Indexed OCR Text

Pages 21-40

المبحث الأول
عَصْر الخطيب البغدادي
١ - عاش الخطيب البغدادي العقد العاشر من آخر القرن الهجري
الرابع إلى ثلث العقد السابع من القرن الخامس الهجري، من سنة (٣٩٢ -
٤٦٣ هـ)، وكان العالم الإسلامي آنذاك يعيش في ظلال الخلافة العباسية في
المشرق والعراق، وفي ظل الخلافة الفاطمية في مصر، وبلاد الشام والحجاز
واليمن بين مد النفوذ العباسي وجذر النفوذ الفاطمي حيناً، أو مد هذا وجذر
ذاك أحياناً؛ من خلال دُوَيلات محليّة تقوم واحدة إثر زوال أخرى، ويعيش
المغرب وإفريقية آخر عهد الأدارسة، ثم المرابطين؛ يُدعى على المنابر حيناً
للخليفة العباسي، ويقوى نفوذ الفاطميِّين فيها فيُدْعى حيناً آخر للخليفة
الفاطمي، وتعيش الأندلس في ظل الحكم الأموي، في عهد ملوك الطوائف
ودولها؛ كل يسعى لتثبيت ملكه، وبسط سلطانه .
وتقلَّصَ نفوذ الخليفة العباسي آنذاك وسلطانه، ولم يبق له من الخلافة
إلا الاسم، وتوقيع أوامر السلاطين والأمراء الذين آل النفوذ إليهم، واكتفوا
للخليفة بالدُّعاء على المنابر، وإظهار الولاء له في الأعياد والمناسبات؛
ليحظوا بشرعية تصرُّفاتهم، والقيام بأمور دويلاتهم(١).
(١) انظر: ((الكامل في التاريخ)) (٧ / ٢١٣، ٨ / ٢ ٤٠ ,٨ و ١٥ و٢١ وما بعدها، و٦٩ - ٧٣ =
٢١

وكان النفوذ في تلك الحقبة للغزنويين والسلاجقة في مشرق الخلافة
:
العباسية، وللبويهيين ثم السلاجقة في العراق، وكان لحسن الصلات
والعلاقات بين الخليفة والسلاطين أو الأمراء أو الملوك المتنفّذين أثر بالغ في
استقرار الأمور، وقلَّة الفتن، كما كان للتفاهم بين أبناء الأسر الحاكمة.
المتنفُّذة أثر بعيد في استقرار الأوضاع الاجتماعية، وتحسُّن الأحوال.
الاقتصادية؛ بخلاف ما كانت تسيِّبه المنازعات بين أفراد الأسرة الحاكمة، أو
سوء العلاقات بين سلاطينها والخليفة، وظهور بعض الفتن؛ من آثار سلبية
من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية(١).
٢ - وقد بلغت الفرق الإسلامية أقصى نشاطها زمن العباسيين، وصار
الناس شيعاً وأحزاباً من الناحية الاعتقادية والفقهية.
ومما زاد في هذا الانقسام أن بعض الفرق انقسم إلى فرق عديدة،
((فانقسم المعتزلة إلى نحو ثلاث عشرة فرقة، والخوارج إلى عشرين، والشيعة
إلى ما يقرب من الثلاثين، واشتدَّ الجدل والنزاع بين طوائف الفرق السالفة،
وأصبح المجتمع الإسلامي ميداناً لصنوف الآراء المختلفة))(٢).
ومما لا شك فيه أن لهذه الاتجاهات والأفكار آثاراً اجتماعية واقتصادية
وسياسية، تجلّت واضحة في تبديد طاقات الدويلات في إخماد الفتن
الداخلية؛ لتثبيت سلطانها، ودفع أطماع دويلات أخرى فيها.
وقد نشط أتباع السنة والشيعة في مشرق البلاد الإسلامية ومغربها،
و١٠١ - ١٠٦ وما بعدها)، و((تاريخ الإسلام السياسي)) للدكتور حسن إبراهيم حسن (٣:
/ ٣٩ وما بعدها و٢٠٢ - ٢٠٦ و٣٣٤ - ٤٤٧، ٤ / ١ - ٣ و١١٥ وما بعدها و١٧٧)،
و((شذرات الذهب» (٣ / ١٥٣ و١٩٣ و٢٢٦ و٣١٨، ٣ / ٢٧٧ و٢٧٩).
(١) انظر: «تاريخ الإسلام السياسي» (٤ / ٩ وما بعدها و٤ /١١).
(٢): ((التاريخ الإسلامي آفاقه السياسية وأبعاده الحضارية)) للدكتور العدوي (ص ٣٢٥)
٢٢

