Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
حرف الهمزة
التَّقْوَىُ، وَخَيْرُ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَخَيْرُ السُّنَنِ سُنَّهُ مُحَمَّدٍ، وَأَشْرَفُ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ،
وَأَحْسَنُ الْقَصَصِ هذَا الْقُرْآنُ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ عَوَازِمُهَا، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَحْسَنُ
الْهَذِي هَذْيُ الأَنْبِيَاءِ، وَأَشْرَفُ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدَاءِ، وَأَعْمَى الْعَمَىُ الصَّلَاَلَةُ بَعْدَ الْهُدَىُ،
وَخَيْرُ الْعِلْمِ مَا نُفِعَ، وَخَيْرُ الْهَذِي مَا أَتُبعَ، وَشَرُّ الْعَمَىْ عَمَى الْقَلْبِ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ
الْيَدِ السُّفْلَىُ، وَمَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَشَرُّ الْمَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ الْمَوْتُ، وَشَرُّ
تكذب الظنون في فهم خطابه وإنما ينتفي الريب عن سامعه بقدر قوة إيمانه متانة إيقانه وسماه حديثاً
لنزوله منجماً لا لكونه ضد القديم (وأوثق العرى كلمة التقوى) كلمة الشهادة إذ هي الوفاء بالعهد،
ومعنى إضافتها إلى التقوى أنها سبب التقوى وأسها وقيل كلمة أهل التقوى ذكره في الكشاف وقوله
أوثق العرى من باب التمثيل مثلت حال المتقي بحال من أراد التدلي من شاهق فاحتاط لنفسه بتمسكه
بعروة من حبل متين مأمون انقطاعه (وخير الملل ملة إبراهيم) الخليل ومن ثم أمر ◌َلر باتباعها ﴿أن
اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل: ١٢٣] (وخير السنن سنة محمد) بَيّل وهي قوله أو فعله أو تقريره لأنها
أهدى من كل سنة وأقوم من كل طريقة (وأشرف الحديث ذكر الله) لأن الشيء يشرف بشرف من هو له
(وأحسن القصص هذا القرآن) لأنه برهان ما في سائر الكتب ودليل صحتها لأنه معجزة وليس تلك
بمعجزة فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة ذكره الزمخشري
(وخير الأمور عوازمها (١) وشر الأمور محدثاتها) بضم فسكون جمع محدثة(٢) وهي ما لم يكن معروفاً في
كتب ولا سنة ولا إجماع (وأحسن الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة السمت والطريقة والسيرة
أي خير السيرة والطريقة سيرة محمد والتر وطريقته وروي أيضاً بضم الهاء وفتح الدال ومعناه الدلالة
والرشاد (هدي الأنبياء) لأنه تعالى تولى هدايتهم وتأديبهم وعصمتهم عن الضلال والإضلال والهدى
بضم الهاء وفتح الدال والقصد الإرشاد، واللام في الهدى للاستغراق لأن أفعل التفضيل لا تضاف إلا
إلى متعدد وهو داخل فيه ولأنه لو لم يكن للاستغراق لم يفد المعنى المقصود (وأشرف الموت قتل
الشهداء) لأنه في الله ولإعلاء كلمة الله فأعقبهم الحياة بالله ولهذا نهى الله الخلق عن إطلاق الموت
عليهم (وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى) أي الكفر بعد الإسلام فهو العمى على الحقيقة (وخير العلم
ما نفع) وفي رواية بدل العلم العمل بأن صحبه إخلاص فإن العلم الذي لا ينفع لا خير فيه لصاحبه بل
هو وبال عليه (وخير الهدي ما اتبع) بالبناء للمجهول أي اقتدي به كنشر العلم للمريدين وتهذيب
المشايخ لأحوال السالكين وهي سيرة المرسلين (وشر العمى عمى القلب) لأن عماه يفقد نور الإيمان
بالغيب فيثمر الغفلة عن الله والآخرة ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾
[الإسراء: ٧٢] فعمى البصيرة أشد من عمى البصر لأنه عظيم الضرر ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن
تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦] (واليد العليا خير من اليد السفلى) أي اليد المعطية خير
(١) أي فرائضها التي فرض الله على الأمة فعلها.
(٢) أي ما أحدث من البدع بعد الصدر الأول.

٢٢٢
حرف الهمزة
النَّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لاَ يَأْتِي الصَّلاَةَ إِلَّ دُبْراً، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّ
هُجْراً، وَأَعْظَمُ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ، وَخَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى،
وَرَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ، وَخَيْرُ مَا وُقِّرَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ، وَالإِرْتِيَابُ مِنَ الْكُفْرِ،
وَالنِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْغُلُولُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمُ، وَالْكَثْرُ كَيٍّ مِنَ النَّارِ، وَالشِّغْرُ مِنْ
من اليد الآخذة(١) (وما قل) من الدنيا (وكفى) الإنسان لمؤنته ومؤنة من عليه مؤنته (خير مما كثر
وألهى) عن الله والدار الآخرة لأن الاستكثار من الدنيا يورث الهم والغم وقسوة القلب وشدة الحرص
وينسي الموت والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة (وشر المعذرة حين يحضر الموت) فإن العبد إذا
اعتذر إلى الله بالتوبة عند احتضاره ووقوعه في الفزع لا يفيده فمراده الاعتذار عند الغرغرة ومعاينة
ملك الموت وهي حالة كشف الغطاء واليأس من البقاء ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى
إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨] (وشر الندامة) أي الحزن وقال الراغب
الندم التحسر على ما فات (يوم القيامة) فإنها لا تنفع يومئذ ولا تفيد (ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا
دبراً) بفتح أو ضم المهملة كذا ذكره بعضهم وقال العسكري الصواب بضمتين ونصبه على الظرف أي
بعد فوت الوقت (ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً) أي تاركاً للإخلاص كأن قلبه هاجر للسانه
﴿يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ [آل عمران: ١٧٢] لا يدعوهما إلى موافقة العاملين إلا
استقباح المذمة من الناس والسطوة من السلطان أو العيب من الإخوان والجيران ﴿ولا يأتون الصلاة
إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ [التوبة: ٥٤] (وأعظم الخطايا اللسان الكذوب) وهو
الذي تكرر كذبه حتى صار صفة له حتى يأتي بالكبائر كلها كالقذف والبهتان وشهادة الزور وغيرها
وربما أفضى إلى الكفر، فإن اللسان أعظم عملاً من سائر الجوارح، فإذا تعود الكذب أورد صاحبه
المهالك (وخير الغنى غنى النفس) فإنه الغنى على الحقيقة وفقير النفس لا يزال في هم وغم على تحصيل
الدنيا والحرص على جمعها بقوله أخاف الفقر في الكبر وغير ذلك (وخير الزاد) إلى الآخرة (التقوى)
﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال الغزالي جمعت خيرات الدنيا والآخرة تحت
هذه الخصلة التي هي التقوى وتأمّل ما في القرآن من ذكرها كم علق بها من خير ووعد عليها من ثواب
وكم أضاف إليها من سعادة، ومدار العبادة على ثلاثة أصول الأول التوفيق والتأييد وهو للمتقين قال
الله تعالى: ﴿إن الله مع المتقين﴾ [التوبة: ٣٦] الثاني إصلاح العمل واتقاء التقصير وهو للمتقين قال
الله تعالى: ﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ [الأحزاب: ٧١] الثالث قبول العمل وهو للمتقين قال الله تعالى:
﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] فالتقوى هي الجامعة للخيرات الكافية للمهمات الرافعة
للدرجات (ورأس الحكمة مخافة الله) أي الخوف منه أصلها واسمها فمن لم يخف الله فباب الحكمة عليه
مسدود (وخير ما وقر في القلب اليقين) أي خير ما سكن فيه نور اليقين فإنه المزيل لظلمة الريب قال
الزمخشري من المجاز وقر في قلبه كذا وقع وبقي أثره وكلمته وقرت في إذنه ثبتت (والارتياب) أي
الشك في شيء مما جاء به الرسول (من الكفر) بالله تعالى (والنياحة من عمل الجاهلية) أي النوح على
(١) أي إذا لم يكن الآخذ محتاجاً لخبر ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجاً.

