Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ حرف الهمزة ٢٩٩ - ((أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ إِلَّ مَا خَلُصَ لَهُ)). (قط) عن الضحاك بن قيس (صح). الفعل إما أن يكون روحانياً فقط وهو الإخلاص أو شيطانياً فقط وهو الرياء أو مركباً وهو ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكونا سواء أو الروحاني أقوى أو الشيطاني أقوى، فإذا كان الباعث روحانياً فقط ولا يتصور إلا في محبة الله تعالى مستغرق القلب به بحیث لم يبق لحب الدنيا في قلبه مقر حتی لا یأکل ولا يشرب إلا لضرورة الجبلة فهذا عمله خالص، وإذا كان نفسانياً فقط ولا يتصور إلا من محب النفس والدنيا مستغرق الهم بهما بحيث لم يبق لحب الله تعالى في قلبه مقر فتكتسب أفعاله تلك الصفة فلم يسلم له شيء من عبادته، وإذا استوى الباعثان يتعارضان ويتناقضان فيصير العمل لا له ولا عليه وأما من غلب أحد الطرفين عليه فيحبط منه ما يساوي الآخر وتبقى الزيادة موجبة أثرها اللائق بها وتحقيقه أن الأعمال لها تأثيرات في القلب فإن خلا المؤثر على المعارض خلا الأثر عن الضعف وإن اقترن بالمعارض فتساويا تساقطا وإن كان أحدهما أغلب فلا بد أن يحصل في الزائد بقدر الناقص فيحصل التساوي بينهما أو يحصل التساقط ويبقى الزائد خالياً عن المعارض فيؤثر أثراً ما، فكما لا يخلو مثقال ذرة من طعام أو دواء في البدن لا يضيع مثقال ذرة من خير أو شر عن أثر في التقريب من الله تعالى والتبعيد عنه (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب فضل (الإخلاص) في العمل وكذا الديلمي (ك) في النذر (عن معاذ) إبن جبل قال: لما بعثني رسول الله وَّ إلى اليمن، قلت: أوصني؟ فذكره، قال الحاكم: صحيح ورده الذهبي، وقال العراقي: رواه الديلمي من حديث معاذ وإسناده منقطع. ٢٩٩ - (أخلصوا أعمالكم لله) فإن الإخلاص هو كمال الدين وأعم ذلك البراءة من الشرك بأن لا تتخذ مع الله إلهاً آخر لأن الشرك في الإلهية لا تصح معه المعاملة بالعبادة وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الخفي بأن لا يرى الله تعالى شريكاً في شيء من أسمائه الظاهرة فإن الشرك في أسمائه تعالى لا يصح معه قبول، كما قال: (فإن الله لا يقبل) من الأعمال (إلا ما) أي عملا (خلص له) من جميع الأغيار فالإخلاص شرط لقبول كل طاعة ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله لا من العبد وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله لا من العبد المجاهد، قال الله تعالى: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٢٦] و[الأنفال: ١٠] وكذا سائر الأعمال وأساس ذلك طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينتها بشيء سواه فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير الله ردت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكان عبد الرياء والمراء، وما المرء إلا عبد ربه. تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦] قال الإمام الغزالي: سبيل النجاة أن نخلص عملك وتجرد إرادتك لله والقلوب والنواصي بيده سبحانه وتعالى فهو يميل إليك القلوب ويجمع لك النفوس ويشحن من حبك الصدور فتنال من ذلك ما لا تناله بجهدك وقصدك وإن لم تفعل وقصدت رضا المخلوق دونه صرف عنك القلوب ونفر منك النفوس وأسخط عليك الخلق أجمعين فتكون من الخاسرين (قط عن ٢٨٢ حرف الهمزة ٣٠٠ - ((أَخْلِصُوا عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَقِيمُوا خَمْسَكُمْ، وَأَدُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيَِّةً بِهَا .. أَنْفُسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَحُُوا بَيْتَكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ)). (طب) عن أبي الدرداء (ض). الضحاك بن قيس) بن خالد الفهري الأمير المشهور ولم يرمز له بشيء. ٣٠٠ - (أخلصوا عبادة الله تعالى) بين به أن المراد بالعمل في الخبر قبله العبادة من واجب ومندوب (وأقيموا خمسكم) التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إقامتها إلا المحافظة على جميع حدودها ومن ذلك عدم الإصغاء إلى وسواس الشيطان وخشوع الجوارح والهدوء في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة وفيه إشارة إلى أن جمع الخمس على هذه الهيئة من خصوصياتنا وورد أن الصبح لآدم والظهر لداود والعصر لسليمان والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس ولا يعارضه قول جبريل عقب صلاته بالمصطفى وتر الخمس صبيحة الإسراء وهذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك، لأن المراد أنه وقتهم إجمالاً وإن اختص كل منهم بوقت ولما ذكرما يزكّي البدن ذكر ما يطهّر المال وينميه وهو حق الخلق، فقال: (وأدوا زكاة أموالكم) المفروضة وفي الاقتصار فيها على الأداء إشعار بأن إخراج المال على هذه الوجه لا يكون إلا مع الإخلاص فيطابق المقطع المطلع (طيبة) بنصبه على الحال (بها أنفسكم) وفي رواية قلوبكم بأن تدفعوها إلى مستحقيها بسماح وسخاء نفس ومن كمال ذلك أن يناول المستحق بنفسه، كان المصطفى * يناول السائل بنفسه ولا يكله لغيره (وصوموا شهركم) رمضان بأركانه وشروطه وآدابه ومنها السحور مؤخراً والفطر معجلاً وصوم الأعضاء كلها عن العدوان وترك السواك بعد الزوال والأخذ فيه بشهوات العيال؛ والإضافة للتخصيص على ما مر بما فيه (وحجوا بيتكم) أضافة إليهم لأن أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام بنياه ومن مطلوباته زيادة اليقين واستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد رب العباد لا على حاصل ما بيد العبد وتزود التقوى والرفق على الرفيق وبالظهر وتسكين الأخلاق والإرفاق في الهدى وهو الثج والاعلان بالتلبية وهو العج وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعاره على معلوم السنة لا على معهود العادة (تدخلوا) بجزمه جواب الأمر (جنة ربكم) أي المحسن إليكم بالهداية إلى الإخلاص وبيان طريق النجاة والخلاص وخص الرب تذكيراً بأنه المربي والمصلح والموافق والهادي والمنعم أولاً وآخراً وجعل الدخول بالأعمال لما جرت به العادة الإلهية من الدخول بها فلشدة ملازمتها كانت كأنها سبب الدخول وإلّ فالدخول بالرحمة وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] (فائدة) قال ابن عطاء الله لوّن الله تعالى لنا الطاعات من صلاة وصوم وحج وغيرها لئلا تسأم نفوسنا تكرما وفضلاً لأن النفس لو كلفت بحالة واحدة في زمن واحد ملت ونفرت وبعدت من الانقياد للطاعة فرحمها الله سبحانه وتعالى بالتنويع وحجر علينا الصلاة في أوقات ليكون همنا إقامة الصلاة لا وجود الصلاة فما كل مصل مقيم (طب عن أبي الدرداء) قال الهيتمي: فيه يزيد بن فرقد ولم يسمع من أبي الدرداء. ٢٨٣ حرف الهمزة ٣٠١ - (أَخْلَعُوا نِعَالَكُمْ عِنْدَ الطَّعَامِ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ جَمِيلَةٌ)). (ك) عن أبي عبس بن جبر (ض). ٣٠٢ - ((أَخْلُفُونِي فِي أَهْلِ بَيْتِي)). (طس) عن ابن عمر (ض). ٣٠١ - (اخلعوا) بكسر الهمزة وباللام أي انزعوا (نعالكم) وإن كانت طاهرة، يقال: خلع نعله إذا نزعه وفي القاموس الخلع كالمنع النزع إلا أنه فيه مهانة (عند الطعام) أي عند إرادة أكله (فإنها) أي هذه الخصلة التي هي النزع (سنة) أي طريقة وسيرة (جميلة) أي حسنة مرضية لما فيه من راحة القدم وحسن الهيئة والأدب مع الجليس وغير ذلك والأمر للإرشاد بدليل خبر الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً أيها الناس إنما خلعت نعلي لأنه أروح لقدمي فمن شاء فليخلعها ومن شاء فليصل فيهما والنعل كما في المصباح وغيره الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة ولما كانت السنة تطلق على السيرة جميلة كانت أو ذميمة بين أنها جميلة هنا أي حسنة مرضية محبوبة وبذلك علم أن المراد بالسنة هنا المعنى اللغوي وإلا لما احتاج لوصفها بما ذكر وخرج بحالة الأكل وحالة الشرب فلا يطلب فيها نزع النعل كما هو ظاهر ومثل النعل القبقاب ونحوه لا الخف فيما يظهر (ك) في المناقب (عن أبي عبس) بفتح المهملة وسكون الموحدة كفلس (ابن جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة ابن زيد الأنصاري وقد مر وظاهر صنيع المؤلف أن الصحابي الذي رواه عنه الحاكم هو أبو عبس والأمر بخلافه بل الحاكم إنما رواه عن أنس، فقال: عن يحيى بن العلاء عن موسى بن محمد التيمي عن أبيه عن أنس قال دعا أبو عبس رسول الله وكلهم لطعام صنعه له، فقال رسول الله ول#: اخلعوا إلى آخره، ورواه من طريق آخر بلفظ آخر وتعقبه الذهبي على الحاكم وأن فيه يحيى وشيخه متروكان وإسناده مظلم انتهى، لكنه اكتسب بعض قوة بوروده من طريق أخرى ضعيفة. ٣٠٢ - (اخلفوني) بضم الهمزة واللام أي كونوا خلفائي (في أهل بيتي) علي وفاطمة وابنيهما وذريتهما فاحفظوا حقي فيهم وأحسنوا الخلافة عليهم بإعظامهم واحترامهم ونصحهم والإحسان إليهم وتوقيرهم والتجاوز عن مسيئتهم ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] قال المجد اللغوي: وما احتج به من رمي عوامهم بالابتداع وترك الاتباع لا ينجع فإنه إذا ثبت هذا في معين لم يخرج عن حكم الذرية، فالقبيح عمله لا ذاته وقد منع بعض العمال على الصدقات بعض الأشراف لكونه رافضياً فرأى تلك الليلة أن القيامة قد قامت ومنعته فاطمة من الجواز على الصراط فشكاها لأبيها، فقالت: منع ولدي رزقه فاعتل بأنه يسب الشيخين فالتفتت فاطمة إليهما وقالت: أتؤاخذان ولدي؟ قالا: لا فانتبه مذعوراً في حكاية طويلة ولما جرى للإمام أحمد بن حنبل من الخليفة العباسي ما جرى ندم، وقال: اجعلني في حل؟ فقال: ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاماً لرسول الله ﴿ لقرابتك منه، (وحكى) المقريزي عن بعض العلماء أنه كان يغض من بعض أشراف المدينة لتظاهرهم بالبدع فرأى المصطفى وَ ر في النوم فعاتبه، فقال: يا رسول الله حاش لله ما أكرههم إنما كرهت تعصبهم على أهل السنة، فقال: مسألة فقهية أليس الولد العاق يلحق بالنسب؟ قال: نعم، هذا ولد عاق، قال السيد السمهودي: وحكى لي شيخنا شيخ الإسلام قاضي ٢٨٤ حرف الهمزة ٣٠٣ - ((أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى ((مَلِكَ الأَمْلَاكِ)) لَ مَالِكَ إِلاَّ اللَّهُ)). (ق دت) عن أبي هريرة (صح). القضاة يحيى المناوي أن شيخه الشريف الطباطبي كان بخلوته بجامع عمرو بمصر فتسلط عليه تركي يسمى قرقماس الشعباني وأخرجه منها، فقال له رجل: رأيتك الليلة بين يدي الرسول وَ لقره وهو ینشدك هذین البیتین : ظَنَّ مُوسَى أَنَّهُ نَارَ قَبَسْ يا بني الزَّهْرَاء والنُّور الَّذي إنَّهُ آخِرُ سَطْرٍ فِي عَبَسْ لا أُوَالِي الذَّهْرَ مَنْ عَادَاكُمُ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ [عبس: ٢٤] ثم أخذ المصطفى ◌َ ◌ّ عذبة سوط بیده فعقدها ثلاث عقد، قال شيخ الإسلام: فکان من تقدیر الله تعالى أن ضربت رأس قرقماس فلم تقطع إلا بثلاث ضربات فكان ذلك السوط من قبيل قوله تعالى: ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب﴾ [الفجر: ١٣] (طس عن ابن عمر) بن الخطاب وقال: إن ذلك آخر ما تكلم به رسول الله وَر، قال الهيثمي: فيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف. ٣٠٣ - (أخنع) بفتح الهمزة والنون بينهما معجمة ساكنة وفي رواية أخنى أي أفحش (الأسماء) أي أقتلها لصاحبه وأهلكها له يعني أدخلها في النخوع وهو الذل والضعة والهوان ذكره الزمخشري (عند الله يوم القيامة) قيد به مع كونه في الدنيا كذلك إشعاراً بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العذاب (رجل) أي اسم رجل قال الطيبي: لا بد من هذا التأويل ليطابق الخبر ويمكن أن يراد بالاسم المسمى مجازاً أي أخنع الرجال رجل كقوله سبحانه وتعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وفيه مبالغة لأنه إذا قدس اسمه عما لا يليق بذاته فذاته بالتقديس أولى وإذا كان الاسم محكوماً عليه بالصغار والهوان فكيف المسمى به انتهى، وما بحثه تقدمه إليه القرطبي فقال: المراد بالاسم المسمى بدليل رواية أغيظ رجل وأخبثه ووقع في هذه الرواية وأغيظه معطوفاً على أخبثه فجاء مكرراً فزعم بعضهم أنه وهم وأن الصواب وأغنطه بالنون والطاء المهملة أي أشد والغنطة شدة الكذب ورده القرطبي، أن تطريق الوهم إلى الحفاظ وهم لا ينبغي المبادرة إليه ما وجد للكلام وجه ويمكن حمله على إفادة تكرار عقوبة من تسمى به تغليظاً كما قال الله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ [البقرة: ٩٠] أي بعقوبة بعد عقوبة (تسمى) أي سمى نفسه أو سماه غيره فأقروه ورضي به (ملك) بكسر اللام (الأملاك) أو ما في معناه نحو شاه شاهان أو شاهان شاه والعجم تقدم المضاف إليه على المضاف وألحق به ملك شاه قيل وإذا امتنع التسمي بما ذكر فباسم من له هذا الوصف كالله والجبار والرحمن أولى وقيد فيما مر بالعندية إيذاناً بشدة غضبه ومزيد عقابه لمن سمي بشيء من ذلك أو تسمى به والتزمه فلم يغيره وقال القرطبي وحاصل الحديث أن من تسمى بهذا الاسم انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق لما ثبت في الفطرة أنه (لا مالك) لجميع الخلائق (إلا الله) فلا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلا عليه سبحانه وتعالى فعوقب على ذلك من الاذلال والاسترذال بما لم يعاقب به مخلوق والمالك من له الملك والملك أمدح والمالك أخص وكلاهما ٢٨٥ حرف الهمزة ٣٠٤ - ((إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ قِنْيَةً تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ واجب لله تعالى انتهى، وقال الطيبي قوله لا مالك إلى آخره استئناف لبيان تعليل تحريم التسمية فنفى جنس الملاك بالكلية لأن المالك الحقيقي ليس إلا هو ومالكية الغير مستردة إلى مالك الملوك فمن تسمى بذلك نازع الله سبحانه وتعالى في رداء كبريائه واستنكف أن يكون عبده لأن وصف المالكية مختص بالله لا يتجاوز والمملوكية بالعبد لا تتجاوزه فمن تعدى طوره فله في الدنيا الخزي والعار وفي الآخرة الإلقاء في النار انتهى، ومن العجائب التي لا تخطر بالبال ما نقله ابن بريدة عن بعض شيوخه أن أبا العتاهية كان له ابنتان سمى احداهما الله والأخرى الرحمن وهذا من أعظم القبائح وأشد الجرائم والفضائح وقيل إنه تاب وألحق بعض المتأخرين بملك الأملاك حاكم الحكام وقد شدد الزمخشري النکیر علیه، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ [هود: ٤٥] رب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمننا قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر انتهى، واعترضه ابن المنير بأن خبر أقضاكم عليّ يؤخذ منه جواز أن يقال لأعدل القضاة وأعلمهم في زمنه قاضي القضاة ورد عليه وشنع العلم العراقي منتصراً للزمخشري، ومن النوادر أن العز بن جماعة رأى أباه في النوم فسأله عن حاله، فقال: ما كان عليّ أضر من هذا الاسم فنهى الموقعين أن يكتبوا له في الاسجال قاضي القضاة بل قاضي المسلمين، ومنع الماوردي من جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك مع أن الماوردي كان يقال له أقضى القضاة، ولعل الفرق الوقوف مع الخبر وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة، وقال ابن أبي جمرة: يلحق بملك الأملاك قاضي القضاة وإن اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان خلافه وفيه مشروعية الأدب في كل شيء، قال ابن القيم: وتحرم التسمية بسيد الناس وسيدة الكل كما تحرم بسيد ولد آدم فإن ذا ليس لا حد إلا للرسول عليه الصلاة والسلام فلا يحل اطلاقه على غيره، قال ولا تجوز التسمية بأسماء الله الحسنى كالأحد والصمد ولا تسمية الملوك بالظاهر والقاهر والقادر وظاهر الوعيد يقتضي التحريم الشديد، هبه قصد أنه ملك على ملوك الأرض أو بعضها لكن القاضى أبا الطيب من أكابر الشافعية يجوزه بالقصد المذكور وخالفه الماوردي كما مر ويأتي (ق دت عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه وفي الباب غيره أيضاً انتهى. ٣٠٤ - (إخوانكم) جمع أخ وهو الناشىء مع أخيه من منشإ واحد على السواء بل بوجه مّا، قاله الحراني (خولكم) بفتح المعجمة والواو وضم اللام أي خدمكم جمع خائل أي خادم سمي به لأنه يتخول الأمور أي يصلحها ومنها الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان والتخويل التمليك وأخبر عن الإخوة بالخول مع أن القصد عكسه اهتماماً بشأن الإخوان أو الحصر الخول في الإخوان، أي ليسوا إلا لإخوانكم أي من جهة تفرع الكل عن أصل واحد وهو آدم عليه الصلاة والسلام ومن قال في الدين لم يصب إذ يلزم قصر طلب المواساة في الأرقاء على المسلمين مع عمومها وحينئذٍ ففي الكلام معنى التشبيه أو إخوانكم مبتدأ و(جعلهم الله) خبره فعليه إخوانكم مستعار لطي المشبه وجوز جمع نصب إخوانكم بفعل مقدر أي احفظو إخوانكم وخولكم نعت له، قال أبو