وتسابقوا إلى نشر مذهبهم، وسعى كل منهم إلى بسط مذهبه مع اتساع نفوذه.
من هنا لم تكن الصلات بين الدولة العباسية والدولة الفاطمية حسنة،
بل كل كان يخشى الآخر(١)، حتى إن بعض أمراء بني بويه استعد لغزو
الفاطميين في مصر، ولما لم يجد سبيلاً لمناهضة الفاطميين؛ فكر - كما فكّر
غيره من بعده - في القضاء على مذهبهم بالطعن في نسبهم إلى علي وفاطمة
رضي الله عنهما(٢).
واستحكم العداء بين العباسيين والفاطميين، حتى إن الخليفة
المستنصر الفاطمي شجع أبا الحارث البساسيري في خروجه على الخليفة
العباسي القائم بأمر الله، ومدَّه بالمال، وبإرسال الجند إلى بلاد الشام(٣).
٣ - إن الأوضاع الداخلية للعالم الإسلامي آنذاك شجعت أعداء
الإِسلام على اختراق بعض الثغور الإسلامية، وعلى غزو بلاد المسلمين؛
كما فعل أرمانوس ملك الروم؛ لولا أن الله تعالى خذله على يد السلطان ألب
أرسلان سنة (٤٦٣ هـ)(٤).
(١) انظر: ((تاريخ الإِسلام السياسي)) للدكتور حسن إبراهيم حسن (٤ / ٢٣٥ وما بعدها)،
و ((التاريخ الإسلامي) للدكتور العدوي (ص ٢٣٥ و٢٣٦)، وانظر: ((شذرات الذهب»
(٣ / ١٤١ و١٤٨ و١٥٨ و١٦٠ و١٨٦ و١٩٧ و٢٦٧)، وانظر: ((تاريخ الإسلام السياسي)»
(٤ / ١٢ وما بعدها).
انظر: ((تاريخ الإسلام السياسي)) (٤ / ٢٣٥ - ٢٣٦)، و((شذرات الذهب)» (٣ /
(٢)
١٦٢).
انظر: ((تاريخ الإسلام السياسي» (٤ / ٢٣٦ و٢٣٧)، وقارن بالصفحة (١٢ و١٣) منه،
(٣)
وانظر: ((الكامل)» (٨ / ٨٢ وما بعدها)، و((شذرات)) (٣ / ٢٨٧ - ٢٨٨)، و(«حضارة
الإسلام)» لصلاح الدين فؤاد بخش ترجمة د. علي حسني الخربوطلي (ص ٥٩ - ٦٠).
(٤) انظر: ((البداية والنهاية)) (١٠٠/١٢ - ١٠١)، و((شذرات الذهب» (٣ /٢٩٦ - ٢٩٧)، =
٢٣

لقد وُجِّهَتْ قوى الدويلات الإِسلامية جملة إلى تثبيت سلطانها، وإلى
إخماد الفتن الداخلية، ووُجِّهَت طاقات بعضها لصد هجوم أعدائها، والحد
من أطماعهم فيها؛ بعد أن كانت قوة الدولة الإسلامية في القرون السابقة.
مكرَّسة للجهاد في سبيل الله، متجهة لتحرير البلاد من العبودية لغير الله عز
وجل، وقد اتسعت الفتوحات قبل القرن الخامس؛ القوة روح الجهاد في
المسلمين، وقلّة الفتن، ولوحدة الصف الداخلي إلى حدٍّ ما (١).
٤ - ومهما يكن الأمر؛ فإن الخلافة العباسية تقلّص نفوذها في تلك
الحقبة، وآل النفوذ والسلطان في بغداد إلى سلاطين البويهيِّين والسلاجقة،
وقد كان للسلاطين: طغرلبك (٤٢٩ - ٤٥٥هـ)، وألب أرسلان بن داود ابن
أخي طغرلبك (٤٥٥ - ٤٦٥ هـ)، وملكشاه بن أرسلان (٤٦٥ - ٤٨٥هـ)
الملقب بالسلطان العادل، ولحسن سيرتهم، واستقامتهم، وشجاعتهم(٢)،
ومعهم بعض وزرائهم - وبخاصة نظام الملك، الذي تقلَّد الوزارة لألب
أرسلان وابنه ملكشاه نحواً من ثلاثين سنة(٣) -؛ كان لهم أثر كبير في تماسك
الخلافة العباسية، وحمايتها من الداخل من سقوطها على أيدي الفاطميين،
وإرهاب أعدائها من الفرنجة، وقطع أطماعهم بها، وبخاصة بعد هزيمة
أرمانوس سنة (٤٦٣ هـ) أمام السلطان ألب أرسلان .
. وقد قيَّض الله تعالى للخلافة العباسية في عصر الخطيب القادرَ بالله،
وانظر: ((الكامل)) (٨ / ١٠٧) في حوادث سنة (٤٦٢ هـ)، وهجوم ملك الفرنجة على
=
منبج وبلاد الشام ونهبها .
. انظر: ((التاريخ الإسلامي)) للدكتور العدوي (ص ٣٢٥).
(١)
كانوا على جانب من الدين والصلاح والرحمة والكرم والعطف على الفقراء والمحتاجين.
(٢)
انظر: «تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم حسن (٤ / ٤ - ٣٠).
(٣) انظر: ((المرجع السابق)) (ص ٣٠ - ٣٢).
٢٤