٢٢٣
حرف الهمزة
مَزَامِيرٍ إِبْلِيسَ، وَالْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ، وَالنِّسَاءُ حُبَالَةُ الشَّيْطَانِ، وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ،
وَشَرُّ الْمَكَاسِبِ كَسْبُ الرِّبَا، وَشَرُ الْمَأْكَلِ مَالُ الْيَتِيمِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ
مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمُّهِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَذْرُعٍ، وَالأَمْرُ بِآخِرِهِ، وَمِلاَكُ
الميت بنحو واكهفاه واجبلاه من عادة الجاهلية وقد جاء الإسلام بتحريمه (والغلول) أي الخيانة الخفية
(من جثا جهنم) جمع جثوة بالضم الشيء المجموع كذا في النهاية وفي التقريب الجثوة مثلثة الحجارة
المجموعة وقيل معنى من جثاء جهنم من جماعتها وفي رواية للقضاعي من جمر جهنم قال شارحه لأن
الغلول يصير على الغال جمراً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الذي غل شملة إنها تضطرم عليه ناراً
(والكنز) أي المال الذي لم تؤد زكاته (كي من النار) أي يكوي صاحبه في نار جهنم (والشعر) بكسر
الشين الكلام المقفى الموزون قصداً (من مزامير إبليس) أي الشعر المحرم لا الجائز (والخمر جماع الاثم)
أي مجمعه ومظنته والجماع اسم لما يجمع ويضم، يقال هذا الباب جماع الأبواب من جمعت الشيء
ضممته كالكفات من كفت الشيء إليه إذا ضمه وجمعه، ذكره الكشاف وفي الفائق جماع كل شيء مجتمع
أصله يقال لما اجتمع في الغصن من النور هذا جماع الثمر (والنساء حبالة الشيطان) أي مصائده
وفخوخه واحدها حبالة بالكسر وهي ما يصاد بها من أي شيء كأن دعي رجل إلى قتل نفس فأبى ثم إلى
الزنا فأبى ثم إلى الخمر فشرب فزنا فقتل وقيل ما أيس الشيطان من آدمي من قبل النساء ومن ثم قال
سليمان عليه الصلاة والسلام: امش وراء الأسد ولا تمش وراء المرأة وسمع عمر رضي الله تعالى عنه
امرأة تقول :
إِنَّ النِّسَاءَ رَيَاحِين خُلْقِنْ لَكُمْ وَكُلُّكُمْ يَشْتَهِي شَمَّ الرَّيَاحِين
فقال :
نَعُوذ بالله مِنْ شَرِّ الشّيَاطِين
إِنَّ النّسَاءِ شَيَاطِين خُلِقْنَ لَنَا
وقال بعض الحكماء إياك ومخالطة النساء فإن لحظات المرأة سهم ولفظها سم (والشباب شعبة
من الجنون) لأن الجنون يزيل العقل وكذا الشباب قد يسرع إلى قلة العقل لما فيه من كثرة الميل إلى
الشهوات والإقبال على المضار لحداثة السن سيما مع الجدة:
إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغ والجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ
(وشر المكاسب كسب الربا) أي التكسب به لأن درهماً منه أشد من ثلاث وثلاثين زنية كما يجيء
في أخبار (وشر المآكل أكل مال اليتيم) ظلماً ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في
بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً﴾ [النساء: ١٠](١) ولذا كان من أكبر الكبائر (والسعيد من وعظ بغيره)
أي السعيد من تصفح أفعال غيره فاقتدى بأحسنها وانتهى عن سيئها قال:
وفي التَّجَارِبِ تَحْكِيمٌ ومُعْتَبَرُ
إنَّ السَّعِيد له مِنْ غَيْرِهِ عِظَةٌ.
وقال حجة الإسلام المراد أن الإنسان يشاهد من خبائث من اضطر إلى مرافقته وأحواله وصفاته
(١) قوله في بطونهم أي ملئها ناراً لأنه يؤول إليها وسيصلون بالبناء للفاعل والمفعول أي يدخلون سعيراً أي
ناراً شديدة.

٢٢٤
حرف الهمزة
الْعَمَلِ خَوَاتِمُهُ، وَشَرُّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَسَبَابُ الْمُؤْمِنِ
فُسُوقٌ، وَقِتَالُ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، وَأَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَمَنْ
يَتَأَنَّ عَلَى اللَّهِ يُكْذِبْهُ، وَمَنْ يَغْفِرْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ يَكْظِمِ الْغَيْظَ
يَأْجُرُهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَبَعِ السُّمْعَةَ يُسْمِع اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ
ما يستقبحه فيجتنبه وقيل لعيسى عليه الصلاة والسلام من أدبك فقال ما أدبني أحد، رأيت جهل
الجاهل فجانبته، قال الحجة ولقد صدق فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم
واستغنوا عن مؤدب فاطلع في القبور واعتبر بالنشور وانظر إلى مصارع آبائك وفناء إخوانك، ومن
أمثالهم كم قذف الموت في هوة من جمجمة من هوة وكفى بالموت واعظاً ونظر الحسن رضي الله عنه إلى
ميت يقبر فقال والله إن أمراً هذا أوله لحريّ أن يخاف آخره وإن أمراً هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله
وقال مطرف أفسد الموت على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيماً لا موت فيه، وقال الحكماء: للباقين
بالماضين معتبراً وللآخرين بالأولين مزدجر والسعيد من لا يركن إلى الخدع ولا يغتر بالطمع، وقالوا
السعيد من اعتبر بأمه واستظهر لنفسه والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه (والشقي من شقي في
بطن أمه) فلا اختيار للسعيد في تحصيل السعادة ولا اقتدار للشقي على تبديل الشقاوة قال ابن الكمال
ومعنى الحديث أن السعيد مقدر سعادته وهو في بطن أمه والشقي مقدر شقاوته وهو في بطن أمه وتقدير
الشقاوة له قبل أن يولد لا يدخله في حيز ضرورة السعادة كما دل عليه خبر كل مولود يولد على الفطرة
(وإنما يصير أحدكم) إذا مات (إلى موضع أربع أذرع) وهو اللحد، وانظر إلى ما تصير وفيم تسكن
وقيل في آية ﴿وكان تحته كنز لهما﴾ [الكهف: ٨٢] هو لوح من ذهب فيه: عجباً لمن أيقن بالموت كيف
يفرح ولمن يعرف النار كيف يضحك ولمن يعرف الدنيا وتحويلها كيف يطمئن إليها؟ وقال ثابت: أي
عبد أصعب حالاً ممن يأتيه ملك الموت وحده ويقبر بلحده وحده، وقيل لبشر بن الحارث عظنا قال:
ما أقول فيمن القبر مسكنه والصراط جوازه والقيامة موقفه والله مسائله فلا يعلم إلى جنة فيهنى أم إلى
نار فيعزى (والأمر بآخره) بالمد إنما الأعمال بخواتيهما (وملاك العمل) بكسر الميم وفتحها أي قوامه
ونظامه وما يعتمد عليه فيه (خواتمه) وأصل الملاك استحكام القدرة ومعناه أن أحكام عمل الخير وثباته
موقوفة على سلامة عاقبته، إنما الأعمال بالخواتيم فقد يبتدىء بالصلاة وغيرها بنية خالصة ثم يعرض
له آفة تمنع صحته أو تبطل أجره من نحو عجب أو رياء أو عزم على تركه فإن لم يعرض آفة قبل تمامه أو
عرضت وردها بالعلم وختم عمله بما بدأ استحكم عمله باستدراكه ما فرط في الأثناء بإخلاص خاتمته
قال ابن بطال في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف لأنه لو علم وكان ناجياً
أعجب وكسل وإن كان هالكاً زاد عتواً فحجب عنه ذلك ليكون بين خوف ورجاء. إن أحدكم ليعمل
بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا مقدار شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل
النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها سوى مقدار شبر أو ذراع فيسبق
عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة كما سيجيء في الخبر (وشر الروايا (١) روايا الكذب وكل ما هو
(١) الروايا بفتح الراء المهملة جمع راوية بمعنى ناقل، وفي حديث: والراوية أحد الشاتمين :: أي وشر الناقلين
ناقلي الكذب.

٢٢٥
حرف الهمزة
يَصْبِرْ يُضَعِّفِ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ، اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِي وَلِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِي
وَلِأُمَِّي، اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِي وَلِأُمَّتِي، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ)). البيهقي في الدلائل وابن عساكر
عن عقبة بن عامر الجهني، أبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي الدرداء، (ش) عن ابن مسعود
موقوفاً (ح).
آت) من الموت والقيامة والحساب والوقوف (قريب) وأنت سائر على مراحل الأيام والليالي إليه ﴿إنهم
يرونه بعيداً ونراه قريباً﴾ [المعارج: ٦ - ٧] فالجاهل يراه بعيداً لعمى قلبه والمؤمن الكامل يراه بنور
إيمانه قريباً كأنه يعاينه فبذل دنياه لأخراه وسلم نفسه لمولاه فلا تغرنك الدنيا فجديدها عما قليل يبلى
ونعيمها يفنى ومن لم يتركها اختياراً فعما قريب يتركها اضطراراً ومن لم تزل نعمته في حياته زالت
بمماته قال ابن عطاء رضي الله عنه: لا بد لهذا الوجود أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه فالعاقل
من كان بما هو أبقى أوثق منه بما هو يفنى وقال بعض الحكماء من كان يؤمل أن يعيش غداً فهو يؤمل
أن يعيش أبداً قال الماوردي ولعمري إنه صحيح إذ كل يوم غدا فإذا يفضي به الأمل إلى الفوت من غير
درك ويؤديه الرجاء إلى الإهمال بغير تلاف وقال الحكماء لا تبت على غير وصية وإن كنت من جسمك
في صحة ومن عمرك في فسحة فإن الدهر خائن وكل ما هو آتٍ كائن (وسباب المؤمن) بكسر السين
المهملة أي سبه وشتمه (فسوق) أي فسق (وقتال المؤمن) بغير حق (كفر) إن استحل قتله بلا تأويل
سائغ (وأكل لحمه من معصية الله) أي غيبته وهي ذكره بما يكرهه حرام (أيحب أحدكم أن يأكل لحم
أخيه ميتا﴾ [الحجرات: ١٢] (وحرمة ماله كحرمة دمه) فكما يمتنع سفك دمه بغير حق، يمتنع أخذ
شيء من ماله بغير حق قال في الكشاف الحرمة ما لا يحل هتكه (ومن يتأل على الله) أي يحكم عليه
ويحلف كقوله والله ليدخلن فلان النار من الألية وهي اليمين (يكذبه) بأن يفعل خلاف ما حلف عليه
مجازاة له على جراءته وفضوله (ومن يغفر يغفر الله له) أي ومن يستر على أخيه فضيحة اطلع عليها يستر
الله ذنوبه فلا يؤاخذه بها (ومن يعف) أي عن الجاني عليه (يعف الله عنه) أي ومن يمحو أثر جناية غيره
يمحو الله سيئاته جزاءاً وفاقاً (ومن يكظم الغيظ) أي يردّه ويكتمه مع قدرته على إنفاذه (يأجره الله) أي
يثيبه الله لأنه محسن يحب المحسنين وكظم الغيظ إحسان قال الزمخشري كظم البعير جرّته ازدردها وكف
عن الاجترار وكظم القربة ملأها وشدّ رأسها وكظم الباب سدّه ومن المجاز كظم الغيظ وعلى الغيظ
انتهى. (ومن يصبر على الرزية) أي المصيبة احتساباً لله (يعوضه الله) عنها خيراً مما فاته منها (ومن يتبع
الشمعة يستمع الله به) قال في الفردوس قال العسكري هكذا يروى من هذا الطريق الشمعة بشين
معجمة وهي المزاح والضحك ومنه امرأة شموع كثيرة الضحك والمعنى أن من عبث بالناس واستهزأ
بهم يعبث به ويستهزأ منه ومن رواه بسين مهملة أراد من يرائي بعمله يفضحه الله (ومن يصبر يضعف
الله له) الثواب أي ثوابه جزاء صبره أي يؤته أجره مرتين (ومن يعص الله يعذبه الله) إن شاء وإن شاء
عفى عنه فهو تحت المشيئة (اللهم اغفر لي ولأمتي اللهم اغفر لي ولأمتي اللهم اغفر لي ولأمتي) المراد أمة
الإجابة وكرره ثلاثاً لأن الله سبحانه وتعالى يحب الملحين في الدعاء (أستغفر الله لي ولكم) هذا الحديث
قد عدّه العسكري وغيره من الحكم والأمثال وفيه أنه ينبغي للإنسان إذا دعا لغيره أن يبدأ بنفسه
فيض القدير ج٢ م١٥