البقاء: وهو أجود من الرفع في تخصيص الإخوان بالذكر إشعار بعلة المواساة وأن ذلك مندوب لأنه وارد على منهج التلطف والتعطف ومعاملتهم بالشفقة والمناصحة والمسامحة وغير ذلك من ضروب الإحسان مما يعود الطبع إليه من ٢٨٦ حرف الهمزة فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَلْيُلْبِسْهُ مِنْ لِبَاسِهِ، وَلَ يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنَّ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ)). (حم ق د ت هـ) عن أبي ذر (صح). ٣٠٥ - ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ)). (عد) عن عمر. مناصحة الإخوان والخلان وهو غير واجب، (قنية) بكسر القاف وتضم أي ملكاً (تحت أيديكم) يعني قدرتكم فاليد الحسية كناية عن اليد الحكمية (فمن كان أخوه تحت يده) أي فمن كان مملوكه في قبضته وتحت حكمه وسلطانه، وفي رواية للبخاري يديه بلفظ التثنية (فليطعمه) بضم المثناة التحتية فيه وفيما بعده أي وجوباً والأفضل كونه (من طعامه) الذي يأكله هو (وليلبسه) مما يليق (من لباسه) قال الرافعي لا مناقضة بينه وبين الخبر الآتي للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف لأن ما هنا في حق العرب الذين طعامهم وطعام عبيدهم وكسوتهم متقاربة وذلك في حق المترفهين في الطعام واللباس فليس عليهم لممالیکهم إلا المتعارف لهم بالبلد سواء كان من جنس نفقة السيد أو فوقه أو دونه انتهى، وخرج بما ذكر نحو عفاف القن فلا يؤمر به سيده والواجب الكفاية (ولا يكلفه) من التكليف وهو تحميل الشخص شيئاً معه كلفة وقيل هو الأمر بما يشق أي لا يكلفه من العمل (ما يغلبه) أي يعجز عنه وتصير قدرته فيه مغلوبة بعجزه عنه لعظمه أو لصعوبته فيحرم ذلك (فإن كلفه ما يغلبه) أي ما لا يطيقه في بعض الأحيان (فليعنه) عليه بنفسه أو بغيره فيحرم على السيد أن يكلف قنه على الدوام ما لا يطيقه على الدوام وله تكليفه عملاً شاقاً في بعض الأحيان لكن عليه إعانته أي مساعدته ومثل القن نحو خادم وأجير ودابة ولم يصب في التعبير من قال كابن جماعة تدخل في الخول الرقيق والخادم الحر وكذا الدواب انتهى، وما ذاك إلا لأن لفظ الخول في الحديث لا يشمل الدابة لوصفه بالإخوة فالشمول ممنوع وليس إلا القياس وفيه الأمر بالعطف على المملوك والشفقة عليه والتذكير بالنعمة والقيام بشكرها والمحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر وغير ذلك (حم ق د ته عن أبي ذر) قال ابن حجر وفيه قصة أي وذلك لأن المعرور بن سويد رأى أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها فسأله عن ذلك فذكر أنه ساب رجلاً فعيره بأمه فأتى الرجل النبي و ﴿ فذكر له ذلك، فقال له النبي ◌َّر: إنك امرؤ فيك جاهلية أي خلق من أخلاقهم ثم ذكره. ٣٠٥ - (أخوف) أي من أخوُف (ما أخاف على أمتي) وفي رواية أحمد على هذه الأمة (كل منافق عليم اللسان) أي عالم للعلم منطلق اللسان به لكنه جاهل القلب والعمل فاسد العقيدة يغر الناس بشقشقة لسانه فيقع بسبب اتباعه خلق كثير في الزلل وقد كان بعض العارفين لا يظهر لتلميذه إلّ على أشرف أحواله خوفاً أن يقتدي به فيها أو يسوء ظنه به فيها فلا ينتفع، قال الحراني: والخوف حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها، قال صاحب الهداية: واْبِرُ مِنْهُ جَاهِلٌ يَتَتَسَّكُ فَسَادٌ كَبِيرٌ عَالِمٌ مُتَهَنِّكُ لِمَنْ بهما في دِينِه يَتَمَسَّكُ هُمَا فِتْنَةٌ لِلعَالَمِينَ عَظِيمَةٌ وسبب تحديث عمر بذلك أن الأحنف سيد أهل البصرة كان فاضلاً فصيحاً مفوهاً فقدم على ٢٨٧ حرف الهمزة . ٣٠٦ - ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَىْ أُمَِّي الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ)). (عد) عن جابر (ض). ٣٠٧ - ((أَخُوكَ الْبِكْرِيُّ، وَلَ تَأْمَنْهُ)). (طس) عن عمر بن الخطاب (د) عن عمرو بن الفغواء (ح). عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة فلا يأتيه عنه إلا ما يحب ثم دعاه، فقال: تدري لم حبستك عني؟ قال: لا، قال: إن رسول الله وَ ﴿ حدثنا فذكر، ثم قال: خشيت أن تكون منهم فالحمد لله يا أحنف. وفي رواية لابن عساكر أنه قدم عليه فخطبه فأعجبه منطقه فحبسه سنة يختبره، ثم قال: كنت أخشى أن تكون منافقاً عليم اللسان وأن رسول الله وَّر حذرنا منه وأرجو أن تكون مؤمناً فانحدر إلى مصرك (عد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإسناد ضعيف ورواه أيضاً الطبراني في الكبير بل والإمام أحمد قال السيد السمهودي: رواته محتج بهم في الصحيح انتهى، فعدل المصنف عن الحديث الصحيح إلى الرواية الضعيفة واقتصر عليها . ٣٠٦ - (أخوف ما أخاف على أمتي) أتباع (الهوى) بالقصر وهو ميل النفس وانحرافها نحو المذموم شرعاً على ما مر (وطول الأمل) بالتحريك رجاء ما تحبه النفس كما مر وذلك لأنه إذا أنس بالدنيا ولذتها ثقل عليه فراقها وأقلع عن التفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها فيمنّي نفسه أبداً بما يوافق مرادها وهو البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء بما يحتاجه من مال وخدم ودار وغيرها فيعكف قلبه على هذا الفكر فيلهو عن الموت ولا يحذر فوته فإن خطر بباله سوّف، وقال: الأيام بين يديك فإلى أن تكبر تتوب، فإذا كبر قال: حتى أشيخ فإذا شاخ قال: حتى أفرغ من بناء داري وعمارة ضيعتي وقهر عدوي الذي يشمت بي فلا يزال كذلك لا يفرغ من شغل إلا علق بتمام آخر إلى أن تخطفه منية في وقت لا يحتسبه، فمن ثم خافه المصطفى وَ ﴿ عليهم، قال الحراني: أكبر الهم، والاهتمام إنما هو من طول الأمل فلأجله يتكلف الأعمال والاشتغال ويجمع ويدّخر الأموال ﴿الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده؟ كلا﴾ [الهمزة: ٣] ونبه بقوله وطول الأمل، على أن المذموم الاسترسال فيه وعدم الاستعداد للآخرة، أما أصله فلا ذم فيه إذ لولاه لم يتهن أحد بعيش ولولاه لم يصف العلماء (عد عن جابر) قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف، ورواه عنه أيضاً الحاكم باللفظ المزبور وزاد ((أما الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة)) ورواه أبو نعيم عن علي ((وزاد ألا وإن الدنيا ترجلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترجلت مقبلة ولكل واحدة منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل)). ٣٠٧ - (أخوك البكري) بكسر الموحدة أي الذي ولده أبواك أولاً، وهذا على المبالغة في التحذير أي أخوك شقيقك خفه واحذر منه (ولا تأمنه) فضلاً عن الأجنبي فالتحذير منه أبلغ فأخوك مبتدأ والبكري نعته والخبر يخاف منه مقدراً وفي إثبات الحذر واستعمال سوء الظن فيمن لم يتحقق فيه حسن السيرة، قال الديلمي: وهذا كلمة جاهلية تمثل بها رسول الله وَّهر، وقال العسكري: هذا من الحكم ٢٨٨ حرف الهمزة ٣٠٨ - ((أَدُّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ أَثْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)). (تخ دت ك) عن أبي هريرة (قط) والضياء عن أنس (طب) عن أبي أمامة (د) عن رجل من الصحابة (قط) عن أبي بن کعب (صح). والأمثال (طس) من طريق زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه (عن عمر) بن الخطاب قال أسلم: خرجت في سفر فلما رجعت قال لي عمر، من صحبت قلت رجلاً من بكر بن وائل، فقال: أما سمعت رسول الله وَ# يقول فذكره قال الهيتمي: أسلم وأبوه ضعيفان (دعن) عبد الله (بن عمر وابن الفغواء) عن أبيه والفغواء بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة وواو مخففة مع المد ويقال ابن أبي الفغواء قال: دعاني رسول الله وَ * وقد أراد أن يبعثني إلى أبي سفيان بمال يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال: التمس صاحباً فجاءني عمرو بن أمية الضمري، فقال: بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحباً؟ قال: قلت أجل، قال: فإنا لك صاحب، قال: فجئت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت له قد وجدت صاحباً، قال: من؟ فقلت: عمرو بن أمية الضمري: فقال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره، وأنه قد قال القائل أخوك البكري ولا تأمنه فخرجت حتى إذا كنا بالأبواء، قال: أريد حاجة إلى قومي بودان فتلبث لي قلت راشداً فلما ولى ذكرت قول رسول الله صل﴿ فشددت على بعيري ثم خرجت حتى إذا كنت بالأصافير إذا هو يعارضني في رهط قال: فأوضعت بعيري فسبقته فلما رآني قدمته انصرفوا وجاءني، فقال: كان لي إلى قومي حاجة، قال: قلت أجل فمضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان انتهى، وعبد الله قال ابن حبان مستور وقال الذهبي: تابعي مجهول وساقه في الضعفاء، وقال في غيرها لا يعرف قال وعمرو له صحبة ورواية وفي التقريب عمرو بن الفغواء الخزاعي صحابي في إسناد حديثه اختلاف انتهى، يشير إلى هذا الحديث ورواه العسكري رحمه الله تعالى في الأمثال من حديث مسور مرفوعاً؛ هذا وقد رمز المؤلف لحسنه ولعله لاعتضادہ. ٣٠٨ - (أدّ) وجوباً من الأداء، قال الراغب: وهو دفع ما يحق دفعه وتأديته، (الأمانة) هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه وقصر جمع لها على حق الحق وآخرين على حق الخلق قصور قال القرطبي والأمانة تشمل أعداداً كثيرة لكن أمهاتها الوديعة واللقطة والرهن والعارية، قال القاضي: وحفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الإيمان نقصت الأمانة في الناس وإذا زاد زادت (إلى من ائتمنك) عليها وهذا لا مفهوم له بل غالبي والخيانة التفريط في الأمانة، قال الحراني: والائتمان طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفظه حتى يعاد إلى المؤمنّ، ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضايق الأمانة وربما تأولت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله: (ولا تخن من خانك) أي لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقه إذ لا تعدي فيه أو المراد إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وان كان حسناً بل قابله بالأحسن الذي هو العفو وادفع بالتي هي أحسن وهذا كما قاله الطيبي أحسن قال ابن العربي: وهذه مسألة متكررة على ألسنة الفقهاء ولهم فيها أقوال: الأول: لا تخن من خانك مطلقاً، الثاني: خن من خانك، قاله ٢٨٩ حرف الهمزة ٣٠٩ - ((أَدِّ مَا أَفْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَأَجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَرْضَ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ)). (عد) عن ابن مسعود (ض). الشافعي: الثالث: إن كان مما ائتمنك عليه من خانك فلا تخنه وإن كان ليس في يدك فخذ حقك منه قاله مالك، الرابع: إن كان من جنس حقك فخذه وإلا فلا قاله أبو حنيفة قال: والصحيح منها جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه أو غير جنسه إذا عدلت لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اضطررت (تخ دت) في البيوع وقال ت حسن غريب (ك عن أبي هريرة) قال ابن الجوزي: فيه شريك، قال يحيى: ما زال مختلطاً عن قيس قال أحمد كثير الخطأ (قط ك والضياء) المقدسي (عن أنس) قال الدارقطني: فيه أيوب بن سويد ضعفه أحمد وجمع (طب عن أبي أمامة) قال الهيتمي: وفيه يحيى بن عثمان المصري، قال ابن أبي حاتم: يتكلمون فيه، ورواه الطبراني أيضاً في الصغير والكبير باللفظ المزبور عن أنس، قال الهيتمي: رجاله ثقات ورواه ابن عساكر من طريق مکحول، قال رجل لأبي أمامة الرجل أستودعه الوديعة أو یکون لي عليه شيء فیجحدني ثم يستودعني أو يكون له علّ شيء أفأجحده؟ قال سمعت رسول الله ◌َ في يقول فذكره، قال ابن عساكر: وغيره ومكحول لم يسمع من أبي أمامة، وقال السخاوي: في أسانيده مقال لكن بطرقه يتقوى (د عن رجل من الصحابة) ولا يضر إبهامه لأن الصحابة كلهم عدول (قط عن أبيّ بن كعب) بدري سيد سند من فضلاء الصحابة روى عنه أنس وغيره وفي موته أقوال، قال ابن الجوزي: فيه محمد بن ميمون، قال ابن حبان: منكر الحديث جداً لا يحل الاحتجاج به، وقال في المنار: فيه ثلاثة ولوا القضاء ساء حفظهم، وقال أحمد: حديث باطل، وقال ابن حجر: رواه (د ت ك) عن أبي هريرة تفرد به طلق بن غنام عن شريك واستشهد له الحاکم بحديث أبي التیاح عن أنس وفيه أيوب بن سويد فیه خلف ورواه أبو داود بسند فيه مجهول وقد صححه ابن السكن ورواه البيهقي عن أبي أمامة بسند ضعيف وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه . ٣٠٩ - (أدّ ما افترض الله) أي أوجب (عليك) ومنه السنة يقول فرض رسول الله يليفر كذا أي سنه (تكن من أعبد الناس) أي المقبول عبادتهم يعني إذا أديت العبادة على أكمل الأحوال من ركن وشرط وسنة خالصة سالمة من الخلل تكن من أعبد الناس ممن لم يفعلها كذلك، والعبادة تتفاوت رتبها في الكمال (واجتنب ما حرم الله عليك) أي لا تقربه فضلاً عن أن تفعله فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه (تكن من أورع الناس) أي من أعظمهم كفاً عن المحرمات وأكثر الشبهات؛ قال النووي: والورع اجتناب الشبهات خوفاً من الله تعالى، وقال ابن القيم: ترك ما يخاف ضرره في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع فیها، (وارض) اقنع (بما قسمه الله) قدره (لك) قال الله تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾ [الزخرف: ٣٢] (تكن من أغنى الناس) فإن من قنع بما قسمه الله له صار غني القلب زاهداً فيما في يدغيره والقناعة كنز لا يفنى، قال ابن أكتم بن صيفي من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة ولو صدق الحريص نفسه واستنصح عقله علم أن من تمام السعادة وحسن فيض القدير ج١ م١٩ ٢٩٠ حرف الهمزة ٣١٠ - ((أَذَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيِي)). ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود (صح). التوفيق الرضا بالقضاء والقناعة بالقسم. قال الحكماء: من قنع كان غنياً وإن كان فقيراً ومن تجاوز منزلة القناعة فهو فقير وإن كان غنياً، وقال بعضهم: الرضا بالكفاف يؤدي إلى العفاف ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور، وقالوا: ما كان لك من الدنيا أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ومن قطع رجاءه مما فات استراح بدنه والراحة كلها في الرضا بالمقسوم والاقتصار على حال الوقت والاعراض عما كان ويكون لأن ذلك كدر في الوقت وشغل بما لا يعني ولا يغني والهم كله في الأسف على الأمور الماضية والاهتمام بالأمور الآتية من الدنيا وعماد ذلك أن العبد يقبل ما أعطاه سيده في الوقت ولا يهتم بما بعد الوقت لا من أين ولا كيف ولا ماذا يعطيه لأنه ليس مما يعنيه. (تتمة) قال الغزالي: للشرع حكمان حكم الجواز حكم الأفضل الأحوط فالجائز يقال له حكم الشرع والأفضل والأحوط يقال له حكم الورع فافهم، وبه يخرج الجواب عن قول من قال الورع موضوع على التشديد والشرع موضوع على اليسر والسماحة (عد عن ابن مسعود) قال ابن الجوزي: قال الدارقطني رفعه وهم والصواب وقفه. ٣١٠ - (أدبني ربي) أي علمني رياضة النفس ومحاسن الاخلاق الظاهرة والباطنة، والأدب ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسبة؛ وفي شرح النوابغ هو ما يؤدي بالناس إلى المحامد أي يدعوهم (فأحسن تأديبي) بإفضاله عليّ بالعلوم الكسبية والوهيبة بما لم يقع نظيره لأحد من البشر قال بعضهم: أدبه بآداب العبودية وهذبه بمكارم أخلاق الربوبية ولما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديته مرآه للعالم كقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته والصديقين في السير إليه ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] وقال القرطبي: حفظه الله من صغره وتولى تأديبه بنفسه ولم يكله في شيء من ذلك لغيره ولم يزل الله يفعل به حتى كره إليه أحوال الجاهلية وحماه منها فلم يجر عليه شيء منها، كل ذلك لطف به وعطف عليه وجمع للمحاسن لديه انتهى. وفي هذا من تعظيم شأن الأدب ما لا يخفى، ومن ثم قالوا: الأدب صورة العقل فصور عقلك كيف شئت وقالوا الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب لأن من ساء أدبه ضاع نسبه ومن ضل عقله ضل أصله وقالوا زك قلبك بالأدب كما تزكي النار بالحطب وحسن الأدب يستر قبيح النسب، قال في العوارف بالأدب يفهم العلم وبالعلم يصلح العمل وبالعمل تنال الحكمة ولما ورد أبو حفص النيسابوري العراق جاءه الجنيد فرأى أصحابه وقوفاً على رأسه يأتمرون بأمره، فقال: أدبت أصحابك أداب الملوك، قال: لا ولكن حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، وقال العارف ابن سلام: مددت رجلي تجاه الكعبة فجاءتني امرأة من العارفات، فقالت: إنك من أهل العلم لا تجالسه إلا بالأدب وإلّ محي اسمك من ديوان القرب، وقال السقطي: مددت رجلي ليلة في المحراب فنوديت ما هكذا نجالس الملوك، فقلت: وعزتك لا مددتها أبداً فلم يمدها ليلا ولا نهاراً، قال في العوارف وكل الآداب متلقيات عن المصطفى وَلقر فإنه مجمعها ظاهراً وباطناً وذكر البرهان البقاعي: أنه سأله بعض العجم أن شے۔ حرف الهمزة ٢٩١ يقرأ عليه فأذن فجلس متربعاً فامتنع من إقرائه، وقال: أنت أحوج إلى الأدب منك إلى العلم الذي جئت تطلبه، وحكى عن الشمس الجوهري أنه لما شرع في الاشتغال بالعلم طاف على أكابر علماء بلده فلم يعجبه منهم أحد لحدة فهمه حتى إذا جاء إلى شيخ الإسلام يحيى المناوي فجلس بين يديه وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم فشرع في القراءة فتأمل الشيخ فوجد إصبعاً من أصابع رجله مكشوفاً فانتهره، وقال له: بحال أنت قليل الأدب لا يجيء منك في الطلب غط إصبعك واستعمل الأدب فحم لوقته وزال عنه ما كان يجده من الاستخفاف بالناس ولزم دروسه حتى صار رأساً عظيماً في العلم، وقال بعضهم: قد أدب الله تعالى روح نبيه ◌َّله ورباها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه الظاهر باللطف والهبة فتكامل له الأنس باللطف والأدب بالهيبة واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج باتصالها كمالات أخرى من القوة إلى الفعل وينال كل من الروح والبدن بواسطة الأخرى من الكمال ما يليق بالحال ويصير قدوة لأهل الكمال؛ والأدب استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً وقيل الأخذ بمكارم الأخلاق وقيل الوقوف مع المستحسنات وقيل تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه وقيل غير ذلك، قال الحراني: والربوبية إقامة المربوب لما خلق وأريد له فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده فرب المؤمن ربه ورباه للإیمان ورب الکافر ربه ورباه للكفران ورب محمد ټ ربه ورباه للحمد ورب العالمين رب کل عالم لما خلق له ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٢٠] فالربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه، من عرف نفسه فقد عرف ربه (ابن السمعاني) الإمام أبو سعد (في) كتاب (أدب الإملاء) أي املاء الحديث من جهة صفوان بن مفلس الحنطي عن محمد بن عبد الله عن سفيان الثوري عن الأعمش (عن ابن مسعود) قال: قال رسول الله وَلاير((إن الله أدّبني فأحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق)) ﴿فقال خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] هذا سياق رواية السمعاني بحروفه فتصرف فيه المؤلف كما ترى، قال الزركشي: حديث أدّبني ربي فأحسن تأديبي معناه صحیح لكنه لم يأت من طريق صحیح، وذكره ابن الجوزي في الواهیات عن علي في ذیل حديث وضعفه وأسنده سبطه في مرآة الزمان وأخرجه بطرق كلها تدور على السدي عن ابن عمارة الجواني عن علي وفيه فقال: يا رسول الله إنك تكلم الوفود بكلام أو لسان لا نفهم أكثره، فقال («إن الله أدّبني فأحسن تأديبي ونشأت في بني سعد))، فقال له عمر: يا رسول الله كلنا من العرب فما بالك أفصحنا؟ فقال: ((أتاني جبريل بلغة إسماعيل وغيرها من اللغات فعلمني إياها»، وصححه أبو الفضل بن ناصر، قال المؤلف وأخرج العسكري عن علي قال قدم بنو فهد بن زيد على المصطفى وَفيه فقالوا: أتيناك من غور تهامة وذكر خطيبهم وما أجابهم المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، قال: فقلت يا نبي الله نحن بنو أب واحد ونشأنا في بلد واحد وإنك تكلم العرب بلسان لا نفهم أكثرة؟ فقال: ((أدّبني ربي)) إلى آخره وأخرج ابن عساكر أن أبا بكر قال: يا رسول الله طفت في العرب وسمعت كلام فصائحهم فما سمعت أفصح منك فمن أدّبك؟ قال: ((أدّبني ربي ونشأت في بني سعد))، قال: وإسناده ضعيف، وقال السخاوي: ضعيف، وإن اقتصر شيخنا يعني ابن حجر على الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه، وقال ابن تيمية: لا يعرف له سند ثابت. ٢٩٢ حرف الهمزة ٣١١ - ((أَدِّبُوا أَوْلاَدَكُمْ عَلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: حُبِّ نَبِّكُمْ، وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَفِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّ ظِلُهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ)). أبو نصر عبد الكريم الشيرازي في فوائده (فر) وابن النجار عن علي (ض). ٣١٢ - ((أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلاً كَانَ سَهْلاً: مُشْتَرِياً، وَبَائِعاً، وَقَاضِياً، وَمُقْتَضِياً)). (حم ن هـ هب) عن عثمان بن عفان (صح). ٣١١ - (أدبوا) خطاباً الآباء والأجداد ويلحق بهم كل كافل ليتيم (أولادكم) أي دربوهم لينشأوا ويستمروا (على) ملازمة خصال (ثلاث) وخصها لأنها أهم ما يجب تعليمه للطفل (خصال) قالوا: وما هي؟ قال: (حب نبيكم) المحبة الإيمانية الطيبة لأنها غير اختيارية وهذا واجب لأن محبته تبعث على امتثال ما جاء به، قال السمعاني يجب على الآباء تعليم أولادهم أن النبي وَلّ بعث بمكة إلى كافة الثقلين ودفن بالمدينة وأنه واجب الطاعة والمحبة، وقال ابن القيم: يجب أن يكون أول ما يقرع سمعهم معرفة الله تعالى وتوحيده وأنه يسمع كلامهم وأنه معهم حيث ما كانوا وكذلك كان بنو إسرائيل يفعلون ولهذا كان أحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن بحيث إذا عقل الطفل ووعى علم أنه عبد الله ثم يعرفه النبي وَّل﴿ وبوجوب محبته (وحب أهل بيته) علي وفاطمة وبنيهما أو مؤمنو بني هاشم والمطلب (وقراءة القرآن) أي تلاوته ومدارسته وحفظه (فإن حملة القرآن) أي حفظته عن ظهر قلب المداومين لتلاوته العاملين بأحكامه يكونون (في ظل الله) أي في ظل عرشه كما صرح به في رواية أخرى (يوم لا ظلّ إلا ظله) أي يوم القيامة إذا دنت الشمس من الرؤوس واشتد علیھم حرها وقد یراد به ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها كما قال الله تعالى: ﴿وندخلهم ظلاً ظليلاً﴾ [النساء: ٥٧] وقيل المراد بالظل الكرامة والكنف والأمن من المكاره في ذلك الموقف (مع أنبيائه وأصفيائه) أي يكونون في حزبه الذين اختارهم من خلقه وارتضاءهم لجواره وقربه ومعنى كونه معهم انه يكون رفيقاً لهم هناك لاتصافه بصفتهم من حمل كتابه وفيه وجوب تأديب الأولاد وأنه حق لازم وكما أن للأب على ابنه حقاً فللابن على أبيه كذلك بل وصية الله تعالى للآباء بأبنائهم سابقه في التنزيل على وصية الأولاد بآبائهم فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه فقد أساء إليه. وأكثر عقوق الأولاد آخراً بسبب الاهمال أولاً ومن ثم قال بعضهم لأبيه: أضعتني وليداً فأضعتك شيخاً (أبو نصر) عبد الكريم بن محمد (الشيرازي) نسبة" إلى شيراز بلدة (في فوائده) الحديثية (فر وابن النجار) في تاريخه (عن علي) لم يرمز له بشيء وهو ضعيف لأن فيه شيء وصالح بن أبي الأسود له مناكير وجعفر ابن الصادق قال في الكشاف عن القطان في النفس منه شيء انتھی. ٣١٢ - (أدخل الله) بصيغة الماضي دعاء وقد يجعل خبراً، وعبر عنه بالماضي اشعاراً بتحقق الوقوع (الجنة) دار الثواب وقدم الجزاء لمزيد التشويق والترغيب (رجلاً) يعني إنساناً ذكراً أو أنثى والمراد كل مؤمن (كان سهلاً) أي ليناً في حال كونه (مشترياً وبائعاً وقاضياً) أي مؤدياً ما عليه (ومقتضياً) طالباً ماله ليأخذه والقصد بالحديث الإعلام بفضل اللين والسهولة في المعاملات من بيع ٢٩٣ حرف الهمزة ٣١٣ - ((ادْرَأُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجاً فَخَلُوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَأَنْ يُخْطِىءَ فِي الْعَفْرِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِىءَ فِي الْعُقُوبَةِ)). (ش ت ك هق) عن عائشة (صح). ٣١٤ - ((أَذْرَأُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَقِيلُوا الْكِرَامَ عَثَرَاتِهِمْ، إِلَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ وشراء وقضاء واقتضاء وغير ذلك وأنه سبب لدخول الجنة موصل للسعادة الأبدية، خص المذكورات لغلبة وقوعها وكثرة المضايقة فيها حتى في التافه لا لإخراج غيرها فجميع العقود والحلول كذلك (حم) عن وهب (عن عثمان بن عفان) رضي الله تعالى عنه رمز المؤلف رحمه الله لصحته. ٣١٣ - (ادرأوا) بكسر الهمزة وسكون المهملة وفتح الراء ادفعوا (الحدود) أي إيجابها أن تنظروا وتبحثوا عما يمنع من ذلك جمع حد وهو لغة المنع وعرفاً عقوبة مقدرة على ذنب (عن المسلمين) والملتزمين للأحكام فالتقييد غالبي أو للتنبيه على أن الدرء عن المسلم أهم (ما استطعتم) أي مدة استطاعتكم ذلك بأن وجدتم إلى الترك سبيلاً شرعياً فلا تحدوا أحداً منهم إلا بأمر متيقن لا يتطرق إليه التأويل (فإن وجدتم للمسلم مخرجاً) عن إيجاب الحد (فخلوا سبيله) أي طريقه يعني اتركوه ولا تحدوه وإن قويت الريبة وقامت قرينة تغلب على الظن صدق ما يرمى به كوجود رجل مع أجنبية في فراش واحد، وكلامه شامل لما بعد الإقرار، قال ابن العربي: ومن السعي في الدرء الإعراض عنه والتعريض له كما فعل المصطفى وَله بماعز لعلك قبلت لعلك فأخذت، وكما قال لمن اتهم بالسرقة: ما إخالك سرقت وقوله لآخر: أبك جنون؟ هل أحصنت (فإن الإمام) يعني الحاكم (لأن) بلام التأكيد وفي رواية أن (يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة) أي خطؤه في العفو خير من خطئه في العقوبة واسم التفضيل على غير بابه إذ لا خير في الخطأ بالعقوبة وإنما مراده الترهيب من المؤاخذة مع قيام أدنى شبهة والخطاب في قوله ادرأوا للأئمة قال الطيبي: فالإمام مظهر أقيم مقام المضمر على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة حثاً له على إظهار الرأفة والرحمة، يعني من حق إمام المسلمين وقائدهم أن يرجح سبيل العفو ما أمكن، والكلام في غير خبيث شرير متظاهر بالايذاء والفساد. أما هو فلا يدرأ عنه بل يتعين السعي في إقامته بدليل الخبر المار ((أترعون عن ذكر الفاجر أذكروا الفاجر بما فيه)) والخطأ كما قال الحراني هو الزلل عن الحق من غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ودان لا يخطىء (ش ت ك هق) في كتاب الحدود (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها مرفوعاً وموقوفاً، وقال الحاكم: صحيح أورده الذهبي في التلخيص بأن فيه يزيد بن زياد شامي متروك، وقال في المهذب: هو واه وقد وثقه النسائي انتهى، وسبقه الترمذي، فقال في العلل: فيه يزيد بن زياد سألت عنه محمداً يعني البخاري فقال: منكر الحديث ذاهبه، وقال ابن حجر: فيه يزيد بن زياد ضعيف، وقال فيه البخاري، منكر الحديث (وش) متروك قال الذهبي رحمه الله: وأجود ما في الباب خبر البيهقي رحمه الله وأجود ما في الباب خبر البيهقي ادرؤا الحد والقتل عن المسلمين ما استطعتم قال هذا موصول جيد انتهى. ٣١٤- (ادر أوا الحدود) ادفعوا إقامتها جمع حد قال الحراني. وحقيقته الحاجز بين شيئين متقابلين ٢٩٤ حرف الهمزة اللَّهِ تَعَالَى)). (عد) في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة عن ابن عباس، وروى صدره أبو مسلم الكجي، وابن السمعاني في الذيل عن عمر بن عبد العزيز مرسلاً، ومسدد في مسنده عن ابن مسعود موقوفاً (ح). ٣١٥ - ((أَذْرَأُوا الْحُدُودَ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ تَعْطِيلُ الْحُدُودِ)). (قط هق) عن علي (ح). فاطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن (بالشبهات) بضمتين جمع شبهة بالضم وهي كما في القاموس الإلباس، وقال الزمخشري: تشابهت الأمور واشتبهت التبست لاشتباه بعضها ببعض وشبه عليه الأمر لبس عليه (وأقيلوا الكرام) أي خيار الناس ووجوههم نسباً وحسباً وعلماً وديناً وصلاحاً (عثراتهم) أي زلاتهم بأن لا تعاقبوهم عليها ولا تؤاخذوهم بها، يقال للعثرة زلة لأن العثور السقوط والزلة سقوط في الأثم. قال الزمخشري: من المجاز أقال الله عثرتك وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره عليه أطلعه وأعثر به عند السلطان قدم فيه وطلب توريطه (إلا في حد من حدود الله) فإنه لا يجوز إقالتهم فيه إذا بلغ الإمام وثبت عنده وخلي عن الشبهة ولم يجد إلى دفعه عنه سبيلاً وطلب منه إقامته فيما يتوقف على الطلب وزاد قوله من حدود الله تفخيماً وتأكيداً فلا مفهوم له (عد) قال الحافظ العراقي: في شرح الترمذي خرجه أبو أحمد بن عدي (في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة) من رواية ابن لهيعة (عن ابن عباس) قال الحافظ ابن حجر في تخريج المختصر وهذا الإسناد إن كان من بين ابن عدي وابن لهيعة مقبول فهو حسن وذكر البيهقي في المعرفة أنه جاء من حديث علي مرفوعاً وذكر التاج السبكي في شرح المختصر أن أبا محمد الحارثي ذكره في مسند أبي حنيفة من حديث ابن عباس ووهم من أخذ كلامه فنسبه أبي محمد الدارمي فكأنه تحرف عليه انتهى، (وروى صدره) فقد وهو قوله ادرأوا الحدود بالشبهات (أبو مسلم الكجي) بفتح الكاف وشد الجيم نسبة إلى الكج وهو الجص لقب به لأنه كان كثيراً ما يبني به (وابن السمعاني) أي وروی صدره فقط ابن السمعاني (في الذیل) أي ذيل تاريخ بغداد (عن) أبي حفص (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين الخليفة العادل الراشد المجمع على وفور فضله وعقله وعلمه وورعه وزهده وعدله (مرسلاً) قال ابن حجر وفي سنده من لا يعرف وفيه قصة (ومسدد) بضم الميم وفتح المهملة وشد المهملة ابن مسرهد البصري ثقة حافظ (في مسنده) الذي هو أوّل مسند ضعيف في البصرة قيل اسمه عبد الملك ومسدد لقبه (عن) عبد الله (بن مسعود موقوفاً) بلفظ إدرأوا الحدود بالشبهة بلفظ الأفراد وقال ابن حجر في شرح المختصر: وهو موقوف حسن الإسناد انتهى، وبه يرد قول السخاوي طرقه كلها ضعيفة، نعم أطلق الذهبي على الحديث الضعف ولعل مراده المرفوع. ٣١٥ - (ادرأوا الحدود) جمع حد قال الراغب: سميت العقوبة حداً لكونه يمنع الفاعل من المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع أو الإشارة إلى المنع ولذا سمى البواب حداداً قال: وتطلق الحدود ويراد بها المعاصي كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧] وعلى فعل فيه شيء مقدرومنه ﴿ومن يتعد حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدود ٢٩٥ حرف الهمزة ٣١٦ - ((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَهِ)). (ت ك) عن أبي هريرة. إذ الحد الحاجز فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر عن الزيادة عليه والنقص منه (و) لكن (لا ينبغي) مع ذلك (للإمام) ونوابه أي لا يجوز (تعطيل الحدود) أي ترك إقامة شيء منها بعد ثبوته على وجه لا مجال للشبهة فيه فالمراد لا تفحصوا عنها إذا لم تثبت عندکم وبعد الثبوت فإن کان ثم شبهة فادرأوا بها وإلا فأقيموها وجوباً ولا تعطلوها فإن تعطيلها يجر إلى اقتحام القبائح وارتكاب الفضائح والتجاهر بالمعاصي وخلع ربقة أحكام الشريعة (تنبيه) أخذ الكرخي من هذه الأخبار أنه لا يجب العمل بخبر الواحد في الحدود لما أنه لا يفيد العلم إلا بقرينة وذلك شبهة وألزم بأن ذلك موجود في شهادة الواحد (قط هق عن علي) وضعفه البيهقي وقال السخاوي: فيه المختار بن نافع، قال البخاري: منكر الحديث انتهى، نعم هو حسن بشواهده وعليه يحمل رمز المؤلف لحسنه. ٣١٦ - (ادعوا) بهمزة وصل مضمومة (الله) المنفرد بالإعطاء والمنع والضر والنفع فذكره هنا أنسب من ذكر الرب أي اسألوه من فضله من الدعاء وهو استدعاء العبد ربه العناية واستمداده منه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه والتبرؤ من الحول والقوة وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية وبه رد على من كره الدعاء من الصوفية، وقال الأولى السكوت والرضا والجمود تحت جريان الحكم والقضاء وهذا الحديث نص في رده الذي عليه جمهور الطوائف أن الدعاء أفضل مطلقاً لكن بشرط رعاية الأدب والجد في الطلب والعزم في المسألة والجزم بالإجابة كما أشار إليه بقوله (وأنتم موقنون) جازمون (بالإجابة) بأن تكونوا على چال تستحقون فيه الإجابة بخلوص النية وحضور الجنان وفعل الطاعات بالاركان وتجنب المحظور والبهتان وتفريغ السر عما سوى الرحمن، أما سمعته يقول ﴿وجاء بقلب منيب﴾؟ [ق: ٣٣] أي، راجع إليه عما سواه مع إظهار الانكسار والاضطرار ورفض الحول والقوة وغلبة ظن الإجابة بحيث تكون أغلب على القلب من الرد لأن الداعي إذاً لم يكن جازماً لم يكن رجاؤه صادقاً وإذا لم يصدق الرجاء لم يخص الدعاء؛ إذ الرجاء هو الباعث على الطلب ولا يتحقق الفرع بدون تحقق الأصل ولأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو أو بخله أو عدم علمه بالابتهال وذلك كله على الحق تقدس محال، قال الطيبي: وقيد الأمر بالدعاء باليقين والمراد النهي عن التعرض بما هنا مناف للإيقان من الغفلة واللهو والأمر بضدهما من إحضار القلب كما تقرر أولاً والجد في الطلب بالعزم في المسألة فإذا حصل حصل اليقين ونبه على ذلك بقوله: (واعلموا أن الله) زاد في رواية الترمذي تبارك وتعالى (لا يستجيب) أي لا يجيب قال في النهاية: المجيب الذي يقابل الدعاء والسؤال بالقبول والعطاء (دعاء) بالمد (من قلب غافل) بالإضافة ويجوز عدمها وتنوينها (لاه) أي لا يعبأ بسؤال سائل غافل عن الحضور مع مولاه مشغوف بما أهمه من دنياه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢] نهاهم عن الموت على غير دين الإسلام وليس بمقدورهم لكنه أمر بالثبات عليه بحيث إذا أدركهم الموت على تلك الحالة والتيقظ والجد في الدعاء من أعظم آدابه، قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن الدعاء اللساني الخالي عن ٢٩٦ حرف الهمزة ٣١٧ - ((أَدْفَعُوا الْحُدُودَ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعاً)). (هـ) عن أبي هريرة (ح). ٣١٨ - ((أَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ وَسْطَ قَوْمٍ صَالِحِينَ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَذِّى بِجَارِ السُّوءِ كَمَا الطلب النفساني قليل النفع عديم الأثر، قال: وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة ولا بحالة مخصوصة (تنبيه) قال الكمال ابن الهمام ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به فكأنه قال: أعجباً من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان (ت) في الدعوات واستغربه عن أبي هريرة قال في الأذكار: وإسناده فيه ضعف (ك) في الدعاء والذكر (عن أبي هريرة) قال الحاكم: مستقيم الإسناد تفرد به صالح المزي أحد زهاد البصرة انتهى، ورده الذهبي فقال صالح متروك تركه (س) هذا رمز الذهبي ومراده به النسائي وعبادة المتولي قال المنذري: تركه أبو داود والنسائي انتهى، فما في النسخ هن نقط السين خطأ ينشأ من توهم أن رمز الذهبي كرمز المؤلف وغيره له هنا قال (خ) منكر الحديث، وقال أحمد: صاحب قصص لا يعرف الحديث وجرى على منواله الحافظ العراقي ثم تلميذه الحافظ ابن حجر فقالا: صالح وإن كان صالحاً ضعيف في الحديث ومن ثم ترکه جمع فمن زعم حسنه فضلاً عن صحته فقد جازف. ٣١٧ - (ادفعوا الحدود عن عباد الله) أضافهم إليه تذكيراً بأن الدفع عنهم من تعظيم مالكهم (ما وجدتم له) أي للحد الذي هو واحد الحدود أو للدفع المفهوم من ادفعوا يعني لا تقيموها مدة دوام وجودكم لها (مدفعاً) كمصرع أي تأويلاً يدفعها لأن الله تعالى كريم عفو يحب العفو والستر ﴿ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ [النور: ١٩] من ثم ندب الحاكم إذا أتاه نادم أقر يحد ولم يفسره أن لا يستفسره بل يأمره بالستر فإن كان مما يقبل الرجوع عرض له به كما فعل المصطفى * إلّ أن هذا مقيد بما إذا لم يكن الفاعل معروفاً بالأذى والفساد فعدم الإغضاء عنه أولى كما مر بل قد يجب عدم الستر عليه لأن الستر يطغيه، نص عليه مالك وغيره، قال الحراني: والدفع رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها (٥) من حديث إسحاق بن إسرائيل عن وكيع عن إبراهيم بن الفضل عن المقبري (عن أبي هريرة) قال ابن حجر في تخريج المختصر إبراهيم مدني ضعيف وقد خرجه ابن عدي فعده من منكراته وقال: هذا رجل اتهمه سفيان الثوري انتهى، وبه يعرف سقوط رمز المصّنف رحمه الله تعالى لحسنه إلا أن يراد أن ما مر يعضده. ٣١٨ - (ادفنوا) أيها المسلمون (موتاكم) المسلمين (وسط) بفتح السين وسكونها وهو أفصح (قوم صالحين) جمع صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته والوسط بمعنى ٠'. ٢٩٧ حرف الهمزة يَتَأَذَّى الْحَيُّ بِجَارِ السُّوءِ». (حل) عن أبي هريرة (ض). ٣١٩ - ((أَدْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ)). (٤) عن جابر (صح). ٣٢٠ - ((أُدْمَانِ فِي إِنَاءٍ لاَ آكُلُهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ)). (طس ك) عن أنس (صح). المتوسط بين جماعة من الأموات. لكن ليس المراد هنا حقيقة التوسيط وهو جعل الشيء في الوسط بل الدفن بقرب قبر صالح أو بمقبرة الصلحاء ولو في طرفها فيكره الدفن بقرب قبر مبتدع أو فلسق والأفضل بأفضل مقبرة البلد ويحرم دفن مسلم في مقبرة كفار وعكسه كما أشار إليه بقوله (فإن الميت يتأذى) يتضرر (بجار السوء) بالفتح والإضافة أي بسبب جوار جار السوء الميت وتختلف مراتب الضرر باختلاف أحوال المتضرر منه لنحو شدة تعذيب أو نتن ريح أو ظلمة أو غير ذلك فليس المراد بالتأذي مدلوله اللغوي وهو الضرر بقيد كونه يسيراً فحسب إذ في القاموس الأذى السوء اليسير (كما يتأذى الحي بجار السوء) الحي وفي رواية قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: هل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، قال: كذلك ينفع في الآخرة، قال السخاوي: وما روي أن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً إنما يقدس المرء عمله قد لا ينافيه قال عبد الحق في العاقبة فیندب لولي الميت أن يقصد به قبور الصالحين ومدافن أهل الخير فيدفنه معهم وينزله بازائهم ويسكنه في جوارهم تبركاً وتوسلاً بهم وأن يجتنب به قبور من يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدة حاله كما جاء في أثر أن امرأة دفنت بقبر فأتت أهلها في النوم فجعلت تعنفهم وتقول ما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى فرن الخبز فلما أصبحوا لم يجدوا بقرب القبر فرن خبز لكن وجدوا رجلاً سيافاً لابن عامر دفن بقربها ورأى بعضهم ولده بعد موته، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلان وكان فاسقاً فروعني ما يعذب به من أنواع العذاب، ولو تعارض شرف البقعة وسوء حال المقبورين فاحتمالان رجح بعضهم تقديم الدفن بجوار الصلحاء على الدفن بالبقعة المقدسة، وفيه حث على العمل الصالح والبعد عن أهل الشر والزجر عن فعله والنهي عن أذى الجار (حل) من حديث محمد بن عمران بن الجنيد عن شعيب بن محمد الهمداني عن سليمان بن عيسى عن نافع عن عمه نافع بن مالك عن أبيه (عن أبي هريرة) ثم قال: غريب من حديث مالك وأقول سليمان بن عيسى، قال في اللسان: هالك وقال أبو حاتم: كذّاب وابن عدي وضاع ومن ثم أورد الجوزقاني الحديث في الموضوعات وكذا ابن الجوزي وتعقبه المؤلف وغاية ما أتى به أن له شاهداً حاله كحاله. ٣١٩ - (ادفنوا القتلى) بفتح فسكون أي قتلى أحد والحكم عام (في مصارعهم) وفي رواية في مضاجعهم أي في الأماكن التي قتلوا فيها، والصريع من الأغصان ما تهدل وسقط إلى الأرض ومنه قيل للقتيل صريع وهذا قاله لما نقلوا بعضهم ليدفنوه بالبقيع مقبرة المدينة ولا يصح تعليله لكونه محل الشهادة والأرض تشهد لمن قتل فيها لأن الشهادة لا تتوقف منها على الدفن ولعله لبقاء دمائهم ودفنها معهم قال في المطامح: والصحيح أن ذلك كان قبل دفنهم وحينئذٍ فالأمر للندب (٤ عن جابر) قال الترمذي رحمه الله: حسن صحيح ولهذا رمز المؤلف رحمة الله تعالى لصحته. ٣٢٠ - (أدمان) تثنية أدم بضم الهمزة والدال المهملة وتسكن جمع إدام وقيل هو بالسكون المفرد ٢٩٨ حرف الهمزة (٣٢ - ((أَدْنِ الْعَظْمَ مِنْ فِيكَ؛ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ)). (د) عن صفوان بن أمية (ح). ٣٢٢ - (أَدْنَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ يَهُ السَِّقِ ثَمَنُ الْمِجَنِّ)». الطحاوي (طب) عن أيمن الحبشي. وبالضم الجمع أي لبن وعسل (في إناء) واحد (لا آكله ولا أحرمه) صريح في حله خلافاً لمن وهم لأنه من الطيبات المأذون في تناولها وإنما لم يأكله لأنه كان يكره التلذذ والتبسط بنعيم الدنيا ويحب التقلل منه تركاً للتعمق في التنعم ورفضاً لفضول الدنيا كما ورد في عدة أخبار، وبين مراده به في خبر عائشة رضي الله عنها وغيره، وأكله من برمة فيها سمن وعسل لبيان الجواز أو للإيناس أو جبراً لخاطر من قدمه أو لكونه المتيسر في ذلك الوقت أو للتعدیل کالجمع بين حار وبارد أو رطب ویابس أو غير ذلك من المقاصد التي لا تنافي الزهد (تنبيه) قال الغزالي هذا الحديث نبه به على أنه ينبغي للإنسان أن لا ينهمك في الشهوات فيكفي إسرافاً أن يأكل كلما يشتهيه ويفعل كلما يهواه فلا يعطي نفسه شهوتين دفعة فتقوى عليه وقد أدب عمر ولده عبد الله إذ دخل عليه فوجده يأكل لحماً مأدوماً بسمن فعلاه بالدرة وقال: لا أم لك كل يوماً هذا ويوماً هذا وإذا كان حد الاعتدال المطلوب خفياً في كل شخص فالحزم أن لا يترك في كل حال وأكل أدم في يوم هو الاعتدال وخلافه إسراف وإفراط ومخالفته اقتار وكان بين ذلك قواماً. قال إذا اشتهى فاكهة فينبغي أن يترك الخبز ويأكلها بدلاً عنه ليكون قوتاً لثلا يجمع بين شهوة وعادة (طس ك) في الأطعمة (عن أنس) قال أتي النبي ◌َّر بقعب فيه