الخليفةَ أبا العباس، أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر، الذي دامت
خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر (بین سنتي ٣٨١ و٤٢٢ هـ)، وقد كان
صالحاً، على جانب من العلم، له كتاب في الأصول، ذكر فيه فضل
الصحابة رضي الله عنهم(١)، كان يُقرأ على الناس كل جمعة، وعدَّه ابن
الصلاح من الفقهاء الشافعية، ولم يخلِّف مالاً، وكان من أفقر الخلفاء (٢).
ثم خَلَفَه ولدُه القائم بأمر الله، وقد كان ورعاً، ديِّناً، زاهداً، عالماً،
قوي اليقين بالله، كثير الصدقة والصبر، محبّاً للعدل والإِحسان وقضاء
الحوائج (٣)، ولي الخلافة بين سنتي (٤٢٢ و٤٦٧هـ)(٤).
وقد حرص هذان الخليفتان على حسن صلتهما بالرعية، وإعادة الهيبة
للخلافة، وإن كان النفوذ بأيدي السلاطين.
٥ - وأما من الناحية الثقافية والعلمية؛ فإن نشاط العلماء لم يخمد، بل
إن المراكز الثقافية انتشرت وتعذَّدت؛ تبعاً لكثرة أصحاب النفوذ من الخلفاء
والسلاطين والأمراء والوزراء، وتشجيعهم العلماء والأدباء.
وحسبنا في هذا العصر ما كان من سلاطين السلاجقة ووزيرهم نظام
الملك، وتشجيعهم العلماء والأدباء، ونشر العلوم الدينية والعقلية، وتأسيس
المدرستين العظيمتين اللتين عرفتا باسم المدرسة النظامية في بغداد
ونيسابور؛ نسبة إلى نظام الملك، الذي اشتهر ببناء المدارس في البلاد،
وتخصيص النفقات العظيمة لها، حتى إنه أملى الحديث ببغداد ونيسابور
وفيه تكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن. انظر: ((شذرات الذهب» (٣ / ٢٢٢).
(١)
المرجع السابق (٣ / ٢٢٢ و٢٢٣).
(٢)
(٣)
انظر: ((شذرات الذهب)) (٣ / ٣٢٦ - ٣٢٧).
وبقي أمره مستقيماً حتى سنة (٤٥٠هـ)، حيث سجنه البساسيري نحو سنة، ثم أعاده
(٤)
طغرلبك، وازداد ورعاً بعد عودة الخلافة إليه. انظر: المرجع السابق (٣ / ٣٢٦ و٣٢٧).
٢٥

وغيرهما(١).
· هذا إلى جانب النشاط العلمي في بلاد الشام والحجاز ومصر والمغرب
والأندلس.
ولعل اهتمام الدويلات في القرن الخامس الهجري بالجوانب
السياسية والعسكرية بالدرجة الأولى جعل اهتمامها بالجانب العلمي أقل من
اهتمام الدويلات التي كانت في القرن الرابع الهجري.
ومع هذا؛ فقد كان في عهد الخليفة القائم بأمر الله (٤٢٢ - ٤٦٧هـ)
كثير من العلماء والأدباء والفلاسفة؛ منهم: شيخ الفلاسفة ابن سينا، ومهيار
الديلمي الشاعر، وأبو الحسين البصري شيخ المعتزلة، وأبو الحسن
الماوردي قاضي القضاة وصاحب كتاب ((الأحكام السلطانية))، وابن حزم
الظاهري صاحب كتاب ((الفصل في الملل والأهواء والنحل))، والخطيب.
البغدادي، وابن رشیق صاحب كتاب ((العمدة))، وابن عبد ربه صاحب كتاب
(العقد الفريد)»، وعمر بن إبراهيم الخيامي من أعيان الفلكيين الذي تولَّى أمر
المرصد الذي أسَّسه ملكشاه، وأبو المظفر الإِسفزاري، وميمون بن النجيب.
الواسطي، وغيرهم من الفلكيين(٢).
وأما علماء الحديث، والفقهاء، والمفسِّرون، وعلماء التوحيد، وعلماء
النحو واللغة والأدب، وعلماء الطب، والرياضيات، والجغرافيا، وغيرهم؛
فكثيرون(٣).
وانتشرت المكتبات والمدارس في أرجاء العالم الإسلامي، وهي مراكز
انظر: «تاريخ الإسلام السياسي» (٤ / ٢٧ و٣١ و٤٢٥).
(١)
(٢) .
انظر: المرجع السابق (٤ / ٢٧).
انظر: ((تاريخ الإسلام السياسي)» (٤ / ٤٣٩ - ٥٨٣).
(٣)
٢٦

علمية، إلى جانب المساجد، والزوايا، والرباطات(١).
وفي أخبار سنة (٤٢٢ هـ) قال ابن العماد الحنبلي :
((قال السيوطي في «تاريخ الخلفاء)): قال الذهبي: كان في هذا العصر
رأس الأشعرية: أبو إسحاق الإِسفرائيني، ورأس المعتزلة: القاضي
عبدالجبار، ورأس الرافضة: الشيخ المفيد، ورأس الكرامية: محمد بن
الهيضم، ورأس القراء: أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدِّثين: الحافظ
عبدالغني بن سعيد، ورأس الصوفية: أبو عبدالرحمن السلمي، ورأس
الشعراء: أبو عمر بن درّاج، ورأس المجودين: ابن البواب، ورأس الملوك:
السلطان محمود بن سبکتکین.
قلت - أي: السيوطي -: ويضمُّ إلى هذا: رأس الزنادقة: الحاكم بأمر
الله، ورأس اللغويين: الجوهري، ورأس النحاة: ابن جني، ورأس البلغاء:
البديع، ورأس الخطباء: ابن نباتة، ورأس المفسرين: أبو القاسم بن حبيب
النيسابوري، ورأس الخلفاء: القادر؛ فإنه من أعلامهم؛ تفقَّه وصنَّف»(٢).
وإن الحركة الفكرية في هذا العصر ورجالها أوسع من أن يتّسع لها هذا
المقام، وحسبنا ما ذكرناه على وجه الإيجاز.
(١) انظر كتابنا: ((لمحات في المكتبة والبحث والمصادر)) (ص ٤٠ وما بعدها)، و((تاريخ
الإسلام السياسي» (٤ / ٤٢٦ - ٤٣٩).
((شذرات الذهب» (٣ / ٢٢٢).
(٢)
ومحمود بن سبكتكين الغزنوي، أحد أعلام سلاطين الغزنويين، وأحد القادة
المشهورين، لقِّب بـ (يمين الدولة)، امتد سلطانه من أقاصي الهند إلى نيسابور، فتح
الهند، وحكم بين سنتي (٣٨٨ و٤٢١ هـ)، أرسل إليه الخليفة العباسي القادر خلعة
السلطنة سنة (٣٨٩هـ)، كان دأبه الفتح والغزو، كان فقيهاً، حازماً، ذا رأي، يجالس
العلماء ويناظرهم. انظر: «تاريخ الإسلام السياسي)) (٣ / ٩٣ - ١٠٤).
٢٧