٢٢٦
حرف الهمزة
١٦١٠ - ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفَكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ
تَعْمَلُونَ، فَتَّقُوا الدُّنْيَا، وَأَنَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةً بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ، أَلَا إِنَّ
بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتِ شَتَّى مِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً، وَيَحْيَا مُؤْمِناً، وَيَمُوتُ مُؤْمِناً،
وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَّدُ كَافِراً، وَيَحْيَا كَافِراً، وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً، وَيَحْيَا مُؤْمِناً،
(البيهقي في الدلائل) أي في كتاب دلائل النبوة (وابن عساكر) في تاريخه (عن عقبة بن عامر الجهني) قال
خرجنا في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله ﴿ إذ كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس
كرمح فقال ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر فقال يا رسول الله ذهب بي الذي ذهب بك فانتقل غير
بعيد ثم صلى ثم حمد الله ثم أثنى عليه ثم قال أما بعد إلى آخره (أبو نصر) عبد الله بن سعيد (السجزي)
بكسر السين المهملة وسكون الجيم نسبة لسجستان على غير قياس (في الإبانة) أي في كتاب الإبانة له
(عن أبي الدرداء) مرفوعاً (ش) وكذا أبو نعيم في الحلية والقضاعي في الشهاب قال بعض شراحه حسن
غريب (عن ابن مسعود موقوفاً) ورواه العسكري والديلمي عن عقبة .
١٦١٠ - (أما بعد فإن الدنيا) في الرغبة والميل إليها وحرص النفوس عليها كالفاكهة التي هي
(خضرة) في المنظر (حلوة) في المذاق وكل منهما يرغب فيه منفرداً فكيف إذا اجتمعا وقال الأكمل
الحلو ما يميل إليه الطبع السليم والأخضر الطري الناعم، وأراد أن صورة الدنيا ومتاعها حسن المنظر
يعجب الناظر (وإن الله مستخلفكم فيها) أي جاعلكم خلفاً في الدنيا (فناظر كيف تعملون) يعني أن
الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله خلقها وخولكم إياها وخولكم الاستمتاع فيها وجعلكم
خلفاً بالتصرف فيها فليست هي بأموالكم حقيقة بل أنتم فيها بمنزلة الوكلاء فناظر هل تتصرفون فيها
على الوجه الذي يرضى به المستخلف أو لا والمراد مستخلفكم فيما كان بأيدي من قبلكم بتوريثكم
إياهم فناظر هل تعتبرون بحالهم أو لا وكيفية النظر من المتشابه نؤمن بأنه يصير ولا نشتغل بكيفيته
والحديث مسوق للحذر من زخرف الدنيا وزهرتها (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) خصص بعد ما عمم
إيذاناً بأن الفتنة بهنّ أعظم الفتن الدنيوية فإنه سبحانه أخبر بأن الذي زين به الدنيا من ملاذها
وشهواتها وما هو غاية أما في طلابها ومؤثريها على الآخرة سبعة أشياء أعظمها النساء اللاتي هن أعظم
زينتها وشهوتها وأعظمها فتنة، وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عمر أن إبليس لقي موسى عليه الصلاة
والسلام فقال يا موسى إن لك عليّ حقاً إياك أن تجالس امرأة ليست بمحرم فإني رسولها إليك
ورسولك إليها انتهى. ومن ثم قال (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) يريد قتل النفس التي
أمر بنو إسرائيل فيها بذبح البقرة واسم المقتول عاميل قتله ابن أخيه أو عمه ليتزوج ابنته أو زوجته
وقال في المطامح يحتمل كونه أشار إلى قصة هاروت وماروت لأنهما فتنا بسبب امرأة من بني إسرائيل،
ويحتمل أنه أشار إلى قضية بلعام بن باعوراء لأنه إنما هلك بمطاوعة زوجته وبسببهنّ هلك كثير من
العلماء (ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى) أي متفرقة قال في الصحاح أمر شتت بالفتح أي متفرق
وشتته فرقه وقوم شتى وأشتاتاً أي متفرقون وقال الزمخشري تقول تفرقوا شتى وأشتاتاً (منهم من يولد
مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً) وهذا الفريق هم سعداء الدنيا والآخرة (ومنهم من يولد كافراً ويحيا

٢٢٧
حرف الهمزة
وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً، وَيَحْيَا كَافِراً، وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، أَلَا إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ
تُوقَدُ فِي جَوْفٍ أَبْنِ آدَمَ، أَ تَرَوْنَ إِلَى حُمْرَةٍ عَيْنَيَّهِ، وَأَنْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ
شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ فَالأَرْضَ الأَرْضَ، أَ إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضًا،
وَشَرَّ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَا، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ
كافراً ويموت كافراً) وهذا القسم هم أهل الشقاوة (ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً)
أي يسبق عليه الكتاب فيختم له بالكفر (ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً) أي يختم له
بالإيمان فيصير من أهل السعادة.
(ألا إن الغضب جمرة توقد) أي تتوقد فحذف إحدى التاءین للتخفيف (في جوف ابن آدم ألا ترى
إلى حمرة عينيه) عند الغضب (وانتفاخ أوداجه) جمع ودج بفتح الدال وتكسر وهو عرق الاخدع الذي
يقطعه الذابح فلا يبقى معه حياة ويسمى الوريد أيضاً وذلك لأن الله خلقه من نار وعجنه بطينة
الإنسان فمهما نوزع في شيء من الأغراض اشتعلت نار الغضب فيه وفارت فوراناً يغلي منه دم القلب
وينتشر في العروق فيرتفع إلى أعلى البدن ارتفاع الماء في القدر ثم ينصب في الوجه والعينين فيحمرا منه
إذ البشرة لصفائها تحكي ما وراءها وإذا تكيف بهذه الحالة ارتعدت أطرافه واضطربت حركاته وأزبدت
أشداقه واحمرت أحداقه وخرج عن حيز الاعتدال حتى لو رأى نفسه سكن غضبه حياءً من قبح صورته
ولو كشف له عن باطنه لرآه أقبح من ظاهره فإنه عنوانه الناشىء عنه قال الغزالي قال بعض الأنبياء
لإبليس بأي شيء تغلب ابن آدم قال آخذه عند الغضب وعند الهوى، وظهر إبليس لراهب فقال له أي
أخلاق بني آدم أعون لك قال الحدة فإذا كان العبد حديداً قلبناه كما تقلب الصبيان الكرة (فإذا وجد
أحدكم) في نفسه (شيئاً من ذلك) يعني من بوادر الغضب (فالأرض الأرض) أي فليضطجع بالأرض
ويلصق نفسه فيها لتنكسر حدته وتذهب حدة غضبه، وفي رواية فليلزق بالأرض وفي أخرى فليجلس
ولا يعدو به الغضب فيجلسه في نفسه ولا يعديه إلى غيره بإيذائه والانتقام منه، ولاستحالة هذا المعنى
في حقه تعالى كان غضبه هو إرادة الانتقام فتكون صفة ذات أو الانتقام نفسه فتكون صفة فعل (ألا إن
خير الرجال) ذكر الرجال وصف طردي والمراد الآدميين ذكوراً أو إناثاً (من كان بطيء الغضب سريع
الرضا وشر الرجال من كان) بعكس ذلك (سريع الغضب بطيء الرضا فإذا كان الرجل بطيء الغضب
بطيء الفيء) أي الرجوع (وسريع الغضب سريع الفيء فإنها بها) أي فإن إحدى الخصلتين تقابل
الأخرى فلا يستحق مدحاً ولا ذماً ومن هنا قال الراغب والغزالي في الغضب نار تشتعل والناس
مختلفون فيه فبعضهم كالحلفاء سريع الوقود سريع الخمود وبعضهم كالغضا بطيء الوقود بطىء الخمود
وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود وبعضهم بالعكس وهو أحمدهم ما لم يفض به إلى زوال حميته وفقد
غيرته واختلافهم تارة يكون بحسب الأمزجة فمن كان طبعه حاراً يابساً يكثر غضبه ومن كان بخلافه
يقل وتارة يكون بحسب اختلاف العادة فمن الناس من تعود السكون والهدوء وهو المعبر عنه بالذلول
والهين واللين ومنهم من تعود الطيش والانزعاج فيتحدث بأدنى ما يسمعه ككلب يسمع حساً فيعوي

