Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ حرف الهمزة خَلْقِهِ بَغَّضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ، وَبَغَّضَ إِلَيْهِمْ فِعَالَهُ، وَحَظّرَ عَلَيْهِمْ إِعْطَاءَهُ كَمَا يُحَظِّرُ الْغَيْثَ عَنِ الأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُهْلِكَهَا وَيُهْلِكَ بِهَا أَهْلَهَا، وَمَا يَعْفُو أَكْثَرُ)). ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن أبي سعيد (ح). ١٧١٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السَّلاَمَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنَا، وَأَمَاناً لِأَهْلِ ذِمَّتِنَا)). (طب هب) عن أبى أمامة (ض). يعفو) الله (أكثر) أي أن الجدب يكون بسبب بغضهم للمعروف وشحهم وغير ذلك من أعمالهم القبيحة وأعمالهم الرديئة ونياتهم الخبيثة ومع ذلك فالذي يغفره الله لهم أكثر وأعظم مما يؤاخذهم به ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [النحل: ٦١] (ابن أبي الدنيا) أبو بكر (في قضاء الحوائج) أي في كتابه الذي ألفه في فضل قضائها (عن أبي سعيد) الخدري وفيه عثمان بن سماك عن أبي هارون العبدي قال في اللسان عن العقيلي حديثه غير محفوظ وهو مجهول بالنقل ولا يعرف به، وقال الزين العراقي رواه الدارقطني في المستجاد من رواية أبي هارون عنه وأبو هارون ضعيف ورواه الحاكم من حديث علي وصححه انتهى ورواه أيضاً أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي من حديث أبيّ باللفظ المزبور. ١٧١٤ - (إن الله تعالى جعل السلام) بفتح السين المهملة (تحية لأمتنا) أمة الإجابة قال ابن حجر رحمه الله تعالى فيه دلالة على أن السلام شرع لهذه الأمة دون من تقدّمهم لكن يجيء في حديث خلق آدم أنه تحيته وتحية ذريته (وأماناً لأهل ذمتنا) لأن معنى السلام عليك سلامة لك مني وأمان ذكره القرطبي وسببه قال محمد بن زياد الألهاني كان أبو أمامة يسلم على كل من لقيه فما علمت أحداً سبقه بالسلام إلا يهودياً مرة اختبأ خلف أسطوانة فخرج فسلم عليه فقال أبو أمامة ما حملك على ذلك قال: رأيتك تكثر السلام فعلمت أنه فضل فأحببت أن آخذ به فقال: حدثني رسول الله ور فذكره قال ابن حجر قالت طائفة منهم ابن وهب وعون يجوز ابتداء أهل الذمّة بالسلام استدلالاً بهذا ونحوه ولقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم عليه السلام لأبيه سلام عليك ولاية ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ [الزخرف: ٨٩] وقال البيهقي بعد أن ساق حديث أبي أمامة هذا رأي أبي أمامة، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن ابتدائهم أولى انتهى. والجمهور على عدم جواز ابتدائهم به وحمل بعضهم المنع على ما إذا كان ابتداؤهم لغير سبب ولا ضرورة والجواز على اختياره قال النووي رضي الله عنه إذا اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم، قال ابن العربي رضي الله عنه وينوي حينئذ أن السلام اسم من أسماء الله فكأنه يقول هو رقيب عليكم(١) (طب) وكذا في الأوسط (هب) كلاهما (عن أبي أمامة) قال الهيثمي وفيه عندهما بكر بن سهل الدمياطي ضعفه النسائي وغيره. (١) وكان نفطويه يقول إذا سلمت على ذمي فقلت أطال الله بقاءك وأدام سلامتك فإنما أريد الحكاية أي إن الله فعل به ذلك إلى هذا الوقت. ٢٨٢ حرف الهمزة ١٧١٥ - (((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ، وَالْكَيْلِ)). الشيرازي في الألقاب عن أبي هريرة. ١٧١٦ - ((إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَذَابَ هذِهِ الأُمَّةِ فِي الدُّنْيَا الْقَتْلَ)). (حل) عن عبد الله بن يزيد الأنصاري. ١٧١٧ - (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذُرِّيََّ كُلِّ نَبِيِّ فِي صُلْبِهِ، وَجَعَلَ ذُرِّيَتِي فِي صُلْبٍ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ)). (طب) عن جابر (خط) عن ابن عباس (ض). ١٧١٥ - (إن الله جعل البركة) أي الزيادة والنماء (في السحور) أي في أكل الصائم وقت السحر بنية التقوّي على الصوم (والكيل) أي في ضبط الحبوب وإحصائها بالكيل كما يفسره خبر كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه وذكر الغزالي رحمه الله تعالى وتبعه المؤلف أن الدابة ينبغي أن تعلف مكيلاً فإنها تنمو وتزيد (الشيرازي) الحافظ محمد بن منصور (في) كتاب (الألقاب) له (عن أبي هريرة). ١٧١٦ - (إن الله جعل عذاب هذه الأمة في الدنيا القتل) أي يقتل بعضهم بأيدي بعض مع دعائهم إلى كلمة التقوى واجتماعهم على الصلاة، وجعل القتل كفارة لما اجترحوه كما بينته أخبار أخرى (حل) من حديث أحمد بن الحسين بن إسحاق الصوفي عن عبد الرحمن بن صالح عن أبي بكر بن عياش عن أبي بردة (عن عبد الله بن يزيد الأنصاري) قال أبو بردة كنت عند زياد فجعلت الرؤوس تأتيه فأقول إلى النار فقال عبد الله أو لا تدري يا ابن أخي سمعت رسول الله وَلو يقول فذكره قال أبو نعيم تفرد به ابن عياش عن أبي الحصين. ١٧١٧ - (إن الله تعالى جعل ذرية كل نبي في صلبه) أي في ظهره (وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب)(١) قال الزمخشري الذرية من الذر بمعنى التفريق لأن الله تعالى ذرّهم في الأرض أو من الذرء بمعنى الخلق فهو من الأول فعيلة أو فعولة ذرورة قلبت الراء الثالثة ياء ومن الثاني فعولة أو فعلية وهي نسل الرجل وقد أوقعت على النساء كقولهم للمطر سماء ومنه قول عمر حجوا بالذرية (طب عن جابر) قال الهيثمي فيه يحيى بن العلاء وهو متروك وقال ابن الجوزي قال أحمد يحيى بن العلاء كذاب يضع وقال الدار قطني أحاديثه موضوعة. اهـ وذكر في الميزان في ترجمة العلاء وأورد له أخباراً هذا منها (خط عن ابن عباس) قال ابن الجوزي حديث لا يصح فيه ابن المرزبان قال ابن الكاتب كذاب ومن فوقه إلى المنصور ما بين مجهول وغير موثوق به انتهى وفي الميزان في ترجمة عبد الرحمن بن محمد الحاسب لا يدري من ذا وخبره كذب رواه الخطيب ثم ساق هذا الخبر. (١) أي جعل أولاده من فاطمة دون غيرها فمن خصائصه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن أولاد بناته ینسبون إليه . اهـ. ٢٨٣ حرف الهمزة ١٧١٨ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا لَكَ لِبَاساً وَجَعَلَكَ لَهَا لِبَاساً، وَأَهْلِي يَرَوْنَ عَوْرَتِي، وَأَنَا أَرَىُ ذُلِكَ مِنْهُمْ)). ابن سعد (طب) عن سعد بن مسعود (ض). ١٧١٩ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَنِي عَبْداً كَرِيماً، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً عَنِيداً». (دهـ) عن عبد الله بن بسر (ح). ١٧٢٠ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)). (م ت) عن ابن مسعود (طب) عن أبي أمامة (ك) عن ابن عمر، ابن عساكر عن جابر وعن ابن عمر (صح). ١٧١٨ - (إن الله جعلها) يعني زوجتك (لك لباساً وجعلك لها لباساً وأهلي يرون عورتي وأنا أرى ذلك منهم) يعني زوجاتي تحل لهم مني ويحل لي رؤيتها فلا ينافي قول عائشة رضي الله تعالى عنها ما رأيت منه ولا رأى مني ولما كانت المرأة والرجل يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس أو لأن كلاً منهما يستر صاحبه ويمنعه من الفجور (ابن سعد) الطبقات (طب عن سعد بن مسعود) صوابه ابن محيصة بن مسعود الأنصاري قال الذهبي له ذكر وصحبة وفي التقريب قيل له صحبة أو رؤية وروايته مرسلة. اهـ. فالحديث مرسل. ١٧١٩ - (إن الله جعلني عبداً كريماً) أي متواضعاً سخياً (ولم يجعلني جباراً) أي مستكبراً متمرداً عاتياً (عتيداً) أي جائراً عن القصد مع العلم به (ده) في الأطعمة (عن عبد الله بن بسر) بسين مهملة له ولأبيه صحبة زارهم المصطفى وهر وأكل عندهم ودعى لهم قال: كان لرسول الله وَ له قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتى بتلك القصعة قد أثرد فيها فالتقوا عليها فلما كثروا جثى المصطفى وَلقر فقال أعرابي ما هذه الجلسة فذكره ثم قال: كلوا من جوانبها وذروا ذروتها يبارك فيها انتهى. فهذا بقية المتن كما هو عند مخرجه أبي داود ابن ماجه قال النووي في رياضه إسناده جيد وقال غيره رواته ثقات. ١٧٢٠ - (إن الله تعالى جميل) له الجمال المطلق ومن أحق بالجمال من كل جمال في الوجود من آثار صنعته فله جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال ولولا حجاب النور على وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه من خلقه (يحب الجمال) أي التجمل منكم في الهيئة أو في قلة إظهار الحاجة لغيره وسر ذلك أنه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من كل وجه ويحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإنه من لوازم كماله وهو وتر يجب الوتر جميل يحب الجمال علیم يجب العلماء جواد يحب الجود قوي يحب القوي فالمؤمن القوي أحب إليه من الضعيف حبي يحب أهل الحياء والوفاء شكور يحب الشاكرين صدوق يجب الصادقين محسن يحب المحسنين إلى غير ذلك (تنبيه) قال ابن عربي رضي الله عنه الجمال نعت إلهي ونبه بقوله جميل على أنا نحبه فانقسمنا فمنا من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة فأحبه في كل شيء لأن كل شيء محكم وهو صنعة حكيم ومنا من لم يبلغ هذه الرتبة وماله علم بالجمال إلا هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض وهو في الشرع موضع قوله ٢٨٤ حرف الهمزة ١٧٢١ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَيُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ)). (هب) عن أبي سعيد (ض). أعبد الله كأنك تراه فجاء بكاف التشبيه فمن لم يصل فهمه إلى أكثر من الجمال المقيد قيده به فأحبه لكماله ولا حرج عليه لإتيانه بالمشروع على قدر وسعه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها فبقي حبه تعالى للجمال وهي رتبة أهل الكمال فأحبه في كل شيء فإن العالم خلقه الله في غاية الإحكام والإتقان كما قال حجة الإسلام ليس في الإمكان أبدع مما كان فالعالم جمال الله وهو الجميل المحب للجمال فمن أحب العالم بهذا النظر فما أحب إلا جمال الله إذ جمال الصنعة لا يضاف إليها بل إلى صانعها (م) في الإيمان (ت) في البر (عن ابن مسعود) قال قال رسول الله وَ له لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فقال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس هكذا سياق مسلم والترمذي (طب عن أبي أمامة) الباهلي (ك عن ابن عمر) بن الخطاب (وابن عساكر) في تاريخه (عن جابر) بن عبد الله (وعن ابن عمر) قال ابن مسعود قلت: يا رسول الله أمن الكبر أن ألبس الحلة الحسنة فذكره، قال الحاكم احتجا بروايته وأقره الذهبي وقد وهم أعني الحاكم في استدراكه. ١٧٢١ - (إن الله جميل) أي جميل الذات والأفعال كما تقرر، قال الزمخشري والعرب تصف الشيء بفعل ما هو من سببه (يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده) أي أثر الجدة من فيض النعم عليه زياً وإنفاقاً وشكراً لله تعالى فهو تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال وتارة يكون بالفعال (ويبغض البؤس والتباؤس) ومن آثار جمال أفعاله تقدس الرضى من عباده باليسير من الشكر وإثابة الكثير من الأجر على قليل العمل المدخول ويجعل الحسنة عشراً ويزيد من شاء ما شاء ويعفو عن السيئات ويستر الزلات فعلى عباده أن يتجملوا معه في إظهار نعمته عليهم المؤذن بقلة إظهار السؤال لغيره والطلب ممن سواه وتجنب أضداد ذلك من إظهار البؤس والفاقة (فإن قلت) ينافي هذا الحديث ما سبق من الأمر بلبس الخشن من الثياب في حديث (قلت) قد يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال ولكل مقام مقال وقد كان جعفر الصادق رضي الله عنه يلبس الجبة على بدنه ويلبس الثياب الفاخرة فوقها فقال له بعض من اطلع على حاله في ذلك فقال نلبس الجبة لله والخز لكم فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه، ثم رأيت الغزالي رضي الله تعالى عنه قال (فإن قلت) فقد قال عيسى عليه السلام جودة الثياب خيلاء القلب؛ وسئل نبينا وَّل عن الجمال في الثياب أهو من الكبر فقال: لا فكيف الجمع فاعلم أن الثوب الجيد ليس من ضرورته التكبر في حق كل أحد في كل حال كما أن الثوب الدون قد لا يكون من التواضع وعلامة المتكبر أن يطلب التجمل إذا رآه الناس ولا يبالي إذا انفرد بنفسه كيف يكون وعلامة طالب الجمال أن يحب الجمال في كل شيء حتى في خلوته وحتی في ستور داره؛ فليس ذلك من الکبر، فقول عیسی هو من خيلاء القلب یعني یورث ذلك، وقول نبينا صلى الله تعالی علیه وسلم لیس من الكبر يعني الكبر لا يوجبه ويجوز أن يكون منه فالأحوال تختلف (هب عن أبي سـ ) الخدري وفيه ٢٨٥ حرف الهمزة ١٧٢٢ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، سَخِيٌّ يُحِبُّ السَّخَاءَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ)). (عد) عن ابن عمر (ض). ١٧٢٣ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىُ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلَقِ وَيَكْرَهَ سَفْسَافَهَا)). (هب) عن طلحة بن عبيد الله (حل) عن ابن عباس (ح). أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي وسيق أنه وضاع ورواه عنه أيضاً أبو يعلى اللفظ المزبور قال الهيثمي وفيه عطية الصوفي ضعيف وقد وثق . ١٧٢٢ - (إن الله جميل يحب الجمال، سخي يحب السخاء، نظيف يحب النظافة) لما سبق أن من تخلق بشيء من صفاته ومعاني أسمائه الحسنى كان محبوباً له مقرباً عنده وتنظيف الثوب والبدن مطلوب عقلاً وشرعاً وعرفاً، وقد صرح الفقهاء بأن نحو الزيات والقصاب وغيرهما من الدنسة ثيابهم يكونون في أخريات المسجد ندباً. قال الفاكهي وقد كانت ثياب شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف رضي الله عنه في غاية النقاء والنظافة والبياض إلى حد لا يبلغه ثياب الملوك في عصره كأنه مع ثيابه قطعة نور والنظافة مما تزيد في العين مهابة، وفي القلب جلالة، وقد تهاون بذلك جمع من الفقراء حتى بلغ ثوب أحدهم إلى حد يذم عقلاً وعرفاً، ويكاد يذم شرعاً سول الشيطان لأحدهم فأقعده عن التنظيف بنحو نظف قلبك قبل ثوبك، لا لنصحه بل لتخذيله عن امتثال أوامر الله ورسوله وإقعاده عن القيام بحق جليسه ومجامع الجماعة المطلوب فيها النظافة ولو حقق لوجد نظافة الظاهر تعين على نظافة الباطن، ومن ثم ورد أن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لم يتسخ له ثوب قط كما في المواهب وغيرها قيل لأنه لا يبدو منه إلا طيب ولم يقمل ثوبه (فإن قلت) ما سبب تعبيره في هذه الثلاثة بالجمال دون الحسن (فالجواب) أن الحسن إنما يوصف به ما كان مفرداً نحو خاتم حسن فإذا اجتمع من ذلك جمل وصف صاحبها بالجمال فالحسن يتعلق بالمفردات والجمال بالمركبات الجمليات ذكره السهيلي وغيره (عد عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . ١٧٢٣ - (إن الله جواد) بالتخفيف أي كثير الجود أي العطاء (يحب الجود) الذي هو سهولة البذل والإنفاق وتجنب ما لا يحمد من الأخلاق وهو يقرب من معنى الكرم والجود يكون بالعبادة والصلاح وبالسخاء بالدنيا والسماح (ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها) أي رديئها وحقيرها وتمام الحديث عند مخرجه البيهقي ومن إعظام إجلال الله عز وجل إكرام ثلاثة: الإمام المقسط، وذو الشيبة في الإسلام وحامل القرآن غير الجافي عنه ولا المغالي فيه اهـ بحروفه (هب) من حديث الحجاج بن أرطاة عن سليمان بن شحيم (عن طلحة بن عبيد الله) بن كريز قال الزين العراقي هذا مرسل اهـ ولعل المصنف ظن أنه طلحة الصحابي فوهم فكما أنه لم يصب في ذلك لم يصب في اقتضاء كلامه أن مخرجه البيهقي خرجه ساكتاً عليه وليس كما وهم بل تعقبه بما نصه في هذا الإسناد انقطاع بين سليمان وطلحة اهـ والحجاج بن أرطاة ضعفوه (حل عن ابن عباس) مرفوعاً وقال ابن الجوزي لا يصح. ٢٨٦ حرف الهمزة ١٧٢٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ)). (ت) عن علي (صحح). ١٧٢٥ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىُ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ مُرَاءٍ)). (حل فر) عن أبي سعيد (ض). ١٧٢٦ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأُدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعاً وَهَاتٍ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ: وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)). (ق) عن المغيرة بن شعبة (صح). ١٧٢٤ - (إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب)(١) فيه دلالة جلية على أن لبن الفحل يحرم وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه (ت) في النكاح وقال حسن صحيح (عن علي) أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: يا رسول الله هل لك في بنت عمك حمزة فإنها أجمل فتاة في قريش؟ فقال: أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة ثم ذكره؛ وظاهر صنيع المصنف أنه لا يوجد مخرجاً له إلا الترمذي مع أن الشافعي رضي الله تعالى عنه خرجه بل عزاه في المنضد شرح المجرد لمسلم وللنسائي معاً أهـ والله أعلم. ١٧٢٥ - (إن الله حرم الجنة) أي دخولها مع السابقين الأولين (على كل) إنسان مرائي لإحباطه عمله وإضراره بدينه بشغله نفسه برعاية من لا يملك له بالحقيقة ضراً ولا نفعاً فما دام أهل الرياء متلطخين بدنسه فهم في كير التطهير حتى تنقى أوساخهم وأدرانهم ومن ثم كان السلف يعملون أعمال البر ويخافون أن لا تقبل منهم ويحافظون على استدامة إخلاص النية. قال الشريف السمهودي كان شيخنا شيخ الإسلام فقيه العصر الشرف المناوي إذا خرج إلى دهلیزه ذاهباً للدرس يقف حتى يخلص النية ويستحضرها خوفاً من الرياء ثم يخرج وكان كثيراً ما ينشد: لَئِنْ كان ھَذَا الدَّمْعُ یَجْرِي صَبَابَةٌ على غَيْرِ لَيْلَى فَهْوَ دَمْعٌ مضَيَّعُ ثم يبكي بكاء شديداً وقضية صنيع المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته عند مخرجيه أبي نعيم والديلمي معاً ليس البر في حسن اللباس والزي ولكن البر السكينة والوقار (حل فر عن أبي سعيد) الخدري وفيه سليمان بن أبي داود الحرالي قال الذهبي ضعفوه. ١٧٢٦ - (إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات)(٢) خصهن وإن كان عقوق الآباء عظيماً لأن عقوقهن أقبح أو إليهن أسرع أو لغير ذلك فهو من تخصيص الشيء بالذكر إظهاراً لعظم موقعه، والعقوق صدور ما يتأذى به من قول أو فعل غير معصية، قال ابن حجر ما لم يتعنت الأصل وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلاً وندباً وندبها في المندوبات (ووأد) بفتح الواو وسكون (١) والتحريم بالرضاع له شروط مذكورة في كتب الفقه منها كون ذلك خمس رضعات وكون الطفل لم يبلغ حولین وكون اللبن انفصل من أنثى بلغت تسع سنين قمرية تقريباً . (٢) العقوق بالضم من العق يقال عق والده إذا آذاه وعصاه وهو ضد البر والمراد به صدور ما يتأذى به الأصل من فرعه من قول أو فعل اهـ. ٢٨٧ حرف الهمزة ١٧٢٧ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيَّ الصَّدَقَةَ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِي)). ابن سعد عن الحسن بن علي (ض). الهمزة دفن (البنات) أحياء حين يولدن وكان أهل الجاهلية يفعلونه كراهة فيهن فخصهن لا لاختصاص الحكم بهن بل لأنه كان هو الواقع فوجه النهي إليه وأول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي أغار عليه عدوه فأسر بنته واستفرشها ثم اصطلحا فخير ابنته فاختارت زوجها فآلى على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها فتبعه العرب (ومنعاً) بسكون النون مع تنوين العين وهذه رواية البخاري لأبي ذر وفي رواية للبخاري بالسكون أيضاً بغير تنوين، قال البيضاوي وإنما لم ينون وإن كان مصدراً لأن المضاف إليه محذوف منه مراداً أي كره منع ما عنده أو حرم منع الواجبات من الحقوق وفي رواية للبخاري أيضاً منع بالتحريك على بناء الماضي (وهات) بالبناء على الكسر فعل أمر من الإيتاء: أي حرم أخذ ما لا يحل من أموال الناس. والحاصل أنه عبر بهما عن البخل والمسألة فكره أن يمنع الإنسان ما عنده ويسأل ما عند غيره وهو معنى قولهم يمنع الناس رفده ويطلب رفدهم (وكره لكم قيل) كذا (وقال) فلان كذا مما يتحدث به من فضول الكلام فهما إما مصدران أتى بهما للتأكيد وحذف التنوين لإرادة المضاف إليه المحذوف أي كره لكم قيل وقال ما لا فائدة فيه أو ماضيان ونبه به على وجوب تجنب التبرع بنقل الأخبار لما فيه من هتك الأستار وكشف الأسرار وذلك ليس من دأب الأخيار؛ ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والله سبحانه ستار والستر لا يحصل مع كثرة نقل الأخبار ودلّ على إرادة النهي عن الإكثار عطفه قال علي قيل وهو من حسن الاعتبار والقول بأن المراد الأقوال الواقعة في الدين كأن تقول قال أهل السنة كذا والحكماء ولا يبين الأقوى أو بقيل الجواب وقال الابتداء بعيد ويخص من هذا النقل لضرورة أو حاجة سيما إذا كان عن ثقة (وكثرة السؤال) عن أحوال الناس أو عن ما لا يعني فربما كره المسؤول الجواب فيؤدي لسكوته فيجر للحقد والضغائن أو يلجئه إلى الكذب، قالوا ومنه أين كنت أو المراد السؤال عن المسائل العلمية امتحاناً وإظهاراً للمراء وادعاءً وفخراً ولا يحمل على سؤال الناس من أموالهم لكراهته وإن قل (وإضاعة المال) صرفه في غير حله وبدله في غير وجهه المأذون فيه شرعاً أو تعريضه للفساد والله لا يحب المفسدين أو السرف في إنفاقه بالتوسع في لذيذ المطاعم والمشارب ونفيس الملابس والمراكب وتمويه السقوف ونحو ذلك لما ينشأ عنه من غلظ الطبع وقسوة القلب المبعدة عن الرب، أما في طاعة فعبادة وقد نهى سبحانه عن التبذير وأرشد إلى حسن التدبير ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الاسراء: ٢٩] ولا يخفى ما في هذا الحديث من المحسنات اللفظية باعتبار نسجها على أحسن منوال وكثرة معانيها مع ما في اللفظ من إقلال (ق عن المغيرة بن شعبة) ابن مسعود الثقفي الصحابي المشهور. ١٧٢٧ - (إن الله حرم عليّ الصدقة) فرضها وكذا نقلها (وعلى أهل بيتي) أي وحرم الصدقة فرضها فقط على مؤمني بني هاشم والمطلب لأنها أوساخ الناس فلا تحل لمحمد ولا لآل محمد كما فسره في أحاديث أخر (ابن سعد) في الطبقات (عن الحسن بن علي). ٢٨٨ حرف الهمزة ١٧٢٨ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَ الذَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ فَتَدَاوَوْا)). (حم) عن أنس. ١٧٢٩ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبِيٌّ سِتِّرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا أَغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)). (حم دن) عن يعلى بن أمية (ح). ١٧٢٨ - (إن الله تعالى حيث خلق الداء) أي أوجده وقدره (خلق الدواء فتداووا) ندباً بكل طاهر حلال وكذا بغيره إن توقف البرء عليه ولم يجد غيره يقوم مقامه كما سبق والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب وكذا تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك، ودخل فيه الداء القاتل الذي اعترف حذاق الأطباء بأن لا دواء له وأقروا بالعجز عن مداواته (حم عن أنس) بن مالك قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح خلا عمران العمي وقد وثقه ابن حبان وغيره. ١٧٢٩ - (إن الله تعالى حيي) بكسر المثناة تحت الأولى أي ذو حياء عظيم، وأصل الحياء كما سبق انقباض النفس عن القبائح خوف لحوق عار وهو في حقه تعالى محال والقانون في مثله حمله على الغايات دون المبادىء(١) كما سبق (ستير) بالكسر والتشديد أي تارك لحب القبائح ساتر للعيوب والفضائح فعيل بمعنى فاعل وجعله بمعنى مفعول أي مستور عن العيون في الدنيا بعيد من السوق كما لا يخفى على أهل الذوق (يجب الحياء) أي من اتصف به والمراد الحياء المحمود بدليل خبر ﴿إن الله لا يستحي من الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣] (والستر)(٢) من العبد وإن كره ما يستر عبده عليه كما يجب المغفرة وإن كره المعصية والعتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار والعفو وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار والتوبة وإن كره المعصية التي يتاب منها والجهاد وإن كره أفعال من يجاهدوه وهذا باب واسع تضيق عنه الأسفار واللبيب من يدخل عليه من بابه قال التوربشتي وإنما كان الله يحب الحياء والستر لأنهما