المبحث الثانى
ترجمة الخطيب البغدادي
١ - التعريف به ونشأته :
هو: الحافظ، الكبير، الإِمام، محدث الشام والعراق، مؤرِّخ بغداد،
أحد الأعلام المشهورين، أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن
مهدي البغدادي، اشتهر بالخطيب البغدادي، ينزع أصله إلى عشيرة عربية
سكنت الخَصّاصة؛ من أعمال الكوفة، من نواحي الفرات.
ولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين
وثلاث مئة، في غُزِيُّهُ؛ من أعمال الحجاز(١).
كان والده أبو الحسن أحد حفّاظ القرآن الكريم؛ قرأه على أبي حفص
(١) أهم مصادر ومراجع ترجمته: ((تاريخ بغداد)) (٦ / ٣١٤، ٩ / ٣٩٨ وما بعدها، ١١ /
٣٥٩ و٣٩٢ وغيرها)، و(طبقات الشافعية)) (٣ / ١٢ وما بعدها)، و(«البداية والنهاية))
(١٢ / ١٠١ - ١٠٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٥ وما بعدها)، و((تهذيب تاريخ
دمشق لابن عساكر»، تهذيب الشيخ عبدالقادر بدران (١ / ٣٩٩ -٤٠٢)، و ((سير أعلام
النبلاء)) (١١ / ٤١٣ وما بعدها)، و(والأنساب)) (٥ / ١٦٦)، و((معجم الأدباء)» (١ /
٢٤٦)، و((شذرات الذهب» (٣ / ٣١١ - ٣١٢)، و((الخطيب البغدادي)) للدكتور
يوسف العش، وسأشير إلى بعض المصادر والمراجع في مواطنها حين الضرورة إن شاء
الله .
٢٩

الكتاني، وقد تولَّى الإمامة والخطابة في قرية درزيجان؛ جنوب غربي بغداد.
من سواد العراق نحواً من عشرين سنة، ولهذا لازمه لقب الخطيب.
نشأ أبو بكر في رعاية والده، فبثًّ فيه روح العلم والتقى، وحبَّب إليه.
القرآن، ومجالس العلماء، فتعلّم القراءة والكتابة وقراءة القرآن، حيث عهد به
والده إلى المؤدّب المقرىء هلال بن عبدالله الطيبي، وتعلّم القراءات:
ووجوهها على الشيخ منصور الحيَّال، وأفاد فيما بعد - بعد وفاة شيخه.
الحبال ـ من ابن الصيدلاني الذي كان يعلم وجوه القراءات في جامع
الدارقطني .
وقد ظهرت عليه علائم النباهة، وألهم طلب العلم، وطمح والده في
زيادة تحصيله؛ ليكون أحد العلماء، فأسمعه الحديث في صغره.
وكان أولُ سماعه في محرَّم سنة ثلاث وأربع مائة على أبي الحسن بن
رزقويه البزار (٣٢٥ - ٤١٢ هـ) في جامع المدينة ببغداد، وهو ابن إحدى
عشرة سنة، فكتب عنه إملاءً مجلساً واحداً.
ثم انقطع عنه نحو ثلاثٍ سنين؛ يتردَّد فيها إلى مجالس كبار الفقهاء؛
كأبي حامد الإسفرائيني (٠٠٠ - ٤٠٦ هـ) الذي انتهت إليه رياسة المذهب
الشافعي ببغداد.
ثم عاد إلى مجلس شيخه الأول ابن رزقويه البزار في مطلع السنة
السادسة بعد الأربع مائة، فلازمه حتى آخر عمره (٤١٢هـ).
كما انتفع بدروس أحمد بن محمد المحاميلي شيخ الشافعية ببغداد
بعد الإِسفرائيني، وهو أول مَن علَّقَ الفقه عنه.
ويُعْجَبُ الخطيب بأبي الطيب الطبري، طاهر بن عبدالله، (٣٤٨ -
٤٥٠ هـ)، أحد أعلام الفقهاء، فيلازمه عدة سنين.
٣٠

