Indexed OCR Text

Pages 1-20

الرجال
الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام
ابن تيمية في مجموع الفتاوى
جمعه وأعده
عبدالحميد بن عبدالرحمن السحيباني
دار الوطن
الرياض - شارع المعذر - ص . ب ٣٣١٠
٤٧٩٢٠٤٢ - فاكس ٤٧٦٤٦٥٩

بِسْمِاللهِالرَّحْزِ الرَّحْمَُّ
دار الوطن للنشر، ١٤١٦ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
السحيباني، عبد الحميد بن عبد الرحمن
الرجال الذي تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية - الرياض.
٤٨ ص؛ ١٧ سم × ٤ ٢ سم
ردمك ٩ - ٠٥١ - ٢٨ - ٩٩٦٠
أ - العنوان
٢ - ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم
١ - التراجم
دیوي ٩٣٠
١٦/٢٧٥٤
رقم الإيداع : ١٦/٢٧٥٤
ردمك: ٩ - ٠٥١ - ٢٨ - ٩٩٦٠
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ

=
٣
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى .
وبعد :
فهذه رسالة ميسرة، جمعت فيها عدداً من الرجال الذين تكلم
عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في ((مجموع الفتاوى)) ذلك
الكتاب العظيم الذي لا يستغني عنه كل مسلم يحمل في قلبه التوحيد
والإِسلام، وقد رأيت أن معرفة أحوال الزنادقة والمبتدعين، والنظر في
مزالق الرجال وأخطائهم، وأخذ المعلومات عنهم خاصة من قبل إمام
منصف، عاش حياته كلها داعية، ومجاهداً إلى أن توفاه الله - تعالى -
هذا الأمر مما يعطي المسلم بعامة، وطالب العلم بخاصة معلومات
موثقة عن أولئك الرجال، ودروساً قيمة في الحذر منهم، سواء كانوا ممن
حاربوا الإِسلام ودعاته كابن أبي دؤاد، أو من المسلمين الذين كانت
لهم شطحات ومزالق، مع مالهم من العلم والفضل كابن حزم والغزالي
والواحدي، أو من أهل البدع والتصوف کابي الحسن بن سالم، وأبي ذر
الهروي، أو كان ممن ظاهر الكفار على المسلمين، ومكنهم منهم كابن
السكران، أو من أهل الزندقة والإلحاد الذين لم يكن لهم في الإِسلام
نصيب كالحلاج وابن عربي، أو من المنافقين الماردين الذين حاربوا
الإِسلام خفية كابن سبأ، أو من الشيعة المارقين الذي جروا على
المسلمين الويلات تلو الويلات، مثل نصير الدين! الطوسي
ومحمد بن النعمان، أو كان من المتنبئين الكذابين، والكهان الفاسقين

=٤
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
كابن التومرت، وابن صياد، أو كان من الفلاسفة المبتدعين كأرسطو
وأفلاطون والفارابي وابن سينا وغيرهم كثير كثير مما سيجده، وينتفع به
المطلع على الرسالة إن شاء الله.
- ولابد أن ألفت النظر ههنا إلى أن الرجال المذكورين في هذه الرسالة
إنما هم الرجال الذين وقفت عليهم عن طريق الاستعانة بالفهارس
الموجودة في الجزء السابع والثلاثين من مجموع الفتاوى، وقد يدقق
الباحث أكثر، فيظفر بالمزيد، ويقف على رجال آخرين مما لم يكن في
وسعي الوقوف عليهم في هذا المجموع .
وفي الختام أسأل الله - تعالى - أن ينفع المسلمين بهذا الكتاب،
وأن يجعله حجة لي يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى
الله بقلب سليم ... آمين.
والله - تعالى - أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله
وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عبدالحميد بن عبدالرحمن السحيباني
في ١٩ / ١٤١٦/٤ هـ

