Indexed OCR Text

Pages 141-160

أنه قال : يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة . وقال أيضاً : وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل .
وكان معاذ سمحاً كريماً ، فركبته ديون ، فقسم النبي صلى اللّه عليه وسلم ماله بين غرمائه ، ثم بعثه على
اليمن ليجبره فعاد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مال لنفسه ، فلقيه عمر ، فأشار عليه أن
يدفع المال إلى أبي بكر ليجعله في بيت المال، فأبى وقال: انما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبرني.
ثم رأى رؤيا ، فسمحت نفسه ، فذهب إلى أبي بكر ، وبذل له المال ، فقال أبو بكر : قد وهبته لك ،
فقال عمر : الآن حلّ وطاب، يعني أن الشبهة التي كانت فيه هي احتمال أن يكون فيه حق لبيت المال ،
فلما طيّبّه له أبو بكر - وهو الامام - صار كأنه أعطاه من بيت المال ، لاعتقاده أنه مستحق ، فبذلك
حلّ وطاب .
فلما استخلف عمر جرى على احتياطه ، فكان يقاسم عمّاله أموالهم ، فجعل ما يأخذه منهم في بيت
المال . قال ابن سيرين : فكان يأخذ منهم ، ثم يعطيهم أفضل من ذلك .(١)
وكان عمر يتخوف عليهم أن يكون الناس راعوهم في تجارتهم ومكاسبهم لأجل الامارة، فكان يأخذ
منهم ما يأخذ ويضعه في بيت المال لتبرأ ذممهم ، ثم يعطيهم بعد ذلك من بيت المال بحسب ما يرى من
استحقاقهم، فيكون حلاً لهم بلا شبهة.) (٢) .
وقد نقل أبو رية قصة المقاسمة عن العقد الفريد ، وترك الأسانيد الصحيحة في الكتب الموثوقة ، وفي
رواية العقد : ( ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه ) . فابو رية رأى ( هذه الرواية توافقه فاستشهد به ،
ولم يذكر الرواية التي بعدها مباشرة ، فليس في تلك ضرب عمر لأبي هريرة ، بل فيها رد أبي هريرة على
عمر حين قال له : يا عدو اللّه، سرقت مال الله؟ قال أبو هريرة: ما أنا عدو الله وعدو كتابه ، ولكني
عدو من عاداهما .
إن ما استشهد به المؤلف مجرد عن السند ، فلو كان لروايته في الأصل سند أمكننا ان نتعرف من خلاله
مقدار صحتها ، بينما وردت الرواية الثانية التي لم تنص على ضرب عمر لأبي هريرة في مراجع كثيرة جداً
بأسانيد صحيحة . ) (٣)
وماذا يضير أبا هريرة لو كان عمر ضربه فعلاً ؟ لقد ( كان عمر رضي الله عنه للصحابة بمنزلة الوالد ،
يعطف ويشفق ويؤدب ويشدد ، وكان الصحابة رضي الله عنهم قد عرفوا منه ذلك ، وقد تناول بدرته
بعض أكابرهم ، كسعد ابن أبي وقاص ، وأبي بن كعب ، ولم يزده ذلك عندهم إلا حباً . (٤) . فأهل العلم
(١) انظر ترجمة معاذ من الاستيعاب، والمستدرك ٢٧٢/٣
(٣) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٢٤
(٢) الأنوار الكاشفة ص ٢١٣
(٤) انظر سنن الدارمي، باب: من كره الشهرة والمعرفة،
وطبقات ابن سعد ترجمة عمر :
١٤١

والإيمان ينظرون إلى ما جرى من ذلك نظرة غبطة وإكبار لعمر ولمن أدبه عمر ، وأهل الاهواء ينظرون
نظرة طعن على أحد الفريقين.) (١).
ومع ذلك فان ابن عبد ربه لم يذكر ( في كتابه سنداً ، ولم يعن بصحة الرواية ، وإنما هي أخبار الأدباء
يذكرونها حيثما وقعوا عليها، لا يعنيهم صحتها، وهو كما قال ابن كثير: فيه ميل إلى التشيع شديد) (٢)
عمر يبتغي تأمير ابي هريرة ثانية
والدليل على ان عمر سلك هذا المسلك من باب الاحتياط لا من باب الاتهام له ، أنه اراد استعماله مرة
أخرى . يقول أبو هريرة : ( ثم قال لي عمر بعد ذلك : ألا تعمل ؟ قلت : لا . قال : قد عمل من هو
خير منك : يوسف . فقلت : إن يوسف نبي ابن نبي ، وانا ابن أميمة ، وأخشى ثلاثاً واثنتين . قال :
فهلا قلت خمساً؟ قال : أخشى أن أقول بغير علم ، وأحكم بغير حلم ، أو قال : اقول بغير حلم واحكم
بغير علم، قال: الشك من ابن سيرين، وأخشى أن يضرب ظهري ، وتشتم عرضي، وينتزع مالي.) (٣).
فلو كان عمر قد جرب منه الخيانة لتركه بتاتاً ، ولما دعاه ثانية ، ( ولو أن عمر شك في أمانة أبي
هريرة بعض الشك لحاكمه وعاقبه العقوبة الشرعية ، ولكنه عرف فيه الامانة والإخلاص فعاد إليه بعد حين
يطلبه للولاية . ) (٤) .
وينبغي لنا ، لإكمال تصور المغزى التوثيقي لتأمير ابي هريرة البحرين ، أن نلحظ الخطورة النسبية
لإمارة البحرين آنذاك ، وبطلان قياس أهميتها تلك الأيام بأهميتها الثانوية الحاضرة بالنسبة للعالم الاسلامي ،
ذلك أن البحرين كانت أهم مصر اسلامي بعد الحجاز قبل الفتوحات ، لأنها أول قطر أسلم بعد المدينة ، و
( إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجوائي
من البحرين ) (٥) ، وفي هذا ( إشعار بتقديم إسلام عبد القيس على غيرهم من أهل القرى).) (٦) .
(١) الأنوار الكاشفة ص ٢١٤
(٣) الاموال لابي عبيد ص ٢٦٩ بسند صحيح من طريق يزيد
ابن ابراهيم التستري عن ابن سيرين ، والقصة نفسها في
المستدرك ٣٤٧/٢، وعيون الاخبار ٥٣/١
(٢) من كلام الاستاذ السماحي في المنهج الحديث ص ٣٢٨
(٤) السنة قبل التدوين ص ٤٣٨
(٥) صحيح البخاري ٦/٢
(٦) فتح الباري ٣١/٣
١٤٢

