Indexed OCR Text

Pages 141-160

آخرته وهو مقبلٌ على دُنياه. يا موسى! تعلَّم ما تعلَّمتَ لتعمل به، ولا
تعلَّمْهُ للتحدّث به، فیکون علیك بُوره(١)، ویکون لغیرك نوره. یا
موسى بن عمران! اجعل الزهد والتقوى لباسك، والعلم والذكر
كلامك، واستكثر من الحسنات؛ فإنك مصيب السيئات، وزعزع
بالخوف قلبك؛ فإن ذلك يُرْضي ربك، واعمل خيراً؛ فإنك لا بدَّ
عاملٌ شرّاً، قد وُعِظْتَ إن حفظت.
ثم تولَّى الخضر، وبقي موسى حزيناً مكروبًا)(٢).
٤٦ - أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن عبدالله المقرىء، أنا محمد بن
جعفر التميمي الكوفي، أنا أبو أحمد الجلُودي، عن ابن زكّويه، عن العُتبي(٣)، عن
(١) بار فلان يبور بوراً - بفتح الباء -: هلك. والبُور - بضم الباء -: الفاسد الهالك الذي لا
خير فيه .
وفي ((تنزيه الشريعة)): ((بواره)). وفي «مجمع الزوائد)): ((بوره)).
رواه الطبراني في «معجمه الأوسط»:
(٢)
قال الهيثمي: «وفيه زكريا بن يحيى الوقار؛ قال ابن عدي: كان يضع الحديث». ((مجمع
الزوائد» (١ / ١٣٠ - ١٣١).
وذكره ابن عراق الكناني في ((الموضوعات)) عن ابن عساكر، وقال: ((فيه زكريا الوقار)).
وعنده آخر الخبر: ((وبقي موسى حزيناً مكروباً يبكي)). انظر: ((تنزيه الشريعة)) (١ /
٢٤٤).
أقول: وأبو يحيى زكريا بن يحيى الوقار متهم بالوضع والكذب:
قال ابن عدي: ((يضع الحديث)).
وقال: «رأيت مشايخ مصر يثنون على أبي يحيى في العبادة والاجتهاد والفضل، وله
حديث كثير، بعضها مستقيم)). انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٢ / ٧٧ ,٧٨).
. (٣) العتبي: هو محمد بن عبيد الله البصري الأخباري المشهور. انظر: ((تبصير المنتبه =
١٤١

أبیه، قال:
قالَ عليّ : يا طالبَ العلم! إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه
التواضعُ، وعينُه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانُه الصدق،
/١:٧/ وحفظه الفحصُ، وقلبُه حسن النيّة، وعقلُه معرفةُ / الأشياء والأمور
الواجبة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة،
وحكمته الورع، ومستقرُّه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء،
وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضى، وقوسه المداراة، وجيشه
محاورة العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتنابُ الذُّنوب، وزاده
المعروف، وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبةُ الأخيار(١).
ذِكر ما يجبُ على طالب الحديثِ
من الاحترافِ العيال واكتساب الحلالِ
٤٧ - إذا كان للطالب عيال لا كاسب لهم غيره فيُكْرَه له أن ينقطع عن معيشته
ويشتغل بالحديث عن الاحتراف لهم.
والأصل في ذلك ما أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبدالله الحافظ، حدثنا عبدالله
ابن جعفر بن أحمد بن فارس، نا يونس بن حبيب، نا أبو داود، نا شعبة، عن أبي
إسحاق، قال: سمعتُ وهب بن جابر الخَيواني يقول: شَهِدْتُ عبد الله بن عمرو
بتحرير المشتبه» (٩٩٣).
كان أديباً، كثير الأخبار، توفي سنة (٢٢٨ هـ). انظر: «شذرات الذهب)) (٢ / ٦٥).
(١) وانظر ما روي عن سيدنا علي في هذا الباب: ((جامع بيان العلم)) (١ / ١٢٩).
١٤٢

في بيت المقدس وأتاه مولى له، فقال: إني أريد أن أقيم هذا الشهر ها هنا - يعني:
رمضان -.. قال له عبدالله: هل تركتَ لأهلك ما يقوتهم؟ قال: لا. قال: أما لا،
فارجع، فدع لهم ما یقوتهم:
فإني سمعتُ رسول الله و﴿ يقول: ((كفى بالمرء إثماً أن يُضَبِّعَ
مَن يقوت))(١).
٤٨ - أنا محمد بن جعفر بن علّان الوراق، أنا أبو الفتح محمد بن الحسن
الأزدي الحافظ، نا أحمد بن محمد البرذعي، نا عبدالله بن محمد، نا الفريابي،
قال :
قالَ الثَّوْرِيُّ: عليك بعمل الأبطال: الكسب من الحلال،
والإِنفاق على العيال(٢).
٤٩ - أنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن رامين الإِستراباذي، أنا
خلف بن محمد الخيام، نا إلياس بن هارون، نا حفص بن داود، أنا عيسى
- يعني: الغُنْجار-، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن ابن جُريج، عن عطاء:
(١) أخرجه بهذا اللفظ عن عبدالله بن عمرو الإمام: أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي.
والحديث صحيح. انظر: ((الجامع الصغير) (٢ / ٨٩).
وقد ذكر المناوي ما دار بين عبد الله بن عمرٍ ومولاه عن البيهقي. انظر: ((فيض القدير))
(٤ / ٥٥٢).
كأنه يشير إلى ما يُروى عن الرسول : «طلب الحلال مثل مقارعة الأبطال في سبيل
(٢)
الله، ومن بات عيباً من طلب الحلال؛ بات والله تعالى عنه راض».
رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن السكن. انظر: ((الفتح الكبير» (٢ / ٢١٢).
وروى نحوه مختصراً محمد بن الحسن الشيباني في رسالة «الاكتساب في الرزق
المستطاب)» (ص ١٥).
ولم أقف على هذا الحديث في أصل معتمد.
١٤٣

عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَ* إذا نظر إلى رجل
فأعجبه قال: ((هل له حرفة؟)). فإن قالوا: لا. قال: ((سقط من
عيني)). قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: ((لأن المؤمن إذا لم
يكن ذا حرفة تعيَّشَ بدينه))(١).
٥٠ - أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم القَزويني، أنا أبو
الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، نا أبو حاتم الرازي، قال: حدثني سويد
ابن سعيد، عن عبدالرحيم بن سليمان الرازي، قال:
كنَّا عند سفيان الثوري(٢)، فكان إذا أتاه الرجل يطلب العلم
/ ٧: ب/ سأله: هل لك وجه معيشة؟ فإن أخبره أنه في كفايةٍ أُمَرَهُ بطلب /
العلم، وإن لم يكن في كفايةٍ أَمَرَهُ بطلب المعاش.
٥١٠ - أنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السَّرَّاج، أنا أبو محمد عبدالله
ابن محمد العَدلُ، أنا أبو العباس السرَّاج، قال: سمعت مؤمّلا يقول:
سمعتُ عُبْدَ بنَ جنّادٍ يقول لأصحاب الحديث: ينبغي للرجلِ
(١): حديث ضعيف جداً، في سنده إسماعيل بن أبي زياد السكوني: منكر الحديث.
قال ابن حبان فيه: «شیخ دجَّال، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح)).
وذكر الذهبي بعض مناكيره، ومنها هذا الحديث. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (١ / ٢٣٠ -
ترجمة ٨٨١).
(٢) هو أمير المؤمنين في الحديث، سفيان بن سعيد الثوري، الإِمام المشهور، شيخ عصره
وسيد حفاظه، الفقيه، الكوفي، ولد سنة (٩٧هـ)، وتوفي في البصرة مختفياً عن
المهدي، فقد كان قوَّالاً بالحق، شديد الإنكار، وكانت وفاته سنة (١٦١ هـ). انظر:
((تذكرة الحفاظ)» (١ / ١٩٠ - ١٩٣).
١٤٤

أن يَعْرفَ من أينَ مِطْعَمُه وملبَسُه ومسكنُه، وكذا وكذا، ثم يطلب
العلم .
٥٢ - أنا أبو منصور محمد بن أحمد بن شعيب الرُّوياني، أنا محمد بن أحمد
ابن محمد بن يعقوب، نا محمد بن السِّمْطِ بن الحسن الأسديّ، نا أبو نصر رجاء
ابن سهل الصَّغاني، نا أبو مُسهر، قال:
كنا عند الحكم بن هشام العَقيلي وعنده جماعة من أصحاب
الحديث، قال: فقالَ: إنه مَن أغرَقَ في الحديث فليُعِدَّ للفقر
جلباباً، فليأخذ أحدكم من الحديث بقدر الطاقة، وليحترف حذراً
من الفاقة(١)
٥٣ - أنا أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر المُعَدَّل، نا أبو عبدالله
محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، نا جعفر بن محمد الصايغ، نا سعيد بن
سليمان، نا أشعث أبو الربيع، قال :
قالَ لي شعبةُ: لزمتَ سوقَك فأفلحتَ وأنجَحْتَ، ولزمتُ أنا
الحديثَ فأفلستُ(٢).
(١) إن من أکب على دراسة الحدیث وانهمك فيه؛ صار له میل شديد، وتعلَّق كبير به، يحمله
على الرحلة في طلبه من إقليم إلى إقليم؛ للقاء الشيوخ، والاجتماع بأهل الحديث؛
للانتفاع بهم إن کانوا أعلم منه، ولمذا کرتهم إن کانوا مثله، ولتعلیمهم إن كانوا دونه، وكل
هذا يَشْغَل وقته، ويحتاج إلى نفقة المؤونة نفسه أصلاً وإخوانه أحياناً، فحتُّ الحكم بن
هشام طلاب الحديث على الأخذ من الحديث بقدر ما يستطيعون، وعلى الاحتراف كيلا
يكونوا عالة على غيرهم أمرٌ جيد، وقد كان لكبار المحدثين فيما مضى حرف أو تجارة أو
عمل یسد حاجتهم.
(٢) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي ثم البصري، =
١٤٥