لبن وعسل فذكره، قال الحاكم: صحيح فرده الذهبي وقال: بل منكر واه، وقال الهيتمي بعد عزوه للطبراني: فيه عبد الكبير بن شعيب لم أعرفه وبقية رجاله ثقات، وقال ابن حجر في طريق الطبراني راوه مجهول وقد أشار البخاري إلى تضعيفه في صحيحه فزعم صحته خطأ . ٣٢١ - (أدن) بفتح الهمزة وسكون الدال وكسر النون أي قرب (العظم من فيك) قاله لصفوان وقد رآه يأخذ اللحم من العظم بيده (فإنه) أي تقريب اللحم من الفم ونهشه (أهنأ) بفتح الهمزة الأولى ورفع الثانية أي أقل مشقة وتعباً (وأمرأ) بصيغة أهنا أي أقل ثقلاً على المعدة وأسرع هضماً وأبعد عن الأذى وأحمد للعاقبة فالأمر إرشادي (د عن صفوان بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وشدة التحتية تصغير أمة وهو ابن خلف الجمحي من المؤلفة الأشراف شهد اليرموك أميراً، قال: كنت آكل مع النبي ◌َ فآخذ اللحم من العظم فذكره، وقد رمز المؤلف لحسنه وليس كما قال فقد جزم الحافظ ابن حجر بأن سنده منقطع. ٣٢٢ - (أدنى ما تقطع فيه يد السارق) أي أدون ما يجب فيه قطع يد السارق بسرقته من حرز مثله بشرطه (ثمن) وفي رواية قيمة (المجن) بكسر الميم وفتح الجيم الترس سمي به لأنه يجن صاحبه أي يستره ويواريه؛ وميمه عند سيبويه أصلية وعند الجمهور زائدة وبقية الحديث عند مخرجه الطحاوي وكان يقوم يومئذٍ بدينار وفي رواية له أيضاً بعشرة دارهم ويوافقه رواية أبي داود والنسائي عن ابن عباس قطع رسول الله وَل 9 رجلاً في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم، وفي رواية للنسائي لا قطع فيما دون عشرة دراهم وعورض بأحاديث منها خبر الشيخين عن ابن عمر أن النبي وَّ قطع في مجن قيمته ٢٩٩ حرف الهمزة ثلاثة دراهم وخبر البيهقي عن عمر قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت ربع دينار، وقال ابن عبد البر: هذا أصح حديث في الباب، قال ابن حجر: ويجمع بأنه قال أولاً لا قطع فيما دون العشرة ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر وأما سائر الروايات فليس فيها إلا الإخبار عن فعل وقع في عهده وليس فيه تحديد النصاب فلا ينافي رواية ابن عمر أنه قطع في مجن قیمته ثلاثة دراهم وهو مع کونه حکایة فعل لا يخالف حديث عائشة ان قیمته ربع الدینار فإن ربع الدینار صرف ثلاثة دراهم وليس المراد به مجناً بعينه بل الجنس وأن القطع کان یقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن فيكون نصاباً ولا يقطع فيما دونه وقد أخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان السارق في عهد رسول الله * يقطع في ثمن المجن وكان يومئذٍ ذا ثمن ولم يكن يقطع في الشيء التافه وقد قال: في رواية الطحاوي أيضاً وغيره بدل ثمن قيمة وقيمة الشيء ما تنتهي إليه الرغبة فيه والثمن ما يقابل به المبيع عند البيع، قال ابن دقيق العيد: القيمة والثمن قد يختلفان والمعتبر القيمة ولعل التعبير بالثمن لكونه صادف القيمة في ذلك الوقت أو باعتبار الغلبة والجمع بين مختلف الروايات في ثمن المجن ممكن بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة أو على تعدد المجان التي قطع فيها أو اعتماد الشافعي رحمه الله تعالى على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً، قال: وهذا صريح في الحصر وسائر الأخبار حكاية فعل لا عموم لها وأما خبر لعن الله السارق يسرق البيضة فيقطع ويسرق الحبل فيقطع فإنه وإن احتمل أن يراد بيضة الحديد وحبل السفن كما قيل فالأظهر من مساقه أن يراد به التقليل لكن أقل ذلك القليل يقيد بهذا الحديث ونحوه (تنبيه) قال المازري وغيره وقد صان الله تعالى الأموال بإيجاب قطع سارقها وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من نحو نهب وغصب ولسهولة إقامة البينة عليها بخلاف السرقة وشدد العقوبة فيها لتكون أبلغ في الزجر ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد ثم لما خانت هانت وفيه إشارة إلى الرد على المعري في قوله : يَدٌ بِخَمْسٍ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بأَلُهَا قَطِعَتْ في رُبْعِ دِينَارِ فأجابه القاضي عبد الوهاب بقوله : ذُلُّ الخيانة، فافهمْ حكمة الباري عِزُّ الأمانَة أغلاها، وأرخصها وشرحه أن الدية لو كانت ربع دينار كثرت الجنايات على الأيدي ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار كثرت على الأموال فظهرت الحكمة من الجانبين وكان فيه صيانة على الطرفين، قال الزمخشري: والدون يعبر به عن قلة المقدار وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك؛ والقطع كما في الفتح تأثير في الغير بالإبانة (الطحاوي طب عن أيمن الحبشي) ابن أم أيمن حاضنة المصطفى وَ ار واسمها بركة رمز المصنف لحسنه، قال ابن حجر: هذا منقطع لأن أيمن إن كان هو ابن أم أيمن فلم يدركه عطاء ومجاهد لأنه استشهد يوم حنين وإن كان والد عبد الواحد أو ابن امرأة كعب فهو تابعي وبالثاني جزم الشافعي وأبو حاتم وغيرهما ٣٠٠ حرف الهمزة ٣٢٣ - ((أَذْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَنْتَعِلَ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ». (م) عن أبي سعيد (صح). ٣٢٤ - ((أَذْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةُ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمِ، وَأَثْتَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبْ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُقٍ وَزَبَرْ جَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ وَصَنْعَاءَ). (حم ت حب) والضياء عن أبي سعيد (صح). وأما رواية الطحاوي فنسب البيهقي الوهم فيها إلى شريك وقد بين من رواية الطبراني أن الوهم ممن دونه انتھی . ٣٢٣ - (أدنى أهل النار) أي أهونهم (عذاباً) وهو أبو طالب كما يأتي التصريح به في خبر (ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه) أي بسبب حرارتهما أو من أجلهما فيرى أنه أشد الناس عذاباً وهو أهونهم وفيه أن عذاب أهل النار متفاوت فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم إلى ركبته، ومنهم ومنهم وكفر من كفر فقط ليس ككفر من كفر وطغى وتمرد وعصى، وكفر من قاتل الأنبياء وفتك فيهم وأفسد في الأرض ليس ككفر من كفر وسالمهم وأحسن إلى أحدهم كأبي طالب، وقضية الخبر دوام الإحراق مع الحركات والتحريكات الغير المتناهية في القوة الحيوانية ولا استحالة فيه كما زعمه بعض فرق الضلال وهم منكروا المعاد الجسماني لأن الله تعالى قادر على الممكنات. ودوام الحياة مع دوام الإحراق ممكن والقوة الجسمانية قد لا تتناهى انفعالاتها فكذا فعلها بالواسطة (م عن أبي سعيد) الخدري لكن لفظ رواية مسلم فيما وقفت عليه من النسخ المحررة من حديث أبي سعيد: إن أدنى. ٣٢٤ - (أدنى) هذا هو لفظ رواية أحمد وغيره ولفظ الترمذي إن أدنى (أهل الجنة) هو جهينة وقيل غيره (منزلة) تمييز أو حال بتأويله بنازلاً والمنزلة الدرجة وأصل الدنو القرب في المكان ثم استعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة (الذي) أي الرجل وعبر باسم الموصول تفخيماً (له ثمانون ألف خادم) من الذكور والإناث فإن الخادم يتناول الغلام والجارية كما صرح به أهل اللغة وهؤلاء الخدم من أولاد المشركين كما يدل عليه الحديث الآتي ويحتمل أن البعض منهم والبعض من الولدان والبعض من الحور وقضية الخبر الحصر في هذا العدد ويحتمل أن المراد المبالغة في الكثرة على قياس ما يأتي بعده عن الغزالي لكنه يبعده ذكر الاثنين مع السبعين في قوله: (واثنتان وسبعون زوجة) من الحور العين كما في رواية أي غير ما له من نساء الدنيا قال السمهودي: وتبين من الأحاديث أن لكل واحد من أهل الجنة زوجتين من الحور العين أصالة وسبعين إرثاً من أهل النار وذلك غير أزواجه من أهل الدنيا؛ وأخذ منه أن النساء أكثر أهل الجنة كما أنهن أكثر أهل النار وهو ما فهمه أبو هريرة كما في الصحيحين عنه لكن فيهما مرفوعاً أن منكن في الجنة ليسير وفي حديث مسلم الآتي أقل ساكني الجنة النساء، قال ابن القيم: فهذا يدل على أنه إنما يكنّ في الجنة أكثر بالحور وأما نساء أهل الدنيا فأقل أهل الجنة، قال السمهودي: وفيه نظر لإمكان الجمع بأن المراد أن منكن في الجنة ليسير بالنسبة لمن يدخل النار منكن لأنهن أكثر أهل النار ويحمل عليه خبر عائشة أقل ساكني الجنة النساء يعني بالنسبة لمن يسكن النار منهن ويأتي لذلك مزيد (وينصب له) في روضة من رياض الجنة أو على حافة نهر الكوثر كما