مَوقفه الصَائِ في الفِتنَة
كان أبو هريرة رضي الله عنه على جانب عظيم من الفقه السياسي الشرعي قاده إلى الصواب في مواقفه،
ولكن أعداءه لم يرق لهم إلا أن يشوهوا مواقفه ويختلفوا عليه الحكايات التي تظهره رجلاً مصلحياً مادياً
يستغل الظروف للثراء وصيد المغانم ، وهو هو من عرفنا مكانته في الزهد وحيازة أخلاق المؤمنين.
موقفه الصائب في محنة عثمان رضي الله عنه
اجتمع الغوغاء من الأمصار في المدينة ، وحصروا عثمان في داره أياماً يدعونه إلى التنازل ويرفض ،
وفيهم عصبة أكثر من بقيتهم رعونة وطيشاً وتسرعاً تريد اقتحام الدار .
ويأتي أبو هريرة ، فيرى من الخارج هذا المنظر الرهيب المحزن ، ويعزم قلبه على وقوف الموقف
الصائب للمسلم في أمثال تلك الظروف من وجوب نصر الأمير الشرعي ولزوم أوامره .
وينظر إلى أهل المدينة فيرى الكثير من أهلها قد ذهلتهم الأحداث عن الاسراع في نصر عثمان ، إلا
عصبة إيمانية يتحرق قلبها ، وتريد الدفاع عن عثمان وليس من قائد ...!
( وأقبل أبو هريرة ، والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة ، فدسروا (١) ، فاستقتلوا ، فقام معهم.
-
(١) اي دفعوا وتقدموا
١٤٣

وقال : أنا أسوتكم .
وقال : هذا يوم طاب امْضربُ - يعني أنه حل القتال وطاب، وهذه لغة حمير - (١).
ونادى : يا قوم ، مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار؟ ) (٢)
ودخل أبو هريرة الدار ، فاستأذن عثمان ( في الكلام ، فأذن له ، فقام فحمد الله وأثنى عليه .
ثم قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً ، أو قال:
اختلافاً وفتنة ، فقال له قائل من الناس : فمن لنا يا رسول الله ؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه ، وهو يشير الى
عثمان بذلك . ) (٣)
ثم تقدم إلى عثمان فقال له : (اليوم طاب الضرب معك.) (٤)، (قتلوا رجلاً منا. ) (٥)
فرفض عثمان رضي الله عنه وقال: (اعزم عليك لتخرجن.) (٦)، (عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت
بسيفك، فإنما تراد نفسي ، وسأقي المؤمنين بنفسي اليوم.) (٧)، ( أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإياي؟) (٨).
فقال أبو هريرة : لا .
فقال عثمان : ( فإنك واللّه إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتل الناس جميعاً ) (٩).
ولبث أبو هريرة ( متقلداً سيفه حتى نهاه عثمان ) (١٠)، فرجع ولم يقاتل (١١)، ورمى بسيفه ولم يدر أين
صار بعد (١٢).
فتقدمت الأوغاد ، واستشهد عثمان .
هكذا اجتهد عثمان رضي الله عنه ، ظن أنهم يريدونه هو فقط لا الإسلام كله متمثلاً به وبأعيان ذاك
(١) ونقل أبو عبيد أيضاً في غريب الحديث ١٩٣/٤ عن
الاصمعي أنها لغة أهل اليمن وحمير ، وان منها الحديث
المرفوع : ليس من امبر امصيام في امسفر ، أي : ليس
من البر الصيام في السفر .
(٤) تاريخ خليفة بن خياط ١٥١/١
(٥) التهذيب ١٤٢/٧
(٧) التهذيب ١٤٢/٧
(١٠) تاريخ خليفة ٥١/١
(١٢) التهذيب ١٤٢/٧
(٢) تاريخ الطبري ٣٨٩/٤
(٣) مسند الامام أحمد ٣٤٥/٢ بسند صحيح جداً من طريق موسى
بن عقبة صاحب كتاب المغازي ، وأخرجه الحاكم في
المستدرك ٩٩/٣، ٤٣٣/٤ بسندين صحيحين، ولفظه :
عليكم بالأمير ، بالراء .
(٦) تاريخ خليفة ١٥١/١
(٨) (٩) طبقات ابن سعد ٧٠/٣ بسند صحيح
(١١) طبقات ابن سعد ٧٠/٣
١٤٤

العصر من المسلمين ، وكأنه لم يدر ما وراء الغوغاء من الأيادي اليهودية والمجوسية التي بدأت مؤامرتها الواسعة على
الاسلام بقتل عمر الفاروق رضي الله عنه، وتريده هو ثانياً ، لينفتح المجال لبقية خطتها .
ولم يكن أمام أبي هريرة وغيره إلا الطاعة ، فحدث ما حدث ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولذلك كان أبو هريرة ( إذا ذكر ما صنع بعثمان بكى ) (١) ، حتى يسمعه السامع يقول : (هاه ، هاه ،
ينتحب.) (٢)، مثل الذي روي عن زيد بن ثابت وثمامة بن عدي رضي الله عنهما من البكاء حين يذكرون
عثمان .
وقد حفظ بنو أمية الذين هم أقارب عثمان موقف أبي هريرة هذا ، فلما أخبر معاوية بموت أبي هريرة كتب
إلى أمير المدينة يقول : ( انظر من ترك ، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم ، وأحسن جوارهم ، وافعل إليهم
معروفاً ، فانه كان ممن نصر عثمان ، وكان معه في الدار .) (٣).
ولا يترك الأعداء هذه المناسبة تمر حتى يظهروا من تهافتهم مقداراً أكبر، فيدعي العدو أن ترقب هذا العطاء
هو الذي شجع أبا هريرة على أن يكون في المحصورين ، وأنه وضع حديث : عليكم بالأمين، أو الأمير ، كذباً .
( ونقول لمبغض أصحاب رسول اللّه والمحترق من رواية فضائلهم : ليس هذا الحديث بكثير على فضل
عثمان ذي النورين ثالث الخلفاء الراشدين باجماع المهاجرين والأنصار ، وزوج بنتي النبي صلى الله عليه وسلم،
ولو كان عند النبي صلى اللّه عليه وسلم بنت ثالثة لزوّجه إياها ، وهو مجهز جيش العسرة بألفي جمل ، بأقتابها
ورحالها ، حتى قال صلى الله عليه وسلم: أما عثمان، فقد أوجب بعد اليوم ، وليس على عثمان بأس بعد
اليوم . ) (٤) .
( أيها الفيلسوف في القرن الرابع عشر : تعيب على المحدثين اشتغالهم بالسند وصحته من ضعفه ولا ينظرون
إلى المتن وموافقته للعقل ، وهنا عميت عما عبته عليهم ، فكل ذي لب وعقل يجزم بأن أبا هريرة لو تملق لأحد
لتملق للثوار الذين يحاصرون عثمان ، ولتحول عن رجل محصور مغلوب على أمره ، فيتحدث بحديث قد يكون
سبباً في إراقة دمه من الثوار المحاصرين للخليفة الذي لا يملك دفاعاً عن نفسه .
فهل كان أبو هريرة قد اطلع على الغيب فعلم منه أنه ستقوم لبني أمية دولة فتقرب إلى محصورها بوضع هذا
الحديث ؟ أنصفونا يا أولي الألباب.) (٥).
(١) (٢) طبقات ابن سعد ٨١/٣ بسند صحيح
(٤) (٥) ظلمات ابي رية ص ١٨٧
(٣) المستدرك ٥٠٨/٣
١٤٥