=
٥
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
ابن أبي دؤاد(١):
هذا الرجل هو مِمَن جمع للإِمام أحمد مَنْ أمكنه من متكلمي البصرة وبغداد
· وغيرهم ممن يقول: إن القرآن مخلوق ..
ولم يكن هذا الرجل معتزلياً، بل جهمياً ينفي الصفات.
ابن التومرت (٢)
كان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل
بلاد العراق، وتعلم طرفاً من العلم، وكان فيه طرف من الزهد
والعبادة .
ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب، إلى قوم من البربر
وغيرهم: جهال لا يعرفون من دين الإِسلام إلا ماشاء الله، فعلمهم
الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإِسلام، واستجاز أن
يظهر لهم أنواعاً من المخاريق، ليدعوهم بها إلى الدين، فصار يجيء
إلى المقابر يدفن بها أقواماً، ويواطئهم على أن يكلموه إذا دعاهم،
ويشهدوا له بما طلبه منهم، مثل أن يشهدوا له بأنه المهدي، الذي بشر
به رسول الله - * - الذي یواطىء اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه،
وأنه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً.
(١) مجموع الفتاوى (٢٩٩/١٧، ٣٠٠)، واسم هذا الرجل أحمد بن أبي دؤاد ت
٢٤٠ هـ ببغداد.
(٢) مجموع الفتاوى (٤٧٦/١١) و(١٣٢/٣٥). واسم هذا الرجل محمد بن عبدالله بن
تومرت البربري، ت ٥٢٤هـ.

=٦
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
وأن من اتبعه أفلح، ومن خالفه خسر، ونحو ذلك من الكلام.
فإذا اعتقد أولئك البربر أن الموتى يكلمونه، ويشهدون له بذلك عظم
اعتقادهم فيه، وطاعتهم لأمره .
ثم إن أولئك المقبورين يهدم عليهم القبور ليموتوا، ولا يظهروا
أمره، واعتقد أن دماء أولئك مباحة بدون هذا، وأنه يجوز له إظهار هذا
الباطل ليقوم أولئك الجهال بنصره واتباعه. وقد ذكر عنه أهل المغرب
وأهل المشرق الذين ذكروا أخباره من هذه الحكايات أنواعاً، وهي
مشهورة عند من يعرف حاله عنه .
ومن الحكايات التي يؤثرونها عنه أنه واطأ رجلاً على إظهار
الجنون، وكان ذلك عالماً يحفظ القرآن والحديث والفقه، فظهر بصورة
الجنون، والناس لا يعرفونه إلا مجنوناً. ثم أصبح ذات يوم وهو عاقل
يقرأ القرآن والحديث والفقه، وزعم أنه علم ذلك في المنام، وعوفي مما
كان به، وربما ذكر لهم أن النبي - وَلـ ـ علمه ذلك، فصاروا يحسنون
الظن بذلك الشخص، وأنه كان لهم يوم يسمونه يوم الفرقان، فرق
فيه بين أهل الجنة وأهل النار بزعمه، فصار كل من علموا أنه من
أوليائهم جعلوه من أهل الجنة، وعصموا دمه، ومن علموا أنه من
أعدائهم جعلوه من أهل النار، فاستحلوا دمه، واستحل دماء ألوف
مؤلفة من أهل المغرب المالكية، الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة
على مذهب مالك وأهل المدينة، يقرؤن القرآن والحديث:
كالصحيحين، والموطأ، وغير ذلك، والفقه على مذهب أهل المدينة،
فزعم أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة، ولا يعرف

١
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ءِ
= Y
عن أحد من أصحاب مالك إظهار القول بالتشبيه والتجسيم.
واستحل أيضاً أموالهم وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل
ونحوه من جنس ماكانت تستحله الجهمية المعطلة - كالفلاسفة
والمعتزلة، وسائر نفاة الصفات - من أهل السنة والجماعة، لما امتحنوا
الناس في خلافة المأمون (١)، وأظهروا القول بأن القرآن مخلوق، وأن
الله لا يرى في الآخرة، ونفوا أن يكون الله علم أو قدرة أو كلام أو
مشيئة، أو شيء من الصفات القائمة بذاته ..
وذكر شيخ الإِسلام عند ذكره لهذا الرجل - ابن التومرت - أن له
عقيدة أسماها (المرشدة)، لم يذكر فيها الاعتقاد الذي يذكره أئمة العلم
والدين من أهل السنة والجماعة، أهل الحديث والفقه والتصوف
والكلام وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، كما يذكره أئمة
الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الكلام من الكلابية
والأشعرية والكرامية وغيرهم؛ ومشايخ التصوف والزهد، وعلماء أهل
الحديث، فإن هؤلاء كلهم متفقون على أن الله - تعالى - حي، عالم
بعلم، قادر بقدرة كما قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما
شاء﴾ (٢).
وصاحب المرشدة لم يذكر فيها شيئاً من الإِثبات الذي عليه
(١) هو الخليفة العباسي عبدالله بن هارون الرشيد، والذي دعا إلى القول بخلق القرآن
وبالغ، وقد تولى الخلافة بعد قتله لأخيه الأمين سنة ١٩٨ هـ بعد حروب وخطوب
جرت بينهما، وفاته سنة ٢١٨هـ بالبذندون ((قرية بالقرب من طرسوس وهي مدينة
بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم)).
(٢) البقرة: (٢٥٥).