٥٤ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا محمد بن الحسن بن زياد المقرىء،
نا أحمد بن علي الأبار، نا أبو عوانة محمد بن الحسن بن نافع البصري، نا إبراهيم
ابن بشار الرَّمادي، نا سفيان بن عيينة:
عن عبد العزيز الطَّائيّ (١)، قال: مَن طلبَ الحديثَ أفلس.
٥٥ _ أنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن حفص بن
· أمير المؤمنين في الحدیث، من أقران الإمام سفيان الثوري.
أثنى عليه العلماء
قال فيه الشافعي: (لولا شعبة؛ ما عُرف الحديث بالعراق)).
وقال الإِمام أحمد: «لم یکن في زمن شعبة مثله في الحدیث ولا أحسن حديثاً منه، قسم
له من هذا حظ)).
كان من سادات أهل زمانه علماً وأدباً وورعاً وفضلاً وكرماً.
رأى: أنس بن مالك، وعمرو بن سلمة الصحابين. وسمع منه أربعمائة من التابعين،
وروی عنه خلق کثیر.
كان مولده سنة (٨٢هـ)، وتوفي سنة (١٦٠هـ) رحمه الله. انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤
/ ٣٣٨ - ٣٤٦).
وواضحٌ قول شعبة لأبي الربيع أنه أفلح في أمور الدنيا، وأما إفلاس شعبة؛ فلكثرة ما كان
ينفق في وجوه الخير، وعلى المساكين:
قال النضر بن شمیل: «ما رأیت أرحم بمسکین منه)».
وقال قراد أبو نوح: ((رأى عليَّ شعبة قميصاً، فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية
دراهم. قال لي: ويحك! أما تتقي الله؟ تلبس قميصاً بثمانية؟! ألا اشتريت قميصاً
بأربعة وتصدقت بأربعة؟)). ((تهذيب التهذب)) (٤ / ٣٤٤).
هو أبو عبد الله عبد العزيز بن رفيع الأسدي المكي الطائفي، سكن الكوفة، تابعي جليل
(١)
من المحدثين الثقات.
روى عن: أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. وروى عنه من
التابعین وأتباعهم خلق کثیر.
توفي سنة (١٣٠هـ) عن أكثر من تسعين سنة. انظر: ((تهذيب التهذيب» (٦ / ٣٣٧).
١٤٦

الخليل الماليني، أنا أبو أحمد عبدالله بن علي الحافظ الجرجاني، نا أحمد بن
حفص، نا أبو بكر الأعْيَنُ وأحمدُ بن آدم، قالا: نا عبدالرحمن بن يونس مستملي
ابن عُيينة، نا ابن عُيَينة (١)، قال:
سمعتُ شعبة يقول: مَن طلب الحديث أفلس، لقد أفلستُ
حتى بِعْتُ طَسْتاً لأمي بسبعة دنانير.
٥٦ - أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز، أنا عثمان
ابن أحمد الدَّقاق، نا أحمد بن بشر المرتدي، نا أبو مسلم المستملي عبدالرحمن
ابن يونس، قال: سمعتُ ابن عُيَيْنة يقول:
قالَ شعبةُ: مَن طلب الحديث أفلسَ، بعتُ طَسْتاً لأمي بسبعة
دنانير (٢).
(١) هو الإِمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران
الهلالي الكوفي، سكن مكة، محدث الحرم، مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك
ابن مزاحم .
ولد سنة (١٠٧هـ)، وطلب العلم صغيراً، وسمع من: عمرو بن دينار، والزهري،
وطبقتهما. وروى عنه: الأعمش، وابن جريج، وشعبة، وغيرهم من طبقة الشافعي
والإمام أحمد ويحيى بن معين، وخلق لا يحصون، فقد كان خلق يحجون والباعث لهم
لقي ابن عيينة، فيزدحمون عليه أيام الحج .
توفي سنة (١٩٨ هـ). انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٢٤٢ - ٢٤٤)، و((تاريخ بغداد)) (٩
/ ١٧٤ - ١٨٤)، و((حلية الأولياء)) (٧ / ٢٧٠ -٣١٨)، و((تهذيب التهذيب» (٤ / ١١٧
- وما بعدها).
(٢) إن ما ورد من أخبار الإفلاس إنما هو الإِفلاس الدنيوي.
وليس جميع المحدّثين وطلاب الحديث أمثال شعبة في ترك الدنيا والانكباب على
الحديث، حتى يضطر إلى بيع طست أمه ونحو ذلك، وكان بعض الشيوخ أمثال: ابن
شهاب الزهري ينفق على طلابه .
=
١٤٧

. : ٥٧٠ - أنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي لفظاً، قال: سمعت
إبراهيم بن أحمد بن رجاء يقول: سمعتُ الحسين بن عبدالله بن مَخْلَد يقول:
سمعتُ عليّ بن خَشْرم یقول:
سمعتُ سفيانَ بنَ عُيَينة يسألُ رجلًا: ما حرفتُكَ؟ قال: طلبُ
الحديث. قال: بشِّرْ أهلكَ بالإفلاس (١) ..
٥٨ - وأنا أبو حازم أيضاً قراءةً عليه، قال: سمعتُ أبا سعيد محمد بن الفضل
المذكّر يقول: محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعتُ أبا عمَّار الحسين بن
◌ُرَیْث يقول:
سمعتُ الفضل بن موسى السِّيناني يقول: طلب الحديث حرفةٌ
المفاليس، وما رأيتُ أذلَّ من أصحاب الحديث(٢).
وأقوال بعض الأئمة في هذا إنما يَرِد من باب توطين النفس على تحمُّل المشاق في سبيل
طُلب الحديث، وتوطين نفوس الأهل على أن لا يطمّعوا بالغنى الدنيوي من وراء طلب
ابنهم الحديث؛ لما يحتاج من مؤونة الطلب.
:
(١)
انظر الحاشية السابقة .
(٢) الفضل بن موسى السيناني هو أبو عبد الله المروزي .
· روى عن: الأعمش وطبقته، وعن هشام بن عروة، وآخرين. وروى عنه: إسحاق بن
راهويه، وإبراهيم بن موسى الرازي، وخلق کثیر.
كان صاحب سنة، ثقة؛ قال أبو نعيم: ((كان عاقلاً لبيبا))، وربما أغرب، توفي سنة
(١٩٢ هـ). انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٧ / ٢٨٦ - ٢٨٧).
٠٠
وأما أنه حرفة المفاليس؛ فلأن أهله لم يطمعوا في الدنيا، ولم يعيشوا على دينهم، ولم
يجعلوا الحديث مطية لدنياهم، بل جعلوه وسيلة إلى آخرتهم.
ولا يقصد بالذل هنا المهانة، بل التواضع والبساطة، ولا أدل على ذلك مما قاله الإمام
الرامهرمزي في وصف طالب الحديث في كلام طويل؛ منه: ((ولو عرف الطاعن على أهل
الرحلة مقدار لذة الراحل في رحلته، ونشاطه عند فصوله من وطنه، واستلذاذ جميع =
١٤٨

