٢٥٣/١، بأسانيد صحاح. ورواه أنس بن مالك أيضاً، كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٨/٥ وقال: رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط . وذكره الحافظ في الفتح ٣٦٤/١٢ وقال: أخرجه البزار ورجاله ثقات . فأبو هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه انفرد بالحمل عليه منهم بما غفلوا أنه رواه اثنان غيره من الصحابة (٣). وأحسن من تكلم في بيان صحة هذا الحديث هو الأستاذ الشيخ محمد السماحي ، إذ أنه تكلّم باسهاب حول طرق الحديث وقول الأقدمين فيه ، ثم ضمّن ردَّه مقالاً علمياً مهماً جداً للطبيبين الدكتورين محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين ، نشراه في الجزء السابع من مجلة الأزهر سنة ١٣٧٨ ، نقلا فيه ما توصل اليه علماء الغرب من إثبات حمل الذباب للمواد المضادة للجراثيم واستخلاصهم لهذه المواد منه . (١) اقتباس من كلام الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في مقدمة (( السنة ومكانتها .. )) ص ٤٥ إلى ص ٤٩ مع بعض الحذف أشير إليه بنقاط . (٢) البخاري ١٨١/٧، ١٥٨/٤، وأخرجه الامام أحمد بسند صحيح في ١٢٤/١٢ (٣) من تحقيق أحمد شاكر للمسند في الموضع المذكور ٢٤٩ قال الطبيبان : ( جاء في المراجع العلمية أن الأستاذ الألماني بريفيلد من جامعة هال بألمانيا وجد في عام ١٨٧١ أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سمّاها - امبوزاموسكي -.. ويقضي هذا الفطر حياته في الطبقة الدهنية داخل بطن الذبابة على شكل خلايا خميرة مستديرة ثم يستطيل ويخرج عن نطاق البطن بواسطة الفتحات التنفسية أو بين المفاصل البطنية ، وفي هذه الحالة يصبح خارج جسم الذبابة ، وهذا الشكل يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر ، وتتجمع بذور الفطر في داخل الخلية إلى قوة معينة تمكن الخلية من الانفجار وإطلاق البذور خارجها ، وهذا سيكون بقوة دفع شديدة لدرجة تطلق البذور إلى مسافة حوالي ٢ سنتيمتر من الخلية بواسطة انفجار الخلية واندفاع السائل على هيئة رشاش . ويوجد دائماً حول الذبابة الميتة والمتروكة على الزجاج مجال من البذور لهذا الفطر ، ورؤوس الخلية المستطيلة التي يخرج منها البذر موجودة حول القسم الثالث والأخير من الذبابة على بطنها وظهرها ، وهذا القسم الثالث أو الأخير دائماً ما يكون مرتفعاً عندما تقف الذبابة على أي مسند لتحفظ توازنها واستعدادها للطيران ، والانفجار كما ذكرنا يحدث بعد ارتفاع ضغط السائل داخل الخلية المستطيلة إلى قوة معينة . وهذا قد يكون مسبّباً من وجود نقطة زائدة من السائل حول الخلية المستطيلة ، وفي وقت الانفجار يخرج مع السائل والبذور جزء من السيتوبلازم من الفطر. كما ذكر الأستاذ لانجيرون - أكبر الأساتذة في علم الفطريات في عام ١٩٤٥ - أن هذه الفطريات - كما ذكرنا ، تعيش في شكل خميرة مستديرة داخل أنسجة الذبابة ، وهي تفرز أنزيمات قوية تحلّل وتذيب أجزاء الحشرة الحاملة للمرض . ومن جهة أخرى ثمّ في سنة ١٩٤٧ عزل مادة مضادة للحيوية - بواسطة آرنشتين وكوك من انكلترا وروليوس من سويسرا في سنة ١٩٥٠ - تسمى جافاسين ، من فطر من نفس الفصيلة التي ذكرناها والتي تعيش في الذبابة ، وهذه المادة المضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة ، من بينها الجراثيم السالبة والموجبة لصبغة جرام ، وجراثيم الدوسنتاريا ، والتيفويد . وفي سنة ١٩٤٨ عزل بريان وكورتيس وهيمنج وجيفيريس وما كجوان من بريطانيا مادة مضادة للحيوية تسمى كلوتينيزين من فطريات من نفس فصيلة الفطر الذي يعيش في الذبابة وتؤثر على الجراثيم السالبة لصبغة جرام ، من بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد . وفي سنة ١٩٤٩ عزل كوكس وفامر