كما انتفع بأبي نصر بن الصباغ، وبهذا برع فيه الفقه الشافعي ومسائل
الخلاف بين المذاهب الفقهية، حتى عُدَّ من فقهاء الشافعية.
كما كان يختلف إلى مجالس المحدِّثين، ويسمع منهم، ويكتب
عنهم، وغلب عليه الحديث، ومخالطة علمائه وأهله، وكثرة الاشتغال به،
وجمعه من صدور حفاظه، والارتحال في طلبه.
٢ - رحلاته :
آ - عادة أهل الحديث ألا يرحل الطالب من بلده إلى غيره في طلب
الحديث حتى يسمع أكابر شيوخ بلده.
وقد سمع الخطيب من أكابر حفاظ بغداد؛ مثل: ابن رزقويه، وأبي
الحسن بن الصلت الأهوازي، وأبي عمر بن مهدي، وأبي الحسين بن
المتيّم، والحسين بن الحسن الجواليقي، وابن أبي الفوارس، وهلال الحفار،
وإبراهيم بن مُخَلَّد الباخرجي، وأبي بكر أحمد بن محمد البرقاني (٣٣٦ -
٤٢٥ هـ) الذي انتفع به كثيراً؛ كما انتفع بابن رزقويه، وغيرهم من علماء
بغداد والموجودین فیھا .
ب - وكما سمع من علماء بغداد سمع من العلماء المقيمين حولها في
بعض المدن والقرى؛ مثل: عُكْبَرا، ويعقوبا، والأنبار، ودرزيجان،
وجرجرایا .
وكان سماعه في عكبرا من أحمد بن علي بن أيوب العكبري سنة عشر
وأربع مائة(١).
(١) انظر: ((تاريخ بغداد)) (٨ / ١٠٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (١ / ١٧٧ و١٤٨، ١١ /
٤١٣).
٣١

وقد رحل إلى الكوفة والبصرة سنة اثنتي عشرة وأربع مائة، وله عشرون
عاماً، فسمع عدداً من أكابر شيوخ البصرة؛ كأبي الحسين علي بن حمزة بن
أحمد المؤذِّن، وأبي الحسن علي بن أحمد بن إبراهيم البزار، وأبي عمر
القاسم بن جعفر الهاشمي (٣٢٢ - ٤١٤ هـ) راوية ((السنن))، وغيرهم(١).
وعاد في نفس السنة إلى بغداد، وظهر فضله، وذاع صيته؛ لتفرّده.
ببعض ما جمعه رواية من الحديث، وتألّق نجمه، حتى إن شيخه أبا القاسم
عبيدالله بن أحمد الأزهري (٣٥٥ - ٤٣٥ هـ) افتقر إلى الاستشهاد ببعض
رواياته في تصانيفه، فسأله أن يقرأها عليه، فجلس مجلس المحدِّث، وقرأ
عليه ما أراد(٢).
وتوفي والده في هذه السنة (٤١٢ هـ) يوم الأحد منتصف شوال.
جـ ــ قال الخطيب: ((أول ما سمعتُ في المحرَّم سنة ثلاثٍ، واستشرت
البرقاني في الرحلة إلى عبدالرحمن بن النحاس بمصر، أو أخرج إلى
نيسابور؟ فقال: إن خرجتَ إلى مصر؛ إنما تخرج إلى رجلٍ واحدٍ، فإن
فاتك؛ ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور؛ ففيها جماعة، فخرجتُ
إلى نيسابور))(٣).
وهذه عادة أكثر طلاب الحديث في استشارة شيوخهم في رحلاتهم
وخاصة أمورهم.
وهكذا نزل الخطيب عند رأي شيخه الذي زوَّده برسالة إلى الحافظ أبي
نُعيم محدث أصبهان، ضمَّنها مكانة الخطيب، ومنزلته، وصدق عزيمته في
(١و٢) انظر: ((الخطيب البغدادي)) د. العش (ص ٢٠-٢١)، و(ف٧٣٠) من هذا الكتاب.
(٣) ((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٧).
٣٢

الطلب، وحسن التحصيل، وأوصاه به خيراً(١).
فاتَّجه إلى نيسابور، يصحبه أبو الحسن علي بن عبدالغالب في مطلع
سنة خمس عشرة وأربعمائة، فدخلا الري، فخراسان، ثم نيسابور، ومنها إلى
أصبهان، وهمذان، والجبال، والدينور، ولقي كثيراً من المشايخ، والراجح
أن رحلته هذه استغرقت نحو أربع سنين؛ لأنه ظهر في بغداد سنة تسع عشرة
وأربعمائة، وأسمع شيخه الحافظ أبا بكر البرقاني بعض مروياته، وذاكره
ببعض الحديث، وكان شيخه يرويها عنه في دروسه، ويذكره في حضوره
وغیابه، کما کتب عنه وضمنها جموعه(٢).
قال الخطيب: ((وكنتُ كثيراً أذاكر البرقاني بالأحاديث، فيكتبها عني،
ويُضمنها جموعه، وحدَّث عني وأنا أسمع))(٣).
وهكذا شقُّ اسمُ الخطيب طريقه بين المحدِّثين، وحدَّث عنه الأكابر
والأصاغر، وذاع صيته، وعمَّت شهرتُه .
وعلى ما يبدو من المصادر أن الخطيب رحل ثانية إلى أصبهان
ونواحيها، فقد كان فيها في سنتي واحد وعشرين واثنتين وعشرين وأربعمائة.
ومهما يكن الأمر؛ فقد انتفع بشيوخها وشيوخ نيسابور وهمذان والدينور
والجبال والري وغيرها، فتحمَّل عن نحو أربعين شيخاً في رحلتيه؛ من
أشهرهم (٤):
١) أبو نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبدالله بن إسحاق، (٣٥٦ -
انظر: ((تهذيب تاريخ دمشق)) (٤٠١/١)، و((الخطيب)) (ص٢٢)، و(ف٦٧٦) من هذا
(١)
الكتاب .
انظر: ((الخطيب البغدادي)) (ص ٢٣ - ٢٤).
(٢)
((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٧).
(٣)
انظر: ((موارد الخطيب)) (ص ٣٦ - ٤٢)، و((الخطيب البغدادي)) (ص ٧٨ - ٨٥).
(٤)
٣٣