٢٢٨
حرف الهمزة
الْفَيْءِ وَسَرِيعَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءٍ فَإِنَّهَا بِهَا أَلَا إِنَّ خَيْرَ الثُّجَّارِ مَنْ كَانَ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ
الطَّلَبِ، وَشَرَّ الثُّجَّارِ مَنْ كَانَ سَيِّئَ الْقَضَاءِ سَيِّىءَ الطَّلَبِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْقَضَاءِ
سَيِّىءَ الطَّلَبِ أَوْ كَانَ سَيِّئَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ فَإِنَّهَا بِهَا، أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، أَلَا وَأَكْبَرُ الْغَدْرِ غَدْرُ أَمِيرَ عَامَّةٍ، أَلَا لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ
يَتَكَلَّمَ بِآلْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَلَا إِنَّ مِثْلَ مَا بَقِيَ
مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَىْ مِنْهَا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هُذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ)). (حم ت ك هب) عن
أبي سعيد (ح).
قبل أن يعرف ما هو فأسرع الناس غضباً الصبيان والنساء وأكثرهم ضجراً الشيوخ وأجل الناس
شجاعة وأفضلهم مجاهدة وأعظمهم قوة من كظم الغيظ .
(ألا إن خير الناس التجار) بضم التاء جمع تاجر (من) أي تاجر (كان حسن القضاء) أي الوفاء لما
عليه من ديون التجارة ونحوها (حسن الطلب) أي سهل التقاضي يرحم المعسر وينظره ولا يضايق
الموسر في الأشياء التافهة ولا يلجئه إلى الوفاء في وقت معين ولا من مال معين (وشر التجار من كان
سيء القضاء) أي لا يوفي لغريمه دينه إلا بكلفة ومشقة وتماطل مع يساره (سيء الطلب) أي ملح على
مديونه بالطلب من غير مرحمة ولا شفقة بل بصعوبة مع علمه بإعساره إذ ذاك (فإذا كان الرجل) التاجر
وذكر الرجل وصف طردي لأن غالب المتجر إنما يتعاناه الرجال لا لإخراج النساء (حسن القضاء سيء
الطلب أو كان) بعكسه (سيء القضاء حسن الطلب فإنها بها) أي فإحدى الخصلتين تقابل بالأخرى
نظير ما تقدم ويجزي ذلك كله في كل من له حق أو عليه حق وإنما خص التجار لأكثرية القضاء
والتقاضي فيما بينهم (ألا إن لكل غادر لواء) أي ينصب له (يوم القيامة) لواء حقيقة (بقدر غدرته) فإن
كانت كبيرة نصب له لواء كبير وإن كانت صغيرة فصغير وفي خبر أنه يكون عند إسته وقيل اللواء مجاز
والمراد شهرة حاله وإذاعته بين الملأ في ذلك الموقف الأعظم (ألا وإن أكبر الغدر غدر أمير عامة)
بالإضافة (ألا لا يمنعن رجلاً مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه) فإن ذلك يجب عليه وليست مهابة
الناس عذراً في التخلف بشرط سلامة العاقبة (ألا إن أفضل الجهاد) أي أنواعه (كلمة حق) يتكلم بها
كأمر بمعروف أو نهي عن منكر (عند سلطان جائر) أي ظالم فإن ذلك أفضل من جهاد العدو لأنه
أعظم خطراً كما سلف تقريره عما قريب (ألا إن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها مثل ما بقي من
يومكم هذا فيما مضى منه) يعني ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها فهي ولت حذاء ولم يبق
منها إلا صبابة كصبابة الإناء وإذا كانت بقية الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه
كانت خليقة بأن توصف بالقلة ذكره الزمخشري (حم ت ك هب) كلهم (عن أبي سعيد) الخدري قال
صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العصر ثم قام خطيباً فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة
إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وكان فيما قال أما بعد إلى آخره وفيه علي بن زيد بن
جدعان أورده الذهبي في الضعفاء وقال أحمد ويحيى ليس بشيء.

٢٢٩
حرف الهمزة
١٦١١ - ((أَمَامَكُمْ حَوْضٌ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحْ)). (خد) عن ابن عمر (صح).
١٦١٢ - ((أَمَانٌ لِأَهْلِ الأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ الْقَوْسُ، وَأَمَانٌ لِأَهْلِ الأَرْضِ مِنَ الإِخْتِلاَفِ
الْمُؤَالَةُ لِقُرَيْشٍ، قُرَيْشٌ أَهْلُ اللَّهِ، فَإِذَا خَالَفَتْهَا قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ صَارُوا حِزْبَ إِيْلِيسَ)).
(طب ك) عن ابن عباس (صح).
١٦١٣ - ((أَمَانٌ لِأُمَّتِي مِنَ الْغَرَقِ إِذَا رَكِبُوا الْبَحْرَ أَنْ يَقُولُوا: ((بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا
١٦١١ - (أمامكم) بفتح الهمزة (حوض) كي تردونه يوم القيامة قيل هو الكوثر والأظهر أنه
غيره وهل هو بعد الصراط وقبله قولان وجمع بالتعدد (كما بين جرباء) بفتح الجيم وسكون الراء
وموحدة يقصر ويمد قرية بالشام (وأذرح) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء وحاء مهملة
قرية بالشام أيضاً وفي الحديث حذف بينته رواية الدار قطني وهو ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة
وبين جرباء وأذرح. فالمسافة بين المدينة وبينهما ثلاثة أيام لا بينهما وقد غلط من قال بينهما ثلاثة أيام
كما بينه صاحب القاموس اقتداءً ببعض الأعلام لأن بين جرباء وأذرح ميل بل أقل بل الواقف في
هذه ينظر هذه كما حرره بعض الثقات (خد عن ابن عمر) بن الخطاب وفي الطبراني نحوه.
١٦١٢ - (أمان لأهل الأرض من الغرق) بفتح الراء مصدر (القوس) أي ظهور القوس المسمى
بقوس قزح، قال ابن القيم سمي به لأنه أول ما رؤي في الجاهلية على جبل قزح بالمزدلفة أو لأن قزح
اسم شيطان ويوضح المراد بقوله القوس ما رواه السدي أن علياً رضي الله عنه نظر إلى السماء فرأى
قوس قزح، فقال ما هذا؟ قالوا قوس قزح قال لا تقولوا هذا قولوا قوس الله وأمان من الغرق وفي
أجوبة علي كرم الله وجهه لابن الكواء أن القوس علامة كانت بين نوح وربه أمان لأهل الأرض من
الغرق (وأمان لأهل الأرض) أي كلهم أو المراد جزيرة العرب (من الاختلاف) تفرق الكلمة والفتن
(الموالاة) المناصرة والموادة (لقريش)(١) القبيلة المعروفة أي ما داموا على سنن الاستقامة ومنهج العدالة
كما يفيده قوله في الحديث المار استقيموا لقريش ما استقاموا لكم إلى آخره (فإذا خالفتها قبيلة من
العرب صاروا) أي المخالفون (حزب إبليس) أي جنده ﴿ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾
[المجادلة: ١٩] (قريش أهل الله) أي المؤمنون منهم خواص عباده أضيفوا إليه تشريفاً (طب) عن أحمد
الأبار عن إسحاق بن سعيد بن الأركون عن خليد بن دعلج عن عطاء عن ابن عباس (ك) في المناقب
عن مكرم عن الأبار عن إسحاق بن الأركون عن خليد عن قتادة عن عطاء (عن ابن عباس) قال
الحاكم صحيح ورده الذهبي بأنه واهٍ وفي إسناده ضعيفان بن الأركون وخليل انتهى. وحكم ابن
الجوزي بوضعه ونازعه المؤلف بما حاصله أن له شاهداً من كلام ابن عباس .
١٦١٣ - (أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا البحر) في رواية الطبراني بدله السفينة وفي رواية ابن
(١) قال الحكيم أراد بقريش أهل الهدى منهم وإلا فبنو أمية وأضرابهم حالهم معروف وإنّما الحرمة لأهل
التقوى .

٢٣٠
حرف الهمزة
وَمُرْسَاهَا)) الآية، ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) الآية. (ع) وابن السني عن الحسين (ض).
١٦١٤ - ((أُمِّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِيِ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ)). (خ) عن أبي بكر.
مردويه سفينة وفي رواية الفلك، لكن لفظ رواية ابن السني التي عزى المؤلف إليها ركبوا ولم يذكر
بحراً ولا سفينة كما ذكره النووي (أن يقولوا) أي يقرأوا عند دخول السفينة أو عند سيرها قوله تعالى
(بسم الله مجراها ومرساها) أي حيث تجري وحيث ترسي (الآية) أي إلى آخرها وقوله تعالى (وما قدر
والله حق قدره الآية) بكمالها أي إلى ﴿يشركون﴾ [الزمر: ٦٧] وترجم عليه النووي في الأذكار باب ما
يقوله إذا ركب سفينة وساق الحديث عازياً لابن السني ثم قال عقبه هكذا هو في النسخ إذا ركبوا لم يقل
السفينة ونقل بعضهم عن ابن عباس من قرأ الآيتين فعطب أو غرق فعلى ذلك (ع وابن السني) من
طريق أبي يعلى المذكور قال حدثنا أبو يعلى أنبأنا جنادة حدثنا يحيى بن العلاء أنبأنا مروان بن سالم أنبأنا
طلحة العقيلي (عن الحسين) بن علي يرفعه قال ابن حجر وجنادة ضعيف وشيخه أضعف منه وشيخ
شيخه كذلك بالاتفاق فيهما وطلحة مجهول انتهى. وفي الميزان يحيى بن العلاء قال أحمد كذاب يضع
الحديث ثم ساق له أخباراً هذا منها:
١٦١٤ - (أم القرآن) الفاتحة سميت به لكونها مفتتح القراءة. قال الخليل كل شيء ضم إليه ما
يليه سمي أمّاً وهي مشتملة على كليات معاني القرآن المبدأ وهو الثناء على الله والمعاش وهو العبادة
والمعاد وهو الجزاء وقال القاضي سماها أمّاً (١) لأنها بينة في نفسها مبينة لما عداها من المتشابهات فهي
كالأصل له (هي السبع المثاني) اللام للعهد قال تعالى ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾
[الحجرات: ٨٧] سميت سبعاً لأنها سبع آيات باعتبار عد البسملة آية وهو المنصور والمثاني لتكررها في
الصلاة أو الإنزال أو لأن غيرها يضم إليها أو لتكرر مضمونها في الصور أو مقاصدها جمع مثنى أو مثناة
من التثنية بمعنى التكرار فتكرر على مرور الأوقات فلا تنقطع وتدرس فلا تندرس وقيل جمع مثنى
بمعنى الثناء كالمحمدة بمعنى الحمد لاشتمالها على الثناء فهي تثني على الله بأسمائه الحسنى وصفاته
العليا أو لأنها أبداً تدعو بوصفها المعجز إلى غرابة النظم وغزارة المعنى إلى الثناء عليها ثم على من
يتعلمها ويعمل بها ولا اختلاف بين قوله في الحديث السبع المثاني وقوله في القرآن سبعاً من المثاني لأن
من للبيان ذكره التوربشتي (والقرآن العظيم) عطف على السبع عطف صفة الشيء على صفة أخرى له
فليس هو من عطف الشيء على نفسه أو عطف على أم القرآن وإفراد الفاتحة بالذكر في الآية مع كونها
جزءاً من القرآن يدل على مزيد اختصاصها بالفضيلة وفيه رد كما قال السهيلي على الحسن وابن سيرين
في كراهة تسمية الفاتحة بذلك (خ عن أبي بكر) الصديق.
(١) واستشكل بأن كثيراً من السور مشتمل على هذه المعاني مع أنها لم تسم بأم القرآن وأجيب بأنها سابقة على
غيرها وضعاً بل نزولاً عند الأكثر فنزلت من تلك السور منزلة مكة من جميع القرى حيث مهدت أولاً ثم
دحيت الأرض من تحتها وكما سميت أم القرى سميت هذه أم القرآن على أنه لا يلزم اطراد وجه الشبه .