٥٩ - / أنا أبو نعيم الحافظ، نا إبراهيم بن محمد بن یحیی النيسابوري، أنا /٢:٨/
محمد بن إسحاق السَّرَّاج، قال: سمعت محمد بن سهل بن عكسر يقول: سمعت
الحميدي يقول:
سمعتُ ابن عُيَيْنة يقول: لا تدخُلُ هذه المحابرُ بيتَ رجل إلا
أشقى أهله وولده.
٦٠ - أخبرني أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله الطبري، أنا أحمد بن الفرج
ابن منصور بن الحجّاج، نا أحمد بن عبدالله بن علي الفرائضي، نا أبو عيسى
محمد بن مالك الخزاعي، نا عباس مولی بني هاشم، نا قراد أبو نوح، قال:
سمعتُ شُعْبَة يقول: إذا رأيتَ المحيرةَ في بيت إنسان فارحمه،
وإن كان في كُمِّك شيء فأطعمه (١).
٦١ - أخبرني أبو طاهر عبد الواحد بن الحُسين الحذاء، أنا إسماعيل بن
سعيد المعدَّل، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، نا محمد بن موسى المارستاني،
نا الزُّبیر بن أبي بكر، قال:
قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خير رجلٍ لأهله، لا يتَّخذُ
جوارحه عند تصرف لحظاته في المناهل والمنازل، والبطنان والظواهر .. والاستراحة في
=
أفياء الحيطان، وظلال الغيطان، والأكل في المساجد، والشرب من الأودية، والنوم حيث
يدركه الليل، واستصحاب من يحب في ذات الله، بسقوط الحشمة، وترك التصنع، وكنه
ما يصل إلى قلبه من السرور عند ظفره ببغيته، ووصوله إلى مقصده، وهجومه على
المجلس الذي شمّر له، وقطع الشُّقَّة إليه؛ لعلم أن لذات الدنيا مجموعة في محاسن
تلك المشاهد، وحلاوة تلك المناظر، واقتناء تلك الفوائد، التي هي عند أهلها أبهى من
زهر الربيع ... )). ((المحدث الفاصل)) (ف ١٠٨).
(١) انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢ / ٢٣٣)، و ((الإلماع)) (٢٣٠).
١٤٩

ضَرَّةٌ، ولا يشتري جارية. قال: تقولُ المرأةُ: والله لهذه الكتبُ أشدُّ
عليَّ من ثلاث ضرائر(١).
إيثارُ العُزوبة للطّالب وتر که التّزویجَ
٦٢ - المستحبُّ لطالب الحديث أن يكونَ عَزَباً ما أمكنه، ذلك لئلا يقتطعَهُ
الاشتغال بحقوق الزوجة، والاهتمام بالمعيشةٍ عن الطلب.
أنا أبو عبد الله الحسين بن عمر بن برهان الغزَّال، أنا أبو علي إسماعيل بن
محمد الصفار، نا عباس بن عبدالله الترقفي ، نا روَّاد بن الجراح، عن سفيان، عن
منصور، عن ربعي :
عن حذيفة، قال: قال رسول الله وَالله: ((خيرُكُم في المائتين
هذا لانشغاله بکتبه عن أهله .
(١) .
ومثل هذه المقالة مروية عن بعض التابعين؛ كابن شهاب الزهري رحمه الله .
ولا بد من الإشارة إلى وجوب إعطاء كل ذي حق حقه؛ كيلا تختل الأمور وتضطرب
الأحوال؛ امتثالاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام حين أقر سلمان الفارسي رضي الله عنه
على ما قاله لأبي الدرداء رضي الله عنه.
فقد أخرج الإمام البخاري بسنده عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ((آخى النبي ﴾
بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متَبَذِّلة، فقال لها: ما
شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا. فجاء أبا الدرداء، فصنَعَ له
طعاماً، فقال: كُلْ؛ فإني صائم. قال: ما أنا بآكلٍ حتى تَأْكُلَ. فأكل، فلما كان الليلُ؛
ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نَمْ. فنامَ، ثم ذهب يقومُ، فقال: نمْ. فلما كانَ آخرُ
الليل؛ قال سلمانُ: قمِ الآنَ. قال: فصليا. فقال سلمان: إن لربك عليك حقّاً،
ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقِّ حقّه، فأتى النبي ﴾#،
فذكر ذلك له، فقال النبي وَ﴿ه: (صدق سلمانُ)). ((فتح الباري)) (١٣ / ١٥١).
١٥٠٠