D=
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
صلىالله
وسلم -
طوائف أهل السنة والجماعة، ولا ذكر فيها الإِيمان برسالة النبي -
ولا باليوم الآخر، ولا ما أخبر به النبي - وَلّ - من أمر الجنة والنار
والبعث والحساب، وفتنة القبر والحوض، وشفاعة النبي - ◌َ﴾ - في
أهل الكبائر، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة
والجماعة. ومن عادات علمائهم أنهم يذكرون ذلك في العقائد
المختصرة، بل اقتصر على مايوافق أصله وهو القول بأن الله وجود
مطلق وهو قول المتفلسفة والجهمية والشيعة ونحوهم ممن اتفقت
طوائف أهل السنة والجماعة أهل المذاهب الأربعة وغيرهم على إبطال
قوله وتضليله .
فذكر فيها ماتقوله نفاة الصفات، ولم يذكر فيها صفة واحدة لله
- تعالى - ثبوتية، وزعم في أولها أنه قد وجب على كل مكلف أن يعلم
ذلك، وقد اتفقت الأئمة على أنه لا يجب على المسلمين مالم يوجبه الله
ورسوله، والكلام الذي ذكره بعضه قد ذكره الله ورسوله فيجب
التصديق به، وبعضه لم يذكره الله ولا رسوله ولا أحد من السلف
والأئمة فلا يجب على الناس أن يقولوا مالم يوجب الله قوله عليهم.
وقال في قدرة الله - تعالى - إنه قادر على مايشاء، وهذا يوافق قول
الفلاسفة وعلي الأسواري وغيره من المتكلمين الذين يقولون إنه يقدر
على غير مافعل، ومذهب المسلمين أن الله على كل شيء قدير. سواء
شاءه أو لم يشأه، كما قال تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم
عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً﴾(١).
(١) الأنعام: (٦٥).
٦

= 4
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
وقد لقب هذا الرجل أصحابه بالموحدين؛ اتباعاً لنفاة الجهمية
من المعتزلة وغيرهم الذين سموا نفي الصفات توحيداً، وألحدوا في
التوحيد الذي أنزل الله به القرآن، وهو مابينه الله - تعالى - في كتابه،
وعلى لسان رسوله - وَّل10 - كقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحديُ الله
الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾(١)، وقوله: ﴿قل
يا أيها الكافرون لا أعبد ماتعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبده* ولا
أنا عابد ماعبدتم* ولا أنتم عابدون ماأعبد* لكم دينكم ولي
دین﴾(٢).
* ابن حزم (٣) :
أثنى عليه شيخ الإِسلام في عدة أمور، وذمه في عدة أمور، ومن
الأمور التي ذمه بها :
* ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة.
* أنه خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ماصرفه
عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء
في اللفظ، وهؤلاء في المعنى .
قال شيخ الإِسلام: وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء
والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له، كما نفى المعاني
(١) سورة الإِخلاص.
(٢) سورة الكافرون.
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/٤) وابن حزم هو علي بن أحمد الأندلسي القرطبي، ت
٤٥٦ هـ.