و ( كيف قرأ سريرة أبي هريرة واطلع عليها وليس لنا إلا الظاهر؟، فقد كان محصوراً في الدار مع عبد الله
ابن عمر ، وعبدالله بن الزبير، والحسن والحسين. فكل افتراض يفترضه بالنسبة لأبي هريرة يفترض بالنسبة لمن
كان معه ، فهل يقبل المؤلف هذا لسيدي شباب أهل الجنة ؟ ) (١) .
حياد أبي هريرة أثناء فتنة القتال بين علي ومعاوية
إن الفقه الصحيح الذي قاد أبا هريرة إلى أن يقف هذا الموقف في الانتصار إلى عثمان لا بد أن يقوده أيضاً
إلى اتخاذ الموقف الصائب فيما بعد حين استفحلت الفتنة بعد مقتل عثمان ونشب القتال بين علي ومعاوية رضي الله
عنهما فاعتزل، وكأن تشديد عثمان عليه بعدم القتال كان متجسماً أمامه يمنعه ، وظل يردد أحاديث النهي عن
المشاركة في الفتن .
يقول : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها
خير من الساعي ، ومن يشرف لها تستشرفه ، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به.) (٢).
ودعا إلى كفّ الأيدي، فقال: (ويل للعرب من شرٌّ قد اقترب، أفلح من كف يده.) (٣).
ثم أوضح دستوره في الفتنة بشكل أصرح فقال: ( إني لأعلم فتنة يوشك أن يكون الذي قبلها معها كنفخة
أرنب، وإني لأعلم المخرج منها.). فيقال له : ( وما المخرج منها ؟ قال: أمسك يدي حتى يجيء من
يقتلني .) (٤) .
إن هذا الموقف الحيادي ليس هو موقف أبي هريرة فحسب ، وإنما هو موقف رهط من أكابر الصحابة
رضي الله عنهم، رأوا أن الله عز وجل انما أمر (بقتال الباغي ولم يأمر بقتاله ابتداء ، بل قال: (وإنْ طائِفَتَان
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَيْنَهُمَا، فإِنْ بَغَتْ إحداهُمَا على الأخرى فقاتِلُوا التي تبغِي حتّى
تفيءَ إلى أَمْرِ اللّهِ، فإنْ فاءَتْ فَأَصلِحُوا بينَهُما بالعَدْلِ وأَقْسِطُوا، إنّ اللّه يُحب المقسطينَ). قالوا:
والاقتتال الأول لم يأمر الله به، ولا أمر كل من بغى عليه أن يقاتل من بغي عليه.) (بل غالب المؤمنين ، بل
غالب الناس لا يخلو من ظلم وبغي ، ولكن إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب الاصلاح بينهما ، وإن لم
تكن واحدة منهما مأمورة بالقتال ، فاذا بغت الواحدة بعد ذلك قوتلت، لأنها لم تترك القتال ولم تجب إلى الصلح ،
(١) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٢٧
(٣) أبو داود ٤١٣/٢ بسند صحيح
(٤) المستدرك ٤٧٢/٤ بسند صحيح أقره الذهبي
:
(٢) البخاري ٢٤١/٤، ٦٤/٩، وأحاديث اخرى له في النهي
عن القتال في الفتن في المستدرك ٤٣٤/٤
١٤٦
1

فلم يدفع شرها إلا بالقتال .) (١) .
فمن هؤلاء: سعد ابن أبي وقاص وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم، (ولم يكن في العسكرين بعد عليّ
أفضل من سعد ابن أبي وقاص، وكان من القاعدين.) (٢)، و (اعتزل الفتنة، ولم يقاتل مع علي ومعاوية،
ثمّ كان عليّ يغبطه على ذلك، فعنه أنه قال: لله منزل نزله سعد وابن عمر، لئن كان ذنباً إنه الصغير،
ولئن كان حسناً إنه لعظيم .) (٣).
ومنهم عمران بن حصين رضي الله عنه، (اعتزل الفتنة ولم يحارب مع علي ) (٤)، وهو من أفاضل الصحابة،
حتى أن علياً رضي الله عنه حرص على أن يكون معه .
وإهبان بن صيفي رضي الله عنه ، جاءه الإمام علي رضي الله عنه( في منزله ، حتى قام على باب حجرته ،
فسلّم ورد عليه الشيخ السلام، فقال له علي : كيف أنت يا أبا مسلم ؟ قال ؛ بخير . فقال علي : ألا تخرج
معي إلى هؤلاء القوم فتعينني؟ قال : بلى إن رضيت بما أعطيك . قال علي : وما هو ؟ فقال الشيخ: يا جارية:
هات سيفي، فأخرجت اليه غمداً فوضعته في حجره، فاستل منه طائفة، ثم رفع رأسه إلى عليّ رضي الله عنه، فقال:
إن خليلي عليه السلام وابن عمك عهد إلي إذا كانت فتنة بين المسلمين أن أتخذ سيفاً من خشب ، فهذا سيفي ،
فإن شئت خرجت به معك . فقال عليّ رضي الله عنه: لا حاجة لنا فيك ولا في سيفك. فرجع من باب الحجرة
ولم يدخل . ) (٥)
وممن اعتزل أيضاً : أبو بكرة الثقفي ، وكعب بن عجرة ، ومعاوية بن حديج ، رضي الله عنهم (٦)، ومحمد
ابن مسلمة ، وأسامة بن زيد، رضي اللّه عنهما (٧)، (ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا.
الرأي .) (٨)
بل إني لا أرى موقف أبي هريرة وهؤلاء موقفاً حيادياً ، إذ كانوا يقرّون بالحق لعلي رضي الله عنه ، وبايعوه
أول مرة ، ولم ينقضوا بيعته في حياته ، إذ هو أمير المؤمنين والخليفة الشرعي وصاحب الحق عندهم وعندنا ،
لكنّهم لم يحملوا السيف لما رأوه من عظمة أمر كل من الطائفتين المتقاتلتين ، ولما رأوه من كثرة الدماء الطاهرة التي
اريقت في كلا العسكرين ، فاجتهدوا ، فمالوا الى عدم حمل السيف مع إقرارهم بخلافة عليّ ، طاعة للأحاديث
التي سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم المحذّرة من الفتنة والاشتراك فيها، فرجحوا طاعة هذه الأحاديث على
طاعة علىّ في هذا الأمر خاصة دون غيره ، أو بالأصح أنهم رجحوا هذه الأحاديث على المبادرة للأنخراط في
صفوف جيش علي ، إذ لم يرو لنا التاريخ أنه دعاهم كدعوته لاهبان بن صيفي فامتنعوا ، وكل ما يروى من
(١) (٢) فتاوى ابن تيمية ٢٢٦/٤
(٤) سير أعلام النبلاء ٣٦٤/٢، تذكرة الحفاظ ٣٠/١
(٦) تذكرة الحفاظ ٣٠/١
(٣) تذكرة الحفاظ ٢٢/١
(٥) مسند الامام أحمد ٦٩/٥ بسند صحيح
(٧) (٨) فتاوى ابن تيمية ٢٢٦/٤
١٤٧