خصلتان يفضيان به إلى التخلق بأخلاق الله، وقال الطيبي وصف الله بالحياء والستر تهجناً لكشف العورة وحثاً على تحري الحياء والستر (فإذا اغتسل أحدكم فليستتر)(٣) أي يستر عورته بما لا يصف اللون وجوباً إن كان بحضرته من يحرم النظر إلى عورته وندباً في غير ذلك ومن ثم ندبوا أن لا يدخل (١) أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف كأن ينسب إلى القبيح وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل فإذا ورد الحياء في حق الله فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمه بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته وكذا الغضب له مقدمة وهي غليان دم القلب وشهوة الانتقام وله غاية وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه اهـ. (٢) الستر بفتح السين أي يحب من فيه ذلك ولهذا جاء في الحديث الحياء من الإيمان وجاء أيضاً من ستر مسلماً ستره الله اهـ. (٣) قال العلقمي وسببه كما في أبي داود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رأى رجلاً يغتسل بالبراز - بفتح الباء الموحدة هو الفضاء الواسع - فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال نبي الله وَّو إن الله - فذكره اهـ. ٢٨٩ حرف الهمزة ١٧٣٠ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْراً خَائِبَتَيْنِ)). (حم دت هـ ك) عن سلمان (ح). ١٧٣١ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطَانِهِمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ؛ فَإِنَّهُمَا صَلَةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعَاءٌ». (ك) عن أبي ذر (ح). الماء إلا بإزار وعدّ الشافعية من سنن الغسل أن يستر عورته بإزار إن لم يحضر من يحرم نظره إليه بأن كان بخلوة أو حضرة من يحل نظره إليه كحليلته قالوا وأما غسله عليه السلام متجرداً فلبيان الجواز فإن حضره من يحرم نظره لعورته وعلم منه أنه لا يغض بصره عنه لزمه الاستتار منه وحرم التكشف كما في الروضة والمجموع ويجوز كشف العورة في الخلوة لأدنى غرض كالتبرد فالغسل أولى (حم د) في الحمام (ن) في الطهارة (عن يعلى) بفتح الياء واللام (بن أمية) تصغير أمة التميمي وفيه أبو بكر بن عياش مختلف فيه وعبد الملك بن أبي سليمان قال في الكاشف عن أحمد ثقة يخطىء وأورده الضعفاء وقال ثقة له حدیث منکر . ١٧٣٠ - (إن الله تعالى) في رواية إن ربكم (حيي) بكسر الياء الأولى (کریم) أي جواد لا ينفد عطاؤه (يستحيي إذا رفع الرجل) يعني الإنسان وذكر الرجل وصف طردي (إليه يديه) سائلاً متذللاً (أن يردّهما صفراً) أي خاليتين (خائبتين) من عطائه لكرمه والكريم يدع ما يدعه تكرماً ويفعل ما يفعله تفضلاً فيعطي من لا يستحق ويدع عقوبة المستوجب والكريم المطلق هو الله فإذا رفع عبده یدیه متذللاً مفتقراً حاضر القلب موقناً بالإجابة حلال المطعم والمشرب كما يفيده قوله في خبر مسلم فأنى يستجاب له ومطعمه حرام ومشربه حرام يكره حرمانه وإن لم يستوجب المسؤول وقد يعطي الكافر ما يسأله لشدة كرمه، قال الزمخشري في الفائق قوله يستحي إلى آخره جملة مستأنفة بإعادة من استؤنف عنه الحديث يعني حياؤه وكرمه يمنعه أن يخيب سائله. اهـ. وفي الكشاف هو جار على سبيل التمثيل وفيه ندب رفع اليدين في الدعاء ورد على مالك حيث كره ذلك قال ابن حجر وقد ورد في رفع اليدين أخبار صحيحة صريحة لا تقبل تأويلاً اهـ. لكن عدم الرد لا يتوقف على الرفع إذا توفرت الشروط وإنما قيد به لأنه حال السائل المتذلل المضطر عادة (حمد) في الصلاة (ت ٥) في الدعوات (ك) كلهم (عن سلمان) الفارسي بفتح المهملة وسكون اللام قال الترمذي حسن غريب وقال الحاكم على شرطهما ونوزع بأن فيه کما بينه الصدر المناوي وغيره جعفر بن میمون قال أحمد ليس بقوي لكن قال ابن حجر سنده جید . ١٧٣١ - (إن الله تعالى ختم سورة البقرة بآيتين) وهما من قوله ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها وقيل هنّ ﴿لله ما في السموات﴾ [البقرة: ٢٨٤] الخ فعلى الأول أول الآية الثانية ﴿لا يكلف﴾ [البقرة: ٢٨٦] وعلى الثانية أولها ﴿آمن الرسول﴾ فجعلها إلى آخر السورة آية واحدة (أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهنّ وعلموهنّ نساءكم وأبناءكم) خصهم لأهمية فيض القدير ج٢ م١٩ :٠٠ ٢٩٠ حرف الهمزة ١٧٣٢ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ بَيْضَاءَ، وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى اللَّهِ الْبَيَاضُ)). البزار عن ابن عباس (ض). ١٧٣٣ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ تعليمهم لا لإخراج غيرهم (فإنهما صلاة) أي رحمة لما فيهما من رفع الخطأ والنسيان ورفع الإصر وتحميل ما لا يطاق وغير ذلك (وقرآن ودعاء) أي هما يشتملان على ذلك وقوله فتعلموهنّ بعد قوله آيتان من قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ [الحج: ١٩]، ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] (ك) في فضائل القرآن عن عبد الله بن صالح عن معاوية عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير (عن أبي ذر) ثم قال على شرط البخاري فردّه الذهبي بأن معاوية لم يحتج به البخاري قال ورواه ابن وهب عن معاوية مرسلاً. ١٧٣٢ - (إن الله خلق الجنة) التي هي دار الثواب (بيضاء) أي نيرة مضيئة فترابها وإن كان من زعفران لكن ذلك الزعفران له لمعان وبريق يعلوه نور وإشراق وبياض وشجرها وإن كان أخضر لكنه يتلألأ نوراً وإشراقاً (وأحب شيء إلى الله) في رواية وأحب الزي إلى الله (البياض) فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم. وفي رواية خلق الله الجنة بيضاء وإن أحب اللون إلى الله البياض وسئل الحبر عن أرض الجنة فقال مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة قيل ما نورها قال أما رأيت الساعة التي تكون فيها قبل طلوع الشمس؟ فذلك نورها إلا أنها ليس فيها شمس ولا زمهرير رواه ابن أبي الدنيا بإسناد قال السمهودي حسن ولا ينافيه خبر إن ترابها الزعفران لأن الأرض نفسها بيضاء والتراب الذي هو فوق الأرض أصفر وفي خبر ابن ماجه ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ. واعلم أن الأشياء كلها من آثار الفضل والعدل والفضل من الجمال والعدل من الملك والقدرة فمن الجمال نشأت الرحمة وظهر العطف والفضل حتى اهتزت الجنة وربت وأشرقت بنور ربها وازينت فمن ثم كانت بيضاء نورانية مشحونة بالروح والريحان ومن الملك بدأ الغضب فأسعرت النار واسودت فهي سوداء مظلمة من غضبه وما هي إلا نظرة وجفوة فأهل الثواب سعدوا منه بنظرة واحدة وأهل العقاب شقوا بجفوة واحدة والخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء (البزار) في مسنده (عن ابن عباس) قال الهيثمي عقب عزوه للبزار فيه هشام بن زياد وهو متروك وظاهر حال المصنف أنه لم يره مخرجاً لأحد من الستة وإلا لما عدل عنه وإنه لشيء عجاب فقد خرجه ابن ماجه عن ابن عباس المذكور بلفظ إن الله خلق الجنة بيضاء وأحب الزي إليه البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم انتهى بلفظه . ١٧٣٣ - (إن الله خلق خلقه) أي الثقلين فإن الملائكة ما خلقوا إلا من نور ولم يخلقوا من ظلمة الطبيعة والميل إلى الشهوة والغفلة عن معالم الغيب (في ظلمة) أي كائنين في ظلمة الطبيعة فالنفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة والركون إلى المحسوسات والغفلة عن معالم الغيب وأسرار عالم القدس (فألقى) وفي رواية للحكيم بدله رش والإلقاء في الأصل طرح الشيء حيث يلقاه ثم صار في التعارف إسماً لكل طرح (عليهم من نوره) أي شيئاً من نوره ومن إما للتبيين أو ٢٩١ حرف الهمزة ذُلِكَ النُّورِ يَوْمَئِذٍ أَهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ)). (حم تك) عن ابن عمرو (صح). للتبعيض أو زائدة وكذا في من ذلك النور وهو ما نصب من الشواهد والبراهين وأنزل من الآيات والنذر (فمن) شاء الله هدايته (أصابه من ذلك النور يومئذ) فخلص من تلك الظلمة (واهتدى) إلى إصابة طرق السعداء (ومن أخطأه ذلك النور) أي جاوزه وتعداه لعدم مشاهدة تلك الآيات