من انكلترا ، وجرمان وروث واتلنجر وبلاتنر من سويسرا ، مادّة مضادة للحيوية تسمى انياتين من فطريات من نفس صنف الفطر الذي يعيش في الذبابة تؤثر بقوة شديدة على جراثيم جرام موجب وجرام سالب وعلى بعض فطريات أخرى ، ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد والكوليرا . ولم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي ولكنها فقط من العجائب العلمية لسبب واحد ، وهو أنها بدخولها بكميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات ، بينما قوتها شديدة جداً وتفوق جميع مضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة ، وتكفي كمية قليلة جداً لمنع معيشة أو نمو جراثيم التيفويد والدوسنتاريا والكوليرا وما يشبهها . وفي سنة ١٩٤٧ عزل موفتيش مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة ووجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم السالبة لصبغة جرام مثل جراثيم التيفويد والدوسنتاريا وما يشبهها . ٢٥٠ وبالبحث عن فائدة هذه الفطريات لمقاومة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها وقت قصير للحضانة وجد أن غراماً واحداً من هذه المواد المضادة للحيوية يمكن أن يحفظ أكثر من ١٠٠٠ لتر لبن من التلوث من الجراثيم المرضية المذكورة ، وهذا أكبر دليل على القوة الشديدة لمفعول هذه المواد. أما بخصوص تلوث الذباب بالجراثيم المرضية كجراثيم الكوليرا والتيفويد والدوسنتاريا وغيرها التي ينقلها الذباب من المجاري والفضلات أو البراز من المرضى ، وهي الأماكن التي يرتادها الذباب بكثرة ، فمكان هذه الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في برازها ، وهذا ثابت في جميع المراجع البكتريولوجية ، وليس من الضروري ذكر أسماء المؤلفين أو المرجع لهذه الحقيقة المعلومة . من كل هذا يستدل على أنه إذا وقعت الذبابة على الأكل فستلمس الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية : التيفويد أو الكوليرا أو الدوسنتاريا أو غيرها ، واذا تبرزت على الغذاء سيلوث الغذاء أيضاً كما ذكرنا بأرجلها ، أما الفطريات التي تبرز المواد المضادة للحيوية والتي تقتل الجراثيم المرضية الموجودة في براز الذبابة وفي أرجلها فتوجد في بطن الذبابة ، ولا تنطلق مع سائل الخلية المستطيلة من الفطريات والمحتوي على المواد المضادة للحيوية إلا بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية ، ويسبب انفجار الخلية المستطيلة واندفاع البذور والسائل . بذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل أو الغذاء إذا وقعت عليه لأفساد أثر الجراثيم المرضية التي نقلتها بأرجلها أو ببرازها . وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث ، وهي أن في أحد جناحيها داءً ، أي في أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالجراثيم المرضية التي حملتها ، وفي الآخر شفاء ، وهو المواد المضادة للحيوية التي تفرزها الفطريات الموجودة على بطنها والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول الخلايا المستطيلة للفطريات ) (١). وهكذا تمت معجزة الوحي الإلهي وأنف الالحاد راغم . حديث نفي العدوى أخرج البخاري بسند إلى أبي سلمة قال : ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه (١) المنهج الحديث للسماحي ص ٣٨٦ وذكر الطحاوي في معاني الآثار ٢٨٤/٤ ان تقديم الذباب الجناحه الذي فيه الداء، كما في بعض الروايات ، هو إلهام من اللّه ، كوحيه إلى النحل ان تتخذ من الجبال بيوتا . ٢٥١ وسلم : لا عدوى. ) (١)، ثم قال البخاري: ( وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعد يقول: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا يوردن ممرض على مصحٍ ، وأنكر أبو هريرة حديث الأول. قلنا : ألم تحدّث أنه لا عدوى ؟ فَرَطَن بالحبشية . قال أبو سلمة : فما رأيته نسي حديثاً غيره. ) . وفي صحيح مسلم : ( قال أبو سلمة : كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله : لا عدوى ، وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح ) . ثم يقول أبو سلمة : ( ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: لا عدوى، فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر ) (٢). كذلك راجع في نسيان أبي هريرة لحديث العدوى سنن أبي داود (٣) ومعاني الآثار للطحاوي (٤). و ( الممرض : بضم أوله وسكون ثانيه وكسر الراء بعدها ضاد معجمة : هو الذي له إبل مرضى . والمصح : بضم الميم وكسر الصاد المهملة بعدها مهملة : من له إبل صحاح . نهى صاحب الابل المريضة أن يوردها على الإبل الصحيحة ) (٥). هذا النسيان طرب له أبو رية على عادته ، فادعى أن ثوب أبي هريرة الذي بسطه قد تمزق فتناثر ما كان بين أطرافه ، وأنه اضطر للاعتراف بالنسيان تخلصاً من مخالفة عمر بن الخطاب حين رجع عن الشام أيام الطاعون لحديث عبد الرحمن بن عوف وأسامة بن زيد : إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ... ولحديث أبي هريرة هو نفسه في النهي عن إيراد الممرض على المصح . والحق أن ( هاهنا أموراً تبين تهور أبي رية ومجازفته : الأول : أن حديث لا عدوى لم ينفرد به أبو هريرة ، بل هو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس (٦) ، وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر (٧) . الثاني : أن عمل الصحابة ليس مخالفاً له ، وقد جمع بينهما أهل العلم بما هو معروف ، ولبعض العصريين قول سأحكيه لينظر فيه . زعم ان العرب كانوا يعتقدون أن العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر ، (١) البخاري ١٧٩/٧ (٣) ٣٤٣/٢ (٥) فتح الباري ٣٥٤/١٢ (٦) البخاري ١٧٩/١٧٤/٧ (٢) مسلم ٣١/٧ (٤) ٣٧٥/٢ (٧) رواية جابر في المسند ٣١٢/٣ بسند صحيح، وفي المسند ايضاً ٤٤٩/٣ عن السائب بن يزيد رضي اللهعنه . ٢٥٢ حتى لو كان في شعر امرأة وثيابها قمل كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ، ثم بعد أيام قمل شعر الأخرى وثيابها ، لما سموا هذا عدوى ، لأنهم يعرفون انه لم يكن للمجاورة نفسها ، وإنما دب القمل من تلك إلى هذه ثم تكاثر . قال وحديثا : لا يورد ممرض على مصح ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد يفيدان انتقال الجرب والجذام ، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها ، وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جداً من هذا إلى ذاك ، فهو من قبيل انتقال القمل ، وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون . الثالث : أن المنقول أن عمر رجع لخبر عبد الرحمن بن عوف وحده ، ولم ينقل أن عمر علم بخبر أسامة ولا خبر : لا يورد ممرض على مصح كما زعم أبو رية . الرابع : أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر ، وبقي أبو هريرة يحدث بحديث لا عدوى زماناً بعد ذلك ، حتى سمعه منه أبو سلمة وغيره ممن لم يدرك عمر . الخامس : قول أبي ربة : وقد اضطر ، يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث ، فما معنى قوله بعد ذلك : وأن يعترف بنسيانه ، مع إيراده القصة شاهداً على النسيان كما زعم . السادس : لم يأت أبو رية بدليل ولا شبه دليل على دعواه أن أبا هريرة اعترف بأنه نسي . السابع : اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة ، وأحسنهم سياقاً يونس بن يزيد الأيلي ، وقد شهد له ابن المبارك بأن كتابه صحيح وأنه كتب حديث الزهري على الوجه ، أي كما تلفظ به الزهري . وفي روايته في صحيح مسلم بعد كلام الحارث : فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال : لا يورد ممرض على مصح ، فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فَرَطَنَ بالحبشية فقال الحارث : أتدري ماذا قلت ؟ قال : لا . قال أبو هريرة : قلت : أبيت . قال أبو سلمة : ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا عدوى ، فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نسخ أحد القولين الآخر ؟ ولو صرّح أبو هريرة بنفي أن يكون حدّثهم من قبل لحزم أبو سلمة بالنسيان ، لكن لما سكت أبو هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال : أبيت ، فهم بعض الرواة من ذلك إنكاره ، فعبر بعضهم عن قول أبي سلمة : فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك، بقوله: أنكر أبو هريرة الحديث الأول، ولا يخفى الفرق، فقوله : أبى أن يعرف ، إنما معناه : امتنع أن يقول : نعم قد عرفت ، وهذا الامتناع لا يفهم منه الإخبار بنفي المعرفة ، ثم جاء بعض من بعدهم فعبر عن الإنكار بنسبته إلى أبي هريرة أنه قال : لم أحدثك ، كما وقع عند الإسماعيلي من طريق شعيب ولا أدري ما سنده ؟ وأصل حديث شعيب عند مسلم لكن لم يسق لفظه ، وعند الطحاوي في مشكل الآثار ٢٦٢/٢، وليس فيه هذه الكلمة، وكأن أبا هريرة حدث بالحديثين مرة فتشكك بعض الناس في الجمع بينهما فرأى أبو هريرة أن التحديث بها مظنة أن يقع لبعض الناس ارتياب أو تكذيب ، فاختار الاقتصار على أحدهما ، وهو الذي يتعلق به حكم عملي : لا يورد ممرض على مصح ، وسكت عن ٢٥٣ الآخر وودّ أن لا يكون حدث به قبل ذلك ، فلما سئل عنه أبى أن يعترف به راجياً أن يكون في ذلك الأباء . ما يمنع الذين كانوا سمعوه منه أن يحدثوا به عنه ) (١). وقد فصل ابن حجر القول في الفتح (٢) حول هذا الإشكال ، وبين كيفية الجمع بين الحديثين ، ولطول كلامه وعدم إمكان اختصاره لم أنقله ، لكن حاصل كلامه أن قوله لا عدوى هو نهي عن الاعتقاد بأن العدوى لا تحدث بقدر اللّه ، إذ كان العرب يعتقدون بأن الأمراض تُعدي بطبعها فحسب ، وأما عدم تحديثه به فساق عدة احتمالات في ذلك ، أوجهها عن القرطبي أن أبا هريرة خاف أن يعتقد جاهل بأن الحديثين متناقضان ، فسكت عن أحدهما ، وأنه كان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعاً . الجاهل المغفل ينكر ورود اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ( سار علماؤنا رحمهم الله منذ الصحابة ، حتى من بعدهم ، يأخذون عن أهل الكتاب ما لا يتعارض مع القرآن الكريم ، ومع الثابت عندهم من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقواعد الدين ، وردوا كل ما يخالف ذلك . ولكن الأستاذ أبارية اتخذ مبدأ آخر ، وهو أن كل حديث عن التوراة أو الإنجيل هو مدسوس على الإسلام من قبل اليهود أو النصارى . وعلى هذا كذّب ما رواه أبو هريرة وغيره عن كعب من أن التوراة نصّت على اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، واتّهم في ذلك مسلمي اليهود من أسلم منهم في عصر الرسول ، ومن أسلم بعده . ولا أدري كيف ساغ له مثل هذا القول وهو العالم المحقق !! مع أن القرآن الكريم نصّ على هذا في أكثر من آية . * الذين يتبعون النبيَّ الأميَّ الّذي يجدُونَهُ مَكْتُوباً عندهُمْ فِي التّوراةِ والإنجيل)) (٣). * (( وإذْ قال عيسى بنُ مريمَ يا بني إسرائيلَ إنِّي رسولُ اللهِ إليكُم مصدقاً لما بين يديّ من التوراة ومبشِّراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد (٤) )). : ((محمدٌ رسولُ اللّهِ والذّينَ مَعَهُ أَشِدَّاء على الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينَهُم، تَراهُمْ ركعاً سجّداً يَبْتَغُون (١) من