بيعة هؤلاء لمعاوية فانما كان بعد مقتل على لا في حياته ، وبعد صلح الحسن .
وفي أمر أبي هريرة خاصة نرى أنه كان أيام صفين شيخاً كبيراً جاوز الستين ، ضعيف البنية ، لا يمكن أن
يؤدي دوره في المعارك ، وفرق ما بين خوض معركة وحمل سيف لنصرة عثمان في داره .
أما أعداء أبي هريرة فقد اجتهدوا في وضع القصص عليه واتهامه بالإنحياز إلى معاوية ومحاولة الاستفادة من
ظروف القتال ، ولم يوردوا خبراً موثوقاً يثبت دعواهم ، بل لم يكن متقدمو الشيعة يتهمونه بذلك ، وإنما هو قول
المتأخرين ، فهذا نصر بن مزاحم المنقري ، أحد غلاة الشيعة الأوائل ، توفي سنة ٢١٢ هـ ، وقد أجهد نفسه وأفنى
عمره في تتبع أخبار صفين ، وألّف كتاباً مشهوراً في ذلك سماه : ( وقعة صفين . ) وهو مطبوع، وقد طالعته
كله ، فإذا هو لم يترك كبيرة ولا صغيرة من أخبار صفين إلا أحصاها ، فما كان فيما أحصاه ذكر لأبي هريرة
رضي الله عنه في أحد الفريقين ، فعلى ماذا يدل ذلك ؟
نعم ، ذكر خليفة بن خياط في أخبار صفين أن بلال ابن أبي هريرة كان على رجالة الميسرة في جيش معاوية
في صفين (١) ، أما أبو هريرة نفسه فلا .
وقد وجدت أبا هريرة يمدح عمار بن ياسر ، ويصفه بأنه ( الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى
اللّه عليه وسلم.) (٢) ، وعمار من معسكر علي، ومدحُ أبي هريرة له من شأنه أن يزيد مناصرة الناس له ، إذ هو
كما تقول عائشة فيه : - ( رجل يتبعه الناس لدينه)، فكيف يمدحه إن كان منحازاً مع معاوية ؟
وقد نسب إلى ابن قتيبة أنه ذكر قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية وعليّ رضي الله عنهما ومناصحتهما
معاوية لحقن دماء المسلمين ثم اتصالهما بعلي رضي الله عنه من أجل قتلة عثمان، فلو صحّ ذلك لدلّ ( على
اعتزال أبي هريرة الفتنة ومحاولة جمع كلمة المسلمين ) (٣)، لكننا لا نتمكن من إثبات ذلك ، لأن كتاب
( الامامة والسياسة ) الذي روي في هذا الخبر كتاب منسوب الى ابن قتيبة تزويراً، وقد ملأه من زوره دساً
وافتراء على السلف الصالح ، وابن قتيبة معروف بسلامة الاعتقاد وتوقير السلف .
ومثله ( ما ذكره أبو جعفر الاسكافي من أن أبا هريرة كان مع النعمان بن بشير في قدومه من دمشق إلى علي
رضي اللّه عنه في المدينة ، لرفع القتال ، وحقن دماء المسلمين، على أن تكون الشام ومصر لمعاوية ، والحجاز
والعراق لعليّ، فهذا الخبر لم يصح ، ولم يروه مؤرخ ثقة قط، ولم أجده إلا في شرح نهج البلاغة ، عن أبي
جعفر من غير سند، فكيف نحكم على صحته مع مخالفته لصحيح الأخبار .) (٤) .
وروى (زياد بن عبد اللّه البكائي عن عوانة بن الحكم الكلبي أن معاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز
(١) تاريخ خليفة بن خياط ١٧٩/١
(٣) (٤) أبو هريرة راوية الاسلام ص ٢٢٨، ص ١١٢
(٢) المستدرك ٣٩٢/٣
١٤٨

وكان ذلك سنة أربعين - ودخل المدينة وعليها عامل عليّ يومئذ أبو أيوب الأنصاري - ففرّ ، وطلب بسر
البيعة لمعاوية وأتى مكة ثم اليمن، وقتل في اليمن جماعة كثيرة من شيعة عليّ رضي الله عنه، فلما بلغ علياً خبر
بسر وجه جارية ابن قدامة في ألفين ، ووهب بن مسعود في ألفين ، فهرب بسر وأصحابه ، فطلب جارية البيعة
لأمير المؤمنين ، ولما بلغه استشهاده طلبها للحسن ، وأتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم ، فهرب منه ، فقال
جارية : والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، وأخذ البيعة للحسن بن علي ، وأقام يومه ثم انصرف الى الكوفة،
وعاد أبو هريرة فصلى بهم.) (١) .
إن هذه الحادثة قد استغلها بعض المغرضين وحوّر صلاة أبي هريرة بأهل المدينة وكيفها ووصفها بأنها تأمير له
من قبل ابن أبي أرطأة على المدينة ، وأن هذا التأمير كان ( أول لفتة من عين الأمويين إلى أبي هريرة لقاء
مناصرته إياهم.) ، وما كان الأمر كذلك قط ، إذ ( ان فرار أبي هريرة من جارية لا يعني قط أنه كان أميراً
على المدينة من قبل معاوية ، إنما فرّ بنفسه مخافة بطش قائد فاتح . وأما غضب جارية عليه فلا يعني أنه كان
خصماً لعلي رضي الله عنهما، ومؤيداً لمعاوية، فقد يكون غضبه لأنه علم إمامته للناس في صلواتهم حين غاب
عن المدينة أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، الذي كان أميراً لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله
عنه ، فظن فيه ظن السوء ، وأراد البطش به ، في حين أنه قدم للصلاة بالناس لجلالة قدره .) (٢)، ولو كان
الأمر كما يقال لما روى أبو أيوب نفسه عن أبي هريرة الأحاديث ، كما ذكرنا في فصل سابق .
وماذا يفعل أبو هريرة في الحين الذي بايع فيه أهل المدينة بسراً بيعة الاضطرار؟ بل في الحين الذي بايع فيه
جابر ابن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه وهو من فقهاء الصحابة ومن محبي عليّ ودعاته وأحد أعيان حزبه ؟
يقول جابر : ( قدم بسر ابن أبي أرطأة المدينة زمان معاوية ، فقال: لا أبايع رجلاً من بني سلمة حتى
يأتي جابر .
فأتيت أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت: بايع ، فقد أمرت عبدالله بن
زمعة ابن أخي أن يبايع على دمه وماله . أنا أعلم أنها بيعة ضلالة.) (٣).
وكذلك أمرت ابنها عمر ابن أبي سلمة بالمبايعة (٤).
( أكنت ترى بعد أن بايع أهل المدينة بسراً خوفاً وهلعاً من بطشه حتى أشارت أم سلمة على جابر بالمبايعة
وهي تعلم أنها مبايعة ضلالة وتأمر ابنها وختنها بالمبايعة ، أن يقوم أبو هريرة في وجهه ويترك إمامته في
الصلاة بالناس ؟ وهل كانت إمامته للناس في هذا الظرف لفتة من عين الأمويين لمناصرته إياهم ؟ لقد عاد أبو
هريرة لإمامته للناس بعد أن خرج جارية وبايع الناس الحسن ، فلو كان أبو هريرة قد فعل فعلاً غير سائغ
أترى جمهور أهل المدينة يرضى به إماماً بعد أن بايعوا الحسن ؟) (٥) .
(١) أبو هريرة راوية الاسلام ص ١١١، ينقله عن تاريخ
الطبري ١٠٦/٤
(٤) (٥) المنهج الحديث للاستاذ السماحي ص ٢٩٥
(٢) أبو هريرة راوية الاسلام ص ١١١
(٣) التاريخ الصغير للبخاري ص ٥٩ بسند صحيح
١٤٩