وإبصاره تلك البراهين الجليات (ضل) أي بقي في ظلمة الطبيعة متحيراً كالأنعام كما هو حال الفجرة المنهمكين . في الشهوات المعرضين عن الآيات والنذر، أو المراد خلق الذر المستخرج من صلب آدم فعبر بالنور عن الألطاف التي هي تباشير صبح الهداية وإشراق لمع برق العناية ثم أشار بقوله أصاب وأخطأ إلى ظهور أثر تلك العناية في الإنزال من هداية بعض وضلال بعض أو معنى في ظلمته جهالاً عن معرفة الله لأن العبودية لا تدرك الربوبية إلا بإحداث المعرفة منها لها وهو معنى ألقى عليهم من نوره أي هدى من شاء فعبر عن الهدى بالنور فلا يعرف الله إلا بالله فالدلائل لإلزام الحجة لا سبب للهداية بمجردها وإلا لاهتدى بها كل ناظر وكم نظر فيها ذو عقل سليم وفهم قويم وفكر مستقيم ولم يزده ذلك إلا ضلالاً قال الطيبي والتوفيق بين ما ذكر من معنى هذا الحديث وحديث كل مولود يولد على الفطرة أن الإنسان مركب من الحيوانية المقتضية العروج إلى عالم القدس وهي مستعدة لقبول فيضان نور الله الهادي ومهيأ للتحلي بحلية الدين ومن النفسانية المائلة إلى الخلود في الأرض والانهماك في الشهوات والركون إلى المرديات فلاحظ في هذا الحديث أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عنها إلا من أصابه من ذلك النور الملقى عليه وذلك الحديث لمح إلى القضاء بقوله كل مولود يولد على الفطرة واختار بعض محققي الصوفية تبعاً للحكيم الترمذي إجراء هذا الحديث على ظاهره وحمل الظلمة والنور على الحقيقة فقال خلقهم كالنجوم الدراري ثم سلبهم الضوء فوضعهم في ترابية التربة التي أراد منها إنشاء خلق آدم وقد طمس ضوءهم فلبثوا في تلك الظلمة إلى أن مضى نحو خمسين ألف سنة فصاروا في طول ذلك اللبث في تلك الظلمة ثلاثة أصناف فصنف منهم قال الذي ملكنا لم يدم ملكه فعجز عنا وإلا لما تركنا هنا كالمنسي، وصنف قالوا نحن هنا ننتظر ما يكون وهو دائم، وصنف صارت تلك الترابية في أفواههم فقال ما الذي رأيتم مني حتى تنسبوني إلى العجز وانقطاع الملك فصارت هذه الكلمة ختماً على أفواههم وهو قوله ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] فالختم لا يرفع أبداً والصنف الثاني شكوا فهم ينتظرون لما يكون فما استقرت قلوبهم فتناثرت تلك الترابية على أفواه قلوبهم لتذبذبهم مرة إقبالاً ومرة إعراضاً فصار قفلاً والقفل قد يفتح إن شاء فلذلك قوله تعالى ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] والصنف الثالث قالوا مالكنا دائم إن شاء جعلها في ظلمة وإن شاء جعلها في نور فقال أنتم لي عملتم فصارت هذه الكلمة مكتوبة على قلوبهم فمن أصابته يمينه فهم الأولياء ومن أصابته يده الأخرى فعامة الموحدين فتناولهم فصيرهم في قبضته وصارت هذه الكلمة مكتوبة بين أعين أفئدتهم فذلك قوله ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢] و﴿وأولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ [محمد: ٢٤] فهذه كانت صفتهم، فلم يزل ينقلهم من حال إلى حال حتى ظهروا في طينة آدم وأعطاهم كلهم الصورة وظهرت في الطينة ثم لما نفخ فيه أخرج أصحاب اليمين من كتفه الأيمن كهيئة ٢٩٢ - حرف الهمزة ١٧٣٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ: جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ، وَالأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذُلِكَ، وَالسَّهْلُ، الذر في صفاء وتلألىء وأصحاب الشمال من كتفه الأيسر كالحمحمة السوداء والسابقين أمام الفريقين وهم الرسل والأنبياء والأولياء فقررهم كلهم وأخذ عهودهم وميثاقهم على الإقرار له بالعبودية ثم ردهم إلى الأصلاب ليخرجهم تناسلاً من أرحام الأمهات فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي: أي لا أبالي بما يعملون من خير أو شر فأما أصحاب اليمين فصاروا بيضاً من ذلك النور الذي أصابهم والآخرون سوداً من الظلمة التي خلقهم فيها. فائدة: سأل عبد الله بن طاهر أمير خراسان المأمون الحسين بن الفضل عن قوله تعالى ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩] مع هذا الخبر فقال هي شؤون يبديها ولا يبتديها فقام إليه وقبل رأسه (حم ت ك) وكذا ابن حبان (عن ابن عمرو) بن العاص قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وصححه أيضاً ابن حبان وقال الهيثمي رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما ثقات وقال ابن حجر رحمه الله تعالى في فتاويه: إسناد لا بأس به وظاهر صنيع المصنف أن مخرجيه لم يزيدوا فيه على ما ذكره والأمر بخلافه بل بقية الحديث عندهم فلذلك أقول جف القلم على علم الله انتهى لكن ادعى بعضهم أن قائل ذلك هو ابن عمرو فلعل المؤلف يميل إلى هذا القول فقوله ولذلك أي من أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من إيمان وطاعة وكفر ومعصية أقول جف القلم. ١٧٣٤ - (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة) أصلها ما يضم عليه من كل شيء (قبضها من جميع) أجزاء (الأرض) أي ابتداء خلقه من قبضته فمن ابتدائية إن كان من قبضة متعلقاً بخلق وإن كان حالاً من آدم تكون بيانية والقبضة هنا مطابقة الآية ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾ [الزمر: ٦٧] في بيان تصوير عظمة الله وإن كل المكونات الآفاقية والأنفسية منقادة لإرادته ومسخرة بأمره أي فليس هنا قبضة بالحقيقة بل هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي لخلقه ذكره الطيبي وغيره وقال الكمال ابن أبي شريف أخذاً من كلام بعضهم المراد بالقبض هنا حقيقة لكن إنما قبضها عزرائيل عليه السلام ملك الموت فلما كان القبض بأمره تعالى نسب إليه ويشهد له ما رواه سعيد بن منصور وأبو حاتم عن أبي هريرة إن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم عليه الصلاة والسلام بعث ملكاً من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض فلما هوى ليأخذ منها قالت أسألك بالذي أرسلك لا تأخذ مني اليوم شيئاً يكون منه للنار نصيب، فتركها فلما رجع إلى ربه أخبره فأرسل آخر فقال مثل ذلك قال الذي أرسلني أحق بالطاعة فأخذ من وجهها ومن طيبها ومن خبيثها الحديث (فجاء بنو آدم على قدر الأرض) أي على قدر لونها وطبعها فخلق من الحمراء الأحمر ومن البيضاء الأبيض ومن سهلها سهل الخلق اللين الرفيق ومن حزنها ضده ومن ثم (جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك) من الألوان ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢] قيل خلق آدم من ستين نوعاً من أنواعها وطبائعها فاختلفت بنوه كذلك ولذا وجب في الكفارة إطعام ستين ليكون بعدد الأنواع ليعم ٤٠ ٢٩٣ حرف الهمزة . وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ، وَبَيْنَ ذُلِكَ)). (حم دت ك هق) عن أبي موسى (صح). ١٧٣٥ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ فِرَقِهِمْ، وَخَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ الكل بالصدقة و(السهل) بفتح فسكون أي الذي فيه رفق ولين (والحزن) بفتح وسكون أي الذي فيه عنف وغلظة فالسهل من الأرض السهلة والفظ الغليظ الجافي من ضدها (والخبيث والطيب وبين ذلك) أي فالخبيث من الأرض السبخة والطيب من العذبة (١) ومن ثم اختلفت قوى الإنسان فتقبل كل قوة منها ما يأتيها من المواد فيزيد لذلك وينقص ويصلح لذلك ويفسد ويطيب ويخبث لما ذكر من أنه أنشىء من أشياء مختلفة وطبائع شتى ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ [الأعراف: ٥٨] ذكره البيضاوي وقال الطيبي ولما كانت الأوصاف الأربعة الأولى من الأمور الظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها وتركت الأربعة الأخيرة مفتقرة إلى تأويل لأنها من الأخلاق الباطنة فإن المعنى بالسهل الرفق واللين وبالحزن الخرق والعنف وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضرر وخسار في الدارين والذي سبق له الكلام في الحديث هو الأمور الباطنة لأنها داخلة في حديث القدر من الخير والشر وأما الظاهرة من الألوان وإن كانت مقدرة فلا اعتبار لها (حمد) في السنة (ت) في التفسير (ك هق عن أبي موسى) الأشعري قال الترمذي حسن صحیح