١٠
=
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفى خرق العادات ونحوه من
عبادات القلوب، مضموماً إلى كلامه من الوقيعة في الأكابر،
والإِسراف في نفي المعاني، ودعوى متابعة الظواهر.
* ابن سالم، أبو الحسن (١):
ذکر شيخ الإِسلام فیه عیبین :
أنه من المتصوفة الذين خلطوا التصوف بالحديث والكلام في
کتبهم .
أنه وأصحابه ((السالمية)) سلكوا طريقة ابن كلاب - الذي سيأتي
الحديث عنه إن شاء الله - في التفريق بين الصفات اللازمة لله
- تعالى - كالحياة، والصفات الاختيارية، وأن الرب تعالى يقوم
بالأول دون الثاني، وذكر شيخ الإسلام بطلان هذا التفريق.
* ابن سبعين (٢):
ذكر شيخ الإِسلام أن هذا الرجل من أئمة القول بوحدة الوجود
أو أهل الحلول والاتحاد الذين يقولون: إن الوجود واحد، ويقولون إن
وجود المخلوق هو وجود الخالق، والمخلوق هو الخالق.
ويقولون إن وجود الأصنام هو وجود الله، وإن عباد الأصنام
ماعبدوا شيئاً إلا الله، ويقولون إن الحق يوصف بجميع مايوصف به
المخلوق من صفات النقص والذم، ويقولون: إن عباد العجل
ماعبدوا إلا الله، وإن موسى أنكر على هارون لكون هارون أنكر
(١) مجموع الفتاوى (٣٦١/١٠) و(٣٦٧/١٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٦٤/٢).

=0
ء
الرجال الخين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
عليهم عبادة العجل، وإن موسى كان بزعمهم من المارقين الذين يرون
الحق في كل شيء، بل يرونه عين كل شيء، وإن فرعون كان صادقاً
في قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، بل هو عين الحق !!
* ابن السكران (١):
ذكر شيخ الإِسلام عن هذا الرجل أن ((هولاكو)) ملك المشركين لما
دخل بغداد رأى ابن السكران هذا شيخاً محلوق الرأس على صورة
شيخ من مشايخ الدين والطريق آخذاً بفرس هولاكو، قال ابن
السكران واسمه محمد: فلما رأيته أنكرت هذا، واستعظمت أن يكون
شيخ من شيوخ المسلمين يقود فرس ملك المشركين لقتل المسلمين،
فقلت: ياهذا أو كلمة نحو هذا، فقال: تأمر بأمر، أو قال له: هل
يفعل هذا بأمر؟ فقلت: نعم بأمر، فسكت ابن السكران هذا، وأقنعه
هذا الجواب. قال شيخ الإِسلام: وكان هذا لقلة علمه - أي ابن
السكران - بالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وظن أن مايؤمر
به الشيوخ في قلوبهم هو من الله، وأن من قال: حدثني قلبي عن ربي
فإن الله هو يناجيه، ومن قال: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا
علمنا عن الحي الذي لا يموت، هو كذلك، وهذا أضل ممن ادعى
الاستغناء عن الأنبياء، وأنه لا يحتاج إلى واسطتهم .
(١) مجموع الفتاوى (١٣ /٢١٨).

١٢
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
ابن سينا (١) :
هذا الرجل تكلم في أشياء من الإِلهيات والنبوات والمعاد والشرائع
لم يتكلم فيها سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم، ولا بلغتها علومهم،
فإنه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين
إلى المسلمين كالإسماعيلية. وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند
المسلمين بالإلحاد، وأحسن مايظهرون دين الرفض، وهم في الباطن
يبطنون الكفر المحض.
وقد أخبر ابن سينا عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من
الملاحدة، وأنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك، فإنه كان يسمعهم
يذكرون العقل والنفس. وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب إليهم، هم
مع الإِلحاد الظاهر، والكفر الباطن أعلم بالله من سلفه الفلاسفة
كأرسطو وأتباعه، فإن أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد
مشركي العرب ماهو خير منه .
قال شيخ الإسلام :
وابن سينا لما عرف شيئاً من دين المسلمين، وكان قد تلقى
ماتلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد
أن يجمع بين ماعرفه بعقله من هؤلاء، وما أخذه من سلفه. ومما أحدثه
مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات، بل وكلامه في بعض
الطبيعيات، وكلامه في واجب الوجود، ونحو ذلك ..
(١) مجموع الفتاوى (١٣٣/٩) و(١٠٣/٤) و (٥٧١/١١)، وهو الحسين بن عبدالله
البلخي ثم البخاري ت ٤٢٨ هـ.
4