٤٣٠ هـ): تحمَّل عنه مصنفاً لعبد الله بن محمد أبي الشيخ الأنصاري،
ومصنفاً لمحمد بن إسحاق السراج، ومصنفاً لأبي القاسم سليمان
الطبراني(١).
٢) أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري: تحمل عنه
الخطيب أحاديث أبي بكر محمد بن إبراهيم بن زاذان المقرىء الأصبهاني .
٣) أبو منصور محمد بن عيسى بن عبدالعزيز البزاز: تحمَّل عنه
الخطيب مصنفاً لصالح بن أحمد التميمي.
٤) أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ ( ... -٤١٧ هـ): تحمّل
عنه کتاب (الکنی والأسماء)» لمسلم بن الحجّاج، وبعض مرویات یحیی بن
.-
:
عبدالله بن بُکیر.
٥) أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي (.
٤٢١ هـ): تحمل عنه الخطيب بعض مرويات أحمد بن حنبل ويحيى بن
معين، وبعض مرويات محمد بن يعقوب الأصمّ (٢).
:
د - رحلته إلى بلاد الشام:
يذكر المؤرخون أن الخطيب البغدادي زار بلاد الشام مراراً، ونزل
دمشق عدة مرات، ومكث فيها فترات طويلة :
فمرَّ بها عند سفره إلى الحج سنة أربع وأربعين وأربعمائة .:
قال أبو الفرج الإِسفرائيني: ((كان الخطيب معنا في الحج، فكان يختم
انظر: ((موارد الخطيب)) (ص ٤٠).
(١)
انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٦ - ١١٣٧)، و((الخطيب البغدادي)) (ص ٨٣ و٨٥)،
(٢)
و((موارد الخطيب)) (ص ٣٧ - ٣٩).
٣٤

كل يوم قريب الغياب قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب،
فيقولون: حدثنا، فيحدِّث))(١).
ومر فيها حین عودته من الحج .
قال عبد المحسن الشيحي: ((عادلتُ الخطيب من دمشق إلى بغداد،
فکان له في كل يوم وليلة ختمة))(٢).
كما زار بيت المقدس في عودته من الحج سنة خمس وأربعين
وأربعمائة .
هذا سوى إقامته الطويلة في دمشق، نحو تسع سنوات، حين اضطر
إلى مغادرة بغداد؛ کما سأبين هذا بعد قليل ..
هـ ـ رحلته إلى مكة :
دخل الخطيب مكة حاجّاً في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين
وأربعمائة، وشرب من ماء زمزم ثلاث شربات، ((وسأل الله عز وجل ثلاث
حاجات؛ آخذاً بالحديث: ((ماء زمزم لما شرب له)): فالحاجة الأولى أن
يُحدِّث بـ ((تاريخ بغداد)) بها. والثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور.
والثالثة: أن يُدفَنَ عند بشر الحافي. فقضى الله له ذلك))(٣) بعد حجته وعودته
إلى بغداد(٤).
(١ ٢) ((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٩)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) (١ / ٤٠١).
(٣) المرجع السابق (٣ / ١١٣٩)، و((تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكره (١ / ٤٠٠).
لقد تحقّقت للخطيب أمانيه الثلاث :
(٤)
فحدث بـ ((تاريخ بغداد)» في بغداد، وحدث في جامع المنصور، وكان سبيله إلى هذا أن
وقع له جزءٌ فيه أحاديث عليها سماع الخليفة القائم بأمر الله (٣٨٧ - ٤٦٧هـ)، وقد ولي
الخلافة (٤٢٢ - ٤٦٧ هـ)، فأستأذن على الخليفة ليقرأ الجزء عليه، فقال الخليفة: ((هذا =
٣٥