وصححه ابن حبان وغيره. ١٧٣٥ - (إن الله خلق الخلق) أي المخلوقات ثم جعلهم فرقاً (فجعلني) أي صيرني تعالى (في خير فرقهم) جمع فرقة أي أشرفها (وخير الفريقين) وفي نسخ الفرقتين (ثم تخير القبائل) أي اختار خيارهم فضلاً (فجعلني في خير قبيلة) من القرب هذا بحسب الإيجاد أي قدّر إيجادي في خيرها قبيلة (ثم تخير البيوت) أي اختارهم شرفاً (فجعلني في خير بيوتهم) أي في أشرف بيوتهم قال ابن تيمية وقوله خلق الخلق يحتمل شيئين أحدهما أن الخلق هم الثقلان أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم وإن قيل بعموم الخلق حتى تدخل الملائكة، أفاد تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة قال والفريقان العرب والعجم ثم جعل العرب قبائل وجعل قريشاً أفضلها، ثم جعل قريشاً بيوتاً وجعل بني هاشم أفضلها، ويحتمل أنه أراد بالخلق بنو آدم فكان في خيرهم أباً في ولد إبراهيم أبي العرب ثم جعل بني (١) وما أحسن قول القائل: الناس كالأرض ومنها هم فجندل تدمى به أرجل من خشن في اللمس أو لين والمد يجعل في الأعين وكذا جميع الدواب والوحوش فالحية أبدت بجوهرها حيث خانت آدم حتى لعنت وأخرجت من الجنة والفأر قرض حبال سفينة نوح والغراب أبدى جوهره الخبيث حيث أرسله نوح من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فأقبل علی جیفة وتركه. ٢٩٤ حرف الهمزة تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْساً وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا)). (ت) عن العباس بن عبد المطلب (صح). ١٧٣٦ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينَةِ الْجَابِيَةِ، وَعَجَنَهُ بِمَاءٍ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ)). ابن مردويه عن أبي هريرة (ض). ١٧٣٧ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَوْحاً مَحْفُوظاً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، صَفَحَاتُهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ إبراهيم فرقتين بني إسماعيل وبني إسحاق وجعل العرب عدنان وقحطان فجعل بني إسماعيل في بني عدنان ثم جعل بني إسماعيل أو بني عدنان قبائل فجعل في خيرهم قبيلة وهم قريش وأياً ما كان فالحديث صحيح في تفضيل العرب على العجم (فأنا) بفضل الله عليّ ولطفه في سابق علمه (خيرهم نفساً) أي روحاً وذاتاً إذ جعلني نبياً رسولاً فاتحاً خاتماً (وخيرهم بيتاً) أي أصلاً إذ جئت من طيب إلى طيب إلى صلب عبد الله بنكاح لا سفاح ولم يردفه بقوله ولا فخر كما في خبر أنا سيد ولد آدم ولا فخر، لأن هذا بحسب حال المخاطبين في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم أو أن هذا بعد ذلك والتفاضل في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حسن خلقة الذات والتفاضل فيما قام بها من الصفات حتى في الأقوات ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾ [النحل: ٧١] وهذا جارٍ في سائر المخلوقات أن فضل الله يؤتيه من يشاء فلا اتجاه لما عساه يقال الإنسان كله نوع واحد فما معنى التفاضل في الأنساب (ت عن العباس بن عبد المطلب) قال قلت يا رسول الله إن قريشاً تذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة أي كناسة فذكره . ١٧٣٦ - (إن الله خلق آدم من طين الجابية) بجيم فموحدة تحتية فمثناة كذلك فاعلة من جباء موضع بالشام، وباب الجابية بدمشق معلوم، ويعارضه ما مر أنه خلقه من جميع أجزاء الأرض؛ وقد يجاب بأنه قبض من الجابية قبضة ومن جميع أتراب الأرض قبضة ومزجهما (وعجنه بماء من ماء الجنة) إشارة إلى أنه وإن أخرج سيعود إليها فكان من بديع فطرته وعجيب صنعته، فأعظم بها من إكرام فلم يكن يصلح له حينئذٍ مكان يليق به مع هذه المكارم إلا داره فتوجه بتاج الملك وكساه كمال الجمال وأجلسه على الأسرة بمهابة وإجلال حتى جاء وقت السقوط وغلب القضاء والقدر فكان ما كان، فائدة: قال بعض العارفين إذا فتح عليك بالتصرف فأت البيوت من أبوابها وإياك والفعل بالهمة بغير آلة، ألا ترى إلى الحق سبحانه كيف خمر طينة آدم وعجنها وسواه وعدله ثم نفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء فأوجد الأشياء على ترتيب ونظام ولو شاء أن يكون ابتدأه بغير تخمر ولا عجن لفعل (ابن مردويه) في تفسيره (عن أبي هريرة). ١٧٣٧ - (إن الله) أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدر قدره (خلق لوحاً محفوظاً) وهو المعبر عنه في القرآن المجيد بذلك وبالكتاب المبين وبأم الكتاب وبإمام مبين (من درة بيضاء) لؤلؤة عظيمة كبيرة في ٢٩٥ حرف الهمزة حَمْرَاءَ، قَلَمُّهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُونَ وَثَلاَثِمِائَةِ لَحْظَةٍ، يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُمِيتُ وَيُخْبِي ويُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)). (طب) عن ابن عباس (ح). ١٧٣٨ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهُ؟ فَقَالَتْ: هُذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ نهاية الإشراق وغاية الصفاء وفي حديث البيهقي رضي الله تعالى عنه في الشعب إنه من زبرجدة خضراء؛ وفي رواية لابن أبي حاتم إحدى وجهيه من ياقوت والآخر من زبرجدة خضراء فقد يقال إنه يتلون والبياض لونه الأصلي (صفحاتها) أي جنباتها ونواحيها قال في الصحاح صفح الشيء ناحيته وصفحة كل شيء جانبه وصفائح الباب ألواحه (من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه) أي مكتوبه (نور) بين به أن اللوح والقلم ليسا كألواح الدنيا المتعارفة ولا كأقلامها وكذا الكتابة وليس في هذا الخبر ذكر طول اللوح ولا عرضه ولا طول القلم وفي رواية للطبراني عن ابن عباس أن عرضه ما بين السماء والأرض وفي كنز الأسرار عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن طول اللوح ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وهو في حجر ملك يقال له ماطريون وفي تفسير الفخر الرازي من حديث البيهقي عن ابن عباس أيضاً أن اللوح بين يدي إسرافيل فإذا أذن له في شيء ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فنظر فإذا كان الأمر من عمل جبريل عليه السلام أمره به أو من عمل ملك الموت أمره به، الحديث، وأما القلم ففي رواية لأبي الشيخ عن ابن عمران طوله خمسمائة عام الله في كل يوم) أي أو ليلة كما في حديث ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً أي مقدارهما من الزمن وإلا فليس ثم ليل ولا نهار (ستون وثلثمائة لحظة) على عدد أجزاء اليوم والليلة فإن ذلك مقسم على ثلثمائة وستين جزءاً كل جزء يسمى درجة فلما كان ذلك أقل ما يحسن بالنسبة إلينا، عبر به تقريباً لأفهامنا (يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء) فإن كان العبد على حالة مرضية مهدياً رشيداً أدركته اللحظة على حالة مرضية فوصل إلى الأمل من نوال الخير وصرف السوء وإذا كان غاوياً فاللحظة بين القدرة والحلم فأما بطش جبار وإما عفو غفار فعلم أن الحديث إشارة إلى آثار القدرة الكاملة التي لا يقاس عليها غيرها فأخبر عليه السلام أن بيده تصريف الأمور وتكوينها على ما يشاء في أي زمن شاء وخصص الستة الأولى لأهميتها ووقوع أكثر الأفعال إليها ثم عمم (طب) وكذا الحاكم والحكيم (عن ابن عباس) قال أعني ابن عباس لوددت أن عندي رجلاً من أهل القدر فوجأت رأسه قالوا ولم ذلك فذكره قال الهيثمي ورواه الطبراني من طريقين رجال أحدهما ثقات انتهى ولم يصب ابن الجوزي حيث حكم عليه بالوضع . ١٧٣٨ - (إن الله خلق الخلق) أي قدر المخلوقات في علمه السابق على ما هم عليه وقت وجودهم (حتى إذا فرغ من خلقه) أي قضاه وأتمه والفراغ تمثيلي وقول الأكمل خلق إن كان بمعنى أوجد فالفراغ على حقيقته رد بأن الفراغ الحقيقي بعد الشغل والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ثم إن ذا بعد خلق السموات والأرض وإبرازها للوجود أو بعد خلقها كتباً في اللوح أو بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم ٢٩٦ حرف الهمزة وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ)). (ق ن) عن أبي هريرة (صح). ١٧٣٩ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ عند قوله ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] (قامت الرحم) حقيقة بأن تجسد وتتكلم والقدرة صالحة أو هو تمثيل واستعارة إذ الرحم معنى وهو الاتصال القربى من النسب فشبهت بمن يحتاج إلى الصلة فاستعاذ من القطيعة والمراد تفخيم شأنها (فقال) تعالى لها (مه) بفتح فسكون استفهام أي ما تقولين كأنها قامت على هيئة الطالب لشيء والقصد به إظهار الحاجة دون الاستعلام فإنه يعلم السر وأخفى وقيل زجر أي اكففي عن الالتجاء (قالت) بلسان القال أو الحال على ما تقرر (هذا مقام العائذ بك) أي مقامي هذا مقام المستجير بك من القطيعة والعائذ المعتصم بالشيء المستجير به (قال) تعالى (نعم) حرف إيجاب مقرر لما سبق استفهاماً كان أو خبراً (أما) بالتخفيف وفي رواية للبخاري ألا (ترضين) خطاب للرحم والهمزة للاستفهام على سبيل التقرير لما بعد لا النافية (أن أصل من وصلك) بأن أعطف عليه وأحسن إليه فهو كناية عن عظيم إحسانه (١) (وأقطع من قطعك) فلا أعطف عليه فهو كناية عن حرمان إنعامه وامتنانه (قالت بلى يا رب) أي رضيت (قال) الله تعالى (فذلك لك) بكسر الكاف فيهما أي الحكم السابق حصل لك وصلة الرحم بالمال ونحو عون على حاجة ودفع ضرر وطلاقة وجه ودعاء والمعنى الجامع إيصال الممكن من خير ودفع الممكن من شر وهذا إنما يطرد إن استقام أهل الرحم فإن كفروا وفخروا فقطيعتهم في الله صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ومن ثم قتل أمين هذه الأمة أباه كافراً غضباً لله ونصرة لدينه (ق ن عن أبي هريرة) ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]. ١٧٣٩ - (إن الله خلق) أي قدر (الرحمة) التي يرحم بها عباده، ورحمته إرادة الإنعام أو فعل الإكرام فمرجعها صفة ذاتية أو فعلية فهي حادثة من حيث إنها فعل كائن عن الإرادة (يوم خلقها مائة رحمة) قال التوربشتي رحمة الله غير متناهية فلا يعتربها التقسيم والتجزئة وإنما قصد ضرب المثل للأمة ليعرفوا التفاوت بين القسطين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة وقسط كافة المربوبين في الأولى فجعل مقدار حظ الفئتين من الرحمة في الدارين على الأقسام المذكورة تنبيهاً على المستعجم وتوفيقاً على المستفهم ولم يرد به تجريد ما قد خلا عن الحد أو تعديد ما يجاوز العد (فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة وأرسل) وفي رواية وأنزل (في خلقه كلهم رحمة واحدة) تعم كل موجود فكل موجود مرحوم حتى في آن العذاب إذ الكف عن الأشد رحمة وفضل (فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة) الواسعة (١) وإنما خاطب الناس بما يفهمونه ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال وهو القرب وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى عرف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده. ٢٩٧ حرف الهمزة مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ)). (ق) عن أبي هريرة (صح). ١٧٤٠ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى (لم ييأس(١)) أي لم يقنط (من الجنة) أي من شمول الرحمة له فيطمع في أن يدخل الجنة (ولو يعلم المؤمن بالذي عند الله من العذاب لم ييأس من النار) أي من دخولها، قال الطيبي سياق الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة الله فكما أن صفاته تعالى غير متناهية لا يبلغ كنه معرفتها أحد فكذا عقوبته ورحمته فلو فرض أن المؤمن وقف على كنه صفة القهارية لظهر منها ما يقنط من ذلك الخلق طراً فلا يطمع في جنته أحد، هذا معنى وضع ضمير المؤمن؛ ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل الاستغراق فالتقدير أحد منهم ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر وهو أن المؤمن اختص بأن يطمع في الجنة فإذا انتفى منه فقد انتفى عن الكل وكذا الكافر مختص بالقنوط فإذا انتفى القنوط عنه انتفى عن الكل انتهى. وقال المظهر ورد الحديث في بيان كثرة عقوبته ورحمته لئلا يغترّ مؤمن برحمته فيأمن عذابه وقال العلائي هذا بيان واضح لوقوف العبد بين حالتي الرجاء والخوف وإن كان الخوف وقت الصحة ينبغي كونه أغلب أحواله لأن تمحض الخوف قد يوقعه في القنوط فينقله لحالة أشر من الذنوب (ق عن أبي هريرة) رضي الله عنه وفي الباب عن معاوية بن حيدة وعبادة وغيرهما . ١٧٤٠ - (إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة (٢)) أي أظهر تقديرها يوم أظهر تقدير السموات والأرض وفيه بشرى للمؤمنين لأنه إذا حصل من رحمة واحدة في دار الأكدار ما حصل من النعم الغزار فما ظنك بباقيها في دار القرار (كل رحمة طباق ما بين السماء الأرض) أي ملء ما بينهما وقد مر معنى الطباق ومقصوده التعظيم والتكثير وورود ذلك بهذا اللفظ غير عزيز (فجعل في الأرض منها رحمة) قال القرطبي هذا نص في أن الرحمة يراد بها متعلق الإرادة وأنها راجعة إلى المنافع (١) وفي نسخة لم يأمن من النار فهو سبحانه غافر الذنب شديد العقاب والمقصود من الحديث أن الشخص ينبغي له أن يكون بين حالتي الرجاء والخوف. (٢) حصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلاً للفهم وتقليلاً لما عند الخلق وتكثيراً لما عند الله تعالى وأما مناسبة هذا العدد الخاص فثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً فإذا قوبل كان جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءاً فالرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها ويؤيده قوله تعالى في الحديث القدسي غلبت رحمتي غضبي ويحتمل أن تكون مناسبة هذا العدد الخاص لكونه مثل عدد درج الجنة والجنة هي محل الرحمة فكانت كل رحمة بإزاء درجة وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى فمن نالته منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم من حصلت له جميع أنواع الرحمة وهذه الرحمة للمؤمنين بدليل قوله تعالى ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] وأما الكفار فلا يبقى لهم حظ من الرحمة لا من جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها. ٢٩٨ حرف الهمزة وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ)). (حم م) عن سلمان (حم هـ) عن أبي سعيد (صحـ). ١٧٤١ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ، فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً وَلِهَذِهِ أَهْلاً)). (م) عن عائشة (ض). والنعم (فبها تعطف) أي تحن وترق وتشفق وفي الصحاح عطف عليه شفق وفي المصباح عطفت الناقة على ولدها عطفاً حنت (الوالدة على ولدها) من الآدميين وكل ذي روح (والوحش والطير) أي وغيرهما من كل نوع من أنواع ذوات الأرواح ولعل تخصيص الوحش والطير لشدة نفورها والله أعلم بمراد رسول الله وَطهر قال القرطبي وحكمة ذلك تسخير القوي للضعيف والكبير للصغير حتى يتحفظ نوعه وتتم مصلحته وذلك تدبير اللطيف الخبير (بعضها على بعض وأخر تسعاً وتسعين فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة) فالرحمة التي في الدنيا يتراحمون بها أيضاً يوم القيامة قال المهلب الرحمة رحمتان رحمة من صفة الذات وهي لا تتعدد ورحمة من صفة الفعل وهي هذه وقال العارف البوني رضي الله تعالى عنه الذاتية واحدة ورحمته المتعدية متعددة وهي كما في هذا الخبر مائة ففي الأرض منها واحدة يقع بها الارتباط بين الأنواع وبها يكون حسن الطباع والميل بين الجن والإنس والبهائم كل شكل إلى شكله والتسعة والتسعون حظ الإنسان يوم القيامة يتصل بهذه الرحمة فتكمل مائة فيصعد بها في درج الجنة حتى ترى ذات الرحيم وتشاهد رحمته الذاتية (حم م عن سلمان) الفارسي (حم ٥) عن أبي سعيد الخدري . ١٧٤١ _ (إن الله خلق الجنة) وجمع فيها كل طيب (وخلق النار) وجمع فيها كل خبيث (فخلق لهذه أهلاً) وهم السعداء وحرمها على غيرهم (ولهذه أهلاً) وهم الأشقياء وحرمها على غيرهم وجعلهما جميعاً في هذه الدار سبعاً فوقع الابتلاء والامتحان بسبب الاختلاط وجعلها دار تكليف فبعث إليهم الرسل لبيان ما كلفهم به من الأقوال والأفعال والأخلاق وأمرهم بجهاد