٢٣١
حرف الهمزة
١٦١٥ - (أُمُ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا عِوَضُ)). (قط ك) عن
عبادة (ح).
١٦١٦ - ((أُمُ الْوَلَدِ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ سِقْطَا)). (طب) عن ابن عباس (ض).
١٦١٧ - ((أُ مَلْدَم تَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَتَشْرَبُ الدَّمَ، بَرْدُهَا وَحَرُّهَا مِنْ جَهَنَّمَ)). (طب)
عن شبيب بن سعد (صح).
١٦١٥ - (أم القرآن) قال الحرالي سميت به لأنها له عنوان وهو كله لها بسط وتبيان. وقال
القاضي لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله وذكر الذات والصفات
والأفعال والتعبد بالأحكام والترغيب والترهيب بالوعد والوعيد وقصة الغابرين من العصاة والمطيعين
(عوض من غيرها) من القرآن وغيره (وليس غيرها منها عوض) وحينئذ فلا يقوم مقامها في الصلاة
سورة من القرآن غيرها عند القدرة ولذلك لم يكن لها في الكتب الإلهية عديل (قط) وتقدمه إليه
الكرماني (ك عن عبادة بن الصامت وصححه قال ابن القطان ولا ينبغي تصحيحه ففيه محمد بن خلاد
لا یعرف من حاله ما یعتمد عليه وعمید یروي مناکیر منها هذا الخبر الذي لا يعرف إلا من روايته.
١٦١٦ - (أم الولد حرة) أي حكمها حكم الحرة في كونها لا تباع ولا ترهن ولا توهب ولا
يتصرف فيها بإزالة ملك (١) (وإن كان) الولد (سقطاً) لم تنفخ فيه الحياة بل ولو كان مخططاً خفي
التخطيط بحيث لا يعرفه إلا القوابل وهذا مجمع عليه الآن وما كان من خلاف فيه من الصدر الأول
فقد مضى وانقضى (طب عن ابن عباس) وفيه الحسين بن عيسى الحنفي قال الذهبي في الضعفاء له
مناكير عن الحكم بن أبان قال ابن المبارك ارم به ووثقه غيره ورواه الدار قطني باللفظ المزبور عن ابن
عباس قال الفريابي في اختصار الدارقطني وفيه الحسين بن عيسى الحنفي ضعيف قال ابن عدي عامة
أحاديثه غرائب وفي بعضها مناكير وشيخه الحكم بن إبان قال ابن المبارك أرم.
١٦١٧ - (أم ملدم) مفعل من لدمه إذا لطمه ويروى بالذال المعجمة من لذم بمعنى الزم وهي
الحمى (تأكل) مضارع أكل (اللحم) أي إذا لازمت الإنسان أنحلته (وتشرب الدم) يعني تحرقه (بردها
وحرها من جهنم) أي بدل من جهنم لمن أصابته من المؤمنين كما يوضحه خبر الحمى حظ المؤمن من
النار فليس المعنى على الغشية كما قد يتوهم. قال الزمخشري العرب تقول الحمى أنا أم ملدم آكل
اللحم وأمص الدم، قال المصنف ولذلك كانت شهادة وحصل المؤمن منها على الحسنى وزيادة وقد
جاءت إلى خدمة المصطفى و ﴿ واستأذنت بالباب وهي واقفة لديه وسألته يبعثها إلى أحب قومه فبعثها
إلى الأنصار لأنهم ذوو النهي وأولو الأبصار لتكون وقاء ووقاء لهم من النار (طب عن شبث) بشين
معجمة وموحدة فمثلثة (ابن سعيد) البلوي شهد فتح مصر وله صحبة قال الهيثمي فيه بقية بن الوليد
وهو مدلس.
(١) ويصح بيعها إذا اشترت نفسها أو كانت مرهونة أو جانية تعلق برقبتها مال وكان المالك فيهما معسراً حال
الاستیلاد.

٢٣٢
حرف الهمزة
١٦١٨ - ((أُمُ أَيْمَنَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي)). ابن عساكر عن سليمان بن أبي شيخ معضلاً (ض).
١٦١٩ - ((أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرٍّ مِنَ الشُّجُودِ، مُحَجَّلُونَ مِنَ الْوُضُوءِ)). (ت) عن
عبد الله بن بسر (ح).
١٦١٨ - (أم أيمن) بركة حاضنة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم ودايته وهي أم أسامة بن
زيد (أمي بعد أمي) أي في الاحترام وفي حضنها إياه فإن أمه ماتت وهو ابن ست أو سبع أو ثمان
سنين، فاحتضنته أم أيمن قال الزمخشري جعلها أماً لأن الداية تدعى أماً لقيامها مقام الأم انتهى،
ماتت بعد النبي ◌َّ بخمسة أشهر (ابن عساكر) في التاريخ في ترجمة أسامة بن زيد (عن سليمان بن أبي
شيخ مرسلاً معضلاً)(٣).
١٦١٩ - (أمتي يوم القيامة غر) بضم المعجمة وشد الراء جمع أغر أي ذوو غرة (من السجود) أي
من أثر السجود في الصلاة، قال تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩] نصب
على الظرفية (محجلون من الوضوء) أي من أثر وضوئهم في الدنيا وقد سجدت الأمم قبلهم فلم يظهر
على جباههم وتطهروا فلم يظهر على أطرافهم من ذلك شيء فتلك إشارة هذه الأمة في الموقف يعرفون
بها. ذكره الحكيم، وهذا لا تدافع بينه وبين خبر الشيخين الآتي إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين
من آثار الوضوء، وما ذاك إلا لأن المؤمن يكسى في القيامة نوراً من أثر السجود، ونوراً من أثر
الوضوء، نور على نور، فمن كان أكثر سجوداً أو أكثر وضوءاً في الدنيا كان وجهه أعظم ضياء وأشد
إشراقاً من غيره فيكونون فيه على مراتب من عظم النور والأنوار لا تتزاحم، ألا ترى أنه لو أدخل
سراج في بيت ملأه نوراً فإذا أدخل فيه آخر ثم آخر امتلأ بالنور من غير أن يزاحم الثاني الأول ولا
الثالث الثاني وهكذا؟ والوضوء هنا بالضم وجوز ابن دقيق العيد الفتح على أنه الماء وجوز في من أن
تكون سببية أو لابتداء الغاية، قال الراغب والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما دين أو زمان أو مكان
سواء كان الجامع تسخيراً أو اختياراً؛ وأصل الغرة لمعة بيضاء بجبهة الفرس ثم استعملت في الجمال
والشهرة وطيب الذكر والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه هذه الأمة والتحجيل بياض في ثلاث من
قوائم الفرس أصله الحجل بكسر الجاء الخلخال والمراد به أيضاً هنا النور. ذكره جمع، وقال الأشرف
غر جمع أغر وهو الأبيض الوجه والمحجل من الدواب ما قوائمه بيض مأخوذ من الحجل وهو القيد
كأنه مقيد بالبياض وأصله في الخيل ومعناه إذا دعوا إلى الجنة كانوا على هذا الشبه وتمسك به الحليمي
على أن الوضوء من خصائصنا وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن في البخاري في قصة سارة قامت تتوضأ
وتصلي وفي قصة جريج الراهب قام فتوضأ قال فالظاهر أن الخاص بنا الغرة والتحجيل لا أصل
الوضوء قال وقد صرح بذلك في رواية مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً قال سيما ليت لأحد غيركم وله من
حديث حذيفة نحوه وقد اعترض بعضهم على الحليمي بخبر هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، وهو
(١) هو ما سقط من اثنان من أي موضوع كان وإن تعددت المواضع سواء كان الساقط الصحابي أو التابعي أم
غیرھما.
-