ولقي في مكة بعض العلماء، وسمع منهم؛ من هؤلاء: القاضي أبو
عبدالله محمد بن سلامة القضاعي، وقرأ ((صحيح البخاري)) على كريمة بنت
أحمد المروزيَّة بمكة في خمسة أيام، وكان سماعها لهذا الكتاب أقدمَ سماع
في عصرها(١).
٣- الخطیب في بغداد :
كان الخطيب قد نشأ في درزيجان جنوب غربي بغداد، وتردَّد في مطلع
شبابه على بغداد، ثم قام برحلاته، وكلما عاد منها؛ عاد إلى بغداد.
وقد انتهت رحلاته إلى مشرق البلاد الإسلامية سنة (٤٢٢ هـ)، وشرع
في حجه عام (٤٤٤ هـ)، وتنقطع أخباره بين هذين التاريخين نحو اثنتين
رجلٌ کثیر الحذیث، وليس له في السماع من حاجة، ولعل له حاجة أراد أن یتوصل إليها
=
بذلك، فسلوه حاجته، فسئل؟ فقال: حاجتي أن يؤذن لي أن أملي بجامع المنصور)»،
فأمر بقضاء حاجته، وأملى الحديث فيه. ((تهذيب تاريخ دمشق)» (١ / ٤٠٠).
وأما أمنيته الثالثة؛ فقد تحققت.
قال إسماعيل بن أبي سعد الصوفي: ((كان أبو بكر بن زهراء الصوفي برباطنا قد أعدَّ لنفسه
قبراً إلى جانب بشر الحافي ... فلما مات الخطيب - وكان قد أوصى أن يُدفن إلى جنب
بشر الحافي -؛ جاء المحدِّثون إلى ابن زهراء، وسألوه أن يدفنوا الخطيب في قبره، وأن
يؤثره به، فامتنع، فجاؤوا إلى أبي، فأحضره، وقال: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن
لو أن بشراً الحافي في الأحياء، وأنت إلى جانبه، فجاء أبو بكر الخطيب ليقعد دوتك؛
·أکان یحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا ؛ بل كنتُ أقوم واجلسه. قال: فهكذا ينبغي
أن يكون الساعة، فطاب قلبه، وأذن لهم)) ((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٤٥)، و((تهذيب
تاريخ دمشق)» (١ /٤٠٠).
((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٨)، و(«البداية والنهاية)) (١٢ / ١٠١ و١٠٥)، و((الخطيب)»
(١)
(ص ٣٠).
:
٣٦

وعشرين سنة، اللهم إلا بعض الأخبار التي تؤكّد وجوده في بغداد تلك الحقبة
من الزمن، فقد ذكرت بعض المصادر أنه كان خطيباً للجمعة والعيدين في
بغداد، أو في بعض قراها - ولعلها درزيجان القرية التي كان يخطب فيها
والده، وقد خلفه فيها بعد وفاته -، وهذا ما رجِّحه ابن كثير، ورأى أنه سمي
بالخطيب؛ لأنه كان يخطب بدرب ريجان(١).
وتفيدنا المصادر بأن إسماعيل بن أحمد الحيري النيسابوري مرَّ ببغداد
سنة (٤٢٣هـ) في طريقه إلى الحج، وكان قد قرأ ((صحيح البخاري)) على
أبي الهيثم الكُشميهني بسندٍ عالٍ، فاستفاد الخطيب من هذه الفرصة، فقرأ
عليه ((صحيح البخاري)) في ثلاثة مجالس(٢).
وفي ((تاريخ بغداد)) أن الخطيب أمَّ الناس في الصلاة على جنازة
القاضي أبي علي الهاشمي، أحد فقهاء الحنابلة، سنة (٤٢٨ هـ) ببغداد (٣)؛
مما يدل على مكانته العلمية والاجتماعية، والراجح أنه تفرَّغ في تلك الفترة
لتصنیف «تاريخ بغداد» وغيره من مصنفاته.
٤ - كشفه مكر اليهود في كتاب مزوَّر على رسول الله وَلّه:
في سنة (٤٤٧ هـ) أظهر بعض اليهود كتاباً ادَعی فیه ((أنه کتاب رسول
اللـه ◌َ# بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وذكروا أن
خطَّ عليٍّ فيه، وحُمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، فعرضه على الخطيب،
فتأمَّله، ثم قال: هذا مزوَّر. قيل له: من أين قلتَ ذلك؟ قال: من شهادة
معاوية، وهو أسلم عام الفتح (في شهر رمضان سنة ٨هـ)، وفُتِحَت خيبر سنة
انظر: ((البداية والنهاية)) (١٢ / ١٠١)، و((الخطيب)) (ص ٣٠).
(١)
المرجع السابق عن ((تاريخ بغداد)) (٦ / ٣١٤).
(٢)
((موارد الخطيب عن تاريخ بغداد)» (١ / ٣٥٤).
(٣)
٣٧

٧هـ (في صفر)، وفيه شهادة سعد بن معاذ، ومات يوم بني قريظة؛ قبل خيبر
بسنتين، فاستحسن ذلك منه، ولم يجزهم على ما في الكتاب)).
وكتب رئيس الرؤساء كتاباً عن الخليفة القائم بأمر أمير المؤمنين في أخذ
الجزية من اليهود الخيابرة، وإبطال الكتاب الذي بأيديهم في ذلك، وكتب
عليه الأئمة: أبو الطيب الطبري، وأبو نصر بن الصبَّاغ، ومحمد بن محمد
البيضاوي، ومحمد بن علي الدَّامغاني، وغيرهم(١).
إن بيان الخطيب لبطلان الكتاب المذكور دليلٌ قوي على سعة علمه،
واطلاعه، وتنوع معارفه، ومعرفته بالنقد التاريخي؛ من حيث النقل والعقل؛
نقد السند والمتن.
ومما لا شك فيه أن مثل هذا رفع مكانة الخطيب، فترى رئيس الرؤساء
وزير القائم بأمر الله يعتمد على الخطيب في أن يكون مرجع الخطباء والوعاظ
في الحدیث، فلا یروون حدیثاً حتی یعرضوه علیه، فما صححه؛ رووه، وما
ضعفه؛ لم يذكروه(٢) .!
وبقي الخطيب في بغداد إلى منتصف صفر الخير من سنة واحد
وخمسين وأربعمائة؛ عاكفاً على تصانيفه، مشتغلاً في تدريس الحديث
وإملائه بمسجد المنصور.
٥ - مغادرته بغداد إلى دمشق :
· كانت صلة الخطيب بوزير القائم بأمر الله، رئيس الرؤساء، أبي
القاسم بن المسلمة وثيقة، دفعت عنه أذى بعض خصومه، وهیأت له من
الاستقرار والطمأنينة، مما مكنه من متابعة عمله في تصانيفه، غير أنه في سنة
انظر: ((البداية والنهاية)) (١٢ / ١٠١ - ١٠٢)، و«الخطيب البغدادي)) (ص ٣٢ - ٣٣)
(١)
(٢)
انظر: المرجع السابق (ص ٣١).
:
٣٨