كلُّ خفيف الحاذِ)). قالوا: يا رسول الله، وما خفيفُ الحاذّ؟ قال:
((الذي لا أهلَ له ولا ولد))(١).
٦٣ - نا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدّل، أنا عثمان
ابن أحمد الدَّقاق، نا أحمد بن المغلِّس، قال:
سمعتُ بشرَ بن الحارث يقول: (لا تُؤثِروا)(٢) على حذف
العلائق شيئاً(٣)؛ فإني لو كُلِّفْتُ أن أعول دجاجةً لخفتُ أن أصير
شُرطيّاً في الجسر، ومَن لم يحتجْ إلى النساء فليتَّقِ الله ولا يألَفْ
أفخاذَهُنَّ.
٦٤ - أنا ابن بشران أيضاً، أنا عثمان بن أحمد، نا الحسن بن عمرو الشِبْغِيّ
المروزي، قال: سمعتُ بشر بن الحارث يقول:
(١) هذا الحديث من مناكير روّاد بن الجراح العسقلاني، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه الناس.
قال ابن معين: ((لا بأس به، إنما غلط في حديث عن سفيان)».
قال الذهبي: ((قلت: وحديث: ((خيركم خفيف الحاذه؛ قال أبو حاتم: منكر، لا يشبه
حديث الثقات. وإنما كان بُدُو هذا الخبر فيما ذُكر لي أن رجلاً جاء إلى روَّاد، فذكر له
هذا الحديث، فاستحسنه، وكتبه، ثم بعدُ حدث به؛ يظنُّ أنه من سماعه)). انظر: ((ميزان
الاعتدال» (٢ / ٥٥ - ٥٦).
هذا إلى جانب أنه يعارض الأحاديث الصحيحة التي تحثُّ على النكاح.
(٢)
في الأصل: ((لا تؤثرون))، والصواب: لا تؤثروا؛ لأنها مجزومة بلا الناهية.
وبشر بن الحارث: هو ابن عبد الرحمن بن عطاء المروزي، نزيل بغداد، أبو نصر
الحافي، الزاهد الجليل المشهور، ثقة، قدوة، توفي سنة (٢٢٧ هـ) عن ست وسبعين
سنة. انظر: ((تقريب التهذيب)) (١ / ٩٨).
وأخباره كثيرة. انظر: ((تاريخ بغداد)» (٧ / ٦٧ - ٨٠).
(٣) أراد بـ (العلائق): المسؤوليات والواجبات .
١٥١

--
قالَ إبراهيمُ بنُ أدهم(١): ما أفلحَ مَن أحبَّ أفخاذَ النِساءِ (٢).
٦٥ - أنا إبراهيم بن مَخْلَد بن جعفر، نا محمد بن أحمد بن إبراهيم
الحكيمي، نا العباس بن محمد الدُّوري، قال: سمعتُ خلف بن تميم، قال:
سمعتُ إبراهيم بن أدهم يقول: مَنْ تعوَّدَ أفخاذَ النساء لم
م. ٥
يُفْلِح(٣).
٠ ٦٦ - أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن العباس بن حسنويه الدَّلَال بنيسابور،
/٨: ب / نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، قال: / سمعتُ الحسن بن علي - يعني:
ابن عفان العامري الكوفي - يقول: سمعتُ ابنَ نُمیرٍ یقول:
قال لي سفیان: تزوجت؟ قلت: لا. قال: ما تدري ما أنت فيه
من العافية .
٦٧ - نا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطّان، أنا
أحمد بن سلمان بن الحسن النجَّاد، نا محمد بن سليمان الواسطي، قال: سمعتُ
أبا منصور الحارث بن منصور يقول:
: سمعتُ سفيان الثوريَّ يقول: إذا تزوَّجَ الرجلُ ركب البحر، فإذا
وُلِدَ له كُسِرَ به (٤).
-
(١). هو أبو إسحاق، إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي، وقيل: التميمي البلخي، الزاهد
المشهور، كان يأكل من عمل يده، وأخباره في الزهد كثيرة، توفي سنة (١٦١ هـ)
أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والترمذي. انظر: ((تقريب التهذيب)) (١/ ٣١)،
و((حلية الأولياء)) (٧ / ٨٠٣٠٦٧ / ٣ - ٥٨).
(٢و٣) انظر: ((حلية الأولياء)) (٨ / ١١).
(٤) يكنُّون بركوب البحر عن الدخول في المخاطر.
١٥٢
۔۔

٦٨ - وأنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران الواعظ، أنا دعلج بن
أحمد المعدّل، نا عبدالله بن سليمان، نا عبدالله بن خُبيق، نا يوسف بن أسباط،
قال :
قال إبراهيم بن أدهم: كان يقال: مَن تزوج فقد ركب البحر،
فإذا وُلِدَ له فقد كُسِرَ به(١).
٦٩ - أنا علي بن أحمد بن إبراهيم البزار بالبصرة، قال: نا يزيد بن إسماعيل
الخلَّل، نا العباس بن عبدالله الترقفي، قال: سمعتُ شيخاً يُكْنَى أبا عَمْرو؛ يُقالُ
له : كَباثُ بنُ مصعب، قال:
قيلَ لأعرابي : لم لا تَزَوَّجُ؟ قال: إني وجدتُ مداراة العفّة أيسر
من الاحتيال لمصلحة النساء(٢).
٧٠ - قال أبو بكر: إذا كان الطالب للحديث عَزَباً، فآثر الطلب على
الاحتراف، فإن الله تعالی یُعوِّضه ویأتیه الرزق من حيث لا يحتسب؛ كما أخبرنا
أبو جعفر محمد بن جعفر بن علان الورَّاق، أنا عمر بن أحمد بن يوسف الدَّلاَّل،
نا محمد بن القاسم بن هاشم السمسار، نا أبي، نا يونس بن عطاء، نا سفيان
-
وقال ما قال فیمن تزوج؛ لأنه يتجثّم مسؤوليات الأسرة، وشبّه من ولد له بمن ◌ُسِر مركبه
=
في البحر وتعرض للغرق.
أقول: إن طلب العلم لا يتنافى مع الزواج لمن تهيأت له مؤونته إذا أحسن تنظيم وقته
والانتفاع به؛ غير أن العزوبة لطالب العلم الذي لا يخشى على نفسه العنت تُيَسِّر له من
طلبه والرحلة من أجله ومن سعة الوقت والانتفاع بالشيوخ ومذاكرة الإخوان وما سوى ذلك
ما لا يتيسر لغيره من الطلاب المسؤولين عن أهليهم وأولادهم.
(١)
انظر تعليقنا على الفقرة السابقة .
يريد: أيسر من الكد للنساء، وأيسر من مداراتهن، والقيام بمصالحهن.
(٢)
١٥٣