٢٣٣
حرف الهمزة
١٦٢٠ - ((أُمَّتِي أُمَّةٌ مُبَارَكَةٌ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهَا خَيْرٌ أَوْ آخِرُهَا)). ابن عساكر عن عمرو بن
عثمان مرسلاً (ح).
١٦٢١ - ((أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا، مُتَابٌ عَلَيْهَا)). الحاكم في الكنى عن
أنس (ض).
حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لضعفه ولاحتمال كون الوضوء من خصائص الأنبياء دون الأمم
إلا هذه الأمة، إلى هنا كلام الحافظ وتقدمه إليه الكرماني وقد انتهبه سميه الشهاب ابن حجر الهيثمي
ولنفسه عزاه ولا قوة إلا بالله (ت عن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة وقال حسن
صحيح غريب .
١٦٢٠ - (أمتي أمة مباركة لا يدرى أولها خير) من آخرها (أو آخرها) خير من أولها لتقارب
أوصافهم وتشابه أفعالهم كالعلم والجهاد والذب عن بيضة الإسلام وقرب نعوت بعضهم من بعض في
ظواهرهم، فلا يكاد يميز الناظر بينهم وإن تفاوتوا في الفضل في نفس الأمر فيحكم بالخير لأولهم
وآخرهم ولذا قيل هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها ثم إن هذا لا يناقضه خبر خير الناس قرني
لأنهم إنما كانوا خيراً لأنهم نصروه وآووه وجاهدوا معه وقد توجد نحو هذه الأفعال آخر الزمان حين
يكثر الهرج وحتى لا يقال في الأرض الله قال الكلاباذي وغيره وأما خبر خير الناس قرني فخاص بقوم
منهم والمراد في قرني كالعشرة وأضرابهم وأما سواهم فيجوز أن يساويهم أفاضل أواخر هذه الأمة
كالذين ينصرون المسيح ويقاتلون الدجال فهم أنصار النبي وإخوانه اهـ. تنبيه: الأمة جمع لهم جامع
من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك فإنه مجمل يطلق تارة ويراد بها كل من كان مبعوثاً إليهم نبي آمنوا
به أو لم يؤمنوا ويسمون أمة الدعوة وأخرى، ويراد بهم المؤمنون به المذعنون له وهم أمة الإجابة وهذا
المراد هنا (ابن عساكر) في تاريخه (عن عمرو بن عثمان) بن عفان بن العاص الأموي (مرسلاً) قال
الذهبي ووثقه .
١٦٢١ - (أمتي) المجتمعون على ملتي (أمة مرحومة) أي من الله أو بعضهم لبعض (مغفور لها)
من بارئها (متاب عليها) أي يتوب الله عليها ولا يتركها مصرة على الذنب، ذكره المؤلف لأنهم جمعهم
الدين وفرقتهم الدنيا مع اجتماعهم على الإيمان والصلاة وأذاقهم الله بأسهم بينهم يقتل بعضهم بعضاً
وجعله كفارة لما اجترحوه وأخرج ابن عساكر عن وهب في الزبور يا داود سيأتي بعدك نبي اسمه أحمد
ومحمد سيد صادق ولا أغضب عليه ولا يغضبني وأمته مرحومة أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت
الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم
كالأنبياء. تنبيه: قال الزركشي ما كان مجتمعاً في المصطفى وَلّ من الأخلاق والمعجزات صار متفرقاً في
أمته بدليل أنه كان معصوماً وأمته إجماعها معصوم وقد أكمل الله عليهم النعمة وجعلهم شهداء على
الأمم قبلهم وحكم أنهم خير أمة أخرجت للناس فلا فضل يوازي فضلهم وهم الآخرون السابقون
يوم القيامة أكثر أهل الجنة وإن كانوا في الأمم كالشامة (الحاكم في) كتاب (الكنى) والألقاب (عن
أنس) قال: ابن الجوزي قال النسائي هذا حديث منكر اهـ. ورواه عنه الطبراني في الأوسط وزاد

٢٣٤
...-- |
حرف الهمزة
١٦٢٢ - ((أُمَّتِي هُذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي
الدُّنْيَا: الْفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالْقَتْلُ، وَالْبَلاَيَا)). (دطب ك هب) عن أبي موسى (صح).
١٦٢٣ - ((أَمْثَلُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحَرِيُّ)). مالك (حم ق ت ن) عن
أنس (صح).
تدخل قبورها بذنوبها وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها يمحص عنها باستغفار المؤمنين لها اهـ. قال
الهيثمي فيه شيخ الطبراني أحمد بن طاهر بن حرملة كذاب.
١٦٢٢ - (أمتي هذه) أي الموجودين الآن كما عليه ابن رسلان وهم قرنه ويحتمل إرادة أمة
الإجابة (أمة مرحومة) أي جماعة مخصوصة بمزيد الرحمة وإتمام النعمة موسومة بذلك في الكتب المتقدمة
(ليس عليها عذاب في الآخرة) بمعنى أن من عذب منهم لا يحس بألم النار لأنهم إذا دخلوها أميتوا
فيها. وزعم أن المراد لا عذاب عليها في عموم الأعضاء لكون أعضاء الوضوء لا تمسها النار تكلف
مستغنى عنه (إنما عذابها في الدنيا الفتن) التي منها استيفاء الحد ممن يفعل موجبه وتعجيل العقوبة على
الذنب في الدنيا أي الحروب والهرج فيهما بينهم (والزلازل) جمع زلزلة وأصلها تحرك الأرض،
واضطرابها من احتباس البخار فيها لغلظه أو لتكاثف وجه الأرض ثم استعملت في الشدائد
والأهوال، قال الزمخشري تقول العرب جاء بالإبل يزلزلها يسوقها بعنف وأصابته زلازل الدهر
شدائده انتهى. (والقتل والبلايا) لأن شأن الأمم السابقة يجري على طريق العدل وأساس الربوبية
وشأن هذه الأمة يجري على منهج الفضل والألوهية فمن ثم ظهرت في بني إسرائيل النياحة والرهبانية
وعليهم في شريعتهم الأغلال والآصار وظهرت في هذه الأمة السماحة والصديقية فقك عنهم الأغلال
ووضع عنهم الآصار (د طب ك هب عن أبي موسى) الأشعري قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي قال
الصدر المناوي رضي الله عنه وفيه نظر فإن في سند أبي داود والحاكم وغيرهما المسعودي عبد الرحمن بن
عبد الله الهذلي استشهد به البخاري قال ابن حبان اختلط حديثه فاستحق الترك وقال العقيلي تغير
فاضطرب حديثه .
١٦٢٣ - (أمثل ما تداويتم به) أي أنفعه وأفضله (الحجامة) لمن احتمل ذلك سناً ولاق به قطراً
ومرضاً (والقسط) بضم القاف بخور معروف وهو فارسي معرب (البحري) بالنسبة لمن يليق به ذلك
ويختلف باختلاف البلدان والأزمان والأشخاص؛ فهذا جواب وقع لسؤال سائل فأجيب بما يلائم
حاله واحترز بالبحري وهو مكي أبيض عن الهندي وغيره وهو أسود والأول هو الأجود قال بعض
الأطباء القسط ثلاثة أنواع مكي وهو عربي أبيض وشامي وهندي وهو أسود وأجودها الأبيض وهو
حار في الثالثة يابس في الثانية ينفع للرعشة واسترخاء العصب وعرق النسا ويلين الطبع ويخرج حب
القرع ويجلو الكلف لطوفاً بعسل وينفع نهش الهوام والهندي أشد حرارة ولا ينافي تقييده هنا بالبحري
وصفه للأسود وهو الهندي في خبر آخر لأنه كان يذكر لكل إنسان ما يوافق فحيث وصف الهندي كان
الدواء يحتاج لمعالجته بما تشتد حرارته أو البحري كان دون ذلك (مالك) الإمام المشهور في الموطأ (حم
قت ن عن أنس) بن مالك.

٢٣٥
حرف الهمزة
١٦٢٤ - ((أَمْرُؤُ الْقَيْس صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَرَاءِ إِلَى النَّارِ)). (حم) عن أبي هريرة.
١٦٢٥ - ((أَمْرُؤُ الْقَيْس ◌َائِدُ الشُّعَرَاءِ إِلَى النَّارِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَحْكَمَ قَوَافِيهَا)). أبو
عروبة في الأوائل، وابن عساكر عن أبي هريرة (ض).
١٦٢٤ - (امرؤ القيس) سليمان بن حجر الملك الضليل عظيم شعراء الجاهلية (صاحب لواء
الشعراء) أي حامل راية شعراء الجاهلية والمشركين، قال دعبل ولا يقود الناس إلا أميرهم ورئيسهم
(إلى النار) لأنه زعیمهم وعظیمھم في الدنیا فیکون قائدهم في العقبی قال ابن سلام لیس لكونه قال ما
لم يقولوا ولكنه سبق إلى أشياء ابتدعها فاتبعوه عليها واقتدوا به فيها وأخرج ابن عساكر أنه ذكر امرؤ
القيس للنبي ◌ّهه فقال ذلك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء
يقودهم إلى النار، قال أبو عبيد سبق امرؤ القيس العرب إلى أشياء ابتدعها فاستحسنوها وتبعهم فيها
الشعراء منها استباق صحبه والبكاء على الديار ورقة التشبيب وقرب المآخذ وتشبيه النساء بالظباء
البيض والخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين التشبيب والمعنى هذا لواء
الشهرة في الذم وتقبيح الشعر كما أن ثم ألوية للعز والمجد والأفضال كما يجيء أن المصطفى وَلاو بيده
لواء الحمد فثم ألوية خزي وفضيحة قال الزبير بن بكار قيل لحسان بن ثابت من أشعر الناس قال
النابغة قال ثم من قال حسبك بي مناضلاً قيل فأين أنت عن امرىء القيس قال لنا إنما أنا في ذكر
الأنس (حم) وكذا البزّار كلاهما من حديث هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة (عن أبي
هريرة) قال الهيثمي فيه أبو الجهم شيخ هشيم بن بشير ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.
وأقول أبو الجهم ضعيف جداً قال الذهبي في الضعفاء أبو الجهم عن الزهري قال أبو زرعة واهي
الحديث.
١٦٢٥ - (امرؤ القيس) بن حجر بضم الحاء بن الحارث الكندي الشاعر الجاهلي المشهور وهو
أول من قصد القصائد (قائد الشعراء إلى النار) أي جاذبهم إلى جهنم (لأنه أول من أحكم قوافيها) أي
أتقنها وأوضح معانيها ولخصها وكشف عنها وجانب التعويص والتعقيد، قيل كان إذا قيل أسرع وإذا
مدح رفع وإذا هجا وضع. قال التبريزي وأشعر المراقسة امرؤ القيس الزائد وهو أول من تكلم في نقد
الشعر وقال العسكري في التصحيف أئمة الشعراء سبعة امرؤ القيس هذا ثم النابغة ثم زهير ثم
الأعشى ثم جرير ثم الفرزدق ثم الأخطل. وسئل كثير من أشعر الناس قال الملك الضليل قيل ثم من
قال الغلام القتيل طرفة قيل ثم من قال الشيخ أبو عقيل يعني نفسه وقال ابن عبد البر افتتح الشعر
بامرىء القيس وختم بذي الرمّة وقيل لبعضهم من أشعر الناس قال امرؤ القيس إذا ركب والأعشى
إذا طرب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب وأول شعر قاله امرؤ القيس إنه راهق ولم يقل شعراً فقال
أبوه هذا ليس بابني إذ لو كان كذلك لقال شعراً فقال لاثنين من جماعته خذاه واذهبا به إلى مكان كذا
فاذبحاه فمضيا به حتى وصلا المحل المعين فشرعا ليذبحاه فبكى وقال:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلٍ بِسِقْطِ اللُّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلٍ
فرجعا به إلى أبيه وقالا هذا أشعر من على وجه الأرض قد وقف واستوقف وبكى واستبكى