١٣ =
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح حتى
راجت على من يعرف دين الإِسلام من الطلبة النَظار. وصار يظن لهم
بعض مافيها من التناقض، فيتكلم كل منهم بحسب ماعنده، ولكن
سلموا لهم أصولاً فاسدة، في المنطق والطبيعيات والإِلهيات، ولم يعرفوا
مادخل فيها من الباطل، فصار ذلك سبباً إلى ضلالهم في مطالب عالية
إيمانية، ومقاصد سامية قرآنية، خرجوا بها عن حقيقة العلم والإِيمان،
وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، بل يسفسطون
في العقليات، ويقرمطون في السمعيات.
وقال شيخ الإسلام :
وكذلك ابن سينا وغيره يذكر من التنقص بالصحابة ماورثه من
أبيه وشيعته القرامطة، حتى تجدهم إذا ذكروا في آخر الفلسفة حاجة
النوع الإِنساني إلى الإِمامة عرضوا بقول الرافضة الضلال، لكن أولئك
يصرحون من السبّ بأكثر مما يصرح به هؤلاء.
وقال :
*
حدثني ابن الشيخ الفقيه الخضري عن والده شيخ الحنفية في زمنه قال:
كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: ﴿كانوا هم أشد منهم قوة
وآثاراً في الأرض﴾ (١) الآية، والقوة تعم قوة الإِدراك النظرية، وقوة
الحركة العلمية، وقال في الآية الأخرى: ﴿كانوا أكثر منهم وأشد
قوة﴾(٢) فأخبر بفضلهم في الكم والكيف، وأنهم أشد في أنفسهم وفي
آثارهم في الأرض.
(١) غافر: (٢١).
(٢) غافر: (٨٢).

= ١٤
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ءَ
وقد قال سبحانه عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم
المخالفين للرسل: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا
الله وأطعنا الرسولا﴾(١) إلى قوله: ﴿والعنهم لعناً كبيراً﴾(١)، وقال
تعالى: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا
كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار﴾(٢)، ومثل هذا في
القرآن كثير، يذكر فيه قول أعداء الرسل وأفعالهم، وما أوتوه من قوى
الإِدراكات والحركات التي لم تنفعهم لما خالفوا الرسل ...
وقال شيخ الإِسلام :
وابن سينا أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان، ومما أخذه
من أهل الكلام المبتدعين، الجهمية ونحوهم. وسلك طريق الملاحدة
الإسماعيلية في كثير من أمورهم العلمية والعملية، ومزجه بشيء من
كلام الصوفية، وحقيقته تعود إلى كلام إخوانه الإسماعيلية القرامطة
الباطنية، فإن أهل بيته كانوا من الإِسماعيلية أتباع الحاكم الذي كان
بمصر، وكانوا في زمنه، ودينهم دين أصحاب ((رسائل إخوان الصفا))
وأمثالهم من أئمة منافقي الأمم الذين ليسوا مسلمين، ولا يهود ولا
نصارى.
* ابن صياد(٣):
ذكر شيخ الإِسلام عن هذا الرجل أنه من أولئك النفر الذين بهم
(١) الأحزاب: (٦٦ - ٦٨).
(٢) غافر: (٤٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨٣/١١).

١٥=
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
حال من الأحوال الشيطانية. ظهر في زمن النبي - وَالله - وكان قد ظن
بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي - رَلو - في أمره حتى تبين
له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، ولكنه كان من جنس الكهان، قال
له النبي - بَلاء -: ((قد خبأت لك خبأ)) قال: الدخ، الدخ. وقد كان
خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي - {َل * -: ((اخسأ فلن تعدو
قدرك))(١) يعني إنما أنت من الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم
القرين من الشيطان، يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع،
وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما في الحديث الصحيح أن النبي
- وَاخيه - قال: ((إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب، فتذكر الأمر
قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان،
فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم))(٢).
(٣)
:
ابن عربي
* ذكر شيخ الإِسلام أن هذا الرجل ((ابن عربي)) صاحب
الفتوحات المكية، والفصوص أنه من المناقضين للرسل - عليهم
الصلاة والسلام - حيث إنه ممن يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود
وفرعون وغيرهم، وينتقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون،
ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين كالجنيد بن محمد،
(١) رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
(٢) رواه البخاري وغيره.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٣٩/١١) و(١٣١/٤) و(٣٥٦/٢ و٤٦٤)، واسمه
محمد بن علي الحاتمي الطائي ت ٦٣٨هـ.

الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ءِ
وسهل بن عبدالله التستري، ويمدح المذمومين عند المسلمين،
كالحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية .
وذكر شيخ الإِسلام أن الجنيد - رحمه الله - سُئل عن التوحيد
فقال: التوحيد: إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز
بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق.
ثم بين شيخ الإِسلام موقف صاحب الفصوص ((ابن عربي)) من
كلام الجنيد فقال: وصاحب الفصوص أنكر هذا، وقال في مخاطبته
الخيالية الشيطانية له: ياجنيد، هل يميز بين المحدث والقديم إلا من
يكون غيرهما، فخطأ الجنيد في قوله: ((إفراد الحدوث عند القدم)) لأن
قوله هو: إن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قال في
فصوصه: ((ومن أسمائه الحسنى: العلي)) على من؟ وماثم إلا هو، وعن
ماذا؟ وماهو إلا هو. فعلوه لنفسه، وهو عين الموجودات، فالمسمى
محدثات هي العلية لذاته، وليست إلا هو)) إلى أن قال:
((هو عين مابطن، وهو عين ماظهر، ومن ثم من يراه غيره، وماثم
من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من
"الأسماء المحدثات)).
قال شيخ الإسلام :
فيقال لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم
والقول أن يكون ثالثاً غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه
وغيره، وليس هو ثالثاً، فالعبد يعرف أنه عبد، ويميز بين نفسه
وخالقه، والخالق جل جلاله يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه

الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
ربهم، وأنهم عباده، كما نطق القرآن بذلك في غير موضع، والاستشهاد
بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطناً وظاهراً.
وذكر شيخ الإسلام من محدثات هذا الرجل تفسيره للوالدين
بأنهما العقل والطبيعة، حيث قال في قوله تعالى عن نوح عليه السلام :
﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾(١) أي من كنت نتيجة عنهما. وهي العقل
والطبيعة !!
وقال شيخ الإِسلام إن ابن عربي وأمثاله كالتلمساني وابن
سبعين مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة
الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود الخالق عين
وجود المخلوقات، فكلما يتصف به المخلوقات من حسن وقبيح، ومدح
وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق، وليس للخالق عندهم وجود
مباين لوجود المخلوقات، منفصل عنها أصلاً، بل عندهم ماثم غير
ء
أصلاً للخالق، ولا سواه .
ومن كلماتهم: ليس إلا الله. فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره
عندهم، لأنه ماعندهم له غير، ولهذا جعلوا قوله تعالى: ﴿وقضى
ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾(٢) بمعنى قدر ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، إذ
ليس عندهم غير له تتصور عبادته، فكل عابد صنم إنما هو عبدالله!
وذكر شيخ الإسلام كذلك عن ابن عربي أنه صرح بأن الرب
هو الذي يجوع ويعطش ويمرض ويبول ويَنكح ويُنكح، وأنه موصوف
(١) نوح: (٢٨).
(٢) الإِسراء: (٢٣).