٠ -
الثوري، عن أبيه، عن جده:
عن زياد بن الحارث الصُّدائيِّ، قال: سمعتُ رسول الله وَّة
يقول: ((مَن طلب العلم تكفّلَ الله برزقه))(١).
٧١ - أنا أحمد بن علي بن يزداد، أنا عبدالله بن إبراهيم بن عبدالملك
الأصبهاني، نا محمد بن علي الفرقدي، نا إسماعيل بن عمرو، نا جرير بن
عبدالحميد، عن الحسن بن عمرو الفقمي :
عن إبراهيم النُّخعي، قال: مَن ابتغى شيئاً من العلم يبتغي به
وجه الله آتاه الله منه بما یکفیه(٢).
٧٢ و٧٣ - وإن جعل من وقته جزءاً يسيراً للاحتراف - كالتوريق وما أشبهه ـ
كان أفضل .
أخبرني أبو طاهر عبد الغفَّار بن محمد بن جعفر المؤدب، نا عمر بن أحمد
الواعظ، نا عبدالله بن محمد بن عبد العزيز، نا أبو بكر الأثرم، قال:
(١) رواه الخطيب في ((تاريخه)) في ترجمة محمد بن القاسم المسار.
والحديث ضعيف؛ فيه يونس بن عطاء: له عجائب ومناكير، لا يحتج به.
وقال الذهبي: ((لا أعرف لجد الثوري ذكراً إلا في هذا الخبر)). انظر: ((ميزان الاعتدال))
(٤ / ٤٨٢ - ترجمة ٩٩١٣).
وقال الحاكم: ((وأبو سعيد النقاش؛ يونس بن عطاء: روى عن حميد الطويل
الموضوعات، وذكره ابن عراق الكناني فيمن اتّهم بالكذب ورواية الموضوعات)). انظر:
«تنزيه الشريعة المرفوعة)) (١ / ١٣١) ..
وأشار السيوطي إلى ضعف الحديث، ووافقه المناوي على ذلك. انظر: ((فيض القدير))
:
(٦ / ١٧٥).
أقول: وفي سنده مجهول، فالخبر واه جدّاً.
انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢ / ١٠ - سطر ٢١).
(٢)
١٥٤

سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لو كنتُ صانعاً صناعةٌ كنتُ
أحبُّ أن أكون ورَّاقاً. قلتُ: يا أبا عبدالله، أيما أحب إليك: تكتُبُ
عدد حديث، أو عدد ورق؟ فقال: عدد الحديث يقع الطويل
والقصير، ولكن تكتب عدد ورق، وتُواصفُ عليه.
مع أن أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي(١) قد قال: لا يصلح طلب
العلم إلا لمفلس. أخبرنا بذلك أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسين السَّليطي
بنيسابور، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، قال: سمعتُ الربيع / بن /٢:٩/
سليمان يقول :
سمعتُ الشافعي يقول: لا يصلح طلبُ العلم إلا لمفلسٍ .
قيل: وإن كان مكفيّاً(٢)؟ قال: وإن كان مكفّاً.
قال: وأحسبه حكاه عن غيره.
(١) هو الإِمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الهاشمي المطلبي، ولد في غزة
بفلسطين سنة (١٥٠ هـ)، وحملته أمه إلى مكة ليعيش في أرض أهله، فيستقيم لسانه،
ويطلب العلم من ينابيعه، كان ذكيّاً حافظاً، قرأ ((الموطأ)) على الإمام مالك، ورحل إلى
بغداد مرتين، وإلى مصر، ومناقبه كثيرة .
وللإِمام ابن أبي حاتم ((آداب الشافعي ومناقبه))، وللشيخ محمد أبي زهرة كتاب:
((الشافعي)).
وللإِمام الشافعي مصنفات كثيرة؛ أشهرها: كتاب ((الأم))، و((الرسالة)).
توفي في مصر سنة (٢٠٤هـ).
انظر: كتاب ((الشافعي)) لأبي زهرة، وكتاب ((آداب الشافعي ومناقبه)) للرازي، و«تهذيب
التهذيب)) (٩ / ٢٥).
لعله أراد من هذا أن يعتاد الطالب خشونة الحياة، ويتحمل شظف العيش، فيتخلق
(٢)
بالصبر، ويزدان بالتواضع، فمن كان هذا خلقه؛ كان أقوى على طلب العلم وعلى =
١٥٥