٢٣٦
حرف الهمزة
١٦٢٦ - ((أَمْرَأَةٌ وَلُودٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَمْرَأَةٍ حَسْنَاءَ لاَ تَلِدُ، إِّي مُكَائِرٌ بِكُمُ
الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). ابن قانع عن حرملة بن النعمان (ح).
ونعى الحبيب والمنزل في نصف بيت، فقام إليه واعتنقه وقبله وقال أنت ابني حقاً وآخر شعر قاله امرؤ
القيس إنه وصل إلى جبل عسيب وهو يجود بنفسه فنزل إلى قبر فأخبر بأنها بنت ملك فقال:
وإنِّي مُقِيمٌ ما أقَامَ عَسِيبُ
أَجَارَتَنَا إِنَّ المَزَارَ قَرِيبُ
وكُلُّ غَرِيبٍ للغَرِيبِ نَسِيبُ
أَجَارتَنَا إِنَّا غَرِيبَانِ هُهُنا
قال في الزاهر أنشد عمر هذين فأعجب بهما وقال وددت أنها عشرة وإني علي بذلك كذا وكذا؛
وفي الأوائل للمؤلف وغيره أن أول من نطق بالشعر آدم لما قتل ابنه أخاه وأول من قصد القصائد امرؤ
القيس وقيل عبد الأحوص وقيل مهلهل وقيل الأفوه الأودي وقيل غير ذلك ويجمع بينهما بأنه بالنسبة
للقائل وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل. فقال:
حَتَّى إذا جَاءَ الشِّتَاءُ أَنْكَرَهْ
يَتَمَنَّى المَرءُ في الصَّيْفِ الشِّتَاءِ
قُتِلَ الإنْسَانُ ما أَكْفَرَهْ
فَهْوَ لا يَرْضَى بِحَالٍ وَاحِدٍ
وقال:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرْ
وقال :
مِنْ غَزَالِ صَادَ قَلْبي ونَفَرْ
وأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا
إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زلْزَالَهَا
ليَوْم الحسابِ تَرَى حَالَهَا
تَقُومِ الأَنَام على رَسْلهَا
فإمَّا عَليها وإمَّا لَهَا
يُحَاسِبُها مَلِكٌ عَادِلٌ
(أبو عروبة في) كتاب (الأوائل) له (وابن عساكر) في تاريخه من حديث الحسين بن فهم عن
يحيى بن أكثم (عن أبي هريرة) قال يحيى قال لي المأمون أريد أن أحدث فقلنا من أولى بهذا منك،
فصعد المنبر فأول حديث حدثنا هذا ثم نزل فقلنا كيف رأيت مجلسنا قلت أجل مجلس يفقه الخاصة
والعامّة قال وحياتك ما رأيتم له حلاوة إنما المجلس لأصحاب الحلقات والمحابر. اهـ. والحسين بن
فهم أورده الذهبي في ذيل الضعفاء وقال قال الحاكم ليس بقوي ويحيى بن أكثم قال الأزدي يتكلمون
فيه وقال ابن الجنيد كانوا لا يشكون أنه يسرق الحديث. تنبيه: قال القرطبي هذا الحديث وما قبله يدل
على أن من كان إماماً دراساً في أمر ما هو معروف به فله لواء يعرف به خيراً كان أو شراً فللأولياء
والصالحين ألوية تنويه وإكرام وإفضال كما أن للظالمين ألوية فضيحة وخزي ونكال.
١٦٢٦ - (امرأة ولود) أي تزوج امرأة كثيرة الولادة غير حسناء كما يدل عليه تقييده بالحسن في
مقابله وتعرف البكر بأقاربها (أحب إلى الله تعالى) أي أفضل عنده (من) تزوج (امرأة حسناء لا تلد)
العقمها (إني مكاثر بكم) تعليل للترغيب في نكاح الولود وإن لم تكن جميلة وتجنب العقيم وإن كانت في

٢٣٧
حرف الهمزة
١٦٢٧ - ((أَمْرُ النِّسَاءِ إِلَى آبَائِهِنَّ، وَرِضَاهُنَّ السُّكُوتُ)). (طب خط) عن أبي
موسی (ض).
١٦٢٨ - ((أَمْراً بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا)). (هب) عن عمرو بن الحارث
بلاغاً (ض).
١٦٢٩ - ((أَمِرَّ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَأَذْكُرِ أَسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)). (حم دهـ ك) عن عدي بن
حاتم (صح).
نهاية الجمال (الأمم) السالفة (يوم القيامة) أي أغاليهم بكم كثيراً وهذا حث عظيم على الحرص على
تكثير الأولاد وفي ضمنه نهي عن العزل وتوبيخ على فعله وأنه ينبغي للإنسان رعاية المقاصد الشرعية
وإيثارها على الشهوات النفسانية (ابن قانع) في معجم الصحابة من طريق محمد بن سوقة عن ميمون بن
أبي شبيب (عن حرملة بن النعمان).
١٦٢٧ - (أمر النساء) في التزويج أي ولاية العقد (إلى آبائهن) أي الأب وأبيه وإن علا
(ورضاهن السكوت) أي رضى البكر البالغ منهن سكوتها إذا زوجها الأب أو الجد بولاية الإجبار
حيث لم يقترن السكوت بنحو بكاء وفي غير ذلك لا بد من إذنها بالنطق (طب خط عن أبي موسى)
الأشعري وفيه علي بن عاصم قال الذهبي قال النسائي متروك وضعفه جمع.
١٦٢٨ - (أمراً) سوغ الابتداء به تنوينه المفيد للتعظيم أي عظيم والخبر قوله (بين أمرين) أي بين
طرفي الإفراط والتفريط كما قال تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الإسراء: ٢٩] الآية
(وخير الأمور أوساطها) أي الذي لا ترجيح لأحد جانبيه على الآخر لأن الوسط العدل الذي نسبته
الجوانب كلها إليها سواء فهو خيار الشيء والعدل هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط والآفات
إنما تطرق إلى الإفراط والأوساط محمية بأطرافها قال:
كَانَتْ هِيَ الوَسَطُ المُحَمَّ فَاكْتَنَفَتْ
بها الحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحْتِ طَرَفَا
ومالك الوسط محفوظ الغلط ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد.
قيل دخل عمر بن عبد العزيز على عبد الملك فتكلم فأحسن فقال ابنه هو كلام أعد لهذا المقام، ثم
دخل بعد أيام فسأله عبد الملك عن نفقته فقال الحسنة بين السيئتين يريد الآية فقال عبد الملك لابنه
أهذا مما أعده آنفاً (حب عن عامر بن الحارث بلاغاً) أي قال بلغنا ذلك عن رسول الله وص له ورواه
البيهقي في السنن عنه أيضاً وقال الذهبي في المهذب هو منقطع أيضاً وعمرو بن الحارث في التابعين
والصحابة كثير فكان ينبغي تمييزه.
١٦٢٩ - (أمر الدم) أي أسله واستخرجه. قال القاضي إمرار الدم إسالته وإجراؤه بشدة وعلى
هذا فقوله أمر بكسر الميم وشدة الراء من أمر أي أجرى وقول الخطابي هو غلط والصواب سكون الميم
وخفة الراء من أمرى يمري وهو الغلط لأن أصله أمرر براءين كما هو رواية ابن داوود وقال شراحه

٢٣٨
حرف الهمزة
١٦٣٠ - ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،
فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقُّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ)). (ق ٤) عن
أبي هريرة، وهو متواتر (صح).
أي اجعله يمر أي يذهب وحينئذ فمن شدد أدغم فلا غلط (بما شئت) مخصوص بما استثناه في حديث
رافع بقوله ليس السن والظفر ذكره البيضاوي (واذكر اسم الله عز وجل) أي على الذبح ندباً بأن تقول
بسم الله فقط ويزيد في الأضحية والله أكبر اللهم هذا منك وإليك فتقبل مني؛ وترك التسمية عمداً
مكروه والذبيحة حلال (حم ده ك عن عدي بن حاتم) قال قلت يا رسول الله إنا نصيد فلا نجد سكيناً
إلا الظرازة وشقة العصا فذكره والظرازة جمع ظرز الحجر الصلب محدداً وشقة العصا ما شق منها وهو
محدد .
١٦٣٠ - (أمرت) أي أمرني الله إذ لا آمر سواه وحذف الفاعل تعظيماً وتفخيماً (أن) أي بأن
(أقاتل) وحذف الجار من أن غير عزيز (الناس) أي بمقاتلة الناس وهذا عام خص منه من أقر بالجزية
(حتى) أي إلى أن (يشهدوا) ويقروا ويبينوا أن (لا إله إلا الله) استثناء من كثرة متوهمة وجودها محال إذ
مفهوم الإله كلي (وأني رسول الله) غاية لقتالهم فكلمة التوحيد هي التي خلق الحق الخلق لها وهي
العبارة الدالة على الإسلام، فكل من تلفظ بها مع الإقرار بالرسالة المحمدية فمسلم وظاهره بل صريحه
أن قائلها مسلم وإن قلد بالمعنى الآتي في مبحث الإيمان، قال النووي رضي الله عنه وهو مذهب
المحققين واشتراط معرفة أدلة المتكلمين خطأ وفي رواية للشيخين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (فإذا)
آثرها على إن مع أن المقام لها لأن فعلهم متوقع لأنه علم إصابة بعضهم فغلبهم لشرفهم أو تفاؤلاً نحو
غفر الله لك (قالوها) أي كلمة الشهادتين والتزموا أحكامها (عصموا) حفظوا (مني دماءهم
وأموالهم)، أي منعوها إذ العصمة المنعة والاعتصام الاستمساك افتعال منه فلا يحل سفك دمائهم ولا
أخذ أموالهم، وهي كلما صح إيراد نحو البيع عليه وأريد به هنا ما هو أعم ليشمل الاختصاص (إلا
بحقها) أي الدماء والأموال يعني هي معصومة إلا عن حق يجب فيها كقود وردة وحدّ وترك صلاة
وزكاة بتأويل باطل وحق آدمي، فالباء بمعنى عن أو من أي فقد عصموها إلا عن حقها أو من حقها
أو إلا بحق كلمة التوحيد وحقها ما تبعها من الأفعال والأقوال الواجبة التي لا يتم الإسلام إلا بها،
فالمتلفظ بكلمة التوحيد يطالب بهذه الفروض بعد ففائدة النص عليه دفع توهم أن قضية جعل غايته
المقاتلة وجود ما ذكر أن من شهد عصم دمه وإن جحد الأحكام وقول أبي حنيفة إن تارك الصلاة كسلاً
لا يقتل لظاهر هذا الحديث ولخبر لا يحل دم امرىء مسلم ولأنها أمانة بينه وبين الله ولأنها عبادة تقضى
وتؤدى كصوم وزكاة وحج ولأن الاختلاف شبهة تدرأ بها الحدود ورد الأول بقوله في الحديث إلا
بحقها والصلاة من حقها والثاني أن خلف الخارج بالثلاث أمراً آخر والثالث بالنقص بالعفة فإنها أمانة
ويرجم بتركها وترك الصلاة أعظم والرابع بأن استيفاء الصوم وكل عبادة ممكن بخلاف الصلاة
كالايمان ولأنه يقتل بفعل منهي عنه كزنا المحصن فيقتل بترك ما أمر به ولأن كسل الاستهانة يبيح
القتال ولأن الصلاة والإيمان يشتركان في الاسم والمعنى فكما يقتل بترك الإيمان يقتل بترك الصلاة