كلام المعلمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة ص٢٠٠/١٩٩ (٣) الاعراف : ١٥٧ (٢) الفتح ٢٦٤/١٢ وكذلك ٣٥٤/١٢ (٤ ) الصف : ٦ ٢٥٤ فَضْلاً من الله ورضواناً، سيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ من أثَرِ السّجُود، ذلك مَثَلُهُمْ في التّوْرَاةِ، ومَثَلُهُم في الإنجيل كزرع أخرج شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظ فاسْتَوى على سوقِهِ، بِعجِبُ الزُرَّاعِ لِيَغيظ بهمْ الكفّار (١))). فهذه آيات من كتاب الله صريحة الدلالة على أن اسم الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ذكره صراحة في التوراة والانجيل ، وجاء ذكره وذكر صحابته عن طريق التشبيه والتمثيل في التوراة والانجيل أيضاً . فأيّ غرابة وأيّة مناقضة ، وأي شيءٍ فيه يستنكره عقل المسلم إذا روى أهل الكتاب ممن أسلموا أن اسمَ النبيّ أو وصف صحابته أو بعضهم مكتوب في التوراة ؟ وإذا كان ما روي عنهم لا نجده الآن مكتوباً في التوراة والإنجيل المعترف بهما لدى اليهود والنصارى في عصرنا هذا، فهل يكون ذلك دليلاً على كذب تلك الأخبار، أم يكون ناشئاً مما أخبر الله عنهم أنهم حرفوا هذه الكتب وبدلوها ؟ وأياً ما كان فأبو رية بين أمرين : إما أن يعترف بصحتهما فيكذب كل ما جاء من الأخبار مما لا يجده اليوم فيهما ، وإما أن يعترف بتبديلهما فيعترف بما صحّ من تلك الأخبار ولو لم نجدها فيهما . أما أن يقول: إنّ ما جاء في تلك الأخبار متفق مع ما في التوراة والإنجيل فذلك دليل على أن واضعيها يهود أو نصارى ، وما جاء في تلك الأخبار مما لا وجود له فيهما فذلك دليل على كذب تلك الأخبار لأنا لا نجدها فيهما ، فهذا هو التناقض ، والتحكم بالهوى ، والمجازفة لا التحقيق! ) (٢). المحروم من الظل الممدود ينفيه قال المحروم أبو رية : ( وقد بلغ من دهاء كعب الأحبار واستغلاله لسذاجة أبي هريرة وغفلته أن كان يلقنه ما يريد بثّه في الدين الإسلامي من خرافات وترهات ، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد فصدق أبا هريرة ... وإليك مثلاً من ذلك ... روى الامام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا إن شئتم: ((وظل ممدود)). ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال : صدق ، والّذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد ... ومن العجيب أن يروي هذا الخبر الغريب وهب بن منبه ) . (١) الفتح : ٢٩ (٢) من كلام الدكتور السباعي رحمه الله في السنة ومكانتها ص ٤٤ ٢٥٥ قلت : حديث أبي هريرة هذا هو في صحيح البخاري أيضا (١) بلا تصديق كعب ، وأخرجه البخاري أيضاً في موضع آخر بلفظ المتابعة غير الموصولة عن شيخه اسحاق بن ابراهيم الحنظلي بسنده إلى اثنين من الصحابة غير أبي هريرة ، سهل بن سعد السّاعدي رضي الله عنه، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه (٢)، وذكر المعلمي أن روايتهما في صحيح مسلم أيضاً ، ورأيت في البخاري رواية أنس رضي الله عنه أيضاً لهذا الحديث (٣)، فهل كان هؤلاء الصّحابة الثلاث من السذّج المغفلين الذين يلقنهم كعب كما يلقن أبا هريرة ؟؟ قال المعلمي : (قال ابن كثير في التفسير ١٨٧/٨ . هذا حديث ثابت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث (٤) . ثم بين المعلمي أنه لا ذكر لوهب بن منبه في الموضع الذي أشار اليه أبو رية ، وإنما الرواية لابن عباس لا لوهب . والحقيقة أننا لو أردنا أن نجاري أبارية في تكذيب كل ما هو موصوف بالعظمة والسّعة من أجزاء الجنّة والنار لأفضى بنا ذلك إلى تكذيب كل الصحابة بلا استثناء ، إذ ليس فيهم أحد من الرواة إلا ويروي جانباً من عظمة الجنة أو النار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلماذا هذه الحملة على أبي هريرة ؟ إن الجنة عظيمة في كل مرافقها ، أنهارها وجبالها وأشجارها وثمارها وكل شيء فيها ، ومن آمن بها صغيرة يؤمن بها كبيرة ، إذ الإيمان بأصل وجود الجنة والخلود فيها أكثر صعوبة عند أمثال أبي ريّة من الايمان بسعتها ، لكن أبا ريّة لا يؤمن بوجود الجنّة أصلاً ، ولذلك سارع إلى تكذيب خبر سعتها وعظمتها ، غافلاً أنه سيراها من على بعد وهو على مقعده في النار . حديث الشمس والقمر ثوران قال أبو ريّة : ( ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية (٥) قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد كلام هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثاً مرفوعاً إلى النبي ما نورد لك شيئاً منه ) ثم ذكر شواهد على ذلك : أولاً : (روى البزار عن أبي هريرة أن النبي قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة . فقال الحسن: وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول اللّه وتقول : ما ذنبهما ؟ وهذا الكلام نفسه قد قاله كعب بنصه ، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب : يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم يراهما من عبدهما ) . وقد أحال أبو رية إلى حياة الحيوان للدَّميري . (١) البخاري ١٨٣/٦ (٣) البخاري ١٤٤/٤، وكذلك هو في مسند أحمد ١٣٥/٣، ١٦٤/٣ عن أنس باسانيد صحيحة . (٢) البخاري ١٤٢/٨ (٤) الانوار الكاشفة ص ١٩٥ (٥) يقصد نعب الاخبار ٢٥٦ قال السماحي : ( قال الدميري في حياة الحيوان : روى البخاري في بدء الخلق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة . انفرد به البخاري ، وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق فقال : حدثنا ابراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال سمعت أبا سلمة بن عبدالرحمن زمن خالد بن عبدالله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة، فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: ما ذنبهما؟ ثم قال البزار: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ، ولم يرو عبد اللّه الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث . وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق درست بن زياد عن يزيد الرقاشي ، وهما ضعيفان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشمس والقمر ثوران عقيران في النار . وقال كعب الأحبار : يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ليراهما من عبدهما كما قال تعالى: ((إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم))، الآية. وأخرج أبو داود الطيالسي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار . اهـ) فهذا ما ذكره الدميري . قال السماحي معقباً : ( اختصره الباحث بما يفيد أن أبا هريرة هو الذي حدث وان الحسن اعترض عليه، وهذا تدليس فاحش ، بل تصرف مخلّ بمعنى الرواية ، ثم لما ذكر حديث كعب لم يذكر فيه أنه استشهد بالآية ، ليوهم أنه أتى به من علم أهل الكتاب ، ولم يرد أن يبين أن الحديث له شاهد عن أنس من رواية أبي يعلى ورواية أبي داود الطيالسي ، ولم يرد أن يبين الرواية التي انفرد بها البخاري ، وأن عبد الله الداناج لم يرو عن أبي سلمة غير هذا الحديث ، وأن الشاهد عن أنس في اسناده ضعيفان.) (١) والحقيقة أن ( درست ويزيد تالفان ، فالخبر عن أنس وكعب ساقط ، مع أنه لم يتبين من القائل : قال كعب .. ؟ وبهذا يعلم بعض أفاعيل أبي رية . (٢). وبهذا يتبين ضعف رواية أبي يعلى ، بل تلفها . أما رواية البزار فرواية البخاري أرجح منها ، فتقدم عليها . ذلك ان حديث البخاري خرج من نفس الإسناد . قال البخاري (٣) : حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج ، قال (١) المنهج الحديث ص ٢١٨ (٣) البخاري ١٣١/٤ (٢) من كلام المعلمي ص ١٨١ ٢٥٧ حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الشمس والقمر مكوّران يوم القيامة . وهكذا يظهر واضحاً أن الزيادة في الحديث إنما جاءت من يونس بن محمد أو من ابراهيم بن زياد البغدادي ، وخالفهما مسدد في رواية البخاري ، ، فتكون رواية الضعيف أو الثقة مخالفاً رواية الثقة أو من هو أوثق منه ، فتكون الزيادة منكرة او شاذة ، وحكاية المسجد ملفّقة ، وعليه فلم يوافق أبو هريرة كعباً ، ولم يجعله كعب تحت إبطه.) (١) بقيت رواية واحدة اذن يمكن أن يحتج بها ، وهي رواية الطيالسي التي ذكرها الدّميري ، ولا حاجة لفحص سندها ، إذ على فرض صحتها فانها من رواية أنس ، ويلزم أبارية أن يحوّل هجومه إلى أنس بدل أبي هريرة ، ولذلك لا نبحثها ما دامت العهدة ارتفعت عن أبي هريرة بترجيح رواية البخاري ، لأن مسدداً أو ثق من شيخ البزار وشيخه - . إذن : نبحث الآن عن حديث أبي هريرة كما رواه البخاري ، وهو الراجح كما قلنا ، هل فيه تأثر بکعب ؟ . الجواب : كلا ، اذ معناه وارد وروداً صريحاً في كتاب الله عز وجل ، ففي سورة القيامة: (وخَسِفَ القمرُ، وجُمِعَ الشمسُ والقمرُ). وفي سورة التكوير: (إِذَا الشّمسُ كوِّرَتْ). وزيادة غير البخاري : في النار ، يشهد لها قول الله تعالى: ( إنكم وما تعبدون مِنْ دُونِ اللّه حصبُ جهنم أنتم لها واردون). وفي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً في صفة الحشر : ثم ينادي منادٍ : ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم ، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم ، وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم . والحديث في صحيح مسلم وفيه : فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار . وفي الصحيحين حديث حدث به أبو هريرة وأبو سعيد حاضر يستمع له ، فلم يرد عليه شيئاً إلا كلمة في آخره ، وفيه : يجمع اللّه الناس فيقول : من كان يعبد شيئاً فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ومن كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت .. ويوافق ذلك قوله تعالى في فرعون : يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار . وإن صحت كلمة ثوران ، أو ثوران عقيران كما في خبر أبي يعلى على سقوط سنده ، فذلك والله أعلم تمثيل ، وقد ثبت أن المعاني تمثّل يوم القيامة كما يمثل الموت بصورة كبش ، كما ورد في صحيح البخاري ، وغير ذلك ، فما بالك بالأجسام ؟ (١) المنهج الحديث ص ٢١٩ ٢٥٨ ومن الحكمة في تمثيل الشمس والقمر أن عبادهما يعتقدون لهما الحياة ، والمشهور بعبادة الناس له من الحيوان : العجل ، فمثلا من جنسه . وفي الفتح : قال الاسماعيلي : لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما ، فان لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لاهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك ، فلا تكون هى معذبة. ) (١). وقول الاسماعيلي هذا سبقه إليه الطحاوي ، فذكر ( أن الشمس والقمر إنما يكوران في النار كسائر ملائكة الله الذين يعذبون أهلها . ألا ترى إلى قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهليكُمْ ناراً وقودُها الناسُ والحجارةُ ، عليها ملائكةٌ غلاظ شدادٌ لا يَعْصُون اللّه) ، اي من تعذيب أهل النار ، ( ويَفْعَلُوُنَ ما يُؤْمَرُونَ ). وكذلك الشمس والقمر مما فيهما بهذه المنزلة ، معذًبان لأهل النار بذنوبهم لا معذَّبان فيها ، إذ لا ذنوب لهما. ) (٣). (ومعنى العقر الذي ذكر أنه لهما في هذا الحديث عند أهل العلم باللغة لم يرد به العقر لهما عقوبة لهما ، إذ كان ذلك لا يجوز