٧٤ - أنا رضوان بن محمد بن الحسن الدِّينوري، قال: سمعتُ أبا عبد الله
الحسين بن جعفر العَنَّزيّ يقول: سمعت أحمد بن الحسين - يعني: الشروطي -
يقول: سمعت محمد بن عبدالله بن عبدالحكم يقول: سمعتُ الشافعيَّ يقول:
سمعتُ محمد بن الحسن(١) يقول: لا يفلح في هذا الشأن
- يعني: العلم - إلا من أَقْرَح البُرُّ (٢) قلبَه.
=
تحصيله والانتفاع به .
ويؤيد ما ذهبتُ إليه ما رواه الإمام الرامهرمزي بسنده عن الإمام الشافعي، قال: ((لا يطلب.
هذا العلم من يطلبه بالتملك وغنى النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق
العيش وخدمة العلم؛ أفلح)). ((المحدث الفاصل)) (ف ٨٤)، وانظر (ف ٨١) منه.
(١) هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان، وناشر علمه،
كان إماماً في الفقه والأصول، ولد بواسط سنة (١٣١هـ)، ونشأ بالكوفة، وسمع أبا
حنيفة، وغلب عليه مذهبه، ولّه الخليفة الرشيد القضاء بالرقة، كان فصيحاً.
التقى به الإمام الشافعي، فقال فيه: «لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن
الحسن ؛ لقلتُ؛ لفضاحته)».
له كتب كثيرة، توفي رحمه الله سنة (١٨٩ هـ). انظر: «تاريخ بغداد)) (٢ / ١٧٢.
١٨٢)، و((الأعلام)) (٦ / ٣٠٩).
(٢) في الأصل: ((البز))، وقد تقرأ: ((البن))، ولكن لا معنى لها، وما أثبته أرجح.
والبُر - بضم الباء -: القمح، يريد به: الخبز؛ أي: إن أكل الخبز من غير إدام أفرح
جوفه .
ويؤيد هذا ما ورد في الفقرة الثانية عن الإمام شعبة بن الحجاج.
وقد يكون المراد بها: اللبنَ؛ كما قال القاضي أبو يوسف رحمه الله: ((لقد طلبنا هذا
العلم وطلبه معنا من لا نخصيه، فما انتفع به إلا من دبغ اللبن قلبه، وذلك أن أبا العباس
لما أفضى إليه الأمر؛ بعث إلى المدينة، فأقدم إليه عامة من كان فيها من أهل العلم، :
فكان أهلنا يعدُّون لنا خبزاً يلطّخونه لنا باللبن، فتغدو في طلب العلم، ثم نرجع إلى
ذلك، فتأكله، فأما مَن كان ينتظر أن تصنع له هريسةٌ أو عصيدةٌ؛ فكان ذلك يشغله حتى
يُفَوَّته كل ما كنا نجْ ندركه)). ((جامع بيان العلم وفضله)) (١ / ٩٧).
١٥٦

٧٥ - قال أبو بكر: ولن يصبر على الحال الصعبة إلا مَن آثر العلم على ما
عداه، ورضي به عوضاً من كل شيءٍ سواه.
أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق، أنا جعفر بن محمد بن نصير
الخُلدي، نا محمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي، نا عبدالله بن أحمد بن
شبّويه، قال: سمعتُ أبا الوليد يقول:
سمعتُ شعبةً يقول: إذا كان عندي شيءٌ من دقيق وطُنٌ من
قصب(١) فلا أبالي ما فاتني من الدنيا.
٧٦ - حدثني أبو رجاء هبة الله بن محمد بن علي الشيرازي، نا أبو سعيد
محمد بن علي بن عمرو بن مَهْدي النقاش إملاء بأصبهان، أنا أبو القاسم زيد بن
عبدالله بن عبدالكبير البصري برامهرمز، نا الحسين بن أبي طالب المصيصي،
قال: سمعتُ محمد بن هارون الدِّمشقي ينشد(٢):
لَمَحْبَرَةٌ تُجَالِسُنِي نَّهَارِي
أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْسِ الصَّدِيقِ
وِزْمَةُ كَاغَدٍ فِي البَيْتِ عِنْدي
أَحَبُّ إِليَّ مِن عدلِ الدَّقِيقِ
طن - بضم الطاء -: حزمة القصب الواحدة. انظر: ((القاموس المحيط)) (مادة: طن).
أما الدقيق؛ فللخبز والطعام، وأما القصب؛ فللكتابة، وقد عبر عنها الشاعر بقوله:
(ورزمةُ كاغدٍ في البيت عندي))؛ كما هي في الفقرة التالية .
هو أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي .
(٢)
روى عن: زكريا خياط السنة، ويكر بن سهل الدمياطي، وعن خلق كثير، رحل إلى مصر
والعراق وأصبهان. روى عنه: ابن منده، وآخرون.
توفي سنة (٣٥٣هـ). انظر: ((ميزان الاعتدال)» (٤ / ٥٧).
١٥٧