(٤٥٠ هـ) ثار أبو الحارث أرسلان البساسيري، أحد القادة الأتراك ببغداد،
ضد الخليفة القائم بأمر الله؛ منتهزاً فرصة غياب طغرلبك السلطان السلجوقي
عنها، فدعا البساسيري لصاحب مصر في خطبة الجمعة، وقتل ابن المُسلمة
في هذه الفتنة في شهر ذي الحجة .
واشتدَّ خصوم الخطيب في إيذائه والإساءة إليه، وخشي من تفاقم
الحال بعد أن آل السلطان إلى مَن لا يأمن على نفسه منه، وآثر الخروج مستتراً
إلى دمشق، فخرج من بغداد يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين
وأربعمائة، ووصل إلى دمشق في عيد الأضحى من السنة ذاتها(١)، وقد أخذ
معه كتبه ومصنّفاته، وسكن المئذنة الشرقية من الجامع الأموي، وبدأ تدريس
الحديث وغيره، وألف المقام في دمشق .
وقام أمر البساسيري سنة في بغداد يدعو للفاطميين، ثم قُتل على يد
طغرلبك بعد رجوعه إلى بغداد، وأعاد الخليفة القائم إلى الخلافة، وعادت
المياه في بغداد إلى مجاريها(٢).
لكن الخطيب لم يعد إليها آنذاك، إذ استقر في دمشق، واتَّسعت
حلقته في مسجد بني أميّة، وكثر طلَّبه، وتعدَّد أصحابه، وانتفع به أهل الشام
أكثر مما انتفع بهم، وقد لقي فيها كثيراً من أهل العلم، وتحمَّل عن بعضهم.
وكانت دمشق في تلك الحقبة تابعة للفاطميِّين، واستمرَّت حلقة
الخطيب في المسجد الأموي بكرة كل يوم؛ يحدِّث فيها بعامة كتبه وتصانيفه
التي أحضرها معه من بغداد، وفيها ((فضائل الصحابة الأربعة)) للإِمام أحمد،
انظر: ((تاريخ بغداد)) (٩ / ٤٠٣)، و((البداية والنهاية)) (١٢ / ١٠٢).
(١)
(٢)
انظر: ((الخطيب البغدادي)) (٣٧ - ٣٨)، و((تاريخ الإِسلام السياسي)) لحسن إبراهيم
حسن (٤ / ١١ وما بعدها).
٣٩

و((فضائل العباس)) لأبي الحسن بن رزقويه، وسعى به بعض الوشاة
المتعصِّبين لدى أمير الجيوش بدمشق، وكاد أن يقتل لولا أن أجاره الشريف
أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس بن أبي الحسن العلوي، واحتال له
- بحنكة وذكاء - لدى الأمير الذي طلب أن يُبْعَث بالخطيب إليه، مما يسَّر
إخراجه وخلاصه، وتسهيل ذهابه إلى مدينة صور في صفر سنة (٤٥٩هـ)،
وانتهت تلك الوشاية والمحنة دون أن يُمَسَّ الخطيب بأذى(١).
٦ - الخطيب في مدينة صور:
قال ابن شافع: ((خرج الخطيب، فقصد صور، وبها عزّ الدولة، أخذ
الأجواد، وتقرَّب منه، فانتفع به، وأعطاه مالاً كثيراً، انتهى إليه الحفظ
والإتقان والقيام بعلوم الحديث))(٢).
وكان يحدِّث بجامع صور، وكان منها يزور القدس ويعود، وقد لقي
بعض مشايخ ضور، وروى عن اثنين منهم(٣)، وقد بقي فيها من سنة
(٤٥٩هـ) إلى سنة (٤٦٢ هـ).
٧ - عودة الخطیب إلى بغداد:
لما بلغ الخطيب من عمره سبعين عاماً؛ هاجه الشوق إلى بغداد، فعزم
على الرحيل إليها، وصاحبه في سفره تلميذُه وصاحبُه المحدث التاجر
عبدالمحسن بن محمد بن علي الشحي، فخرجا في شعبان سنة اثنتين وستين
(١) انظر: (تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٤١ - ١١٤٢)، و «البداية والنهاية)) (١٢ / ١٠٢)،
و ((الخطيب البغدادي)) (ص: ٤٢ - ٤٣).
انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٣ / ١١٣٩)، وقارن بالصفحة (١١٤٢)، و(الخطيب
(٢)
البغدادي)) (ص ٤٤).
:
انظر: ((موارد الخطيب)) (ص ٤٥).
(٣)
٤٠