الأشقياء فقامت الحرب على ساق فإذا كان يوم القيامة أي يوم الميعاد ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب وأهله في دارهم والخبيث وأهله في دارهم فينعم هؤلاء بطيبهم ويعذب هؤلاء بخبثهم لانكشاف الحقائق، قال البيضاوي وفيه أن الثواب والعقاب لا لأجل الأعمال بل الموجب لهما هو اللطف الرباني والخذلان الإلهي المقدر لهم وهم في أصلاب آبائهم بل وهم وآباؤهم وأصول أكوانهم بعد في العدم. تنبيه: قال العارف ابن عربي رضي الله عنه من عقائد الإسلام أن تعتقد أن الله سبحانه أخرج العالم قبضتين وأوجد لهم منزلتين فقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثم سواه فالكل تحت تصريف أسمائه فقبضة تحت أسماء بلائه وقبضة تحت أسماء آلائه ولو أراد تعالى أن يكون العالم كله سعيداً لكان أو شقياً لما كان من ذلك في شأن لكنه لم يرد فكان كما أراد ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ [هود: ١٠٥] هنا ويوم المعاد فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم وقد قال في الصلاة وهي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد لتصرفي في ملكي وإنفاذ مشيئتي في ملكي وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر ولم تعثر عليها الأفكار ولا ٢٩٩ حرف الهمزة ١٧٤٢ ــ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الْيُسْرَ، وَكَرِهَ لَهَا الْعُسْرَ)). (طب) عن محجن بن الأدرع (صح). ١٧٤٣ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ)). الضمائر إلا بوهب إلهي وجود رحماني لمن اعتني به من عباده وسبق له ذلك بحضرة إشهاد فعلم حين أعلم أن الألوهية أعطت هذا التقسيم وأنه من دقائق القديم فسبحان من لا فاعل سواه ولا موجود بنفسه إلا إياه ﴿فالله خلقكم وما تعملون﴾ [الأنعام: ١٤٩] و﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣] ﴿فللَّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام: ١٤٩] تنبيه: قال بعضهم خلق الله الجنة والنار وجعلهما دارين إحداهما جهة اليمين والأخرى جهة الشمال هذه كلها خير صرف وهذه كلها شر صرف وأنزل الدين للأمر والنهي على معنى الدارين ثم خلق دار الدنيا بين الدارين فالجنة من القبر إلى أعلى عليين والنار من القبر إلى أسفل سافلين روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فليس بعد الدنيا إلا الجنة والنار فالناس بعد الموت منهم معذب ومنهم منعم في جنة أو نار فالناس وقوف في الدنيا بين الجنة والنار حقيقة وهم لا يشعرون (م) في الإيمان بالقدر وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم (عن عائشة) قالت توفي صبي فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله وم طهر أو لا تدرين وفي رواية أو غير ذلك فذكره فنهى عن الحكم على معين بدخول الجنة فلعله قبل علمه بأن أطفال المؤمنين في الجنة قال في الزواجر وقد أخذ بعضهم من هذا الحديث أن أطفال المؤمنين لا يقطع لهم بدخول الجنة واشتد إنكار العلماء عليه في هذه المقالة الشنيعة المخالفة للقواطع والحديث ظاهره غير مراد إجماعاً وإنما هو قبل أن يعلم بأنهم مقطوع لهم بالجنة وإنما الخلاف في أطفال الكفار والأصح أنهم في الجنة أيضاً وظاهر صنيع المصنف أن مسلماً لم يروه إلا كما ذكر والأمر بخلافه بل زاد بعد قوله ولهذه أهلاً ما نصه: وهم في أصلاب آبائهم. ١٧٤٢ - (إن الله تعالى) لكمال رأفته (رضي لهذه الأمة اليسر) فيما شرعه لها من أحكام الدين ولم يشدد عليها كما شدد على الأمم الماضية (وكره لها العسر) أي لم يرده بها ولم يجعله عزيمة عليها ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] قال الحرالي واليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم ومن رفق الله بهذه الأمة ومعاملتها باليسر والعطف أن شرع لها ما يوافق كتابها وصرف عنها ما تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه وهكذا حال الأمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لتجنبها وبه يكون حفظ المأمور من المخالفة وإذا شاء أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله وهو من الآصار المجعولة على الأولين مخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعها على وفق جبلتها فجعل لهم حظاً من هواهم كما قال المصطفى ويطير اللهم أدر الحق معه حيث دار ولهذا كان يأمر الشجاع بالحرب ويكف الجبان حتى لا يظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا يزعه وازع الرفق وذلك قصد العلماء الربانيين في تأديب كل مريد على اللائق بحاله وجبلته (طب عن محجن) بكسر أوله وسكون المهملة وفتح الجيم (بن الأدرع) بفتح الهمزة ودال مهملة ساكنة الأسلمي نزل البصرة واختط مسجدها قال الهيثمي رجاله رجل الصحيح. ٣٠٠ حرف الهمزة (خدد) عن عبد الله بن مغفل (هـ حب) عن أبي هريرة (حم هب) عن علي (طب) عن أبي أمامة، البزار عن أنس (ح). ١٧٤٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىْ زَوَّجَنِي فِي الْجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، وَأَمْرَأَةً فِرْعَوْنَ، وَأُخْتَ مُوسَى)). (طب) عن سعد بن جنادة (ض). ١٧٤٣ - (إن الله رفيق) أي لطيف بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر فيكلفهم فوق طاقتهم بل يسامحهم ويلطف بهم ولا يجوز إطلاق الرفيق عليه سبحانه اسماً لأن اسماءه سبحانه إنما تتلقى بالنقل المتواتر ولم يوجد، ذكره بعض الشراح، وأصله قول القاضي الرفق ضد العنف وهو اللطف وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها والظاهر أنه لا يجوز إطلاقه عليه تعالى لأنه لم يتواتر ولم يستعمل هنا على قصد التسمية وإنما أخبر به عنه تمهيداً للحكم الذي بعده انتهى لكن قال النووي الأصح جواز تسميته تعالى رفيقاً وغيره مما يثبت بخبر الواحد (يحب الرفق) بالكسر لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، أي يجب أن يرفق بعضكم ببعض وزعم أن المراد يجب أن يرفق بعباده لا يلائم سياق قوله (ويعطي عليه) في الدنيا من الثناء الجميل ونيل المطالب وتسهيل المقاصد وفي العقبى من الثواب الجزيل (ما لا يعطي على العنف) بالضم الشدة والمشقة وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله. نبه به على وطاءة الأخلاق وحسن المعاملة وكمال المجاملة ووصف الله سبحانه وتعالى بالرفق إرشاداً وحثاً لنا على تحري الرفق في كل أمر فهو خارج مخرج الأخبار لا التسمية كما تقرر (خدد عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وشدة الفاء ابن عبدنهم بفتح النون وكسر الهاء (٥ حب عن أبي هريرة حم هب عن علي) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال الهيثمي وفيه أبو خليفة ولم يضعفه أحد وبقية رجاله ثقات (طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي وفيه صدقة بن عبد الله السمين وثقه أبو حاتم وصدقه الجمهور وبقية رجاله ثقات (البزار) في مسنده (عن أنس) بإسنادين قال الهيثمي رجال أحدهما ثقات وفي بعضهم خلاف وقضية صنيع المؤلف أن هذا لم يخرجه الشيخان ولا أحدهما وإلا لما عدل عنه وهو ذهول فقد خرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ولفظه إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف على ما سواه قال القاضي وإنما ذكر قوله وما لا يعطي على ما سواه بعد قوله ما لا يعطي على العنف إيذاناً بأن الرفق أنجح الأسباب وأنفعها بأسرها. ١٧٤٤ - (إن الله زوجني في الجنة) مضافاً إلى زوجاتي اللاتي تزوجتهن في الدنيا (مريم بنت عمران) أي جعلها زوجتي فيها وأوقع الماضي موقع المستقبل لتحقق الوقوع (وامرأة فرعون) آسية بنت مزاحم (وأخت موسى) الكليم عليه السلام وأسمها مريم كما قاله البيضاوي وغيره قال الحرالي خلصهن الله من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء عربي عليّ حتى أنكحهن من محمد النبي العربي ويشير وهؤلاء الثلاثة مترتبات في الفضل على هذا الترتيب فأفضلهن مريم اتفاقاً فآسية لأنه قيل بنبوتها فأخت موسى لأنه لم يذهب إلى القول بنبوتها أحد، والظاهر أن وقوع التزويج في الجنة (طب عن