٢٣٩
حرف الهمزة
١٦٣١ - (أُمِرْتُ بِأَلْوِتْرِ وَالأَضْحَى، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيَّ)). (قط) عن أنس (ض).
والخامس بأنه لا شبهة للقاطع وإن سلم فضعيفه ومثلها مطروح لا يسقط استحقاق القتل عنه إذ لم يعد
بالاستتابة ومن قتله قبلها عذر ثم دليلنا النص المزبور فإنه يدل على أنه كافر واستحق عقوبة الكافر
فالأول منتفٍ فتعين الثاني والجمع أولى وتاركها كسلاً بالنسبة إلى تاركها جحوداً غير معصوم بالنسبة
إلى فاعلها ثم الحكم عليهم بما ذكر إنما هو باعتبار الظاهر أما باعتبار الباطن فأمرهم ليس إلى الخلق
بل (حسابهم على الله) فيما يسرونه من كفر ومعصية يعني إذا قالوها بلسانهم وباشروا الأفعال
بجوارحهم قنعت منهم به ولم أفتش عن قلوبهم وعلي بمعنى اللام فما أوهمه العلاوة من الوجوب غير
مراد ولئن سلم فهو للتشبيه أي هو كالواجب في تحقق الوقوع فالعصمة متعلقة بأمرين كلمة التوحيد
وحقها أي حق الدماء والأموال على التقديرين والحكم إذا تعلق بوجوده شرطان لا يقع دون استكمال
وقوعهما وصدره بلفظ الأمر إيذاناً بأن الفعل إذا أمر به من جهة الله لا یمکن مخالفته فیکون آكد من
فعل مبتدأ من الإنسان قال الرافعي وبين الشافعي أن الحديث مخرجه عام ويراد به الخاص والقصد به
أهل الأوثان وهو أصل من أصول الإسلام. تتمة: ذكر الفخر الرازي عن بعضهم هنا أنه تعالى جعل
العذاب عذابين أحدهما السيف من يد المسلمين والثاني عذاب الآخرة فالسيف في غلاف يرى والنار في
غلاف لا ترى فقال لرسوله من أخرج لسانه من الغلاف المرئي وهو الفم فقال لا إله إلا الله أدخلنا
السيف في الغمد الذي يرى ومن أخرج لسان القلب من الغلاف الذي لا يرى وهو السر فقال لا إله إلا
الله أدخلنا سيف عذاب الآخرة في غمد الرحمة حتى يكون واحد الواحد لا ظلم ولا جور (ق ٤ عن أبي
هريرة) قال لما توفي رسول الله وَّل﴿ واستخلف أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب قال عمر
لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما كيف تقاتل الناس وقد قال المصطفى ومسؤ أمرت الخ فقال أبو بكر رضيٍ
الله تعالى عنه والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالاً
كانوا يؤدونه إلى رسول الله ويّله لقاتلتهم على منعه (وهو متواتر) لأنه رواه خمسة عشر صحابياً.
١٦٣١ - (أمرت) أمراً ندبياً (بالوتر) أي بصلاته بعد فعل العشاء وقبل الفجر (والأضحى) أي
بصلاة الضحى وبالتضحية (ولم يعزم) كل منهما (علي) أي لم يفرض ولم يوجب علي وعزائم الله تعالى
فرائضه التي أوجبها يقال عزمت عليك أي أمرتك أمراً جداً فهذا الحديث يعارضه ما يأتي من رواية
البيهقي وغيره مرفوعاً ثلاث هن على فريضة (١) ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الضحى وكلا الخبرين
ضعيف والشافعي رضي الله تعالى عنه وجمهور أصحابه على الوجوب لكن ذهب بعضهم إلى عدمه
تمسكاً بأن الخصائص لا تثبت إلا بحديث صحيح (قط عن أنس) قضية تصرف المؤلف أن مخرجه
الدار قطني خرجه وسلمه والأمر بخلافه بل تعقبه ببيان علته فقال هو من رواية بقية وقد تقدم تدليسه
وتليينه عن عبد الله بن محرز وضعفه غير واحد وقال منكر الحديث وقال ابن أبي شيبة متروك انتهى
وقال الذهبي إسناده واه.
(١) ويؤخذ منه أن الواجب عليه أقل الضحى لا أكثره وقياسه في الوتر كذلك ووجوب هذه الثلاثة عليه وسلم؛
صححه الشيخان وغيرهما وهو خصوصية له آل﴾.

٢٤٠
حرف الهمزة
١٦٣٢ - ((أُمِرْتُ بِيَوْم الأَضْحَى عِيداً، جَعَلَهُ اللَّهُ لِهْذِهِ الأُمَّةِ)). (حم دن ك) عن ابن
عمرو (صح).
١٦٣٣ - (أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ)). (حم) عن واثلة (ح).
١٦٣٤ - ((أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خِفْتُ عَلَى أَسْنَانِ)). (طب) عن ابن عباس (ح).
١٦٣٥ - ((أُمِرْتُ بِالتَّعْلَيْنِ وَالْخَاتَمِ)). الشيرازي في الألقاب (خد خط) والضياء عن
أنس (ض).
١٦٣٢ - (أمرت بيوم الأضحى عيداً) قال الطيبي عيداً منصوب بفعل مقدر تفسيره ما بعده أي
أجعله عيداً وقال ابن رسلان فيه حذف تقديره بالأضحية في يوم الأضحى إذ لا يصح الكلام إلا به إذ
أمرت يتعلق الأمر فيه بالأضحية لا باليوم وفهم التقدير من إضافة يوم إليه انتهى. والمراد الأمر الندبي
(جعله الله لهذه الأمة) تمامه كما في أبي داود فقال رجل أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحي بها؟
قال لا ولكن تأخذ من شعرك وتقص من شاربك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند الله وفيه أن
عيد الأضحى من خصائصنا وكذا الفطر، كذا قيل، وقد تمسك بظاهر الحديث قوم منهم داود كابن
سيرين فذهبوا إلى اختصاص النحر باليوم العاشر دون ما بعده (حم دن ك عن ابن عمرو) بن العاص
وصححه ابن حبان وغيره .
١٦٣٣ - (أمرت) على لسان جبريل بالإلهام أو بالرؤيا (بالسواك) بكسر السين الفعل ويطلق
على العود ونحوه (حتى خشيت أن يكتب علي) أي يفرض وفيه حجة لمن ذهب إلى عدم وجوب السواك
عليه قال الزين العراقي والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح (حم عن واثلة) بن الأسقع قال في شرح
التقريب سنده حسن وقال المنذري والهيثمي فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة مدلس وقد عنعنه.
١٦٣٤ - (أمرت) أي أمرني الله، قال القاضي إذا قال الرسول أمرت فهم أن الله تعالى أمره وإذا
قاله الصحابي فهم أن الرسول أمره فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم أن الرئيس أمره
(بالسواك حتى خفت على أسناني) أراد ما يعم الأضراس؛ واعلم أن لفظ رواية الطبراني في الكبير
والأوسط فقد أمرت الخ ولم أر فيه أمرت مجرداً فإن كان فيه في غير مظنته وإلا فإثبات المصنف له في
هذا الحرف وهم (طب عن ابن عباس) قال الهيثمي فيه عطاء بن السائب وفيه كلام.
١٦٣٥ - (أمرت بالنعلين) أي بلبسهما خشية تقذر الرجلين (والخاتم) أي بلبسه في الأصبع
وباتخاذه للختم فيه، فلبس النعلين مأمور به ندباً خشية تنجس القدمين أو تقذيرهما وكذا الخاتم ولو
لغير ذي سلطان خلافاً لبعض الأعيان (الشيرازي في) كتاب (الألقاب خد خط) في ترجمة وكيع بن
سفيان (والضياء) المقدسي في المختارة وكذا الطبراني في الكبير والأوسط (عن أنس)، قال الخطيب
وتبعه ابن الجوزي ولم يروه عن يونس بن يزيد إلا عمر بن هارون وعمر تركه أحمد وابن مهدي وقال