بل لنا حجة أقوى من المفاد الضمني لصنيع أهل المدينة بالصلاة وراءه ، وهي أن المدينة لما تركها جارية
راجعاً إلى أمير المؤمنين لم يدعها ترجع إلى الأيادي الأموية من غدها حتى يرجع أبو هريرة رجوع الآمن القرير
العين ، وإنما تركها بعد أن نصب عليها عاملاً يحكمها باسم أمير المؤمنين ، فلم لم يوص جارية هذا العامل بقتل
أبي هريرة إذا ظفر به من بعده؟ ولو كانت نظرة جارية لأبي هريرة هي تلك فعلاً فهل لم يعلمها العامل. بحيث
يحجزه ويرسله أسيراً مخفوراً إلى أمير المؤمنين ان لم يقتله؟ أو على الأقل يمنعه من تصدّر الناس في الصلاة وغيرها،
ويجلسه في بيته أو في صفوف المسجد الأخيرة! لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، وفي عدم فعله الدليل الكامل والبرهان
الدامغ على أن قول جارية مضاف للقصة إضافة عمدية من أعداء أبي هريرة وان أبا هريرة كان سليم
الموقف .
وقد اختلق البعض قولاً سخيفاً جداً نسبه إلى أبي هريرة يصرح فيه بأن الصلاة وراء علي أتم ، والأكل مع
معاوية أدسم ، لكن شيئاً من مثل هذا لم يثبت ، ولم يأتنا المتقول بسند موثوق ، وإنما هي حكايات من طريق
أهل المجون والتندر من الأدباء المبتدعة الذين ليس لهم مرتبة في الدين ، وإننا لا نقبل على أنفسنا (في دينار ، بل
في درهم ، إلا عدلاً بريئاً من التهم ، سليماً من الشهوة.) (١) . فكيف يسوغ لنا إذن أن نقبل ( في أحوال
السلف وما جرى بين الأوائل ممن ليس له مرتبة في الدين؟) (٢).
* *
ونقل أبو رية عن ابن أبي الحديد وشيخه الاسكافي اتهامهما لأبي هريرة وبعض خيار الصحابة بوضع أحاديث في
الطعن بعلي رضي الله عنه ، وليس ادعاؤهما بمقبول، إذ أن من كان في مثل حالهما من التعنت والانحياز لا يقبل
خبره ، وانقطاع أسانيدهما ينزل مروياتهما عن درجة الاحتجاج ، وما الأحاديث التي استشهدوا بها إلا (أحاديث
موضوعة ، كما نبه على ذلك جهابذة الحديث ، وقد بين الأئمة الواضع لكل حديث من رواته ، ولم يقل أحد قط
إن لأبي هريرة ضلعاً في هذا .) (٣) ، إلا بعض المبتدعة من الأدباء، أو من هو حاطب ليل يشحن كتابه بما
يلتقط دونما تمييز ، و ( إن كتب الأدب والتواريخ والأخلاق والمواعظ ونحوها مشتملة على الكثير من الإسرائيليات
والأحاديث المكذوبة التي هي دخيلة على الإسلام .) (٤).
(١) (٢) القتباس من كلام القاضي ابن العربي في العواصم
من القواصم ص٢٥٢١
(٣) (٤) دفاع عن السنة ص ١٨٨، ص ١٦٦
١٥٠

أما بيعة أبي هريرة لمعاوية فانما كانت بعد صلح الحسن بن علي معه كما أسلفنا ، ولا ينبغي أن ننظر إلى
معاوية بنفس المنظار القاتم الذي ينظره به البعض ، وإنما هو مجتهد أخطأ ، وقد قدم للإسلام فيما بعد من
الخدمات ما توجب الثناء ، إذ كان عهده عهداً عرف استئناف الفتوح الاسلامية بعد توقفها أيام الفتنة ، ومعاوية
هو الذي جهز الجيش الضخم وسيره لفتح القسطنطينية ، قلعة الكفر الكبرى آنذاك ، حتى إن حماسة الحملة
استجاشت ما في قلب الشيخ الكبير المسن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، الذي عرفناه في معسكر علي
أيام الفتنة ، من شوق إلى الجهاد ، فانخرط في الصفوف الغازية تحت إمرة يزيد بن معاوية ، وقبره لا يزال تحت
أسوار القسطنطينية . ومعاوية هو الذي إِفتح قبرص في جيش وصفهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ هم في
سفنهم الغازية ( مثل الملوك على الأسرة .) (١).
*
وهكذا تستبين نجاة أبي هريرة رضي اللّه عنه من كل ما أثير من الشبهات حول موقفه في الفتنة ، والعاقل
يستنتج ذلك ابتداء حين يرى رواية الصحابة الذين انحازوا إلى علي في الفتنة عنه ، كجابر وأبي أيوب ، ومن
رواية صدر التشيع عنه ، كما سنرى ، ولو كان أبو هريرة منحازاً إلى معاوية لما رووا عنه ، لكن روايتهم لها
مغزى ، وفيها دليل ، وذكرى ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
(١) البخاري ١٩/٤
١٥١

علاقته بمروان بن الحكم وَالأمويّين
ما قيل في الفصل السابق كان لرد الشبهات حول موقف أبي هريرة حال حياة أمير المؤمنين عليّ رضي الله
عنه ، ولكن المتقولين أبوا أن يقفوا ، فواصلوا كيل التهم عليه حول سيرته بعد مقتل عليّ رضي الله عنه وصوروه
بمظهر الذي رمى نفسه في خضم السياسة الأموية ، منفذاً لها ، وداعياً إليها، ولما كان أبو هريرة يعيش في المدينة،
ومروان كان والي المدينة من قبل معاوية رضي الله عنه ، فان غالب ما قيل من ذلك قرنوه بمروان .
ومروان بن الحكم الأموي القرشي هو ابن الحكم ابن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس ، ولد بعد الهجرة
بسنتين ، وقيل بأربع ، واستعمله عثمان كاتباً ، وولي إمرة المدينة أيام معاوية ، وبويع له بالخلافة بعد موت
معاوية بن يزيد ، وكانت ولايته تسعة أشهر (١) .
ونظراً للموقف الصائب الذي وقفه أبو هريرة في الفتنة زمن عثمان رضي الله عنه كما رأينا ، فان مروان ،
بدافع من قرابته لعثمان رضي الله عنه، وتثميناً لموقف أبي هريرة ، قد وطّد علاقته بأبي هريرة ووثقها ، حتى إن
بعض تربية أولاده كانت على يد أبي هريرة فيما يبدو ، إذ يروي عنه ابنه عبد العزيز بن مروان ، والد الخليفة
الراشد الخامس عمر (٢)، ويروي عنه الخليفة الفقيه عبد الملك بن مروان (٣) ، وكلاهما ثقة عند أهل الحديث،
(١) من ترجمة في التهذيب ٩١/١٠
(٣) التهذيب ٤٢٢/٦
(٢) التهذيب ٢٥٦/٦
١٥٣