= ١٨
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
ء
بكل نقص وعيب؛ لأن ذلك هو الكمال عنده، كما قال في
«الفصوص)): «فالعلي بنفسه هو الذي یکون له الكمال الذي يستقصی
به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفاً
وعقلاً وشرعاً، أو مذمومة عرفاً وعقلاً وشرعاً، وليس ذلك إلا لمسمى
الله خاصة، وقال: ألا ترى المخلوق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر
بذلك عن نفسه، وبصفات آخرها صفات للعبد، كما أن صفات
العبد من أولها إلى آخرها صفات الله - تعالى -!!
وردّ شيخ الإِسلام على هراء هذا الملحد فكان مما قال:
وهذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه، فإنه يقال له: فأنت
الكامل في نفسك، الذي لا ترى عابداً ولا معبوداً، نعاملك بموجب
مذهبك، فتضرب وتوجع، وتهان وتصفع، وإذا تظلم ممن فعل به
ذلك، واشتكى وصاح منه وبكى قيل له: ماثم غير، ولا عابد ولا
معبود، فلم يفعل بك هذا غيرك، بل الضارب هو المضروب، والشاتم
هو المشتوم، والعابد هو المعبود، فإذا قال: تظلم من نفسه واشتكى من
نفسه قيل له أيضاً: فقل عبد نفسه، فإذا أثبت ظالماً ومظلوماً وهما
واحد، قيل له: فأثبت عابداً ومعبوداً، وهما واحد.
ثم يقال له: هذا الذي يضحك ويضرب هو نفس الذي يبكي
ويصيح؟ وهذا الذي شبع وروى هو نفس هذا الذي جاع وعطش؟
فإن اعترف بأنه غيره أثبت المغايرة، وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا،
فبين العابد والمعبود أولى وأحرى.

=19
ء
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
وإن قال: بل هو هو - عومل معاملة السوفسطائية(١) فإن هذا
القول من أقبح السفسطة. فيقال: فإذا كان هو هو فنحن نضربك
ونقتلك، والشيء قتل نفسه، وأهلك نفسه.
والإِنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول: ربنا ظلمنا أنفسنا
لكون نفسه أمرته بالسوء، والنفس أمارة بالسوء، لكن جهة أمرها
ليست جهة فعلها، بل لابد من نوع تعدد، إما في الذات وإما في
الصفات، وكل أحد يعلم بالحس والاضطرار أن هذا الرجل الذي
ظلم ذاك ليس هو إياه، وليس هو بمنزلة الرجل الذي ظلم نفسه .
وإذا كان هذا في المخلوقين فالخالق أعظم مباينة للمخلوقين من هذا
لهذا. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.ا. هـ.
٤ وبین شیخ الإِسلام أنه قد رجع عما كان عليه قديماً من إحسان
الظن بابن عربي فقال: وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي
ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من ((الفتوحات))
والمحكم المربوط، والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك. ولم
نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه،
وكنا نجتمع مع إخواننا في الله، نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة
الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا ..
(١) هي نزعة تنكر المحسوس والمعقول، وهي عند المنطقيين القياس المركب من
الوهميات، والغرض منه تغليظ الخصم وإسكاته، وقيل: هي قياس ماظاهره الحق
وباطنه الباطل، ويقصد به خداع الآخرين، أو خداع النفس.

٢٠
الرجال الذين تكلم عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
4
ابن الفارض (١):
ذكر شيخ الإِسلام. أن هذا الرجل من متأخري الاتحادية
(أصحاب القول بوحدة الوجود) وأنه صاحب القصيدة التائية المعروفة
بنظم السلوك، وقد نظم فيها الاتحاد نظماً رائق اللفظ، وقال: إنه
أخبث من لحم خنزير في صينية ذهب، وما أحسن تسميتها بنظم
الشكوك!
والله أعلم بها وبما اشتملت عليه، وقد نفقت كثيراً، وبالغ أهل
العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد.
يقول ابن الفارض في هذه القصيدة:
وأشهد فيها أنها لي صلت
لها صلاتي بالمقام أقيمها
حقيقة بالجمع في كل سجدة
كلانا مصلّ واحد ساجد إلى
صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
وماكان لي صلى سوائي ولم تكن
إلى أن قال:
ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
ومازلت إياها وإياي لم تزل
وذاتي بآياتي عليّ استدلت
إلی رسولاً کنت مني مرسلا
منادى أجابت من دعاني ولبت
فإن دعیت کنت المجیب وإن أکن
إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد
ويقول :
إن كان منزلتي في الحب عندكم ماقد لقيت فقد ضيعت أيامي
(١) مجموع الفتاوى (٧٣/٤) و(٢٤٧/١١)، واسمه عمر بن علي الحموي المصري ت
٦٣٢ هـ.