فيهما ، إذ كانا في الدنيا من عباده أيضاً ، على ما ذكرهما به في كتابه بقوله: ( ألَمْ تَرَ انَّ اللّه يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِيِ السّمواتِ ومَنْ فِي الأرْضِ والشمسُ والقَمَرُ)، وذكر معهما من ذكر في هذه الآية، حتى أتى على قوله تعالى: (وكثيرٌ حقَّ عَلَيْهِ العذابُ ) ، أخبر أن عذابه إنما يحق على غير من كان يسجد له في الدنيا ، ولكنها كانا في الدنيا يسجدان في الفلك الذي كانا يسبحان فيه ، كما قال تعالى : ((لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر)) الآية، ثم عادهما يوم القيامة موكلين في النار كغيرهما من ملائكته الموكلين بهما ، فقطعهما بذلك عما كانا فيه من الدنيا من السجود ، فعادا بانقطاعهما عن ذلك كالزمنين بالعقر ، فقيل لهما عقيران، على استعارة هذا الاسم لهما ، لا على حلول عقر بهما.) (٣) وهكذا شهد القرآن والأحاديث الصحيحة لأبي هريرة رضي الله عنه . تحاجج الجنة والنار أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اختصمت الجنة والنار إلى ربهما ، فقالت الجنة : يا رب ، مالها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم ؟ وقالت النار ، يعني : أوثرت بالمتكبرين فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي . وقال للنار : انت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها. قال : فأما الجنة فان اللّه لا يظلم من خلقه أحداً، وإنه بنشىء للنار من يشاء فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد، (١) من كلام المعلمي ص ١٨٢، والحديث الذي استمعه ابو سعيد فأقره هو في صحيح البخاري ١٤٧/٨، ١٥٦/٩ ومسلم ١١٢/١، وراجع فتح الباري ٠٢٢٩/٦ (٢) (٣) مشكل الآثار ٦٨/٦٧/١، والزمن: هو المصاب بعاهة . ٢٥٩ ثلاثاً ، حتى يضع فيها قدمه ، فتمتلىء، ويرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط، قط.) (١). فأما نحن فنقول : صدق أبو هريرة ، وأما أبو رية فقد قام وقعد ، ورمى أبا هريرة بالكذب لأنه استغرب كلام الجنة والنار ووضع اللّه لرجله . فيا ترى : ما الذي يدعو إلى الاستغراب والاستنكار ؟ ( إن كان وجه الانكار هو أن الله يضع رجله، ففي القرآن جاء اثبات اليد ، والوجه، والعين ، والمجيء ، وغير ذلك للّه تعالى ، ومذاهب العلماء معروفة في مثل هذه الألفاظ ، فالسلف يقولون بها من غير تأويل ، مع تنزيه الله عن مشابهته للبشر في شيء ما، والخلف يذهبون إلى تأويل اليد بالقدرة مثلاً ، تمشيا مع مبدأ تنزيه الله عن مشابهة البشر ، وهو المبدأ الذي يسلم به الجميع . فما يقال في القرآن يقال مثله في الحديث . وإن كان وجه الاستنكار لتكلم الجنة والنار ، فقد جاء في القرآن أن اللّه قال السموات والأرض : ائتيا طوعاً أو كرهاً ، قالتا : أتينا طائعين . وإن كان وجه الإنكار أو الاستغراب أن يأتي اللّه الى النار ، فان القرآن أثبت له المجيء يوم القيامة بقوله : وجاء ربك والملك صفاً صفاً . وفي القرآن الكريم أيضاً : يوم نقول لجهنم هل امتلأت ؟ فتقول: هل من مزيد.) (٢). وأيضاً، فقد روى أنس هذا الحديث بنفس ألفاظه (٣)، ورواه الخدري بلفظ: قدى قدى ، بدل قط (٤). حديث خلق الله آدم على صورته قال أبو ريّة : ( وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : أن الله خلق آدم على صورته ، وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة ونصه هناك: وخلق اللّه الانسان على صورته ) . (١) البخاري ١٦٨/٨، ١٦٤/٩ (٣) الترمذي ١٥٩/١٢، مسند الامام ٢٣٠/١٣٤/٣ باسانيد صحيحة . (٢) من كلام السباعي رحمه الله في السنة ومكانتها ص ٥١ (٤) مسند الامام أحمد ١٣/٣، كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ٩٠ وما بعدها باسانيد كثيرة . ٢٦٠