خلا بعضهم ، استعظموا القتل الذي صاحب خلافة عبد الملك فضعفوه ، وإلا فان الاجماع منعقد على أنه من
كبار الفقهاء قبل توليه الخلافة .
ونرى أن هذه الصلة القوية كان من نتائجها استخلاف مروان لأبي هريرة مرتين على المدينة حين كان يخرج
حاجاً ، ولا غرابة في ذلك ، إذ أن أبا هريرة قد أصبح آنذاك ، بحكم موت جيل الصحابة الكبار أو تفرقهم في
البلاد المفتوحة ، أحد أعيان الصحابة في المدينة ، وكان من المحتمل أن يستخلفه كل الأمراء ، مروان وغيره ،
بل كأنه هو عين أعيان المدينة آنذاك، لما تعارف عليه جمهور أهل المدينة من تقديمه في الصلاة في كل عهودها،
الأموية والعلوية ، كما رأينا في آخر الفصل السابق ، خصوصاً وأن لمروان سابقة عمر في توليته لأبي هريرة على
البحرين .
وفي استخلاف مروان له وردت عدة نصوص .
أخرج مسلم بسنده إلى كاتب الإمام علي عبيدالله ابن أبي رافع قال : ( استخلف مروان أبا هريرة على
المدينة وخرج إلى مكة، فصلّى لنا أبو هريرة الجمعة .. ) (١).
وأخرج هذا النص الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣) والحميدي وابن أبي شيبة (٤) ، وفي لفظ الحميدي أن أبا
هريرة كان يؤم الناس .
و ( مروان ولاه معاوية المدينة سنة ٥٤ وصرفه عنها في ذي القعدة سنة ٥٧، وحج مروان بالناس في ولايته
هذه مرتين ، سنة ٥٤ وسنة ٥٥ ، فاستخلافه أبا هريرة على المدينة إما في إحدى السنتين وإما في كليهما .) (٥).
ويدل على أنه في المرتين لفظ المضارعة الوارد في مصنف ابن أبي شيبة ، إذ أخرج بسند صحيح عن نافع
( أن مروان كان يستخلف أبا هريرة .) (٦) .
بل وقد تكون في غير أوقات الحج ايضاً ، إذ أخرج الطحاوي عن نافع قال ( شهدت الأضحى والفطر مع
أبي هريرة رضي الله عنه فكبر في الأولى سبع تكبيرات.) (٧)، فإمامته للناس في الفطر تدل على أنه كان مستخلفاً
على المدينة في غير زمن الحج أيضاً لو أردنا أن نجزم بأن الأمراء كانوا لا يقدمون غيرهم، لكن ذلك منقوض بما
أثبتناه سابقاً من تقدم أبي هريرة للصلاة بعد خروج جارية ابن قدامة من المدينة وهوادذاك ليس بالأمير .
(١) مسلم ١٥/٣
(٣) التر مذي ٣٠٨/٢
(٥) من شرح احمد محمد شاكر للمسند ٢٣٦/١٣
(٦) المصنف ٢٤٠/١
(٢) مسند أحمد بشرح أحمد شاكر ٢٣٦/١٣
(٤) مسند الحميدي ٤٣٤/٢، مصنف ابن أبي شيبة ٢/
١٤٢/١١٣
(٧) معاني الآثار ٣٩٩/٢
١٥٤

وأخرج الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أبي هريرة أن معاوية كان يولي أبا هريرة إمرة المدينة، فاذا
غضب عليه بعث مروان وعزله ، فلم يلبث أن بعث أبا هريرة ونزع مروان ، لكن هذا خلاف المتواتر من
استخلاف مروان له فقط ، ووقع خطأ مطبعي في ص ١١٣ في أرقام الخواشي يوهم أن فعل معاوية هذا وارد في
المسند ، والصحيح أن ما في المسند ما ذكرناه آنفاً .
وكان أبو هريرة مدة ولايته على المدينة يقضي بين الناس ويقيم الحدود ، وأخبار قضائه ذكرها وكيع
والدولاني (١) .
٠ ٠
هذه الصلة بين مروان وأبي هريرة لم يتركها أعداء أبي هريرة دون أن يحاولوا تشويهها واستغلالها لرميه بتهم
باطلة صورت أبا هريرة بصورة النّهم الحريص على تحقيق المصالح الدنيوية من وراء هذه الصلة عن طريق مداهنة
مروان والتملق له ، وحاشا أبا هريرة أن يكون كذلك ، وإن نفسه لأرفع من أن تحدثه بمثل هذه السيرة ، لكنها
طاعة الامراء المفروضة على المسلمين ما لم يروا كفراً بواحاً عندهم من اللّه فيه برهان، فان لم يكفروا ووقفوا عند
ظاهر الشريعة وأحكام الحلال والحرام وحملوا عقيدة التوحيد كانت طاعتهم واجبة ، وإن هفا أحدهم ووقع
في معصية من المعاصي أو خطأ من الأخطاء أمروه بالمعروف ونهوه عن ذلك المنكر الذي أتاه .
وهكذا كان أبو هريرة بحمد اللّه ، مطيعاً لمروان كأمير ، لكنه لم يترك تنبيهه على بعض هفوات بدرت
منه ، ولم يترك تحذيره ونصحه نصحاً عاماً من أن تستهويه الدنيا .
فمن نصحه العام لمروان ما أخرجه البخاري من طريق شيخه موسى بن اسماعيل عن عمرو بن يحيى بن
سعيد بن عمرو بن سعيد القرشي قال أخبرني جدي قال : ( كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى اللّه
عليه وسلم بالمدينة ومعنا مروان . قال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدوق يقول: هلكة أمتي على يدي غلمة
من قريش ، فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة . فقال أبو هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان
لفعلت :) (٢).
وأصرح منه لفظ الحاكم عن مالك بن ظالم قال: (سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول (لمروان بن الحكم .. )(٣)
ويسرد الحديث ثم يقول : وقد شهد حذيفة بن اليمان بصحة هذا الحديث . وفي لفظ الحاكم وغيره : ( غلمة
سفهاء) ، لكن يبدو أن هذه اللفظة لم ترد على شرط البخاري فأشار إليها في عنوان الباب فحسب قبل أن يسرد
الحديث ، وهذا تعرض صريح بمروان ، يحذره أبو هريرة أن يكون من هؤلاء وإن كان لا يستطيع الجزم بذلك ،
(١) أخبار القضاة ١١٢/١١١/١، الكنى والاسماء ٢٩/٢،
١٣٦/٢
(٢) البخاري ٦٠/٩
(٣) المستدرك ٤٧٠/٤ بسند صحيح اقره الذهبي
١٥٥

لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُسمّهم، وقوله إنه إن شاء سماهم من باب التخمين والقياس.
أفيتعرض بمروان بمثل هذا التعرض من يريد مداهنته وتحقيق المصالح الدنيوية ؟ !
ومن وعظه العام له أيضاً ما أخرجه الحكم عن يزيد بن شريك أنه كان عند مروان بن الحكم ( فقال مروان
للبواب : انظر من بالباب ؟ قال : أبو هريرة ، فأذن له ، فقال : يا أبا هريرة : حدثنا شيئاً سمعته من رسول
الله صلى الله عليه وسلم. قال: سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول: ليوشك رجل أن يتمنى أنه خرّ من
الثريا ولم يَلِ من أمر الناس شيئاً .) (١).
ومن يكن هكذا نصحه وتحذيره لا بد أن نجده مرشداً لمروان إذا أخطأ ، وقد أنكر عليه فعلاً في أكثر من
مناسبة رأى فيها من مروان ما يخالف الأحكام .
من ذلك ما أخرجه مسلم عن سليمان بن يسار ( عن أبي هريرة أنه قال لمروان : أحللت بيع الربا ، فقال
مروان : ما فعلت . فقال أبو هريرة : أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام
حتى يستوفى . قال : فخطب مروان الناس فنهى عن بيعها . قال سليمان : فنظرت إلى حرس يأخذونها من
أيدي الناس.) (٢) ، أي إن المسلم إذا اشترى طعاماً فلا يجوز له بيعه قبل استلامه هو من البائع الأول.
ومن ذلك نهيه مروان بغلظة عن اتخاذ التصاوير في قصره الذي شيده في المدينة ، إذ روى الامام أحمد عن
أبي زرعة قال : ( دخلت مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم ، فرأى فيها تصاوير وهي تبنى ، فقال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله عز وجل: (ومن أظلمُ ممّنْ ذَهَبَ يخلقٍ خلقاً كخلقي ،
فليخلقوا ذرّة، أو فليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة.) (٣).
ورواه البخاري أيضاً لكن لم يشر إلى أنه دار مروان (٤) ، ومسلم (٥) ، والطحاوي (٦).
وأعنف من هذا مروره مرة أخرى على دار مروان وإغلاظه القول له وتذكيره له بوجوب الزهد وتحقير الدنيا
في عينه ، فقد أخرج الحاكم عن أبي مريم مولى أبي هريرة قال : ( مر أبو هريرة بمروان وهو يبني داره التي
وسط المدينة قال : فجاست اليه والعمال يعملون ، قال : ابنوا شديداً وآملوا بعيداً وموتوا قريباً . فقال مروان :
ان أبا هريرة يحدث العمال فماذا تقول لهم يا أبا هريرة ؟ قال: قلت : ابنوا شديداً وآملوا بعيداً وموتوا قريباً .
يا معشر قريش - ثلاث مرات - اذكروا كيف كنتم أمس وكيف أصبحتم اليوم ، تخدمون أرقاء كم فارس
(١) المستدرك ٩١/٤ بسند صحيح اقره الذهبي
(٣) المسند حديث رقم ٧١٦٦
(٢) صحيح مسلم ٩/٥، مسند أحمد ٣٤٩/٣٢٩/٢
(٤) البخاري ٢١٥/٧
(٥) مسلم ١٦٢/٦
(٦) معاني الآثار ٣٦٣/٢
١٥٦

والروم ، كلوا خبز السميذ واللحم السمين ، لا يأكل بعضكم بعضاً ، ولا تكادموا تكادم البراذين ، كونوا
اليوم صغاراً تكونوا غداً كباراً، والله لا يرتفع منكم رجل درجة إلا وضعه الله يوم القيامة.) (١).
فهل يكون لسان المداهن مثل هذا اللسان ؟
وكيف يسأل أبو هريرة مروان من متاع الدنيا وهو الذي يروي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لأن
يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه .) (٢).
وكيف يطلب أبو هريرة الدنيا من مروان أو من غيره وهو يروي حديث: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة
ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، أحدهم : ( رجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا ، فإن أعطاه منها رضي ، وإن لم
يعطه منها سخط.) (٣)، وفي لفظ ( فان أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له.) (٤).
وما حاجة أبي هريرة من الدّنيا وهو الذي عاش متجرداً للتعليم.
إن علاقة أبي هريرة بمروان علاقة عادية مبنية على فقه صحيح يقرن الطاعة بالأمر بالمعروف في آن واحد ،
ولم يثبت تقول المتقولين ، وهيهات أن يثبت ، وما كان بالظالم لنفسه ولا بالمبتدع في طاعته هذه ، فـ ( مروان رجل
عدل ، من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين .
أما الصحابة : فإن سهل بن سعد الساعدي روى عنه .
وأما التابعون : فأصحابه في السن ، وإن جازهم باسم الصحبة في أحد القولين .
وأما فقهاء الامصار : فكلهم على تعظيمه ، واعتبار خلافته ، والتلفّت إلى فتواه ، والانقياد إلى روايته .
وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء : فيقولون على أقدارهم .) (٥)
وقد استشهد البخاري بحديثه وقرنه بالمِشور بن مخرمة رضي الله عنه (٦) ، وروی له حدیثاً آخر عن زبد بن
ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم (٧).
٠
(١) المستدرك ٤٦٣/٤ بسند صحيح اقره الذهبي
(٢) البخاري ١٤١/٣
(٣) البخاري ١٣٧/٣
(٤) البخاري ٢٢١/٣ وذكره في ١١٩/٩ أبصاً.
(٦) البخاري ١٢٤/٣
(٥) من كلام القاضي ابن العربي في كتابه الرائع: العواصم
من القواصم ص ٨٩
(٧) البخاري ١٨٢/١
١٥٧