ولَظْمَةُ عِالمٍ فِي الخَدِّ مِنِّي
أَلَذُّ لَدَيٍّ مِن شَرْب الرَّحِيق(١)
٧٧ - أخبرني عبيدالله بن أبي الفتح، نا محمد بن عبدالله بن المطلب:
الشيباني، نا موسى بن محمد بن هاشم الفقيه بأنطاكية في مسجده، قال: سمعت
أبا إبراهيم المُزَنيّ يقول: سمعتُ الشافعي يقول:
سُئل بعض السلف: ما بلغَ من اشتغالكَ بالعلم؟ قال: هو
سُلْوِّي إذا اهتممتُ، ولذَّتِي إذا سلوتُ.
قال: وأنشدني الشافعيُّ شعر نفسه :
ومَا أَنا بالغيرانِ مِن دونِ أهلِهِ
إذا أنا لم أضْحِي غَيوراً على عِلْمي
٤
طَبِيْبُ فُؤَادِي مُذْ ثَلاثِينَ(٢) حجَّةٌ
وصَيْقَلُ ذِهْنِي والمُفَرِّجُ عَنْ هَمِّي
/٩ : ب/
٧٨ - / أنا أبو علي الحسن بن الحسين بن العباس النعالي، أنا أبو بكر
أحمد بن نصر بن عبدالله الذراع، نا إسماعيل بن ميمون بن خالد، نا وهب بن
سلیمان الدیرعاقولي ، قال:
سمعتُ سريّاً السَّقَطِيَّ يقولُ: مَن علم ما طلب هان عليه ما
بذل .
(١) رواها ابن عبد البرعن محمد بن هارون الدمشقي. انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢
/ ٢٠٣ و٢٠٤).
(٢) في الأصل: «مذ ثلاثون))، وما أثبتُّه أصح لغة .
١٥٨

ذِكْرُ ما يجِبُ تقديمُ حفظهِ على الحديث
٧٩ - ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل، إذ كانَ أجلَّ العلوم،
وأولاها بالسبق والتقديم.
وقد أخبرنا أبو عمر عبدالواحد بن محمد بن عبدالله بن مهدي الفارسي، أنا
أبو عبدالله محمد بن مخلد الدوري، نا محمد بن أحمد بن الجنید، نا أبو عاصم،
عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص:
عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَل: ((اقرؤوا القرآن فإنكم
تؤجَرون عليه، أما إني لا أقول: ﴿الَم﴾ حرفٌ، ولكن: ألف عشر،
ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون))(١).
٨٠ - وأنا محمد بن أحمد بن رزق البزار، أنا عثمان بن أحمد بن عبدالله
الدَّقاق، نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا يحيى بن عبدالحميد الحِمِّاني، نا أبو
معاوية، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص:
عن عبدالله، قال: قال رسول اللـه ◌َ ل﴿: ((إنّ هذا القرآنَ مأدبةٌ
(١) عبد الله: هو ابن مسعود.
أخرجه أبو جعفر النحاس في كتاب ((الوقف والابتداء))، والسجزي في كتابه ((الإبانة))،
وذكره الخطيب البغدادي في ((تاريخه)). انظر: ((الفتح الكبير)) (١ / ٢١٧).
والحديث صحيح .
وأخرج الترمذي نحوه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: سمعتُ رسول الله
** يقول: ((مَن قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا
أقول: ﴿الم) حرف، ولكن أقول: ألفُ حرفٌ، ولام حرفٌ، وميم حرفٌ)).
وقال: «حسن صحيح غريب من هذا الوجه)).
والحديث صحيح، ورواه الدارمي. انظر: ((تحفة الأحوذي)) (٨ / ٢٢٧).
١٥٩

الله، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم، وإنّ هذا القرآن هو حبل الله، وهو
النور البيِّنُ، والشفاء النافعُ، عصمةٌ لمن تمسّك به، ونجاةً لمن
تبعه، لا يَعْوَجُ فيقَوَّم، ولا يزيغُ فيستعتبُ، ولا تنقضي عجائبه، ولا
يَخْلُقُ عن كثرةِ الرَّدَ)) (١).
٨١ - قرأتُ على الحسن بن أبي بكر، عن عثمان بن أحمد الدقيقي، نا
أحمد بن محمد بن بکر الوراق، نا القاسم بن عثمان الدمشقي، نا الوليد - يعني :
ابن مسلم -، قال :
كنّا إذا جالسنا الأوزاعيَّ (٢)، فرأى فينا حدثاً، قال: يا غلام،
(١) أخرجه الحاكم عن عبد الله بن مسعود إلى قوله مثل: ((ما استطعتم)).
وأشار السيوطي إلى ضعفه. انظر: ((الجامع الصغير» (١ / ٩٩).
وساق ابن حبان هذا الحديث بسنده عن إبراهيم بن مسلم الهجري؛ كما قال الذهبي
انظر: ((ميزان الاعتدال)) (١ / ٦٥ - ٦٦).
وهذا الخبر ضعيف؛ لضعف بعض رواته. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٤ / ٣٩٢ - ترجمة
يحيى بن عبدالحميد الحماني)، وقارن بـ («مجمع الزوائد» (٧/ ١٦٤).
هو الإِمام الحافظ الفقيه، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الأوزاعي، والأوزاع
١٠٤
(٢)
بطنٌ من همدان .
ولد سنة (٨٨هـ)، وطلب العلم صغيراً، فسمع من: إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة،
وشداد بن عمار، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، ونافع، والزهري، وابن سيرين، ومن
آخرين. وروى عنه: الإمام مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وابن أبي الزناد،
وخلق کثیر غیرهم . .
كان ثقة، مأموناً، خيراً، كثير الحديث والعلم والفقه، حجة، نزل بيروت مرابطاً، وأقام
بها حتى مات سنة (١٥٧هـ)، له عدة مؤلفات. انظر: ((طبقات ابن سعد)) (٧ / ١٨٥ -
قسم ٢)، وتقدمة (الجرح والتعديل)) (ص ١٨٤ - وما بعدها)، و((تذكرة الحفاظ)) (١ /
١٦٨)، و((تهذيب التهذيب» (٦/ ٢٣٨).
١٦٠