ويبدو أن أبا هريرة أحب في آخر حياته الانعزال عن صخب المجتمع الجديد في المدينة ، الذي قل فيه عدد
الصحابة أهل الاتزان ، وكثر فيه الأعراب والغرباء والجند، فاختار سكنى ذي الحليفة قرب المدينة (١) ، فأقطعه
معاوية أرضاً هناك وفي الوادي المجاور لها المسمى بالعقيق ، فيما قيل .
ويستغل أبو رية جهل القارىء بهذين الموقعين ، فيهاجم أبا هريرة ، ويصور ما في هذا العطاء البسيط من
محاباة ومكافأة لأبي هريرة ، وليس الأمر كما قال ، على فرض ثبوته .
فأما العقيق فوادٍ في جوار مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، منبسط ، ليس فيه الا القليل من الزرع ،
وانما سكنه بعض الصحابة ، كسعد ابن أبي وقاص ، لكونه ضاحية طيبة هادئة بعد إذا ازدحمت المدينة وكثرت
فيها الأسواق والأعراب ، وإلا فلا أهمية خاصة لأرض العقيق ، إلا عند المؤمن ، فإنه واد مبارك ، كما وصفه
النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما ذو الحليفة فموطن أجدب أجرد ليس فيه زرع ، يمر به الحجاج الآن حين نزولهم من المدينة إلى مكة،
على بعد عشرة كيلومترات من المدينة ، ويعرف اليوم بـ (آبار علي )، ومنه يحرمون للحج .
وإذن ، فلو ( كان لإقطاع أبي هريرة من بني أمية أصل لكان بأرض الشام ، أرض الجنات والبساتين،
لا أرض العقيق وذي الحليفة ، الصحراء القفراء الجدباء.) (٢).
فهذا وصف أهل الأهواء لعلاقة أبي هريرة بمعاوية .
أما الثقات العدول ، فيقولون إن معاوية لما قدم ( يريد الحج ، تلقّاه أناس من أهل المدينة ، فقيل لأبي
هريرة: ألا تركب فتلقى أمير المؤمنين ؟ فقال: إني أكره أن أركب مركباً لا أكون فيه ضامناً على اللّه.) (٣).
فوازن بين الوصفين يرحمك الله.
. (١) اشار ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٦/٢ إلى سكناه ذا
الحليفة ، وكذلك ابن حبان ، كما في كتاب ترتيب ثقات
ابن حبان للهيشي ص ١٧٢
(٢) ظامات أبي رية ص ١٨٥
(٣) زيادات نعيم في كتاب الزهد لعبدالله بن المبارك ص٥ عن
الاوزاعي عن يحيي بن ابي كثير .
١٥٨

زوَاجُهُ وَأولاده وَأقَاربه وَمواليهِ
زواجه
أخرج البخاري بلفظ المتابعة غير الموصولة عن شيخه أصبغ بن الفرج المصري بسنده إلى أبي هريرة قال :
( قلت : يا رسول اللّه : إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العَنَتَ، ولا أجد ما أتزوج به النساء،
فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك ، فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا
هريرة : جفّ القلم بما أنت لاقٍ ، فاختص على ذلك أو ذر.) (١) .
ونستدل من هذا أنه كان عزباً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لابئاً بجواره لا تشغله النساء؟
لكنه تزوج بسرة بنت غزوان المازنية ( بعد ذلك لما كان مروان يستخلفه في أمرة المدينة.) (٢) ، وهي
صحابية ، ( أخت عتبة بن غزوان المازني ، الصحابي المشهور أمير البصرة .) (٣)، وعتبة هذا ( قديم الاسلام
وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم.) (٤)، (وكان رجلاً طوالاً جميلاً ) (وشهد بدراً) (٥) و (هو الذي مصر البصرة واختطها.) (٦)
( ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.) (٧).
(١) البخاري ٥/٧
(٣) كذلك
(٥) الطبقات ٥/٧
(٧) المستدرك ٢٦٠/٣ والتهذيب ١٠٠/٧
(٢) الا صابة ٢٤٦/٤
(٤) طبقات ابن سعد ٩٩/٣ والمستدرك ٢٦٠/٣
(٦) الطبقات ٩٩/٣
١٥٩

إن زواج أبي هريرة من أخت هذا الصحابي الجليل الأمير توثيق قوي لأبي هريرة ، ولو كان كما يدعي
المدعون كاذباً وضاعاً لما رضي آل بسرة بتزويجه ، ولما رضيت به ، وهي الصحابية الجليلة أخت الصحابي الجليل،
بل إنها كانت ميسورة غنية في العهد النبوي متزوجة من ميسور ، واستأجرت أبا هريرة آنذاك خادماً وحادياً ،
فرضاها بعد ذلك به زوجاً دليل على عظم مكانته في نفوس المسلمين وارتفاع شأنه ، وفي ذلك يسوق أبو هريرة
قصة لطيفة طريفة لزواجه منها فيقول : ( كنت أجيراً لبسرة بنت صفوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، فكنت
أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا، فزوجنيها اللّه، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وجعل أبا هريرة إماماً.)(١)،
ويقول ( أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي ، قال : فكانت تكلفي أن أركب قائماً
وأن أردي أو أورد حافياً، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله، فكلفتها أن تركب قائمة، وأن ترد أو تردي حافية.)(٢)
ثم يسوق ابن سعد نفس القصة بسند صحيح جداً على شرط البخاري عنه أنه قال : ( لقد رأيتني وإني لأجير لابن
عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، أسوق بهم إذا ارتحلوا ، وأخدمهم إذا نزلوا ، فقالت يوماً : لتردنه
حافياً ولتركبنه قائماً. قال : فزوجنيها اللّه بعد ذلك فقلت لها: لتردنه حافية ولتركبنه قائمة.) (٣).
وقد وجد أبو رية في هذه اللطيفة ما يطرب له ، فوصم أبا هريرة من أجلها بأنه ( تعرى عن كل مروءة
وكرم واتسم بكل دناءة ولؤم فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها .) .
هكذا ( خرج المحلل النفسي علينا بما لا يستطيع التاريخ أن يدونه ولا علماء الصحابة والتابعين أن يدركوه
ويفهموه ولا علماء الحديث والفقه أن يستخرجوه ، فأبو هريرة الصحابي التقي الورع الحافظ استخفه أشره وزهوه
ونمّ عليه أصله ونحيزته وخرج على حدود الأدب والوقار واتسم بكل دناءة ولؤم وأهان زوجه وتشفى منها. ما هذا
الهذيان ؟ إن هذه الأقوال التي وردت على لسان أبي هريرة إنما كان يقولها مقرونة بالحمد لله والشكر على ما أنعم
به عليه من تحويله من حال إلى حال بفضل الاسلام وبفضل التربية والتعليم الذي تلقاه عن الرسول صلى الله عليه
وسلم وأصحابه جعلته بعد أن كان خادماً أصبح مخدوماً وبعد أن كان فقيراً أصبح غنياً وبعد أن كان مأموراً
أصبح آمراً وأميراً ، وانفعلت نفسه بذلك فكان يخطب به بعد الصلاة وفوق المنبر وفي الصحراء وفي الطريق ، لا
يفتأ يرى نعمة اللّه عليه فيزيده حمداً وشكراً ، فما استخفّه أشر ، ولا تعالى به زهو ولا خرج عن حدود الأدب
والوقار . أما زوجه الكريمة فلم تظل عنده إلا كريمة ، أما كونها تخدمه وتصنع له عصيدة فهو شأن الزوجات مع
أزواجهن لا يعيب الزوجة أن تخدم زوجها ولا يحط من كرامتها أن تصنع له طعاماً ولو كان ذلك عصيدة بأمر
زوجها وكون الرجل يداعب زوجه ويمزح معها فذاك شأن الأزواج مع زوجاتهم ، ولعلها كانت تستروح لما
يفعله زوجها معه وتسرّ به، فما دخله هو بين رجل وزوجه؟ وهل كانت زوجه الكريمة ستظل معه إذا استشعرت
منه إهانة أو رأته يفعل معها فعل السفهاء .؟) (٤).
(١) (٢) طبقات ابن سعد ٣٢٦/٤
(٤) من كلام الاستاذ السماحي في المنهج الحديث ص ٢٩٧
(٣) الطبقات ٣٢٧/٤
١٦٠